شرح حديث أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك | دعاء الشهادة والاستعاذة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ الذِي صَرَّفَ الأُمُورَ بِتَدبِيرِهِ، وَعَدَّلَ تَركِيبَ الخَلقِ فَأَحسَنَ فِي تَصوِيرِهِ، وَزَيَّنَ صُورَةَ الإِنسَانِ بِحُسْنِ تَقوِيمِهِ وَتَقدِيرِهِ، وَحَرَسَه مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقصَانِ عَمَّا شَاءَ لَهُ فِي شَكلِهِ وَمَقَادِيرِهِ، وَجَعَلَ تَحْسِينَ الْأَخْلَاقِ حَسَبَ اجْتِهَادِ الْعَبْدِ وَتَشْمِيرِهِ، وَاسْتَحَثَّهُ عَلَى تَهْذِيبِهَا بِتَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ، وَسَهَّلَ عَلَى خَوَاصِّ عِبَادِهِ تَهذِيبَ الأَخلَاقِ بِتَوفِيقِهِ وَتَيسِيرِهِ، وَامتَنَّ عَلَيهِمْ بِتَسهِيلِ صَعبِهِ وَعَسِيرِهِ،

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَنَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ، وَصَفِيِّهِ وَبَشِيرِهِ وَنَذِيرِهِ، الذِي كَانَتْ تَلُوحُ أَنوَارُ النُّبُوَّةِ مِنْ بَينِ أَسَارِيرِهِ، وَتُعلَمُ حَقِيقَةُ الْحَقِّ مِنْ فِعْلِهِ وَتَبَاشِيرِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الذِينَ طَهَّرُوا البِلَادَ مِنْ ظُلمَةِ الكُفرِ وَدَيَاجِيرِهِ، وَحَصَرُوا مَادَّةَ الإِلحَادِ وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا بِقَلِيلِهِ وَلَا بِكَثِيرِهِ،

أَمَّا بَعدُ:

مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:

مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ..

نَصُّ الحَدِيث

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ يُمْسِى: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ. أَعْتَقَ اللهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلاثًا أَعْتَقَ اللهُ تَعَالَى ثَلاثَةَ أَرْبَاعِهِ فَإِنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّارِ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ

الرَسُولَ ﷺ يعلمنا: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ يُمْسِي أَيْ يَدخُلُ فِي الصَّبَاحِ أَوِ المَسَاءِ، وَهَذَا فِيهِ الحَثُّ عَلَى أَنْ يَبقَى العَبدُ مواظبًا على ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُنَا أُنَبِّهُ عَلَى أَمرٍ وَلَفْظٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ بَعضَ النَّاسِ إِذَا رَأَى شَخصًا يُكثِرُ مِنْ ذِكرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ يُكثِرُ الصَّلَاةَ أَوْ يُكثِرُ ارْتِيَادَ المَسَاجِدِ، مَاذَا يَقُولُ عَنهُ، يَقُولُ عَنهُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللهِ. وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالاتِّصَالِ وَلَا بِالانفِصَالِ، بَلْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ عَنِ المُتَوَلِّي أَنَّهُ نَصَّ عَلَى تَكفِيرِ مَن قَالَ بِالاتِّصَالِ وَالانفِصَالِ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَعضُ الجُهَّالِ كَتَبَ وَرَقَةً وَعَلَّقَهَا فِي بَعضِ المَسَاجِدِ، عَلَى بَابِ المَسجِدِ، وَكَتَبَ عَلَيهَا: “اقْطَعِ اتِّصَالَكَ بِالخَلقِ وَاتَّصِلْ بِالخَالِقِ”!!! وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنْ هَذَا الفَسَادِ، وَبَعضُهُمْ كَتَبَ فَقَالَ: “اتَّصِلْ بِاللهِ عَلَى رَقَم: 2، 4، 4، 3، 4،”!!! بزعمه بعدد ركعات الصَّلَوَاتِ المَفرُوضَةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، هَذَا جَاهِلٌ يَنسُبُ للهِ مَا لَا يَلِيقُ وَيُشَبِّهُ اللهَ بِخَلقِهِ، وَبَعضُهُمْ قَالَ بِلَهجَتِهِ المِصرِيَّةِ فَقَالَ: “رَبِّنَا بِيعزِمَك عَلَى بيته خمس مرات وبيستناك، إزَّاي بتكسف ربنا”.اهـ أعوذ بالله من هذا الفساد والجهل المركّب. ولا يفيده بزعمه أنه يُرِيدُ أَنْ يَحُثَّ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ أَوِ الصَّلَوَاتِ المَفرُوضَةِ أَوِ الذِّكرِ، أَلَا يُكتَفَى بِمَا صَحَّ وَثَبَتَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَرفُوعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، أَلَا يُكتَفَى بِمَا وَرَدَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ مِنَ الاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ وَالذِّكرِ حَتَّى يَنسُبَ هَذَا الجَاهِلُ وَغَيرُهُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ إِلَى اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ اللَّهُمَّ أَيْ يَا اللهُ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ أُشْهِدُكَ مَعْنَاهُ أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَى ذَلِكَ، وَاللهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، هُوَ أَعلَمُ بِالعَبدِ مِنْ نَفسِهِ وَأَعلَمُ بِخَلقِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، [سورة غافر:19]، مَهمَا كَانَتِ العَينُ سَرِيعَةً فِي استِرَاقِ النَّظَرِ إِلَى الشَّيءِ وَمَهمَا كَانَتِ النُّفُوسُ تُسِرُّ مِن أَمَانَةٍ أَو خِيَانَةٍ فَاللهُ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَحصُلُ فِي هَذَا العَالَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ﴾، [سورة البقرة:255]، لَا يَعلَمُونَ إِلَّا مَا أَطلَعَهُمُ اللهُ عَلَيهِ مِن بَعضِ الغَيبِ، أَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِن مَعلُومَاتِ اللهِ فَلَا يَعلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا﴾، [سورة الجن:26]، أَي لَا يُطلِعُ أَحَدًا عَلَى كُلِّ الغَيبِ، وَهَذَا مِنَ المُفرَدِ المُضَافِ، وَالمُفرَدُ المُضَافُ يَكُونُ لِلعُمُومِ، فَــ ﴿غَيبِهِ﴾، مُفرَدٌ مُضَافٌ فَهُوَ لِلعُمُومِ أَي لَا يَعلَمُ جَمِيعَ الغَيبِ إِلَّا اللهُ.

وَوَرَدَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «مَفَاتِيحُ الغَيبِ خَمسٌ لَا يَعلَمُهَا إِلَّا اللهُ: لَا يَعلَمُ أَحَدٌ مَا فِي غَدٍ إلَّا اللهُ، وَلَا يَعلَمُ مَا تغيضُ الأَرحَامُ إلَّا اللهُ، وَلَا يعلَمُ مَتَى يَأتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ، وَلَا تَدرِي نَفسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللهُ»، وَوَرَدَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «وَإِنَّ مِنَ العِلمِ مَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ»، وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ جِبرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ تَعلِيمًا لِلحَاضِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ: «مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، أَي لَا يَعلَمُ وَقتَهَا إِلَّا اللهُ، فَلَا النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي هُوَ أَفضَلُ الخَلقِ وَلَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ أَفضَلُ المَلَائِكَةِ، لَا أَحَدَ مِنهُم وَمِن غَيرِهِم يَعلَمُ مَتَى تَقُومُ القِيَامَةُ.

فَهُنَا فِي هَذَا اللَّفظِ الوَارِدِ العَبدُ يُشْهِدُ خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعلَمُ بِالعَبدِ وَحَالِهِ مِنْ نَفسِهِ يُشهِدُهُ عَلَى المَذكُورِ بَعدَ هَذَا،

وَهُنَا أُنَبِّهُ عَلَى أَمرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِشَخصٍ أَنْ يُشهِدَ خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَمرٍ يَعلَمُهُ كَذِبًا، فَهَذَا نَسَبَ الجَهلَ إِلَى اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ فِي التَّحذِيرِ مِنْ كَلِمَاتِ الرِّدَّةِ:

مَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا كَذِبًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ فَقَالَ: “اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا أَقُولُ” بِقَصْدِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا قُلْتُ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْجَهْلَ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ مَعْنَى كَلامِهِ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأَمْرَ عَلَى خِلافِ الْوَاقِعِ وَالشَّىْءَ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْجَهْلُ فَكَلامُهُ فَاسِدٌ بِلا شَكٍّ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَيْسَ صَادِقًا وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ حَمَلَةُ العَرشِ مِنْ خَوَاصِّ المَلَائِكَةِ، وَهُمُ الآنَ أَربَعَةٌ، وَيَومَ القِيَامَةِ يَكُونُونَ ثَمَانِيَةً كَمَا رَوَى السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ المَنثُورِ فَقَالَ: وَأَخرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَحمِلُهُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ ‌وَيَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌ثَمَانِيَةٌ.اهـ وَالحِكمَةُ مِنْ ذَلِكَ إِظهَارُ عَظَمَةِ وَهَولِ ذَلِكَ اليَومِ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَحتَاجُ إِلَى العَرشِ وَلَا إِلَى حَمَلَةِ العَرشِ، كَمَا زَعَمَ بَعضُ المُجَسِّمَةِ فَقَالَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ: إِنَّ اللهَ يَجلِسُ عَلَى العَرشِ حَتَّى يُسمَعَ لَهُ صَوتُ الأَطِيطِ وَيَضَعُ رِجلَيهِ عَلَى الكُرسِيِّ. وَبَعضُهُمْ قَالَ: يَجلِسُ عَلَى العَرشِ حَقِيقَةً وَيَنزِلُ حَقِيقَةً وَلَا يَخلُو مِنهُ العَرشُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَبَعضُهُمْ قَالَ: يَجلِسُ عَلَى العَرشِ حَتَّى يَثقُلَ مِنهُ حَمَلَةُ العَرشِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.اهـ

الغَزَالِيُّ فِي إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ فِي بِدَايَةِ الإِحيَاءِ مَاذَا قَالَ؟

قَالَ: كِتَابُ قَوَاعِدِ العَقَائِدِ: ‌‌الفَصلُ الأَوَّلُ فِي تَرجَمَةِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ مَبَانِي الإِسلَامِ: التَّنزِيهُ: وَأَنَّهُ لَيسَ بِجِسمٍ مُصَوَّرٍ وَلَا جَوهَرٍ مَحدُودٍ مُقَدَّرٍ، وَأَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ الأَجسَامَ لَا فِي التَّقدِيرِ وَلَا فِي قَبُولِ الِانقِسَامِ، وَأَنَّهُ لَيسَ بِجَوهَرٍ وَلَا تَحُلُّهُ الجَوَاهِرُ، وَلَا بِعَرَضٍ وَلَا تَحُلُّهُ الأَعرَاضُ، بَلْ لَا يُمَاثِلُ مَوجُودًا وَلَا يُمَاثِلُهُ مَوجُودٌ، لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَلَا هُوَ مِثلُ شَيءٍ، وَأَنَّهُ لَا يَحُدُّهُ المِقدَارُ وَلَا تَحوِيهِ الأَقطَارُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ وَلَا تَكْتَنِفُهُ الْأَرَضُونَ وَلَا السَّمَاوَاتِ، وَأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ، وَبِالْمَعنَى الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاءً مُنَزَّهًا عَنِ الْمُمَاسَّةِ وَالِاستِقرَارِ وَالتَّمَكُّنِ وَالحُلُولِ وَالِانتِقَالِ، لَا يَحمِلُهُ العَرشُ بَلِ العَرشُ وَحَمَلَتُهُ مَحمُولُونَ بِلُطْفِ قُدرَتِهِ وَمَقهُورُونَ فِي قَبضَتِهِ – أَيْ بِقُدْرَتِهِ – وَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى تُخُومِ الثَّرَى فَوْقِيَّةً لَا تَزِيدُهُ قُرْبًا إِلَى الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ كَمَا لَا تَزِيدُهُ بُعْدًا عَنِ الْأَرْضِ وَالثَّرَى، بَلْ هُوَ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ عَنِ الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ كَمَا أَنَّهُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ عَنِ الْأَرْضِ وَالثَّرَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ، إِذْ لَا يُمَاثِلُ قُرْبُهُ قُرْبَ الْأَجْسَامِ كَمَا لَا تُمَاثِلُ ذَاتُهُ ذَاتَ الْأَجْسَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَحُلُّ فِي شَيْءٍ وَلَا يَحُلُّ فِيهِ شَيْءٌ، تَعَالَى عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ كَمَا تَقَدَّسَ عَنْ أَنْ يَحُدَّهُ زَمَانٌ بَلْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يخلُقَ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ.اهـ

هَذَا كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللهُ وَمَا أَعظَمَهُ فِي تَبيِينِ التَّنزِيهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ.

تَفسِيرُ الآيَاتِ المُتَشَابِهَةِ يَجِبُ أَنَّ يُرَدَّ إِلَى الآيَاتِ المُحكَمَةِ

 أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]، فَهُوَ مِنَ الآيَاتِ المُتَشَابِهَةِ، وَتَفسِيرُ الآيَاتِ المُتَشَابِهَةِ يَجِبُ أَنَّ يُرَدَّ إِلَى الآيَاتِ المُحكَمَةِ، وَمَعنَاهُ أَنَّ مَن أَرَادَ أَن يُفَسِّرَ المُتَشَابِهَ يَجِبُ أَن يَكُونَ مُوَافِقًا لِلآيَاتِ المُحكَمَاتِ كَتَفسِيرِ الِاستِوَاءِ بِالقَهرِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلمُحكَمَاتِ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَمَسُّهُ تَعَبٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا لُغُوبٌ فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، [سورة ق:38]، خَلَقَ اللهُ الخَلقَ لَا لِاحتِيَاجٍ؛ فَاللهُ لَا يَتَشَرَّفُ بِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، قَالَتِ اليَهُودُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَتَعِبَ وَجَلَسَ عَلَى العَرشِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُوَصَفُ بِالتَّعَبِ وَلَا بِالمَشَقَّةِ وَلَا بِالجُلُوسِ وَلَا بِالِاستِرَاحَةِ كَمَا زَعَمُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ،

وَأَمَّا استِوَاءُ اللهِ عَلَى العَرشِ فَلَيسَ بِمَعنَى الِاستِرَاحَةِ بَعدَ تَعَبٍ وَلَا الِاستِقرَارِ فِي مَكَانٍ فَقَد وَرَدَ الِاسِتِواءُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ وَيُونُسَ وَالرَّعدِ وَالسَّجدَةِ وَالفُرقَانِ وَالحَدِيدِ بِلَفظِ: ﴿ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾، وَسَابِعُهَا فِي سُورَةِ طَهَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]، وَلَم يَرِد فِي القُرءَانِ إِطلَاقُ الجُلُوسِ عَلَى اللهِ، فَلَا يَجُوزُ القَولُ بِأَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ وَلَو قَالَ القَائِلُ لَا كَجُلُوسِنَا، ثُمَّ إِنَّ القُرءَانَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وَمَعَانِي كَلَامِهِم وَمَا كَانُوا يَعتَقِدُونَهُ فِي خِطَابِهِم، فَالِاستِوَاءُ فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهُ خَمسَةَ عَشرَ مَعنًى كَمَا قَالَ الحَافِظُ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيّ فِي شَرحِ التِّرمِذِيِّ: “وَلِلِاستِوَاءِ فِي كَلَامِ العَرَبِ خَمسَةَ عَشرَ مَعنًى مَا بَينَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، مِنهَا مَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ فِيكُونُ مَعنَى الآيَةِ، وَمِنهَا مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ بِحَالٍ وَهُوَ إِذَا كَانَ بِمَعنَى التَّمَكُّنِ أَوِ الاستِقرَارِ”.اهـ وَقَالَ الرَّاغِبُ الأَصفَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ المُفرَدَاتِ مَا نَصُّهُ: وَاستَوَى مَتَى عُدِّيَ بِـ (عَلَى) اقتَضَى الِاستِيلَاءَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5].

ثُمَّ إِنَّ السَّلَفَ وَالخَلَفَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ الَّتِي ظَاهِرُهَا فيهِ نِسبَةُ الحَيِّزِ وَالجِهَةِ وَالجِسمِيَّةِ ظَاهِرُهَا مُحَالٌ عَلَى اللهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ اللهُ فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ لِكَانَ لَهُ أَمثَالٌ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالَ﴾، [سورة النحل:74]، وَيَقُولُ أَيضًا: ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾، [سورة النحل:60]،أَيِ الوَصفُ الَّذِي لَا يُشبِهُ وَصَفَ غَيرِهِ.اهـ

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَمِن طَرِيقِ أَبِي بَكرٍ الضَبعِيِّ قَالَ: “مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ فِي قَولِهِ: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، [سورة طه:5]، قَالَ بِلَا كَيفٍ، وَالآثَارُ فِيهِ عَنِ السَّلَفِ كَثِيرَةٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ وَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ”. اهـ

وَقَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرفاعيُّ: “وَكَذَلِكَ قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِكَ: ءَامَنتُ بِلَا تَشبِيهٍ وَصَدَّقَتُ بِلَا تَمثِيلٍ وَاتَّهَمتُ نَفسِي فِي الإِدرَاكِ وَأَمسَكَتُ عَنِ الخَوضِ فِيهِ كُلَّ الإِمسَاكِ،

وَروى الرملي في فتاويه أنّه سُئِلَ الإِمَامُ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ الاستِوَاءِ فَقَالَ: “استَوَى كَمَا أَخبَرَ لَا كَمَا يَخْطُرُ للبَشَرِ”اهـ

وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ: وَلَيسَ قَولُنَا إِنَّ اللهَ عَلَى العَرشِ أَي مُمَاسٌّ لَهُ أَو مُتَمَكِّنٌ فِيهِ أَو مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةٍ مِن جِهَاتِهُ، بَل هُوَ خَبَرٌ جَاءَ بِهِ التَّوقِيفُ فَقُلنَا بِهِ وَنَفَينَا عَنهُ التَّكيِيفَ إِذ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، [سورة الشورى:11]، وَبِاللهِ التَّوفِيق.اهـ

وَقَد نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى إِحَالَةِ كَونِهِ تَعَالَى فِي جِهَةٍ الفَقِيهُ المَالِكِيُّ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ مَيَّارَة حَيثُ قَالَ في كتابه “الدُّرُّ الثَّمِينُ وَالمَورِدُ المَعِينُ“: “وَأَمَّا الإِجمَاعُ فَأَجمَعَ أَهلُ الحَقِّ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ اللهَ لَا جِهَةَ لَهُ فَلَا فَوقَ وَلَا تَحتَ وَلَا شِمَالَ وَلَا خَلفَ.”اهـ

وَقَد قَالَ القَاضِي ابنُ المُعَلِّمِ القُرَشِيُّ فِي نَجمِ المُهتَدِي وَرَجمِ المُعتَدِي وَالفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ ابنُ الرِّفعَةِ فِي كِفَايَةِ النَّبِيهِ بِشَرحِ التَّنبِيهِ: “وَهَذَا مُنتَظَمٌ من كُفرُهُ مُجمَعٌ عَلَيهِ، وَمَن كَفَّرنَاهُ مِن أَهلِ القِبلَةِ كَالقَائِلِينَ بِخَلقِ القُرآنِ وَبِأَنَّهُ لَا يَعلَمُ المَعدُومَاتِ قَبلَ وُجُودِهَا وَمَن لَا يُؤمِنُ بِالقَدَرِ وَكَذَا مَن يَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ، كَمَا حَكَاهُ القَاضِي حُسَينٌ هنَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعيِّ”.اهـ)

وَمَلائِكَتَكَ أُشهِدُ مَلَائِكَتَكَ مَعْنَاهُ بِلِسَانِ الْحَالِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقُّ ذَلِكَ.

الإيمان بالملائكة الكرام:

مِن أُصُولِ عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصدِيقُ بِالمَلَائِكَةِ الكِرَامِ أَيِ الإِيمَانُ بِوُجُودِهِم، وَذَلِكَ مِمَّا أَخبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ المَشهُورِ الذي رواه مسلم وغيره، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ: «أَن تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، وَأُشِيرَ إِلَيهِم فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَالمُدَبِّرَاتُ أَمرًا﴾، [سورة النازعات:5]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَالمُقَسِّمَاتِ أَمرًا﴾، [سورة الذاريات:4]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرقًا﴾، [سورة النازعات:1]، وَمِنهُم مَلَكُ المَوتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾، [سورة السجدة:11]، وَاسمُهُ عَزرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ. وَالمَلَائِكَةُ الكِرَامُ لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَنَامُون. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: “عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، قُلْتُ: وَفِي قِصَّةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ”، وَهُم أَجسَامٌ لَطِيفَةٌ أُعطِيَت قُدرَةً عَلَى التَّشَّكُّلِ بِأَشكَالٍ مُختَلفَةٍ، لَكِنَّهُم إِذَا تَشَكَّلُوا بِشَكلِ بَشَرٍ فَيَتَشَكَّلُونَ بِصُورَةِ الذُّكُورِ مِن غَيرِ آلَةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَلَا يَتَشَكَّلُونَ بِصُورَةِ الإِنَاثِ، وَقَد يَتَشَكَّلُونَ عَلَى صُورَةِ طَيرٍ جَمِيلٍ أَو جَمَلٍ، وَإِن كَانُوا مَلَائِكَةَ الرَّحمَةِ تَكُونُ صُوَرُهُم جَمِيلَةً جِدًّا، أَمَّا مَلَائِكَةُ العَذَابِ فَصُوَرُهُم مُخَوِّفَةٌ وَأَجسَامُهُم سَودَاءُ زَرقَاءُ حَتَّى يُخَوِّفُوا الكُفَّارَ. وَمَسكَنُهُمُ السَّمَاوَاتِ، وَبَاطِلٌ قَولُ مَن قَالَ إِنَّهَا الكَوَاكِبُ أَو إِنَّهَا الأَنفُسُ الخَيِّرَةُ الَّتِي فَارَقَت أَجسَادَهَا وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَقوَالِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِي الأَدِلَّةِ السَّمعِيَّةِ شَيءٌ مِنهَا، وَكُلُّهُم رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم أَولِيَاءُ للهِ، وَهُم ذَوُو أَجنِحَةٍ، فَمِنهُم مَن لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنهُم لَهُ أَربَعَةٌ، وَمِنهُم لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ كَجِبرِيلَ، وَاللهُ خَلَقَ جِبرِيلَ عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ وَكُلُّ جَنَاحٍ يَسُدُّ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، هَذِهِ صُورَتُهُ الأَصلِيَّةُ، وَيُوجَدُ مَن هُوَ مِنَ المَلَائِكَةِ أَكبَرُ جِسمًا مِن جِبرِيلَ كَحَمَلَةِ العَرشِ، وَلَهُم أَعضَاءٌ، وُجُوهٌ وَأَرجُلٌ وَأَيدٍ. وَقَد جَاءَ فِي صِفَةِ المَلَائِكَةِ وَكَثرَتِهِم أَحَادِيثُ مِنهَا مَا أَخرَجَهُ مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ مَرفُوعًا: «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ»، وَمِنهَا مَا أَخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرفُوعًا: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَن تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوضِعُ أَربَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَعَلَيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ»، وَمِنهَا مَا أَخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيث جَابر مَرفُوعا: «مَا فِي السَّمَاوَات السَّبعِ مَوضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَو رَاكِعٌ أَو سَاجِدٌ». المَفهُومُ مِن هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ السَّمَاوَاتِ مَلِيئَةٌ بِالمَلَائِكَةِ الكِرَامِ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ لَا يَسكُنُ السَّمَاءَ فَلَو كَانَ سَاكِنًا السَّمَاءَ لَكَانَ يُزَاحِمُ المَلَائِكَةَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَأَيضًا فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاءَ وَلَا يَحتَاجُ إِلَيهَا فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ.

وَأَشرَفُ المَلَائِكَةِ وَرَئِيسُهُم هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهُم أَكثَرُ المَخلُوقَاتِ عَدَدًا، وَهُم مِن أَفَاضِلِ خَلقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُم مُوَكَّلُونَ بِأَعمَالٍ شَتَّى: فَمِنهُم مَن هُم مُوَكَّلُونَ بِالقَطرِ وَالنَّبَاتِ، وَمِنهُم مُوَكَّلُونَ بِكِتَابَةِ أَعمَالِ بَنِي ءَادَمَ، وَبَعضُهُم مُوَكَّلٌ بِقَبضِ الأَروَاحِ، وَبَعضُهُم مُوَكَّلُونَ بِحِفظِ بَنِي آدَمَ مِن تَلَاعُبِ الجِنَّ بِهِم إِلَّا أَنَّهُم لَا يَمنَعُونَ وُقُوعَ المُقَدَّرَ، وَمِنهُم مُوَكَّلُونَ بِإِيصَالِ السَّلَامِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَغَيرِ ذَلِكَ.

وَتَجِبُ العِصمَةُ مُطلَقًا مِن كُلِّ ذَنبٍ لِجَمِيعِ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِمُ الصَّغِيرَةُ مُطلَقًا فَضلًا عَمَّا هُوَ أَشنَعُ مِنهَا كَالكَبَائِرِ وَالكُفرِ، فَلَا يَصدُرُ مِنهُم مَعصِيَةٌ قَطُّ، وَالنُّصُوصُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عِصمَةِ المَلَائِكَةِ صَرِيحَةٌ وَكَثِيرَةٌ مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، [سورة التحريم:6]، وَقَالَ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾، [سورة الأنبياء:26-27]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، [سورة الأبنياء:20]، قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: وَمَا كَانَت صِفَتُهُ كَذَلِكَ لَا يَصدُرُ عَنهُ الذَّنبُ.اهـ فَهُم مُنشَغِلُونَ بِخَالِصِ العِبَادَةِ كُلَّ الوَقتِ، وَقَد نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيرُ وَاحِدٍ كَالخَازِنِ المُفَسِّرِ وَالفَخرِ الرَّازِيِّ فِي كِتَابِهِ عِصمَةِ الأَنبِيَاءِ وَغَيرِهِمَا وَجَمِيعَ خَلْقِكَ مَعْنَاهُ بِلِسَانِ الْحَالِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقُّ ذَلِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ أَصلُ دِينِ الإِسلَامِ، مَنْ مَاتَ عَلَيهَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَطعًا بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، وَهُنَاكَ أُنَاسًا يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَهُمْ فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ ثُمَّ يُنَاقِضُونَ الإِسْلَامَ فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ لَفْظًا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَأُنَاسٍ يَعْبُدُونَ عَلِيًّا وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأُنَاسٍ يَعْبُدُونَ الْخَضِرَ وَهُوَ نَبِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ، وَأُنَاسٍ يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ لِلْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ فِي الْقَاهِرَةِ يَعْبُدُ الشَّيَاطِينَ يَخْتَلِي وَيَعْبُدُ فِي خَلَوَاتِهِ الرُّوحَانِيِّينَ أَيِ الْجِنَّ.

وَحُكْمُ مَنْ يَجْحَدُ الشَّهَادَتَيْنِ التَّكْفِيرُ قَطْعًا وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا لا يَنْقَطِعُ فِي الآخِرَةِ عَنْهُ الْعَذَابُ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ وَمَا هُوَ بِخَارِجٍ مِنَ النَّارِ، فمن أَدَّى أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ وَهُوَ الإِيـمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاجْتَنَبَ الْكُفْرَ هَذَا إِنْ مَاتَ لا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إِنْ دَخَلَهَا مَهْمَا كَانَتْ ذُنُوبُهُ وَلا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بَعْدَ أَنْ يُعَاقَبَ بِذُنُوبِهِ الَّتِي كَانَ اقْتَرَفَهَا، هَذَا إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، فَحُكْمُ الْمُسْلِمِ الْعَاصِي الَّذِي مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ أَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ إِمَّا أَنْ يُعَذِّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيـمَانٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. معناه أَنَّ مَنْ مَاتَ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيـمَانٍ أَيْ أَقَلُّ الإِيـمَانِ لا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ وَإِنْ دَخَلَهَا بِمَعَاصِيهِ. وَالذَّرُّ هُوَ الَّذِي مِثْلُ الْغُبَارِ يُرَى لَمَّا يَدْخُلُ نُورُ الشَّمْسِ مِنَ الْكَوَّهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّمْلِ الأَحْمَرِ الصَّغِيرِ، وَإِذَا أَرَدْتَ الْمُفْرَدَ قُلْتَ ذَرَّةٌ وَيُقَالُ لِلْجَمْعِ ذَرٌّ أَعْتَقَ اللهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللهُ نِصْفَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَالَهَا ثَلاثًا أَعْتَقَ اللهُ تَعَالَى ثَلاثَةَ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّارِ» مَعنَاهُ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ.

نَصُّ الحَدِيثِ التَّالِي

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ».

الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَيْ: دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ أُخْرَوِيَّةٍ، ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ أَيْ: فَحَاصِلٌ مِنْكَ مُنْفَرِدًا لَا شَرِيكَ لَكَ، معناه أنت الذي تخلق النِّعَمَ وتيسرها لي. معناه: إِنِّي أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ بِأَنَّ كُلَّ النِّعَمِ الْحَاصِلَةِ الْوَاصِلَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْحَيَاةِ إِلَى انْتِهَاءِ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَمِنْكَ وَحْدَكَ فَأَوْزِعْنِي أَنْ أَقُومَ بِشُكْرِهَا وَلَا أَشْكُرَ غَيْرَكَ فِيهَا لا شَرِيكَ لَكَ لَا يَخلُقُ هَذِهِ النِّعَمَ إِلَّا أَنتَ وَلَنْ تَتَيَسَّرَ لِي بِدُونِ مَشِيئَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ لَكَ الْحَمْدُ أَيِ: الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ وَلَكَ الشُّكْرُ يَعْنِي: أَخُصُّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لَكَ قَائِلًا: لَكَ الْحَمْدُ لَا لِغَيْرِكَ وَلَكَ الشُّكْرُ لَا لِأَحَدٍ سِوَاكَ. هَذَا اللَّفظُ فِيهِ اعتِرَافٌ بِفَضلِ اللهِ عَلَى العَبدِ وَبِنَعْمَتِهِ سُبحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ، وَفِيهِ اعتِرَافٌ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، اللهُ تَعَالَى أَنعَمَ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا لَا يُحصُونَهُ من النعم كَمَا قَالَ: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لَا تُحصُوهَا﴾، [سورة النحل:18]، وَطَلَبَ مِنهُمُ الشُّكرَ، وَرَضِيَ بِهِ مِنهُمْ.

قَالَ سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ: إِنَّ اللهَ أَنعَمَ عَلَى العِبَادِ، وَكَلَّفَهُمُ الشُّكرَ حَتَّى رَضِيَ مِنهُمْ مِنَ الشُّكرِ بِالِاعتِرَافِ بِقُلُوبِهِمْ بِنِعَمِهِ، وَبِالحَمدِ بِأَلسِنَتِهِمْ عَلَيهَا، وَخَرَّجَ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ‌أَنْعَمَ ‌اللَّهُ ‌عَلَى ‌عَبْدٍ ‌نِعْمَةً فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا قَبْلَ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَمَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَغْفِرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ».اهـ

قَالَ أَبُو عَمرٍو الشَّيبَانِيُّ: قَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يَومَ الطُّورِ: يَا رَبِّ، إِنْ أَنَا صَلَّيتُ، فَمِنْ قِبَلِكَ – أَيْ بِتَوفِيقِكَ أَنتَ وَإِعَانَتِكَ -، وَإِنْ أَنَا تَصَدَّقتُ، فَمِنْ قِبَلِكَ، وَإِنْ أَنَا بَلَّغْتُ رِسَالَتَكَ، فَمِنْ قِبَلِكَ، فَكَيفَ أَشكُرُكَ؟ قَالَ: الآنَ شَكَرتَنِي.اهـ

وَعَنِ الحَسَنِ قَالَ: قَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ، كَيفَ يَستَطِيعُ آدَمُ أَنْ يُؤَدِّيَ شُكرَ مَا صَنَعْتَ إِلَيهِ؟ خَلَقْتَه بِيَدِكَ – أَيْ بِعِنَايَتِكَ -، وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوحِكَ – أَيْ مِنَ الرُّوحِ المُشَرَّفِ عِندَكَ -، وَأَسكَنْتَهُ جَنَّتَكَ، وَأَمَرْتَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى، عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي، فَحَمِدَنِي عَلَيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُكرًا لِمَا صَنَعتُهُ.اهـ

وَعَنْ أَبِي الجَلدِ قَالَ: قَرَأْتُ فِي مَسأَلَةِ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيفَ لِي أَنْ أَشكُرَكَ وَأَنَا لَا أَصِلُ إِلَى شُكرِكَ إِلَّا بِنِعمَتِكَ؟ قَالَ: فَأَتَاهُ الوَحيُ: أَنْ يَا دَاودَ، أَلَيسَ تَعلَمُ أَنَّ الَّذِي بِكَ مِنَ النِّعَمِ مِنِّي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَإِنِّي أَرضَى بِذَلِكَ مِنكَ شُكرًا. اهـ

فَنِعمَةُ اللهِ عَلَى عَبدِهِ بِهِدَايَتِهِ لِشُكرِ نِعَمِهِ بِالحَمدِ عَلَيهَا أَفضَلُ مِنْ نِعَمِهِ الدُّنيَوِيَّةِ عَلَى عَبدِهِ، فَإِنَّ النِّعَمَ الدُّنيَوِيَّةَ إِنْ لَم يَقتَرِنْ بِهَا الشُّكرُ، كَانَتْ بَلِيَّةً.اهـ

قَالَ أَبُو حَازِمٍ: كُلُّ نِعمَةٍ لَا تُقَرِّبُ مِنَ اللهِ فَهِيَ بَلِيَّةٌ، فَإِذَا وفَّقَ اللهُ عَبدَهُ لِلشُّكرِ عَلَى نِعَمِهِ الدُّنيَوِيَّةِ بِالحَمدِ أَو غَيرِهِ مِنْ أَنوَاعِ الشُّكرِ، كَانَتْ هَذِهِ النِّعمَةُ خَيرًا مِنْ تِلكَ النِّعَمِ وَأَحَبَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنهَا فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ».

معنى الشُّكر والشَّاكر والشَّكور:

الشُّكرُ قِسمَانِ: شُكرٌ وَاجِبٌ وَشُكرٌ مَندُوبٌ. فَالشُّكرُ الوَاجِبُ هُوَ مَا عَلَى العَبدِ مِنَ العَمَلِ الذِي يَدُلُّ عَلَى تَعظِيمِ المُنعِمِ الذِي أَنعَمَ عَلَيهِ وَعَلَى غَيرهِ بِتَركِ العِصيَانِ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ هَذَا هُوَ الشُّكرُ المَفرُوضُ عَلَى العَبدِ، وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ الشُّكرَ للهِ عَلَى النِّعَمِ هُوَ بِمَعنَى أَنْ لَا يَعصِي العَبْدُ رَبَّهُ بِهَذِهِ النِّعمَةِ، فَمَنْ حَفِظَ قَلبَهُ وَجَوَارِحَهُ وَمَا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ مِنِ استِعمَالِ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مَعصِيةِ اللهِ فَهُوَ العَبدُ الشَّاكِرُ، ثُمَّ إِذَا تَمَكَّنَ فِي ذَلِكَ سُمِّيَ عَبدًا شَكُورًا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، [سورة سبأ:13]، وَالشَّكُورُ أَقَلُّ وُجُودًا مِنَ الشَّاكِرِ الذِي دُونَهُ. وَالشُّكرُ المَندُوبُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ المُتَفَضِّلُ عَلَى العِبَادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ بِهَا عَلَيهِمْ مِمَّا لَا يَدخُلُ تَحتَ إِحصَائِنَا.

 وَيُطلَقُ الشُّكرُ شَرعًا عَلَى ”القِيامِ بِالمُكَافَأَةِ لِمَنْ أَسدَى مَعرُوفًا مِنَ العِبَادِ بَعضِهِمْ لِبَعضٍ”، وَمِنْ هَذَا البَابِ الحَدِيثُ المَشهُورُ الذي رواه الطبراني: «مَنْ لَمْ يَشكُرِ النَّاسَ لَم يَشكُرِ اللهَ» أَيْ أَنَّ كَمَالَ شُكرِ اللهِ يَقتَضِي شُكرَ النَّاسِ، وَشُكرُ النَّاسِ يَكُونُ بِالمُكَافَأَةِ وَالدُّعَاءِ وَنَحوُ ذَلِكَ.اهـ

إِذًا فَالشُّكرُ عَلَى دَرَجَتَينِ: وَاجِبٌ وَمَندُوبٌ. قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: الشُّكرُ تَركُ المَعَاصِي. وَقَالَ بَعضُهُمْ: الشُّكرُ أَنْ لَا يُستَعَانَ بِشَيءٍ مِنَ النِّعَمِ عَلَى مَعصِيَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو حَازِمٍ الزَّاهِدُ شُكْرَ الجَوَارِحِ كُلِّهَا، أَنْ تُكُفَّ عَنِ المَعَاصِي وَتُستَعمَلَ فِي الطَّاعَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ شَكَرَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَشكُرْ بِجَمِيعِ أَعضَائِهِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ كِسَاءٌ، فَأَخَذَ بِطَرَفِهِ، فَلَمْ يَلبَسْهُ، فَلَمْ يَنفَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الحَرِّ وَالبَردِ وَالثَّلجِ وَالمَطَرِ.اهـ.

 وَرَأَى الحَسَنُ رَجُلًا يَتَبَخْتَرُ فِي مِشيَتِهِ، فَقَالَ: للهِ فِي كُلِّ عُضوٍ مِنهُ نِعمَةٌ، اللَّهُمَّ لَا تَجعَلْنَا مِمَّنْ يَتَقَوَّى بِنِعَمِكَ عَلَى مَعصَيِتِكَ.اهـ

قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: لَمَّا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اعمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكرًا﴾، [سورة سبأ:13]، لَمْ يَأتِ عَلَيهِمْ سَاعَةٌ مِنْ لَيلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا وَفِيهِمْ مُصَلٍّ يُصَلِّي.اهـ).

تذكير بشيء من فضائل عاشوراء:

إنّ لله في الأزمان والأعمار لطائفَ من نفحاتِ الخير، يُصيبُ بها من يعودُ بفضله ورحمته عليه. فالسّعيدُ من اغْتَنَمَ مواسِمَ الشّهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطّاعاتِ، فعسى أن تصيبَه نَفْحَةٌ من تلك النَّفَحاتِ، فيسعدَ بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النارِ وما فيها من اللّفَحَاتِ. وفي الحثّ على اغتنام هذه الخيرات قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيما رواه الطبراني في المعجم الكبير: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ للهِ ‌نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ». وفي رواية الطبراني في المعجم الأوسط قَالَ ﷺ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ ‌فَلَا ‌يَشْقَى ‌بَعْدَهَا ‌أَبَدًا». وَلْيُعَوِّدِ المؤمنُ نفسَه على اغتنام الأوقاتِ ومواسم الخير التي جعلها الشّرع الحنيف في العام فإنّ لذلك فضلًا عظيمًا، ففي مسند أحمد قَالَ ﷺ: «لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا، عَبْدُكَ فُلَانٌ قَدْ حَبَسْتَهُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: اخْتِمُوا لَهُ عَلَى مِثْلِ عَمَلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يَمُوتَ». وإنّ العبدَ المؤمنَ لَيعلمُ أنّه إذا فاتَه وقت لم يطع الله فيه فإنّه لن يعود أبدًا وإنّ في ذلك خسارةً وأيّ خسارة.

 ومِن المَحطّات التي تمرّ علينا خلال العام يوم عاشوراء، ونحن إذ نذكر عاشوراء نذكر عبرًا كثيرة ومن جملتها أنّه قدْ أَمَرَنَا الشّرعُ الحنيفُ أَنْ نَنْظُرَ فِي مَنْ كانَ قَبْلَنَا مِنَ الأممِ وَأَنْ نَعْتَبِرَ بمَا جرَى بينَهُمْ ومَا جَرَى لَهُمْ فِي هذهِ الأرضِ. وبعدَ ذلكَ يَتَّعِظُ الواحدُ مِنَّا بغيرِهِ ويَعْتَبِرُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهُ فَيُحْسِنَ المسيءُ ويزدادَ الذينَ أحسنُوا إِحْسَانًا والذينَ آمنوا إيمانًا، فالسعيدُ مَنِ اتَّعَظَ بغيرِهِ والشقيُّ مَنِ اتَّعَظَ بنفسِهِ، ولهذهِ الحكمةِ وغيرِهَا وردتِ القصصُ فِي القرآنِ الكريمِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، [سورة ق:37].

فَضلُ صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ:

أَخرَجَ مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ الصَّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ، بَعدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيلِ»، فَهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَفضَلَ مَا تُطُوِّعَ بِهِ مِنَ الصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ صَومُ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ.

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: «مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺيَتَحَرَّى صِيَامَ يَومٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيرِهِ إِلَّا هَذَا اليَومَ يَومَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهرَ يَعنِي شَهرَ رَمَضَان».اهـ

وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأُنَاسٍ مِنَ اليَهُودِ قَد صَامُوا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّومِ؟» قَالُوا: هَذَا اليَومُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرعَونُ، وَهَذَا يَومٌ استَوَت فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الجُودِيِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكرًا للهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَومِ هَذَا اليَومِ» فَأَمَرَ أَصحَابَهُ بِالصَّومِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وَسُئِلَ – أَي رَسُولُ اللهِ ﷺ – عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيةَ». وَفِي لَفظٍ: «وَصِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ».اهـ

وَيُسَنُّ أَيضًا صِيَامُ تَاسُوعَاءَ، وَهُوَ تَاسِعُ المُحَرَّمِ لِقَولِهِ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَىَ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَلَكِن مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبلَهُ.

وَقَدِ استَحَبَّ العُلَمَاءُ التَّوسِعَةَ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ عَلَى العِيَالِ وَالمُرَادُ بِالعِيَالِ مَن تَعُولُهُم أَخذًا بِحَدِيثِ المُصطَفَى ﷺ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: «مَن وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ لَم يَزَل فِي سَعَةٍ سَائِرَ سَنَتِهِ»، قَالَ ابنُ عُيَينَةَ: ‌جَرَّبنَاهُ مُنذُ خَمسِينَ سَنَةً أَو سِتِّينَ سَنَةً فَمَا رَأَينَا إِلَّا خَيرًا.

والله تعالى أعلم وأحكم