شرح حديث أصبحنا على فطرة الإسلام | الثبات على الدين والاستعاذة من الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكرَمَنَا بِالإِسلَامِ وَأَعَزَّنَا بِالإِيمَانِ، وَأَنعَمَ عَلَينَا بِالقُرءَانِ، وَجَعَلَنَا مُوَحِّدِينَ، غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا الأَمِينِ، سَيِّدِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، مَنْ بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالحَقِّ المُبِينِ، الَّذِي بَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ مُوسَى وَعِيسَى وَهَارُونُ وَالمُرسَلُونَ،

وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ولا مثيلَ لَه، ولا ضِدَّ وَلا نِدَّ لهُ، وَأَشهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ أَعيُنِنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهَ وَحَبِيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وعَلَّمَ النَّاسَ مَا يَنْفَعُهُم، وحَذَّرَهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُم، فِي دينِهِم ودُنْيَاهُم، فَبَيَّنَ أَنَّ الصدقَ مَنْجَاةٌ، وَالكَذِبَ مَهْلَكَةٌ، فَأَمَرَ بالصِّدْقِ وعَظَّمَ أَهْلَهُ، وَحَذَّرَ مِنَ الكَذِبِ وَذَمَّ أَهلَهُ، فَصَلِّ اللهم عليهِ صَلَاةً تكونُ سببًا فِي مغفرةِ الذنوبِ، وسترِ العيوبِ، والنَّجاةِ مِنَ الكروبِ، 

أمَّا بعدُ:

مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:

مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَكُنَّا شَرَحْنَا شَيئًا مِنهَا وَنُكمِلُ بِإِذنِ اللهِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.

نَصُّ الحَدِيثِ

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبْزَى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ وَكَلِمَةِ الإِخْلاصِ وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبْزَى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، فيروي هذا الحديث عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه، وعبد الله من التابعين. أما عبد الرحمن الوالدُ، فقد أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَصَلَّى خَلْفَهُ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، وهو ‌عَبْدُ ‌الرَّحْمَنِ ‌بنُ ‌أَبْزَى الخُزَاعِيُّ، لَهُ: صُحْبَةٌ، وَرِوَايَةٌ، وَفِقْهٌ، وَعِلْمٌ.

وَهُوَ مَوْلَى نَافِعِ بنِ عَبْدِ الحَارِثِ، كَانَ نَافِعٌ مَوْلَاهُ اسْتَنَابَهُ عَلَى مَكَّةَ حِيْنَ تَلَقَّى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِلَى عُسْفَانَ فيما رواه مسلم، فَقَالَ لَهُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الوَادِي؟ – يَعْنِي: مَكَّةَ -. قَالَ: ابْنَ أَبْزَى. قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِالفَرَائِضِ، قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُم ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِيْنَ». سَكَنَ الكُوْفَةَ، وَنَقَلَ ابْنُ الأَثِيْرِ فِي تَارِيْخِهِ: أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبْزَى عَلَى خُرَاسَانَ. قيل إنّه عَاشَ إِلَى سَنَةِ نَيِّفٍ وَسَبْعِيْنَ للهجرة وهذا الذي نذكره عن هذا الصحابي وفضلِهِ يُبيّن فضل العلمِ في دين الله عزّ وجلّ، ويُبيّن كيف أنّ العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة بإذن الله، وهذا ما نقرأه في كتاب الله عز وجل حيث قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورةالمجادلة/ الآية 11]،

 وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ، وَطَالِبُ العِلمِ يَستَغفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الحِيتَانُ فِي البَحرِ». وعَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلمِ رِضًا بِمَا يَطلَبُ».

 قَالَ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ: قُلتُ لِابنِ المُبَارَكِ: مَا الَّذِي لَا يَسَعُ المُؤمِنَ مِن تَعلِيمِ العِلمِ إِلَّا أَن يَطلُبَهُ؟ وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَهُ قَالَ: (لَا يَسَعُهُ أَن يَقدَمَ عَلَى شَيءٍ إِلَّا بِعِلمٍ وَلَا يَسَعُهُ حَتَّى يَسأَلَ). 

قَالَ ابن عبد البر: قَد أَجمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ العِلمِ مَا هُوَ فَرضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ امرِئٍ فِي خَاصَّةِ نَفسِهِ وَمِنهُ مَا هُوَ فَرضٌ عَلَى الكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ سَقَطَ فَرضُهُ عَن أَهلِ ذَلِكَ المَوضِعِ، وَاختَلَفُوا فِي تَلخِيصِ ذَلِكَ وَالَّذِي يَلزَمُ الجَمِيعَ فَرضُهُ مِن ذَلِكَ مَا لَا يَسَعُ الإِنسَانَ جَهلُهُ مِن جُملَةِ الفَرَائِضِ المُفتَرَضَةِ عَلَيهِ نَحوَ الشَّهَادَةِ بِاللِّسَانِ وَالإِقرَارِ بِالقَلبِ بِأَنَّ اللَّهَ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شِبهَ لَهُ وَلَا مِثلَ لَهُ ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال: وَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنبِيَائِهِ حَقٌّ وَأَنَّ البَعثَ بَعدَ المَوتِ لِلمُجَازَاةِ بِالأَعمَالِ.اهـ وأكمَلَ في سرد أبواب الفرض العيني من علم الدين، 

ويبيّن فضلَ سعي السّاعي لتحصيل العلم حديث ابنِ الزُّبَيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِن عَبدٍ يَغدُو فِي طَلَبِ عِلمٍ مَخَافَةَ أَن يَمُوتَ جَاهِلًا أَو فِي إِحيَاءِ سُنَّةٍ مَخَافَةَ أَن تُدرَسَ إِلَّا كَانَ كَالغَازِي الرَّابِحِ فِي سَبِيلِ اللهِ عزّ وجلّ وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُ».اهـ

فأقول لكم: إنّ من لم يتعلّم الواجب عليه من علم الدين وهو من المكلّفين بلا عذر فهذا عليه معصية فيجب عليه أن يسعى لتحصيل الفرض العيني من علم الدين ويا ويله إن قصّر، ونحن بفضل الله في الجمعية نعلم هذا القدر الواجب على المكلفين من أمر دينهم وفيه حفظ للمجتمعات ونشر للخيرات في بلاد الإسلام والمسلمين، فمن لم يُنْهِ هذا القدر الواجب ليسعَ إلى تحصيله، يجب على النساء البالغات أن يتعلمنَ أمور الطهارة والحيض ومتى تقضي ومتى لا تقضي، كل هذا له أحكام وشروحات، وهذا أمر يتكرر بين النساء فمن لم تعرف وخالفت الشرع في ضوابطه الفقهية كيف نقول عنها إنها سالمة من المعصية، هذا لا ينبغي. 

قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ وَمَعْنَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ مُقْتَضَى الْعَهْدِ، كَانَت أَرْوَاحُ البَشَرِ قَبْلَ أَجْسَامِهِم يَوْمَ أَلَسْتُ وَلَم تَكُنْ أَجْسَادٌ مَوْجُوْدَةً إِلَّا ءَادَمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 172]، فَأَخْرَجَ اللهُ الأَرْوَاحَ مِنْ ظَهْرِ ءَادَمَ فِي أَرْضٍ تُسَمَّى نَعْمَانَ الأَرَاكِ بِعَرَفَاتٍ وَصَوَّرَهَا اللهُ بِصُوَرٍ صَغِيْرَةٍ وَرَكَّبَ فِيْهَا عُقُولًا فَسُئِلُوا “أَلَسْتُ بِرَبِّكُم”، قَالُوا: بَلَى، لَا إِلهَ لَنَا غَيْرُكَ، عَرَفُوا أَنَّ اللهَ خَالِقُهُم فَاعْتَرَفُوا كُلُّهُم بأُلُوهِيَّةِ اللهِ، ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ هَذَا الوَلَدُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ نَسِيَ هَذَا ويَبْقَى نَاسِيًا إِلَى أَنْ يَسْمَعَ مِن أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِما الإِسْلَامَ فَيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْمَعَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا الكُفْرَ فيَعْتِقَدَهُ فيَكُونُ الآنَ كَفَرَ بالفِعْلِ، وَهَذَا مَعْنَى حَدِيْثِ البخاري: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الفَتْحِ: “وَأَشْهَرُ الْأَقْوَال أَنَّ الْمُرَادَ بِالفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ”، ثُمَّ قَالَ: “وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم/ الآية 30]، الْإِسْلَامُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ءَاخِرِ حَدِيث الْبَابِ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾” انْتَهَى كَلَامُ الحَافِظِ بِاخْتِصَارٍ. فَمَعْنَى «يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» أَيْ يَكُوْنُ مُسْتَعِدًّا مُتَهَيِّئًا لِقَبُوْلِ دِيْنِ الإِسْلَامِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أنَّ كُلَّ مَولُودٍ يَعْرِفُ أوَّلَ ما خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ الإسلامَ تَفْصِيلًا، فإنَّه أوَّلَ مَا يَخْرُجُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شيئًا، وَهُوَ صَرِيْحُ الآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سورة النحل/ الآية 78]،

وَكَلِمَةِ الإِخْلاصِ كلمة الإخلاص هي كلمة التّوحيد، وهي شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، ففي هذا الحديث يؤكّد العبد المؤمن أنه ثابت على التوحيد على الإيمان على شهادة الحقّ التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، وَهِيَ الأَصْل الذي لا بُدَّ مِنْهُ لِيُسَمّى الإِنْسانُ مُسْلِمًا وَهِيَ شَهادَةُ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله. فَيُفْهَمُ مِنْ هذا أَنَّ الإِنسانَ إِذا كانَ كافِرًا وَأَرادَ الدُّخُولَ فِى دِينِ الإِسْلام، لا بُدَّ أَنْ يَنْطِقَ للدُّخُولَ فِى دِينِ الإِسْلام بالشَّهادتَيْن شَهادَةِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلّا الله وَأَنَّ محمَّدًا رَسُولُ الله، فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِهِما فِى القَلْب مِنْ غَيرِ الاعْتِرافِ اللِّسانِيّ بِالشَّهادتَيْن. الحافِظُ النَّوَوِيّ فِى شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِم يَقُول: “مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِق بلِسانِهِ فَهُوَ كافِرٌ بِالإِجْماع”، يَعْنِى بِلا خِلاف عِنْدَ المسْلِمين. معناهُ لا يَصِيرُ عِنْدَ اللهِ ولا عِنْدَنا مُسْلِمًا مُؤمِنًا. وَلا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ بالشَّهادَتَيْنِ مَعًا، فَلا يَكْفِى أَنْ يَنْطِقَ الإِنْسانُ بالشّهادَةِ الأُولَى إِذا أَرَادَ الدُّخولَ بِالإِسْلام دونَ الشّهادَةِ الثانِيَة. لذلك الرّسُولُ حِينَ أَجابَ عَنْ ماهِيَّةِ وَحَقِيقَةِ الإِسْلام قال: “أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ” لأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ قَرْنِ الإِيمانِ بِالرسُول مَعَ الإيمانِ باللهِ سُبْحانَهُ تعالى. رَبُّنا يَقُولُ فِى القُرْءان: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة ءال عمران/ الآية 179]، وَقالَ تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [سورة الفتح/ الآية 13]. ومعنى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلٰه إِلا الله أَيْ أَنْ تَعْتَرِفَ بِلِسانِكَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِقَلْبِك أَنَّهُ لا إِلٰه إِلّا الله. لا خالِقَ لِشىءٍ مِنَ الأَشْياءِ سِواه، وَأَنَّهُ تعالى هُوَ المَوْجُود الذي لا يُشْبِهُ المَوْجُودات وَأَنَّهُ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَة وَلا هَيْئَة وَلا كَمِّيَّة أَيْ حَجْم وَمِقْدار وَلا كَيْفِيَّة. قالَ الإِمام أَبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيّ: “إِنَّ الذي يَجِبُ عَلَيْنا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَه أَنَّ اللهَ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَة لأَنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِي الكَيْفِيّة وَهي عَنِ اللهِ وَعَنْ صِفاتِهِ مَنْفِيَّة”، مَنْفِيَّة مَعناهُ لا يَجُوزُ أَنْ نَصِفَ اللهَ تعالى بِالكَيْفِيّة وَلا بِالصُّورَة وَلا بِالهَيْئَة. واللهُ لا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ ولا إِلَى أَرْضِهِ وَلا إِلَى كُرْسِيِّهِ وَلا إِلَى عَرْشِهِ. خَلَقَ الخَلائِقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُم أَزَلًا وَأَبَدًا وَكُلُّ الخَلائِقِ مُحْتاجُونَ إِلَى الله فِى دَقِيقِ الأُمُورِ وَعَظِيمِها. والله لا يَنْتَفِعُ بِطاعاتِنا، لا بِصَلاتِنا وَلا بصيامِنا وَلا يَنْضَرُّ بِمعاصِينا. لا يَزْدادُ كَمالُهُ بِطاعَةِ عِبادِهِ وَلا يَنْقُصُ كَمالُهُ بِمَعْصِيَتِهِم لأَنَّ الزِّيادَةَ والنُّقْصان مِنْ صِفات المَخْلُوقات وَليسَت مِنْ صِفاتِ الخالِق. فَكَمالُ اللهِ لا يَزِيد وَلا يَنْقُص. كُلُّ مُتَغَيِّرٍ مُحْتاجٌ إِلَىْ مَنْ يُغَيِّرُهُ والمحتاجُ لا يَكونُ إِلٰهًا. 

والشهادة الثانية وهي قولنا: “وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ” ويَدْخُلُ فِى مَعْنَى “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ” التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُ  مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الله وَأَنَّهُ صادِقٌ فِى كلِّ ما جاءَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ الله. هذا أَصْلُ مَعْنَى الشَّهادَةِ الثّانِيَة. التَّصْدِيقُ بِأَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الله، الله اختارَهُ واصطَفاهُ وَأَرْسَلَهُ داعِيًا وَمُبَشِّرًا ونَذِيرا وَأَنَّهُ  صادِقٌ فِى كُلِّ ما جاءَ بِهِ لأَنَّه لا يَجُوزُ عَلَى رَسُولِ اللهِ الكَذِبُ. قالَ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم/ الآية 3-4] مَعْناهُ نَبِيُّنا لا يَكْذِب، لا يُخْطِأُ فِى الشَّرع، وَقالَ عَنْ نَفْسِهِ فيما رواه الطبراني: ((لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ‌وَيَدَعُ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) يُدَع أَي يُتْرَك. قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم: “أَراد  بِقَوْلِهِ: ((غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) نَفْسَهُ”، وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قال: “أَرادَ بِقَوْلِهِ: ((غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) نَفْسَهُ وَكُلَّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ مِنْ قَبْلِهِ؛ لأَنَّ كُلَّ الأَنْبِياء وَكُلَّ الرُّسُل يَشْتَرِكُون فِى صِفَةِ الصِّدْق فَلا يَجُوزُ عَلَى واحِدٍ مِنْهُم الكَذِبُ وَلا الخَطَأُ فِى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْحاهُ اللهُ تعالى إِلَيْهِم”وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قال أحد الصّالحين رحمه الله: “هو نَبِيُّ نَفسِه وأُمَّتِه” وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ هو دين نبينا محمد ﷺ ودين سيدنا إبراهيم الإسلام، ولكنَّ العطف هنا للتأكيد والتثبيت على هذا الأمر حَنِيفًا وقال أحد الصّالحين رحمه الله: “أي: حالَ كَونِي مائِلًا عن الدِّينِ الباطِل إلى الدِّينِ الحَقِّ” مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وهذه العبارات في هذا الدعاء هي الموافقة للقرآن الكريم والتي تدلّ على أنّ الأنبياء الأَنبِيَاءَ كُلَّهُم يَدِينُونَ بِالإِسلَامِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 19] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 85] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 67]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ، أَي دِينُهُمُ الإِسلَامُ وَشَرَائِعُهُم مُختَلِفَةٌ. وَقَالَ تَعَالَى حكايةً عَن سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 52]. 

وَقَالَ حكايةً عَن سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [سورة النمل/ الآية 30-31]. وَقَالَ حكايةً عَن سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة يوسف/ الآية 101] وَهُنَالِكَ ءَايَاتٌ كَثِيرَةٌ تُثبِتُ ذَلِكَ أَيضًا عَن أَنبِيَاءَ ءَاخِرِينَ،

خُلَاصَةُ المَسئَلَةِ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 213]، قال ابن عباس: أَي أَنَّ النَّاسَ كَانُوا كُلُّهُم عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الإِسلَامُ ثُمَّ اختَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ، وَالمَعنَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ كُلَّهُم عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ هُوَ دِينُ الإِسلَامِ فَكُلُّهُم دَعَوا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَعَدَمِ الإِشرَاكِ بِهِ شَيئًا، وَدَعَوا إِلَى تَنزِيهِ اللهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالمَثِيلِ وَالزَّوجَةِ وَالوَلَدِ وَالجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ، فَرَبُّنَا تَعَالَى لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، خَلَقَ الخَلقَ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، خَلَقَ المَكَانَ وَالزَّمَانَ وَالجِهَاتِ وَالعَرشَ وَالكُرسِيَّ وَالسَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى خَلقِهِ لَا يَحتَاجُ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَا إِلَى المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَردٌ صَمَدٌ لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

نَصُّ الحَدِيثِ الآخَرِ

وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ السُّنِّىِّ عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلاثَ ءَايَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَلَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِى وَإِنْ مَاتَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِى كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

وَرَوَى التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ السُّنِّىِّ عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو ‌مَعْقِلُ ‌بنُ ‌يَسَارٍ المُزَنِيُّ البَصْرِيُّ رضي الله عنه مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، سكن البصرة، والرُّطَبُ المَعْقِليُّ بالبَصرةِ منسوبٌ إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ينسب كذلك نهر معقل الَّذِي بالبصرة، أمره عمر بن الخطاب فحفره فنسب إليه. 

وفي هذا قالت العرب في المثل: ‌إِذَا ‌جَاءَ ‌نَهْرُ ‌اللهِ ‌بَطَلَ ‌نَهْرُ ‌مَعْقِلٍ.اهـ والمراد بنهر الله: “البحر، والمطر، والسيل، فإنها تغلب سائر المياه وتطمّ عليها”.اهـ 

وهذا مثل يذكره الفقهاء دائمًا، فقد قَالَ الإمام تقي الدين السُّبْكِيُّ: الَّذِي ندين الله بِهِ إِنّ فَاطِمَة أفضل ثمَّ خَدِيجَة ثمَّ عَائِشَة وَلم يخف عَنَّا الْخلاف لَكِن ‌إِذا ‌جَاءَ ‌نهر ‌الله ‌بَطل ‌نهر ‌معقل.اهـ 

فهذا مثل يضربونه أنّ بعض الأمور إذا وردت لا نزيد فإنّها تطغى على ما سواها وتغطي. فإنّه يضرب في الاستغناء عن الأشياء الصغيرة إذا وجد ما هو أكبر منها، وأعظم نفعًا. 

قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: لَا نَعْلَمُ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُكْنَى أَبَا عَلِيٍّ سِوَاهُ أي معقل بن يسار. مَاتَ رضي الله عنه في البَصْرَةِ، فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. 

وروي عن الْحَسَنِ، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَوْ عَلِمْتُ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، سمعت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد حسن. 

عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ:«مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أي يدخل في الصباح ثَلاثَ مَرَّاتٍ أي يكرر هذا المذكور ثلاث مرات أَعُوذُ بِاللهِ أي أحتمي بالله وأستعيذ به عزّ وجلّ من هذا المذكور بعد هذا السَّمِيعِ هُوَ السَّامِعُ لِلسِّرِّ وَالنَّجوَى بِلَا كَيفٍ وَلَا ءَالَةٍ وَلَا جَارِحَةٍ وَهُوَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ أَي مُجِيبُهُ، فَالسَّمعُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللهِ، فَهُوَ يَسمَعُ الأَصوَاتَ بِسَمعٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لَا كَسَمعِنَا لَيسَ بِأُذُنٍ وَصِمَاخٍ، فَهُوَ تَعَالَى لَا يَعزُبُ أَي لَا يَغِيبُ عَن سَمعِهِ مَسمُوعٌ، وَإِن خَفِيَ – أَي عَلَينَا -، وَبَعُدَ – أَي عَنَّا -، كَمَا يَعلَمُ بِغَيرِ قَلبٍ، وَدَلِيلُ وُجُوبِ السَّمعِ لَهُ عَقلًا أَنَّهُ لَو لَم يَكُن مُتَّصِفًا بِالسَّمعِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّمَمِ وَهُوَ نَقصٌ عَلَى اللهِ وَالنَّقصُ عَلَيهِ مُحَالٌ.

جَاءَتِ الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ خَولَةُ بِنتُ ثَعلَبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَشتَكِي إِلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَوجَهَا تُسِرُّ إِلَيهِ بِحَدِيثِهَا وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الغُرفَةِ لَا تَسمَعُ حَدِيثَهَ، فَعَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمعُهُ كُلَّ شَيءٍ، إِنِّي لَأَسمَعُ كَلاَمَ خَولَةَ بِنتِ ثَعلَبَةَ وَيَخفَى عَلَيَّ بَعضُهُ وَهِيَ تَشتَكِي زَوجَها إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرتُ لَهُ بَطنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَت سِنِّي وَانقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللهم إِنِّي أَشكُو إِلَيكَ، فَمَا بَرِحَت حَتَّى نَزَلَ جبرَائِيلُ بِهؤُلَاءِ الآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة المجادلة/ الآية 1]، فَأَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَوَائِلَ سُورَةِ المُجَادِلَةِ.اهـ 

وفي ذكر قصة هذه المرأة التي نزلت بسببها هذه الآيات أُنبّه على أمر مهم وهو أنّ المرأة إذا رأت ما يسوؤها من زوجها ينبغي عليها أن تصبر ولا تتضجر ولا تعصي الله عزّ وجلّ، قال أحدُ العلماء ناصحًا بعض تلميذاته اللواتي يتلقين العلم الشرعي: “كُوْنِيِ لَيِّنَةً بِيَدِ زَوْجِكِ، أَخْفِضِي صَوْتَكِ أَمَامَهُ وَكَأَنَكِ عِنْدَ مَلِكٍ مِنَ المُلُوْكِ، حَقُّ الزَوْجِ عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ، خَالِفِي نَفْسَكِ بِالتَواضُعِ مَعَهُ. وإيّاك أن تكلمي زوجك كمَن يُحاكمُه لمجرَّدِ شكٍّ أو ظنٍّ في أمرٍ لا يُعجِبُكٍ فيؤدي ذلك إلى نفورِهِ منك، لا تبحثي في أغراضِهِ بدونِ إذنِهِ إرضاءً لشهوةِ نفسِكِ التي في غير مَحلّها، الأمرُ الذي قد يهدمُ بيتَك وأنت لا تشعرين، فلا تلومي إلا نفسك. لقد هدمَت وخرَّبت الغَيرَةُ كثيرًا مِنَ البيوت ولو عَمِلَ الواحدُ مِنَّا بِحديثِ رسول الله ﷺ:«مِنْ حُسْنِ إِسلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْهِ» لارتحنا كثيرًا، لا تقولي نساءُ الرسولِ كُنَّ يغرنَ أنا أيضًا أغارُ، أين أنتِ مِنْ نساءِ رسولِ الله وأينَ زوجُكِ من رسولِ الله، وتذكّري جيّدًا أنّ هذا ليس عذرًا لك للغَيرةِ التي تؤدي بك إلى مخالَفةِ الشرع، فقدوتنا رسولُ الله ﷺ وميزاننا شرعُ اللهِ، استغلي محبَّة زوجَكِ لك في طاعةِ الله ولا تبعديهِ عنكِ بِما يكرَه. إياكِ ثم إياكِ أن تطلبي الطلاقَ منه بدونِ عذرٍ شرعي فتقعي في كبائرِ الذنوب، ليس لك عذرٌ أن تطلبي الطلاقَ لأنك تشعرينَ بالنفورِ منه أو لأنه تزوجَ غيركِ أو لأنكِ تغارينَ أو لأنّه كثيرُ النومِ كثيرُ الأكلِ قليلُ الحركة. انتبهي وزِنِي أمورَكِ بِميزانِ الشرع لا بِميزانِ الهوى إياكِ ثم إياكِ إن جلبَ لك طعامًا أو ثيابًا أو نَحوَ ذلك أن تتأففي لأنَّ الطعامَ ليسَ كما تريدين والثيابَ ليسَ كما تشتهين والسَّيارة ليس كما تُحبّين، إما أن تأكلي وتشكري أو تسكتي وتَحمدي اللهَ على كلّ حال، احمدي اللهَ على ما أنتِ فيه مِنَ النّعم وتذكري قولَهُ عليهِ السلام: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله». إياكِ أن تكسري قلبَهُ مع أنه أحسنَ إليكِ بِما جلبَ لكِ، قولي له باركَ الله فيك وجزاكَ عني كلَّ خير بدلَ أن تقولي ما هذا الطعام يوجد أجودُ منه، ما هذا اللّباس يوجدُ أحسَنُ منه ما هذه السيارة يوجدُ أحدثُ منها ما هذا المكان الذي جلبتني إليه للنزهة يوجدُ أحلى منه، فإنك إن فعلتِ ذلك كسرتِ قلبَهُ ونفَرَ منكِ وتذكري قولَ اللهِ:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 2-3] كونِي له خيرَ النساء وهي التي تسرُّهُ إذا نظرَ وتطيعُهُ إذا أمر ولا تخالفُهُ في نفسِها بِما يكره، كونِي عونًا له لا عليه، واحفظي نفسَكِ في غَيبتِهِ وحافظي له على ماله. لا تكلمي زوجك بصيغة الآمِرِ وكلّميهِ بصيغَةِ المترجّي المنكسر فإنّ ذلكَ لا يُنقِصُ مِنْ قدرِك بل يرفَعُهُ، قولي له: لو جلبتَ لنا كذا وكذا لو أخذتنا إلى مكانِ كذا مِنْ غيرِ إلزامٍ له وتهديدٍ وتوعّد” العَلِيمِ هُوَ العَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَالخَفِيَّاتِ الَّتِي لَا يُدرِكُهَا عِلمُ المَخلُوقَاتِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى اللهُ عَارِفًا، وَعِلمُهُ تَعَالَى عِلمٌ وَاحِدٌ لَا ابتِدَاءَ لَهُ أَي صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَيْ مِنْ إِغْوَائِهِ وَقَرَأَ أَيْ بَعْدَ التَّعَوُّذِ الْمَذْكُورِ ثَلاثَ ءَايَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ لله عزّ وجلّ. وهذه الآيات هي قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[سورة الحشر/ الآية 22-24]، وهذه الآيات كما سمعتموها وكما يحفظها الكثيرون تحوي عددا من أسماء الله الحسنى وصفاته، وهي من أعظم آيات القرآن الكريم، لاشتمالها على عدد من أسماء الله الحسنى المباركة العظيمة، وأولها لفظ الجلالة، فهو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ المفرد هُوَ لَفظُ الجَلَالَةِ (اللهُ)، إِذَا نَادَيتَ، دَعَوتَ، قُلتَ: (يَا اللهُ) لَقَد سَأَلتَ اللهَ بِاسمِهِ الأَعظَمِ المُفرَدِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَعطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. أَسمَاءُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَوقِيفِيَّةٌ، قَالَ ذَلِكَ إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ وَذَلِكَ قَبلَ إِمَامِنَا الرِّفَاعِيِّ بِزَمَنٍ: “وَمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفسَهُ وَصَفنَاهُ وَمَا لَا فَلَا” ثُمَّ مِن تَلَامِيذِ الأَشعَرِيِّ البَاقِلَّانِيُّ وَغَيرُهُ قَالُوا: لَا نُسَمِّي اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفسَهُ. فَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى اللهُ عَقلًا أَو أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ عَقلٌ مُدَبِّرٌ، لِأَنَّ العَقلَ صِفَةٌ حَادِثَةٌ، وَمِنَ الإِلحَادِ وَالكُفرِ تَسمِيَةُ اللهِ بِهَذَا وَلَيسَ مِن أَسمَاءِ اللهِ العِلَّةُ، وَلَيسَ مِن أَسمَاءِ اللهِ السَّبَبُ. وَلَيسَ مِن أَسمَاءِ اللهِ الرُّكنُ، احذَرُوا فِي كِتَابٍ يُسَمَّى الدُّعَاءَ المُستَجَابَ مَشهُورٍ فِي الأَسوَاقِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ فِي جُملَةِ مَا هُوَ مَذكُورٌ يَقُولُونَ عَنِ اللهِ يَا رُكنِيَ الوَثِيقَ وَيَا جَارِيَ اللَّصِيقَ فالذي يقول عن الله يا جاري اللصيق هَذَا كُفرٌ صَرِيحٌ. لَا تُطلِق لِسَانَكَ فِي إِطلَاقِ أَسمَاءٍ أَو أَوصَافٍ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِرَأيِكَ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ قَد وَرَدَ النَّصُّ وَالتَّوقِيفُ فِي ذَلِكَ، لَيسَ مِن عِندِكَ تَقُولُ عَنِ اللهِ: المُهَندِسُ!! هَل وَصَفَ اللهُ نَفسَهُ بِهَذَا؟! لَا. وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ مَصدَرٌ، وَلَا أَن يُقَالَ مَنبَعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ أَصلٌ. البَعضُ وَضَعَ مُؤَلَّفًا يَقُولُ: الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ، وَيَذكُرُ اللهَ، اللهُ لَا يُسَمَّى أَصلًا، اللهُ خَالِقٌ، اللهُ خَالِقٌ، لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ: أَصلُ العَالَمِ، اللهُ لَيسَ أَصلًا لِفَرعٍ وَلَا فَرعًا مِن أَصلٍ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. 

ومِمَّن قَالَ بِأَنَّ اسمَ اللهِ الأَعظَمَ المُفرَدَ (اللهُ): الإِمَامُ الزَّجَّاجُ اللُّغَوِيُّ المَشهُورُ فِي مَعَانِي القُرآنِ، قَالَ: وَجَاءَ فِي التَّفسِيرِ عَن جَابِرِ بنِ زَيدٍ قَالَ: اسمُ اللهِ الأَعظَمُ (اللهُ). 

أَفضَلُ أَسمَاءِ اللهِ وَأَعلَاهَا وَأَعظَمُهَا وَهُوَ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، (اللهُ)، شَيخُ اللُّغَوِيِّينَ الإِمَامُ الكَبِيرُ سِيبَوَيهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ فَاضِلًا عَالِمًا كَبِيرًا حَتَّى الأَولِيَاءُ قَالُوا إِذَا ذُكِرَ يُتَرَضَّى عَنهُ، قَالَ عَنِ اللهِ: أَعرَفُ المَعَارِفِ، مَا مَعنَى هَذَا؟ اللهُ أَعرَفُ المَعَارِفِ، مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَدُلُّ عَلَى اللهِ.

وَفِي كُـلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ تَـدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

كُلُّ شَيءٍ يَدُلُّ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 21]، حَتَّى فِي نَفسِكُم، كُلُّ شَيءٍ، أَلَيسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مُتَغَيِّرٌ؟ أَلَيسَ كُلُّ مُتَغَيِّرٍ مُفتَقِرٌ إِلَى مَن غَيَّرَهُ؟ أَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى افتِقَارِنَا جَمِيعًا إِلَى اللهِ؟ لِذَلِكَ كُلُّنَا إِلَى اللهِ فَقِيرٌ، نَحنُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الغَنِيُّ.

 رُؤِيَ سِيبَوَيهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي المَنَامِ بَعدَ مَوتِهِ قِيلَ لَهُ: مَاذَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِقَولِي عَنِ اسمِهِ الأَعظَمِ: اللهُ أَعرَفُ المَعَارِفِ، كُلُّ شَيءٍ يَدُلُّ عَلَى اللهِ. 

إِمَامٌ كَبِيرٌ مِن أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ وَأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَاسمُهُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللهُ وَهُوَ مِن أَشهَرِ مَن شَرَحَ كِتَابَ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، هَذَا الإِمَامُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى أَنَّ اسمَ اللهِ الأَعظَمَ المُفرَدَ (اللهُ)

وَقَد ذُكِرَ فِي القُرآنِ العَزِيزِ فِي 2360 مَوضِعًا، فَكَيفَ لَا يَكُونُ اسمُ اللهِ الأَعظَمَ؟ مِن بَرَكَاتِ وَخَصَائِصِ هَذَا الِاسمِ أَنَّ الَّذِي يُكثِرُ مِن ذِكرِهِ يَصِيرُ عِندَهُ قُوَّةُ يَقِينٍ، مِن بَرَكَاتِ هَذَا الذِّكرِ مَن قَالَ يَا اللهُ، دَاوَمَ عَلَى قَولِ ذَلِكَ كُلَّ يَومٍ، يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، بِهَذِهِ الصِّيغَةِ رَزَقَهُ اللهُ اليَقِينَ وَيَسَّرَ اللهُ تَعَالَى مَقَاصِدَهُ المَحمُودَةَ، يَا اللهُ، هَذَا مِن خَصَائِصِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ المُفرَدِ، اللهُ، اللهُ، 

جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَدعِيَةِ: إِذَا أَرَدتَ أَن تَدعُوَ فَبَعدَ حَمدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ، قُل وَرَدِّد: يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، شَيخُنَا ذَاتَ مَرَّةٍ قَالَ: إِن شِئتَ أَوصِلهَا إِلَى مِائَتَينِ قَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ، كُنتَ عِندَ الكَعبَةِ، رَزَقَنَا اللهُ زيارتها، أَم كُنتَ عِندَ رَسُولِ اللهِ، رَزَقَنَا اللهُ زِيَارَةَ الرَّسُولِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَو كُنتَ تَدعُو اللهَ تَعَالَى خَالِيًا، أَينَمَا كُنتَ فَابدَأ دُعَائَكَ بِحَمدِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ قَبلَ أَن تُسَمِّيَ حَاجَتَكَ قُل: يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، يَا اللهُ، مَعَ الِاستِحضَارِ، إِلَى مِائَتَي مَرَّةٍ أَو أَكثَرَ حَسَبَ الهِمَّةِ وَالنَّشَاطِ بَعدَ ذَلِكَ تُسَمِّي حَاجَتَكَ ثُمَّ تَختِمُهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ فَيَستَجِيبُ اللهُ تَعَالَى مَا بَينَ هَذَينِ.

 وَكَلَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَي أَمَرَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ قالَ ابنُ حجرٍ: الْمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ أُعْطِيَتْ قُدْرَةً عَلَى التشكّل بأشكال مُخْتَلفَة ومسكنها السَّمَاوَات، وَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا الْكَوَاكِبُ أَوْ إِنَّهَا الْأَنْفُسُ الْخَيِّرَةُ الَّتِي فَارَقَتْ أَجْسَادَهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ شَيْءٌ مِنْهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَكَثْرَتِهِمْ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا:«خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ» وَمِنْهَا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ» وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: «مَا فِي السَّمَاوَات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ». 

تنبيه: المفهومُ مِن هذهِ الأحاديثِ أنَّ السّماواتِ مليئةٌ بالملائكةِ الكرامِ، وهذَا دليلٌ لأهلِ السّنةِ أنَّ اللهَ لا يسكنُ السّماءَ فلوْ كانَ ساكنًا السّماءَ لكانَ يزاحمُ الملائكةَ وهذَا لا يجوزُ، وأيضًا فإنَّ اللهَ خلقَ السّماءَ ولا يحتاجُ إليهَا فهوَ غنيٌّ عنِ العالمينَ لا يحويهِ مكانٌ ولا يجري عليهِ زمانٌ.اهـ

ورُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: “المَلَائِكَةُ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ”. 

قالَ ابنُ حجرٍ: وَفِي قِصَّةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ. وَفِي هَذَا وَمَا وَرَدَ مِنَ الْقُرْآنِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ.اهـ

والملائكةُ همْ أكثرُ المخلوقاتِ عددًا، فقدْ قالَ العلماءُ إنِّ أكثرَ الأجناسِ المخلوقةِ عددًا همُ الملائكةُ ويدلُّ عليهِ مَا روَى الحاكمُ في المستدركِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَزَّأَ الْخَلْقَ ‌عَشَرَةَ ‌أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ الْمَلَائِكَةَ، وَجُزْءًا سَائِرَ الْخَلْقِ» وكلُّهُم يُصَلُّوْنَ علَى سيدِنَا محمدٍ ﷺ بنصِّ القرآنِ، وهذَا مِمَّا خَصَّهُ اللهُ بهِ دونَ سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ.

 يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَيْ يَدْعُونَ لَهُ بِتَوْفِيقِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ أَوْ يَسْتَغْفِرُونَ لِذُنُوبِهِ حَتَّى يُمْسِي وَإِنْ مَاتَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا أَيْ ثوابه كالشهيد أي يشبهه من بعض الحيثيات وليس أنه بمرتبته على التمام من كل النواحي وَمَنْ قَالَهَا أَيِ الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ حِينَ يُمْسِى أي يدخل في المساء كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ أَيْ بِالمَرْتَبَةِ المذكورة».

والله تعالى أعلم وأحكم