الحمدُ للهِ الذي أكرمَنا بالإسلامِ وأعَزَّنَا بالإيمانِ وأنعمَ علينا بالقرءانِ وجعلنا موحدينَ غيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّينَ والصلاةُ والسلامُ على نبينا الأمينِ سيدِ الأنبياءِ والمرسلينَ مَنْ بَعَثَهُ ربُّه بالحقِّ المبينِ الذي بَشَّرَ بنبوتِه موسى وعيسى وهارونُ والمرسلون، وَأَشهدُ أنْ لا إلٰهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا مثيلَ لَه، ولا ضِدَّ وَلا نِدَّ لهُ، وَأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعيننا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وَصَفِيُّهَ وحبيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وَأَدَّى الأَمانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ وعَلَّمَ النَّاسَ مَا يَنْفَعُهُم وحَذَّرَهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ فِي دينِهِم ودُنْيَاهُم فَبَيَّنَ أَنَّ الصدقَ مَنْجَاةٌ وَالكَذِبَ مَهْلَكَةٌ فَأَمَرَ بالصِّدْقِ وعَظَّمَ أَهْلَهُ وَحَذَّرَ مِنَ الكَذِبِ وَذَمَّ أَهلَهُ فَصَلِّ اللهم عليهِ صلاةً تكونُ سببًا فِي مغفرةِ الذنوبِ وسترِ العيوبِ والنَّجاةِ مِنَ الكروبِ، أمَّا بعدُ:
وصلنا إلى الباب الرابع من كتاب رياض الصالحين: وهو باب الصدق، نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين وأن يحشرنا في زمرة الصادقين إنه على كل شيء قدير:
يقول الحافظ النووي رحمه الله تعالى: قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، أحبابي الكرام: إنَّ الله سبحانَه وتعالى قد أمرنا بفعل الخير ونهانا عنِ الشرِّ، وكذا رسولُه الكريمُ صلى الله عليه وسلم فقد أَرسَلَهُ ربنا مُعلِّمًا النَّاسَ الخيرَ داعيًا لهم إلى مَكَارِمِ الأخلاقِ ومحاسِنِها كما قالَ عليه الصلاةُ والسَّلام (إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارمَ الأخلاق) رواه البيهقي في السنن الكبرى. وإنَّه مِنْ عَظيمِ الصِّفاتِ التي أمرَ اللهُ تعالى بها وحثَّ عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصِّدقُ، ومِن أَخْبَثِ الصِّفاتِ التي نَهَى عَنْهَا الكَذِبُ. فالصالحون من عباد الله هُم أهل الصدق والوفاء والصفاء العارفون بالله تعالى العلماء العاملون الخائفون الخاشعون الساجدون الراكعون تحلّوا بالخلق الحسن وبالصدق وأقبلوا على بذل المعروف، وكلنا ينبغي أن يتحلى بالخلق الحسن وبالصدق وأن يُقبل على بذل المعروف. فقد أمرنا الله عز وجل بهذه الآية بالصدق وأن نكون مع الصادقين. وأثنى على الذين يراعون العهـد والأمانات، وأخبر بما لهم من الثواب الجسيم، فقال: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾، الصادق الأمين مؤتمن على الأموال والحقوق والأسرار، ومتى حصل منه كبوة أو عثرة، فصدقه يَقيه العثرات، وما كان الصدق في شيء إلا زانه، ولا الكذب في شيء إلا شانه، الصدق طريق الإيمان، والكذب بريد النفاق.
هذه هي الآية التي ابتدأ فيها الحافظ النووي رحمه الله هذا البابَ العظيم، بابَ الصدق، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، وسبب نزول هذه الآية أن كعب بن مالك رضي الله عنه ورفاقه، صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في إخباره عن سبب عدم مرافقته في غزوة تبوك ولم يفتروا الأعذار كما فعل المنافقون لما تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة. (وهذا الحديث سبق وذكرناه بطوله في شرحنا له من كتاب التوبة في رياض الصالحين)، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ: فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ». فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ». لقد وَفق الله كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم حينما تميزوا من بين الآخرين بالصدق، ولم يفتروا أعذارًا وإنما تحدثوا بالصدق فأعقبهم الله تعالى الفلاح كل الفلاح، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. هنيئا لهم بالصدق الذي نالوا به التوبة من الله، يقول عَبْدُ اللَّهِ بن الإمام أحمد بن حنبل: ((مَا رَأَيْت أَبِي يَبْكِي قَطُّ إلَّا فِي حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ)). لقد أمرنا الله بالتأسي بهم، في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾، وإن من ثمار الصدق التوفيقَ للخاتمة الحسنة، فقد جاء عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: «قَسَمْتُهُ لَكَ»، قَالَ: وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ»، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ الى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهُوَ هُوَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ»، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُبَّته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ أي دعا له، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ دعائه: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».اهـ هنيئا له ثمرة صدقه، فالصادقون يجدون ثمرة صدقهم يوم القيامة إذا أحلَّهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر قال تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وأخبر ربنا -سبحانه- عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخِرين, فقال: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: 84]، وبشر ربنا عباده الصالحين بأن لهم عنده قدمَ صدق فقال سبحانه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [يونس: 2]. وكذلك أخبر الله سبحانه أن للصالحين من عباده مقعدَ صدق عند ربهم، فقال سبحانه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 54، 55] وهذا كله يشير إلى أهمية الصدق قولا وعملا وسلوكًا ومنهجًا في الحياة.
وفي تفسير هذه الآية العظيمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، يقول الرازي: لَمَّا حَكَمَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، ذَكَرَ مَا يَكُونُ كَالزَّاجِرِ عَنْ فِعْلِ مَا مَضَى، وَهُوَ التَّخَلُّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجهاد فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ الرَّسُولِ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يَعْنِي مَعَ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ فِي الْغَزَوَاتِ، وَلَا تَكُونُوا مُتَخَلِّفِينَ عَنْهَا وَجَالِسِينَ مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْبُيُوتِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: منها: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَوْنِ مَعَ الصَّادِقِينَ، وَمَتَى وَجَبَ الْكَوْنُ مَعَ الصَّادِقِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الصَّادِقِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ إِطْبَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَمَتَى امْتَنَعَ إِطْبَاقُ الْكُلِّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَجَبَ إِذَا أَطْبَقُوا عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الأمة حجة.
يقول الحافظ النووي: رحمه الله: وَقالَ تَعَالَى: {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}، وتمام الآية الكريمة هو قوله عز وجل: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، يتبين لنا في هذه الآية الكريمة أن من كان هذا حالَه من كان متَّصِفًا بهذه الصفات العظيمة ومن بينها الصدقُ يحصل له ما وُعِدَ به وهو: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، فالصِّدْقُ: يَجْمَعُ كُلَّ عَمَلٍ هُوَ مِنْ مُوَافَقَةِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِلْوَاقِعِ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْعُقُودِ وَالِالْتِزَامَاتِ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ بِالْوَفَاءِ بِهَا وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَمُطَابَقَةِ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ فِي الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا. وَمِنَ الصِّدْقِ صِدْقُ الْأَفْعَالِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ الصِّدْقُ عِمَادُ الْأَمْرِ وَبِهِ تَمَامُهُ وَفِيهِ نِظَامُهُ وَأَقَلُّهُ اسْتِوَاءُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ: قال النووي: رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ قَالَ لَا يَشَمُّ رَائِحَةَ الصِّدْقِ عَبْدٌ دَاهَنَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ: وَعَنْ ذِي النُّونِ المصري رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ الصِّدْقُ سَيْفُ اللَّهِ مَا وُضِعَ عَلَى شئ إلَّا قَطَعَهُ: وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ بْنِ محمد رحمه الله قَالَ الصَّادِقُ يَتَقَلَّبُ فِي الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً والمرائي يَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةً أَرْبَعِينَ سَنَةً: قال النووي: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّادِقَ يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ دَار فَإِذَا كَانَ الْفَضْلُ الشَّرْعِيُّ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا صَلَّى وَإِذَا كَانَ فِي مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالضِّيفَانِ وَالْعِيَالِ وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ وَجَبْرِ قَلْبٍ مَكْسُورٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ الْأَفْضَلَ وَتَرَكَ عَادَتَهُ: وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالْأَكْلُ والشرب والجد والمزح والاختلاط والاعتزال والتنعم ونحوُها فحيث رأى الفضيلة الشرعية في شيء مِنْ هَذَا فَعَلَهُ وَلَا يَرْتَبِطُ بِعَادَةٍ وَلَا بِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُرَائِي وَقَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْوَالٌ فِي صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَأَوْرَادِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلُبْسِهِ وركوبه ومعاشرة أهله وجده ومزحه وَسُرُورِهِ وَغَضَبِهِ وَإِغْلَاظِهِ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَرِفْقِهِ فيه وعقوبته مستحقي التعزيز وَصَفْحِهِ عَنْهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ وَالْأَفْضَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ: وَلَا شَكَّ فِي اختلاف أحوال الشيء في الأفضيلة فَإِنَّ الصَّوْمَ حَرَامٌ يَوْمَ الْعِيدِ وَاجِبٌ قَبْلَهُ مَسْنُونٌ بَعْدَهُ وَالصَّلَاةُ مَحْبُوبَةٌ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ وتكره في أوقات وأحوال كمدافعة الأخبثين: وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَحْبُوبَةٌ وَتُكْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: وَكَذَلِكَ تَحْسِينُ اللِّبَاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَخِلَافُهُ يَوْمَ الِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ. فالصادق يدور مع الحق كيف كان فإذا رأى الفضل الشرعي في أمر عمل به وإن خالف ما كان عليه عادته وإذا عرض أهم منه في الشرع ولا يمكن الجمع بينهما انتقل إلى الأفضل ولا يزال هكذا وربما كان في اليوم الواحد على مائة حال أو ألف وأكثر على حسب تمكنه في المعارف وظهور الدقائق له واللطائف وأما المرائي فيلزم حالة واحدة بحيث لو عرض له مهم يرجحه الشرع عليه في بعض الأحوال لم يأت بهذا المهم بل يحافظ على حالته لأنه يرائي بعبادته وحاله المخلوقين فيخاف من التغير ذهاب محبتهم إياه فيحافظ على بقائها والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى فحيث رجح الشرع حالا صار إليه ولا يعرج على المخلوقين، يقول الحافظ النووي رحمه الله: وَقالَ تَعَالَى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}، وَمَعْنَى صَدَقُوا اللَّهَ قَالُوا لَهُ الصِّدْقَ، وَهُوَ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَيْ لَوْ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ، وَالكلام عن المنافقين، فهُمْ إِنَّمَا كَذَّبُوا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَظْهَرُوا لَهُ خِلَافَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَجَعَلَ الْكَذِبَ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ تَفْظِيعًا لَهُ وَتَهْوِيلًا لِمَغَبَّتِهِ، أَيْ لَوْ أَخْلَصُوا الْإِيمَانَ وَقَاتَلُوا بِنِيَّةِ الْجِهَادِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَفِي الدُّنْيَا خَيْرُ الْعِزَّةِ وَالْحُرْمَةِ وَفِي الْآخِرَةِ خَيْرُ الْجَنَّةِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ إِنْبَاءٌ مِمَّا سَيَكُونُ مِنْهُمْ حِينَ يَجِدُّ الْجِدُّ وَيَجِيءُ أَوَانُ الْقِتَالِ وَهِيَ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ فِي الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ فَقَدْ عَزَمَ أَمْرُ الْقِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ وَخَرَجَ الْمُنَافِقُونَ مَعَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي صُورَةِ الْمُجَاهِدِينَ فَلَمَّا بَلَغَ الْجَيْشُ إِلَى الشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ: مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ؟ وَرَجَعَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ وَكَانُوا ثُلُثَ الْجَيْشِ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، أَيْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ.
وهذه الآية الكريمة تشير وتدل على أن الصدق دائما يأتي بالخيرات والمبرات والمستحسنات، ومن فوائد وبركات ونتائج الصدق مما جاء في القرآن العظيم وفي السنة النبوية المطهرة ما يلي:
أولًا: الصدق طريقٌ إلى البر، والكذب طريقٌ إلى الفجور. ثانيا: انتفاء صفة النفاق عن الصادقين، ففي الصحيحينعن أنس بن مالك رضي الله عنه: “ءايَةُ المُنَافِقِ(أي في العمل وليس معناه أنه كافرٌ خارجٌ من الإسلام) ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ“. ثالثا: تفريج الكربات وإجابة الدعوات والنجاة من المهلكات كما يدل على ذلك قصة أصحاب الغار الذين سُدَّ عليهم الغار فنجوا بسبب صدقهم، وقال الربيع بن سليمان:
صبر جميل ما أسرع الفرجا
من صدق الله في الأمور نجا
ونرى في سيرة السلف الصالح حرصَهم الشديدَ على الصدق، وممن جاء بعدهم ممن مشى على نهجهم، فهذا الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول: عقدت أمري منذ طفولتي على الصدق فخرجت من مكة إلى بغداد لطلب العلم، فأعطتني أمي أربعين دينارًا لأستعين بها على معيشتي وعاهدتني على الصدق، فلما وصلنا أرض هَمْدَانَ خرج علينا جماعة من اللصوص فأخذوا القافلة، وقال لي واحد منهم: ما معك؟ قلت: أربعون دينارًا، فظنَّ أني أهزأ فتركني، وسألني ءاخر فقلت: أربعون دينارًا فأخذها مني كبيرهم، فقال لي: ما حملك على الصدق؟ فقلت: عاهدتني أمي على الصدق وأنا لا أخالف أمرها، فأخذت الخشيةُ رئيس اللصوص فصاح وقال: أنت تخاف أن تخالف أمر أمك وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله. ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة وقال: أنا تائب على يدك، فقال ومن معه: أنت كبيرنا في قطع الطريق وأنت اليوم كبيرنا في التوبة فتابوا جميعا بسبب الصدق. رابعًا: حسن العاقبة لأهله في الدنيا والآخرة، خامسًا: ثقة الناس بالصادقين وثناؤهم الحَسَنُ عليهم كما ذكر الله عزَّ وجلَّ ذلك عن أنبيائه الكرام: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، سادسًا: البركة في الكسب والزيادة في الخير، سابعًا: راحة القلب وطمأنينة النفس، ثامنًا: التوفيق بإذن الله للخاتمة الحسنة. تاسعًا: الثناء في الملأ الأعلى بين الملائكة، عاشرا: الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: (قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، الحادي عشر: إن شاء الله يفوز بمنزلة الشهادة، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ». وغير ذلك من فوائد وثمرات الصدق.
وقد ثبت عن أنس أنه قال: عمِّي الّذي سمّيت به لم يشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدرًا (يقصد عمَّهُ أنسَ بنَ النضر رضي الله عنهما)، قال: فشقّ عليه، فقال: أوّل مشهدٍ شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غُيّبت عنه، وإن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليراني الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحدٍ، فاستقبل سعد بن معاذٍ، فقال له أنسٌ: يا أبا عمرٍو، أين؟ فقال: واهًا لريح الجنّة أجده دون أحدٍ، قال: فقاتلهم حتّى قتل، فوجد في جسده بضعٌ وثمانون من بين ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ، فقالت أخته ـ عَمَّتِي الرُّبيِّع بنت النّضر ـ: فما عرفت أخي إلّا ببَنَانه، ونزلت هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)، قال: فكانوا يرون أنّها نزلت فيه وفي أصحابه. فالصحابة قدموا أنفسهم للآخرة قدموا أموالهم قدموا أولادهم في سبيل الدفاع عن النبي ﷺ وعن دعوته وفي سبيل حماية هذا الدين، مصعب بن عمير رضي الله عنه كيف كان حاله قبل إسلامه وكيف صار بعد ذلك، كان مصعب فتى مكة شبابًا وجمالًا وكان أبواه يحبانه وكانت أمه كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقّه، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال، فكان رسول الله ﷺ يذكره ويقول: «ما رَأَيْتُ بِمَكَّةَ أَحْسَنَ لَمَّةً وَلا أَرَقَّ حِلَّةً وَلا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْر». وعن عروة بن الزبير قال: بينا أنا جالس يومًا مع عمر بن عبد العزيز وهو يبني المسجد إذ قال: أقبل مصعب بن عُمير ذات يوم والنبي ﷺ جالس في أصحابه عليه قطعة نمرة قد وصلها بقطعة جلد، فلما رءاه أصحاب النبي ﷺ نكسوا رؤوسهم رحمة له لما رأوه من حاله بعد أن كان يلبس فاخر الثياب فسلم فرد عليه النبي ﷺ وأحسن عليه الثناء وقال: “لقد رأيت هذا، يعني مصعبًا، وما بمكة فتى من قريش أنعم عند أبويه نعيمًا منه، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير في حب الله ورسوله”. صدق رسول الله ﷺ، أخرجه من ذلك أي من ذلك النعيم الزائل الرغبة في الخير، حب الله ورسوله، وفي رواية: “انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغدوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون”، وجاء عن عبيد بن عمير أن النبي ﷺ وقف على مصعب بن عمير وهو منجعفٌ على وجهه [أي مصروع] يوم أحد شهيدًا، وكان صاحب لواء رسول الله ﷺ، فقرأ رسول الله ﷺ: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).
واللهُ تعالى أمرَ عبادَه بالتزامِ الصدقِ والتحلي بهذا الخلقِ العظيمِ الذي يحبُّه ونهى اللهُ تعالى عنِ الكذبِ فالكذبُ خَصلةٌ مذمومةٌ في شرعِ اللهِ تعالى، ولا يجوزُ استحسانُها كقولِ بعضِ السفهاءِ: الكذبُ ملحُ الرجالِ وعيبٌ على الذي يصدقُ، فهذا فسادٌ ظاهرٌ ومخالفةٌ صريحةٌ للنصوصِ الشرعيةِ التي جاءتْ بتقبيحِ الكذبِ واستحسانِ الصدقِ. ولا يجوزُ الكذبُ ولو مازحًا، فالكذِبُ سواءٌ قالَه مازِحًا أو جادًّا حرامٌ، إنْ أرادَ أنْ يُضحَكَ القومَ أم لا فهذا حرامٌ، والنبيُّ ﷺ كانَ يلقبُ قبلَ البعثةِ بالصادقِ الأمينِ ﷺ، وأمرَ اللهُ تعالى أنبياءَه بالصدقِ وهمْ صادقونَ يستحيلُ عليهمْ أنْ يكذبوا فلا يجوزُ الكذبُ على أنبياءِ اللهِ تعالى قبلَ النبوةِ وبعدَها، وما وردَ في أمرِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ في القرءانِ الكريمِ أنَّه قالَ: “بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ“، فليسَ هذا كذبًا حقيقيًّا، بلْ هذا صدقٌ مِنْ حيثُ الباطنُ والحقيقةُ، لأَنَّ كبيرَ الأصنامِ هوَ الذي حملَه على الفتكِ بالأصنامِ الأخرى مِنْ شدّةِ اغتياظِه منهُ لمبالغةِ قومِه في تعظيمِهِ بتجميلِ هيأتِه وصورتِه، فحملَه ذلكَ على أنْ يكسِّرَ الصغارَ ويهينَ الكبيرَ، فيكونُ إسنادُ الفعلِ إلى الكبيرِ إسنادًا مجازيًّا، فلا كذبَ في ذلكَ، أيْ هوَ في الحقيقةِ ليسَ كذبًا إنَّما صورتُه صورةُ كذبٍ، وأما حديثُ: ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيْمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّاثَلَاْثَ كَذَبَاْتٍ)) فقدِ اعترضَ عليهِ بعضُ العلماءِ، لأنَّ ظاهِرَهُ فيهِ نسبةُ الكذبِ على خليلِ اللهِ إبراهيمَ ﷺ وهذا طعنٌ بمنصبِ النبوةِ وقدحٌ بها فالكذبُ بكلِّ أنواعِهِ يستحيلُ على أيِّ نبيٍّ مِنْ أنبياءِ اللهِ، وقدْ أوَّلَه بعضُهُم قالَ الحافظُ النوويُّ: “وذكروا في قولِه إنِّي سقيمٌ أيْ سأسقَم، لأَنَّ الإنسانَ عرضةٌ للأسقامِ، وأرادَ بذلكَ عدمَ الخروجِ معهم إلى عيدِهم وشهودِ باطِلِهم وكفرِهم، وقيلَ: سقيمٌ بما قَدَّرَ عليَّ مِنَ الموتِ. وقيلَ كانتْ تأخذُه الحمَّى في ذلكَ الوقتِ”اهـ وقالَ الرازيُّ: “واعلمْ أَنَّ بعضَ البعض روى عنِ النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: ((مَاْ كَذَبَ إِبْرَاْهِيْمُ عَلَيْهِ الْسَّلَاْمُ إِلَّاْ ثَلَاْثَ كَذَبَاْتٍ))، فقلتُ: الأَولى أنْ لا نقبلَ مثلَ هذهِ الأخبارِ. فان قيل على طريقِ الاستنكارِ: فإنْ لم نقبلْه لَزِمَنَا تكذيبُ الرواةِ، فقلتُ لهُ: يا مسكينُ إنْ قَبِلْنَاه لزمنَا الحكمَ بتكذيبِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ، وإنْ رددْناه لزمنا الحكمَ بتكذيبِ الرواةِ، ولا شكَّ أَنَّ صونَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ عنِ الكذبِ أولى مِنْ صونِ طائفةٍ مِنَ الناس عنِ الكذبِ”.
أسأل الله أن يجعلنا من الصادقين في جميع أحوالنا وأقوالنا وأفعالنا، وأن يصرف عنا الكذب ويجعلنا من الملتزمين بطريق الصادقين وبحالهم.