بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ.
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ،
أَمَّا بَعدُ:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في شرح الأذكار التي يقولها المصلي في أثناء التهجد في الليل، ووصلنا إلى قوله:
بَابُ الْقَوْلِ فِى التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ
رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ ءَامَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى أَنْتَ إِلَهِى لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
الشرح والتعليق على الحديث:
التهجّد هو الذي يكون بعد نوم في الليل، وله فضل عظيم وأسرار كثيرة، وقيام الليل كله له فضائل في شرع الله، والتهجد من قيام الليل، فقد ثبتت فضيلة قيام الليل في القرءان والحديث وفي عمل العلماء والعباد والزهَّاد، أمّا من الآيات فقولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [سورة المزمل/ الآية 20] وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [سورة المزمل/ الآية 6] وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [سورة السجدة/ الآية 16] وقولُه تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [سورة الزمر/ الآية 9] وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 64]
وَمِنَ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ ﷺ:«رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الْعَبْدُ في جوفِ الليلِ خيرٌ له مِنَ الدنيا وما فيها، ولولا أن أشقَّ على أمتِي لفرَضْتُهُما عليهِم». رواه الديلمي وابن المبارك
وفي الصحيح عن جابر أن النبي ﷺ قال:«إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إياه». رواه مسلم
وفي رواية لأبي نعيم في المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم: «يسأل الله تعالى خيرًا من الدنيا والآخرة وذلكَ في كلِّ ليلة».
وقال ﷺ:«عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ فإنَّ قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ عز وجل وتكفيرٌ للذنوبِ ومطردةٌ للداءِ عن الجسدِ ومنهاةٌ عن الإثمِ». رواه البيهقي في السنن الكبرى
وَقَالَ ﷺ:«مَا مِنِ امرئ تكونُ له صلاةٌ بالليلِ فغلبَه عليها النومُ إلا كُتِبَ لهُ أجرُ صلاتِه وكانَ نومُه صدقةً عليهِ». رواه النسائي
وقال ﷺ لأبي ذر:«لوْ أردتَ سفرًا أعددت له عدةً» قال: نعم، قال:«فكيفَ سفرُ طريقِ القيامةِ ألا أنبئكَ يا أبا ذرٍ بما ينفعكَ ذلكَ اليومَ؟» قال: بلى بأبي أنتَ وأمي، قال:«صُمْ يومًا شديدَ الحرِّ ليومِ النشورِ وصلِّ ركعتينِ فِي ظلمةِ الليلِ لوحشةِ القبورِ وحُجَّ حجةً لعظائِمِ الأمورِ وتصدَّقْ بصدقةٍ علَى مسكينٍ أو كلمةُ حقٍّ تقولُهَا أو كلمةُ شرٍّ تسكتُ عنهَا». رواه ابن أبي الدنيا
وروى أحمد والبخاري عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى الرُّؤْيَا قَصَّهَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حفصة فَقَصَّتْهَا حفصة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:«نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ! لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَيَقُولُ: لَا! فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! فَيَقْعُدُ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ.اهـ
وروى ابن حبان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: «سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ»
وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ».
وروى البيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا لَيْلَتَئِذٍ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ».
وقال ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ». رواه البيهقي.
وروى ابن عساكر عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ؛ فَيَسْقُطُ حَتَّى يُعَادَ مِنْهَا أَيَّامًا كَثِيرًا كَمَا يُعَادُ الْمَرِيضُ.
وروى ابن أبي شيبة عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ:(كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا هَدَأَتِ الْعُيُونُ قَامَ فَسَمِعْتُ لَهُ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ حَتَّى يُصْبِحَ).
وَروى ابن الجوزي أنه كَانَ طاووس يَفْرِشُ فِرَاشَهُ ثُمَّ يَضْطَجِعُ فَيَتَقَلَّى كَمَا تَتَقَلَّى الْحَبَّةُ عَلَى الْمِقْلَى ثُمَّ يَثِبُ فَيَتَطَهَّرُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَيَقُولُ: طَيَّرَ ذِكْرُ جَهَنَّمَ نَوْمَ الْعَابِدِينَ.
وقدِمَ بعضُ الصالحين من سفرِه فَمُهِّدَ لهُ فراشٌ فنامَ عليهِ حتَّى فاتَهُ وِرْدُهُ فَحَلَفَ ألَّا ينامَ بعدَها على فراشٍ أبدًا.
وكانَ عبدُ العزيزِ بنُ روَّاد إذا جنَّ عليهِ الليلِ يأتي فراشَه فيمُدُّ يدَه عليهِ ويقولُ إنكَ لَلَيِّنٌ ووَاللهِ إنَّ فِي الجنةِ لَأَلْيَنَ منكَ ولا يزالُ يصلِّي الليلَ كلَّه. وقال الفضيل: إني لأستقبلُ الليلَ مِنْ أولِه فيهولُنُي طولُه فأفْتَتِحُ القرآنَ فأصبحُ ومَا قضيتُ نَهْمَتِي. – أي ما شبعتُ مِنَ القرآنِ والصلاةِ -.
وقالَ الحسنُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ بِهِ قِيَامَ اللَّيْلِ.
وقال الفضيل فيما وراه أبو نعيم: (إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحْرُومٌ مُكَبَّلٌ كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ).
وكان للحسنِ بنِ صالحٍ جاريةٌ فباعَها لِقومٍ فلمَّا كانَ في جوفُ الليلِ قامَتِ الجاريةُ فقالتْ: يا أهلَ الدارِ الصلاةَ الصلاةَ!! فقالوا: أَصْبَحْنَا. أَطَلَعَ الفَجْرُ؟ فقالَتْ: ومَا تُصَلُّوْنَ إلَّا المكتوبةَ؟ قالوا: نعم، فَرَجَعَتْ إلَى الحسنِ فقالَتْ: يَا مولايَ، بِعْتَنِيْ لِقَوْمٍ لا يُصَلُّونَ إلَّا المكتوبةَ، رُدَّنِيْ، فَرَدَّهَا.
وقالَ الربيعُ: بِتُّ في منزلِ الشافعيِّ رضي الله عنه لياليَ كثيرةً فلم يكنْ ينامُ مِنَ الليلِ إلَّا يسيرًا.
وقالَ أبو الجويريةِ: لقدْ صَحِبْتُ أبَا حنيفةَ رضيَ الله عنه ستةَ أشهرٍ فمَا فيهَا ليلةٌ وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الأرضِ. ويروى أنَّه مَا كانَ له فراشٌ بالليلِ. ويقالُ إنَّ مالكَ بنَ دينارٍ رضي الله عنه باتَ يردِّدُ هذهِ الآيةَ ليلةً حتَّى أصبحَ، وهي قولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية/ الآية 21].
وقالَ المغيرةُ بنُ حبيبٍ: رَمَقْتُ مالكَ بنَ دينارٍ فتوضَّأَ بعدَ العشاءِ ثمَّ قامَ إلَى مُصَلَّاهُ فَقَبَضَ علَى لِحْيَتِهِ فَخَنَقَتْهُ العَبْرَةُ فَجَعَلَ يقولُ: حَرِّمْ شَيْبَةَ مالكٍ علَى النارِ، إلَهِي قدْ عَلِمْتَ سَاكِنَ الجنةِ مِنْ ساكِنِ النارِ فأَيُّ الرجلينِ مالكٌ وأَيُّ الدَّارَيْنِ دارُ مالكٍ، فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ قولَهُ حتَّى طَلَعَ الفجرُ.
وقَالَ مالكُ بنُ دينارٍ: سَهَوْتُ ليلةً عنْ وِرْدِيْ ونِمْتُ فإذَا أنَا فِي المنامِ بجاريةٍ كأحسنِ مَا يكونُ وفِي يدِهَا رقعةٌ فقالَتْ ليْ: أَتُحْسِنُ القراءةَ؟ فقُلْتُ: نَعَمْ، فَدَفَعَتْ إِلَيَّ الرقعةَ فإذَا فيها:
| أَأَلْهَتْــــكَ اللَّذَائِــــذُ وَالْأَمَـانِي | عَنِ الْبِيْضِ الْأَوَانِسِ فِي الْجِنَانِ | |
| تَعِيْشُ مُخَلَّدًا لَا مَـــــوتَ فِيْهَا | وَتَلْهُوْ فِيْ الْجِنَـــانِ مَعَ الْحِسَانِ | |
| تَنَبَّــــهْ مِنْ مَنَامِـــكَ إِنَّ خَيْرًا | مِنَ النَّــــوْمِ التَّهَجُّدُ بِالْقُــــــرْانِ |
وقَالَ يوسفُ بنُ مهرانَ: بَلَغَنِي أَنَّ تحتَ العرشِ مَلَكًا فإذا مضَى ثلثُ الليلِ الأولُ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ القائمونَ فإذَا مضَى نصفُ الليلِ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ المتهجدونَ فإذَا مضَى ثلثَا الليلِ ضرَبَ بجناحَيْهِ وقالَ: لِيَقُمِ المصلونَ فإذَا طلَعَ الفجرُ ضربَ بجناحَيْهِ وقالَ لِيَقُمِ الغَافلُونَ – أي الغافلون عن قيام الليل -.
رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ممّا يدلّ على أفضلية قيام الليل وترغيب الشرع به ما روى البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن في الترغيب في القيام في آخر الليل وأنّ مَلَكًا ينزل بأمر ربنا ينادي في السماء مُبَلِّغًا عن الله عزّ وجلّ: هل من داعٍ فيستجيبُ الله له وهل من مستغفر فيغفر الله له.
والرواية في الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»، قال ابن حجر في شرح البخاري: قَوْلُهُ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ وَقَالَ هِيَ جِهَة الْعُلُوّ. وَأنكر ذَلِك الْجُمْهُور لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً وَهُمُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالسُّفْيَانَيْنِ – هما الإمامان: سفيان بن سعيد الثوري 161هـ، وسفيان بن عيينة 198هـ -. وَالْحَمَّادَيْنِ – هما حماد بن زيد وحماد بن سلمة بفتح اللام بن دينار البصري-،
قال ابن حجر: وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ: حُكِيَ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعَنِ السَّلَفِ إِمْرَارُهَا وَعَنْ قَوْمٍ تَأْوِيلُهَا وَبِهِ أَقُول فَأَمَّا قَوْلُهُ: ((يَنْزِلُ)) فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلَكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالنُّزُولُ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي فَإِنْ حَملته فِي الحَدِيث على الْحسيِّ فَتلك صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ – هو أبو بكر بن فُورَك الإمام المتكلم المفسر الفقيه الأصولي النحوي الأديب أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي الأشعري، له ما يقرب من المائة مؤلف في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن وعلم الحديث، اعتبره ابن الأثير من المجددين في الإسلام. توفي سنة 406هـ قيل إنه مجدد القرن الرابع الهجري – حكي عنه أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ أَيْ ((يُنْزِلُ مَلَكًا)) وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ». قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَقَالَ الْبَيْضاوِيُّ – هو الإمام قاضي القضاة عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير ناصر الدين البيضاوي والمكنى بأبي الخير وقد ولد الإمام البيضاوي في بلدة البيضاء؛ وهي بلدة تابعة لمدينة شيراز في بلاد الفرس في القرن السابع الهجري – قال: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ فَالْمُرَادُ نُورُ رَحْمَتِهِ. انتهى كلام ابن حجر في شرحه حديث النزول.
يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ» بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعاءه هذا بحمد الله، ليعلمنا ما ينبغي على العبد المؤمن أن يلتجئ إلى الله عزّ وجلّ حامدًا له مثنيا عليه معظمًا له سبحانه «أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» النور من أسماء الله ليس معناه الضوء، بل الَّذِي بِنُورِهِ أَي بِهِدَايَتِهِ يَهتَدِي ذُو الغَوَايَةِ فَيَرشَدُ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور/ الآية 35]، أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَى هَادِي أَهلِ السَّمَاوَاتِ وَمَن آمَنَ مِن أَهلِ الأَرضِ لِنُورِ الإِيمَانِ، فَاللهُ تَعَالَى لَيسَ نُورًا بِمَعنَى الضَّوءِ بَل هُوَ الَّذِي خَلَقَ الضَّوءَ وَالظَّلَامَ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، هَادِي مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، فَهُم بِنُورِهِ إِلَى الحَقِّ يَهتَدُونَ وَبِهُدَاهُ مِن حَيرَةِ الضَّلَالَةِ يَعتَصِمُونَ.اهـ وقال ابن عباس في معنى هذه الآية الكريمة: اللهُ سُبحَانَهُ هَادِي أَهلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ.اهـ فَاللهُ لَيسَ نُورًا بِمَعنَى الضَّوءِ الَّذِي يَنبَثُّ فِي الأَجسَامِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ ذَلِكَ. وليحذر من بَعضِ العَصرِيِّينَ فإنهم يُتَرجِمُونَ كَلِمَاتِ المُصحَفِ الشَّرِيفِ حَرفِيًّا، فَيَخلِطُونَ فِي بَعضِ الآيَاتِ، فَيَنتَقُونَ لَهَا مَعَانِيَ مُخَالِفَةً لِلشَّرعِ، كَقَولِ بَعضِهِم فِي تَفسِيرِ آيَةِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أَنَّهُ نُورٌ عَلَى مَعنَى الضَّوءِ، فَيُتَرجِمُونَ كَلِمَةَ: “نُورُ” إِلَى (light)، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى فَيَنسُبُونَ إِلَى اللهِ مَا لَا يَلِيقُ وَيُعَارِضُ الآيَةَ المُحكَمَةَ الصَّرِيحَةَ فِي تَنزِيهِ اللهِ أَن يَكُونَ ضَوءًا أَو جِسمًا.
وليعلم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرجَمَةُ القُرءَانِ إِلَى غَيرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُتَرجَمُ مَعَانِيهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: “مَذهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ القُرآنِ بِغَيرِ لِسَانِ العَرَبِ سَوَاءٌ أَمكَنَهُ العَرَبِيَّةَ أَو عَجَزَ عَنهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَو غَيرِهَا، فَإِن أَتَى بِتَرجَمَتِهِ فِي صَلَاةٍ بَدَلًا عَنِ القِرَاءَةِ لَم تَصِحَّ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ أَحسَنَ القِرَاءَةَ أَم لَا، هَذَا مَذهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنهُم مَالِكٌ وَأَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ”.اهـ «وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» قال النووي: الرواية: ((أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: ((قَيِّمُ)) قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، قال ابن عباس: القيوم الذي لا يزول.
والقيوم هُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ وَهُوَ القَائِمُ بِتَدبِيرِ أُمُورِ الخَلَائِقِ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255]، وَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَائِمٌ بِنَفسِهِ غَنِيٌّ أَي مُستَغنٍ عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الأَسفَرَايِينِيُّ: مَعنَاهُ أَنَّهُ بِوُجُودِهِ مُستَغنٍ عَن خَالِقٍ يَخلُقُهُ وَعَن مَحَلٍّ يَحُلُّهُ وَعَن مَكَانٍ يُقِلُّهُ، اهـ وَالكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الأَزَلِيَّةِ يُستَفَادُ مِنهُ نَفيُ الحَاجَةِ إِلَى المَحَلِّ وَالجِهَةِ، خِلَافًا لِبَعضِ أَهلِ الضَّلَالِ كَالكَرَّامِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى فِي جِهَةِ فَوقَ، بَل أَطلَقَ بَعضُهُم شَنِيعَ القَولِ بِأَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى عَرشِهِ مُستَقِرٌّ عَلَيهِ استِقرَارَ السُّلطَانِ عَلَى عَرشِهِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَيُقَالُ فِي الرَّدِّ عَلَيهِم أَنَّهُ لَو كَانَ اللهُ عَلَى العَرشِ كَمَا زَعَمُوا لَم يَخلُ إِمَّا أَن يَكُونَ مِثلَ العَرشِ أَو أَصغَرَ مِنهُ أَو أَكبَرَ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِثبَاتُ التَّقدِيرِ وَالحَدِّ وَالنِّهَايَةِ للهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفرٌ بِإِجمَاعِ الأُمَّةِ، وَقَالَ الإِمَامُ الفَقِيهُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ: “وَأَجمَعُوا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَن خَلقِهِ لَا يَجتَلِبُ بِخَلقِهِ إِلَى نَفسِهِ نَفعًا وَلَا يَدفَعُ بِهِم عَن نَفسِهِ ضَرَرًا”.اهـ
وَلَيسَ مَعنَى القَيُومِ أَنَّ اللهَ قَائِمٌ فِينَا أَي دَاخِلٌ وَحَالٌّ فِينَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَاللهُ لَا يَحُلُّ فِي شَيءٍ وَلَا يَنحَلُّ مِنهُ شَيءٌ وَلَا يَحُلُّ هُوَ فِي شَيءٍ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]، وَقَد قَالَ ابنُ عَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: مَن قَالَ بِالحُلُولِ فَدِينُهُ مَعلُولٌ وَمَا قَالَ بِالِاتِّحَادِ إِلَّا أَهلُ الإِلحَادِ.اهـ
وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» الرب هُوَ السَّيِّدُ المَالِكُ، وَلَا يُقَالُ الرَّبُ أَي بِالأَلِفِ وَاللَّامِ إِلَّا للهِ عَزَّ« وَجَلَّ، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة/ الآية 2]، وَلَفظُ “الرَّبِّ” إِذَا أُفرِدَ وَدَخَلَت “أَل” عَلَيهِ فَهُوَ خَاصٌ بِاللهِ لَا يُطلَقُ عَلَى غَيرِ اللهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعنَى المَالِكِ الخَالِقِ، وَأَمَّا مُجَرَّدًا عَنِ اللَّامِ مُضَافًا فَقَد يَأتِي لِمَعَانٍ أُخرَى يَجُوزُ استِعمَالُهَا فِي حَقِّ المَخلُوقِ نَحوُ قَولِنَا: رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَرَبُّ هَذَا العَبدِ أَي صَاحِبُهُمَا وَمَالِكُهُمَا، وَيَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ تَعَالَى “رَبُّ الأَربَابِ” بِمَعنَى مَالِكِ المُلَّاكِ، فَمَن مَلَكَ شَيئًا فَهُوَ رَبُّهُ بِمَعنَى مَالِكِهِ، وَرَبُّ كُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 164]، قَالَ الفَيُّومِيُّ: “الرَّبُّ يُطلَقُ عَلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُعَرَّفًا بِالأَلِفِ وَاللَّامِ وَمُضَافًا، وَيُطلَقُ عَلَى مَالِكِ الشَّيءِ الَّذِي لَا يَعقِلُ مُضَافًا إلَيهِ، فَيُقَالُ رَبُّ الدَّينِ، وَرَبُّ المَالِ، وَمِنهُ قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ:«حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا» رواه البخاري ومسلم، وَقَدِ استُعمِلَ بِمَعنَى السَّيِّدِ مُضَافًا إلَى العَاقِلِ أَيضًا، وَمِنهُ قَولُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ: «أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا» رواه البخاري ومسلم، وَفِي التَّنزِيلِ حِكَايَةً عَن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [سورة يوسف/ الآية 41]، قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ استِعمَالُهُ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ لِلمَخلُوقِ بِمَعنَى المَالِكِ، لِأَنَّ اللَّامَ لِلعُمُومِ وَالمَخلُوقَ لَا يَملِكُ جَمِيعَ المَخلُوقَاتِ «أَنْتَ الْحَقُّ» الحق هُوَ الثَابِتُ الوُجُودِ الَّذِي لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور/ الآية 25]، قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّمُكَلَّفٍ أَن يَكُونَ فِي قَلبِهِ الدَّلِيلُ الإِجمَالِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعرِفُ مِن نَفسِهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَوجُودًا فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ ثُمَّ وُجِدَ وَخُلِقَ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن أَوجَدَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن لِأَنَّ العَقلَ السَّلِيمَ يَحكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّيءِ بَعدَ عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مُوجِدٍ لَهُ، وَهَذَا المُوجِدُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تَارَةً وَيَسكُنُ تَارَةً وَيَسخُنُ وَقتًا وَيَبرُدُ فِي وَقتٍ ءَاخَرَ وَتُشرِقُ الشَّمسُ مِنَ المَشرِقِ وَتَغرُبُ مِنَ المَغرِبِ وَتَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيضَاءَ وَفِي ءَاخِرِهِ صَفرَاءَ، فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ أَجزَاءُ مِن هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، فَلَو قَالَ مُلحِدٌ لَا يُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ: نَحنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيفَ تُؤمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ: إِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَانَّ ءَاثَارَ فِعلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِن كَاتِبٍ، وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَن بَنَّاءٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوجَدَهُ، وَأَمَّا كَونُكَ لَا تَرَاهُ فَلَيسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ، فَكَم مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي تُؤمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنتَ لَا تَرَاهَا، وَمِن ذَلِكَ عَقلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ.
يُروَى أَنَّ بَعضَ المَلَاحِدَةِ دَخَلُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرَادُوا الفَتكَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَفتَأُ يَرُدُّ ضَلَالَاتِهِم وَيَفضَحُ زَيغَهُم، فَقَالَ لَهُم: أَجِيبُونِي عَلَى مَسأَلَةٍ ثُمَّ افعَلُوا مَا شِئتُم، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُم: إِنَّي رَأَيتُ سَفِينَةً مَشحُونَةً بِالأَحمَالِ مَملُوءَةً بِالأَثقَالِ قَدِ احتَوَشَتهَا فِي لُجَّةِ البَحرِ أَموَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ وَرِيَاحٌ مُختَلِفَةٌ وَهِيَ مِن بَينِهَا تَجرِي مُستَوِيَةً لَيسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجرِيهَا وَلَا مُدَبِّرٌ يُدَبِّرُ أَمرَهَا هَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي العَقلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيءٌ لَا يَقبَلُهُ العَقلُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُبحَانَ اللهِ إِذَا لَم يُجِزِ العَقلُ سَفِينَةً تَجرِي مِن غَيرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا، فَكَيفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى اختِلَافِ أَحوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعمَالِهَا وَسَعَةِ أَطرَافِهَا مِن غَيرِ صَانِعٍ وَحَافَظٍ؟! فَبَكَوا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقتَ وَأَغمَدُوا سُيُوفَهُم وَتَابُوا بِالإِسلَامِ. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الرعد/ الآية 3-4]، فَتَأمَّل تُربَةً تُسقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتَأثِيرُ الشَّمسِ فِيهَا مُتَسَاوٍ، وَالثِّمَارُ الَّتِي تَجِيءُ مِنهَا مُختَلِفَةٌ فِي الطَّعمِ وَاللَّونِ وَالطَّبِيعَةِ وَالشَّكلِ وَالرَّائِحَةِ وَالمَنَافِعِ وَالخَاصِّيَّةِ مَعَ العِلمِ أَنَّ الأَرضَ وَاحِدَةٌ وَالمَاءَ وَاحِدٌ، فَلَو كَانَ حُدُوثُ الأَشيَاءِ بِفِعلِ الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقُولُ المُلحِدُونَ لَجَاءَت مُتَشَابِهَةً، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الوَاحِدَةَ تَفعَلُ فِي الجِسمِ الوَاحِدِ فِعلًا مُتَمَاثِلًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الحَوَادِثِ هُوَ بِفِعلِ قَادِرٍ مُختَارٍ عَالِمٍ، وَبِمثلِ هَذَا استَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا يُروَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: “وَرَقَةُ التُّوتِ رِيحُهَا وَطَعمُهَا وَلَونُهَا وَاحَدٌ، تَأكُلُ مِنهَا الغَزَالَةُ فَيَخرُجُ مِنهَا المِسكُ، وَتَأكُلُ مِنهَا دُودَةُ القَزِّ فَيَخرُجُ مِنهَا الحَرِيرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا الجَمَلُ فَيَخرُجُ مِنهُ البَعَرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا المَاعِزُ فَيَخرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ أَيِ الحَلِيبُ”.اهـ وَسُئِلَ أَعرَابِيٌّ عَن وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: “البَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ وَءَاثَارُ الأَقدَامِ تَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ أَفَلَا يَدُلُّ هَذَا العَالَمُ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ” «وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» أي دينك حقّ وهو التوحيد، وهو الذي أوحى الله به لأنبيائه أجمعين، فَالْمَبْدَأُ الإِسْلامِيُّ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الإِسْلامِ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، الْمَبْدَأُ أَيِ الأَسَاسُ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الإِسْلامِ مِنْ لَدُنِ ءَادَمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ الإِيـمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَيْ أَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ، ثُمَّ هَؤُلاءِ لا يَصِحُّ إِيـمَانُهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيِّ عَصْرِهِمْ. هَذَا الْمَبْدَأُ جَمَعَ أَهْلَ الإِسْلامِ كُلَّهُمْ، هَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُهُمْ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ «وَوَعْدُكَ الْحَقُّ» معناه يا رب أنت وعدت المؤمنين الجنة والكافرين النار، فما وعدت به لا بد أن يتحقق لا يتخلف وعدك ولا مرادك، فلا يأتينا شخص ويقول لكافر إنه يدخل الجنة أو يأتي آخر فيقول عن مؤمن إنه يخلد في النار، هذا عكس وعد الله فلا يتحقق أبدا «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» يعبّر عن لقاء الله بالموت، وليس معناه الاجتماع به في مكان فالله منزّه عن المكان والزمان والجهات ليس كمثله شيء سبحانه «وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ» أي أنهما ثابتتان باقيتان لا تفنيان كما نسمع من بعضهم في هذه الأيام يقولون إنّ النار تفنى والعياذ بالله، وبعضهم يقول ينبت فيها الجرجير، وربنا يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 167]، ويقول: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 65] «وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» الساعة أي القيامة. فقد جاء في حديث جبريل أنه قال: (فَأَخْبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ) رواه مسلم. يَعْنِى أَخْبِرْنِي عَنْ قِيامِ السّاعَة. السّاعَة يَعْنِى يَوْم القِيامَة، أَيْ مَتَى يَكُونُ أَوَّلُ القِيامَة. هُنا ليسَ المراد بالساعَة الوَقت، سِتِّين دَقِيقَة «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ ءَامَنْتُ» ليس معناه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان على غير الإسلام، لا، بل نبينا لم ينشأ إلا على الإسلام. فالإسلام من حيث اللغة معناه الانقياد الظاهري، فيقال: أسلم على معنى انقاد ظاهرا، وقوله: آمنت، أَيْ: تَصْدِيقًا بَاطِنًا، فالإيمان من حيث اللغة هو التصديق القلبي، فمن حيث اللغة يوجد فرق بين الإيمان والإسلام، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: (ففي طريقِ اللُّغةِ فَرْقٌ بينَ الإيمانِ والإْسلامِ). قال الفقيه القاري في تفسيره قول أبي حنيفة رضي الله عنه: والإسلام هو التسليم أي باطنًا، والانقياد لأوامر الله تعالى أي ظاهرًا، ففي طريق اللغة، وفي نسخة: فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام، فإن الإيمان في اللغة هو التصديق كما قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [سورة يوسف/ الآية 17] أي بمصدق لنا في هذه القصة، والإسلام مطلق الانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 83] أي انقاد ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ أي الملائكة والمسلمون﴿وَكَرْهًا﴾ أي الكفرة حين اليأس. اهـ
قال أبو منصور السمرقندي في تفسير قول أبي حنيفة رضي الله عنه: ولا يوجد إسلامٌ بلا إيمانٍ لأن الإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى، وهما كالظهر مع البطن، أي الإيمان والإسلام متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر كما لا ينفك الظهر عن البطن، والبطن عن الظهر، والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها، يعني أنّ لفظ الدين قد يطلق ويراد به شريعة محمد ﷺ، وقد يطلق ويراد به شريعة موسى عليه السلام، وقد يطلق ويراد به شريعة عيسى عليه السلام أو غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام. أما قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات/ الآية 14]، هذه الآية نزلت في بني أسد الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم تكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان أظهروا الإسلام وكانوا يؤدون صورة الصلاة وراء النبي والنبي لم يُكشف له أمرهم إلا بعد نزول الآية فأخبرهم الله تعالى بأن الإيمان ليس بالقول فحسب إنما هو بالقلب فما ءامنتم ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا واستسلمنا، فمن هنا لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الآية في سورة الحجرات تعطي معنى أن الإسلام والإيمان من حيث الشرع مختلفان وقد مر معنا أن الإسلام في الآية معناه الانقياد ظاهرا وهذا معناه اللغوي، وأما من حيث الشرع فقد عرفنا معنى الإسلام ومعنى الإيمان ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غير مؤمن أو مؤمنا غير مسلم فهو ضال من الضالين الجاهلين باللغة والدين «وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ» فهو عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين على الله تعالى ومعلمهم وإمامهم وقد روى أبو نعيم والسيوطي أنه مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ التَّوْفِيقَ لِمَحَابِّكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَصِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ»، وروى ابن أبي الدنيا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَاسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ، وَاسْتَنْصَرَكَ فَنَصَرْتَهُ». وَروى أيضًا عن ابْنِ قُسَيْمٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: هَاتِ، رُبَّ حَدِيثٍ حَسَنٍ جِئْتَ بِهِ. قَالَ: «أَرْبَعٌ لَا يُعْطِيهِنَّ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ». قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: «الصَّمْتُ، وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا»، وقَالَ عَلِيٌّ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَثِقُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ”.اهـ
وروي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ، الدُّنْيَا بَحْرٌ غَرِقَ فِيهِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ سَفِينَتُكَ فِيهَا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَحَشْوُهَا الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ؛ لَعَلَّكَ تَنْجُو)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» رواه ابن أبي الدنيا، وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: ”الْعِزُّ وَالْغِنَى يَجُولَانِ فِي طَلَبِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا ظَفِرَا أَوْطَنَا”.اهـ «وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ» أَيْ: رَجَعْتُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ «وَبِكَ خَاصَمْتُ» أي خاصمتُ أَعْدَاءَكَ «وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ» أَيْ: رَفَعْتُ أَمْرِي لِتَحْكُمَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُخَالِفُنِي «فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى» النبي يذكر مثل هذه الصيغ في دعائه ليعلمنا الأصل أن ندعو الله ونطلب منه مغفرة الذنوب وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الكفر ولا كبائر الذوب ولا صغائرها التي فيها خسة ودناءة نفس قبل النبوة وبعدها، ويجوز على الأنبياء الذنوب الصغيرة التي ليس فيها خسة ودناءة نفس ولكنها لا تحط من قدرهم ولا تخرم مقامهم ولا تمنع عصمتهم وينبهون للتوبة منها قبل أن يقتدي بهم فيها غيرهم «أَنْتَ إِلَهِى لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ختم دعاءه عليه الصلاة والسلام بالتوحيد الذي هو أصل الدين وأساسه.
والله تعالى أعلم وأحكم