أعجب من تسبيح الجبال لداود: الجمادات والدواب تُؤيد نبينا ﷺ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله المتفردِ بالجلالِ والبقاء، والعظمةِ والكبرياء، والعزِّ الَّذِي لا يُرام، العليِّ عن مُداناةِ الأوهام، الجليل العظيم الَّذِي لا تدركُه العقولُ والأفْهامُ، الغنيِّ بذاتِه عن جميعِ مخلوقاتِه، فكلُّ مَنْ سواه مفتقرٌ إليه على الدَّوامَ، وَفَّقَ مَنْ شاء فآمَنَ به واستقام، ثمّ وَجَدَ لذّة مناجاةِ مولاهُ فَهَجَر لذيذَ المنام، وصَحِب رُفقةً تتجافى جنوبُهم عن المضَاجع رغبةً في القيام، فَلَوْ رأيتَهم وَقَدْ سارتْ قوافلُهم في حَنْدسِ الظَّلام،  فسبحانَ من أيْقَظَهُمْ والناسُ نيام، وتبارك الَّذِي غَفَرَ وعفَا، وستَر وكَفَى، وأسْبَل على الكافةِ جميعَ الإِنعام، 

أحمده على نَعمِهِ الجِسام، وأشكرهُ وأسألُه حفظَ نعمةِ الإِسلامِ، وأشْهَدُ أن لا إِله إِلَّا الله وحدَه لاَ شريكَ لَهُ عَزَّ منْ اعتزّ به فلا يُضَام، وَذلَّ مَنْ تكبَّر عن طاعتِهِ ولَقِي الآثام، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الَّذِي بَيَّنَ الحلالَ والحرام، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ الصّدِّيق الهُمَام وعلى عمَر بنِ الخطَّاب الَّذِي إذا تكلَّمَ أَنصَتَ الأنَام، وعلى عثمان الصّابرِ على الْبَلاءِ من العدا اللِئام، وعلى ابنِ عمَّه عليٍّ الأّسَدِ الضِّرغَام، وعلى الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا،

أما بعد

إعطاؤه أعظم مما أوتيه داود عليه السلام:

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص/ الآية 17-19]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة سبأ/ الآية 10-11].

ثبت في السِّيَر طيبُ صَوْتِ داود عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ سَخَّرَ لَهُ الطَّيْرَ تُسَبِّحُ مَعَهُ، وَكَانَتِ الْجِبَالُ أَيْضًا تُجِيبُهُ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ، وَكَانَ سَرِيعَ القراءة، يأمر بدوابه فتسرج فَيَقْرَأُ الزَّبُورَ بِمِقْدَارِ مَا يَفْرَغُ مِنْ شَأْنِهَا ثُمَّ يَرْكَبُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. 

فقد أعطى الله تبارك وتعالى عبده داود عليه الصلاة والسلام فضلًا كبيرًا وحَباه من لدنه خيرًا عظيمًا، فقد كان داود عليه الصلاة والسلام حسن الصوت وكان عندما يصدح بصوته الجميل فيسبّح الله تعالى ويحمُده تسبح معه الجبال والطير يقول الله تعالى: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سورة سبأ/ الآية 10]، ويقول تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 79] وكان داود عليه الصلاة والسلام إذا قرأ الزبور وما فيه من رقائق وأّذكار تكف الطيرُ عن الطيران وتقف على الأغصان والأشجار لتسمع صوته النديّ العذب وتسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، وكذلك الجبال تُردد معه في العشي والإبكار تجيبُه وتسبح الله معه كلما سبح بكرة وعشيا، وتعكف الجن والأنس والطير والدواب على صوته، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص/ الآية 18-19]، ولقد ورد أن سيدنا محمدًا ﷺ وقف يومًا يستمع إلى صوت الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وكان يقرأ القرءان بصوته العذب الحنون، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لقد أعطيت مزمارًا من مزامير() ءال داود))، فقال: يا رسول الله أكنت تستمع لقراءتي؟ قال: ((نعم))، فقال: لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا، أي لجملته تجميلًا. 

وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ حَسَنَ الصوت بتلاوة القرآن، قال جبير بن مُطْعِمٍ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا أَطْيَبَ مِنْ صَوْتِهِ ﷺ، وَكَانَ يَقْرَأُ تَرْتِيلًا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عز وجل. 

وَأَمَّا تَسْبِيحُ الطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ، فَتَسْبِيحُ الْجِبَالِ الصم أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ: وَقَدْ ثبت فِي الْحَدِيثِ أَنِ الْحَصَا سَبَّحَ فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وَكَانَتِ الْأَحْجَارُ وَالْأَشْجَارُ وَالْمَدَرُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ ﷺ. وفي المقابل لقد سخَّر الله الجمادات لنبينا محمد ﷺ. 

فقد روى الطبراني والبيهقي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كان بين يدي رسول الله ﷺ سبع حصيات أو قال: تسع حصيات، فأخذهن في كفه، فسبّحن، حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخَرِسْنَ، ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهنّ فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهنّ فوضعهنّ في يد عثمان فسبّحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي ﷺ: ((هذه خلافة النبوة)).

وروى أبو نعيم والحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم ملوك حضرموت على رسول الله ﷺ وفيهم الأشعث بن قيس، فقالوا إنا قد خبأنا لك خبأ فما هو؟ قال: ((سبحان الله! إنما يفعل هذا الكاهن والكهانة في النار))، فقالوا: فكيف نعلم أنك رسول الله عز وجل؟ فأخذ رسول الله ﷺ كفّا من حصى، فقال: ((هذا يشهد أني رسول الله)) فسبح الحصى في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول الله عز وجل. 

وروى عن ثابت البنانيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ أخذ حصيات في يده فسبّحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيّرهنّ في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعنا التّسبيح، ثم صيّرهنّ في يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيّرهنّ في يد عثمان فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيّرهنّ في أيدينا رجلا رجلا فما سبّحت حصاة منهنّ.

وروى الإمام أحمد وابن سعد والحاكم من طرق عن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتاه رجل من بعض المعادن بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، فقال رسول الله ﷺ: ((خذ هذه يا سلمان، فأد بها ما عليك))، فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما علي؟ فقلّبها رسول الله ﷺ على لسانه ثم قذفها إلي، ثم قال: ((انطلق بها، فإن الله سيؤدّي بها عنك)) فوالذي نفسي بيده، لقد وزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وبقي عندي مثل ما أعطيتهم. 

 وروى البيهقي وأبو نعيم عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: ((يا أبا الفضل، لا تغادر منزلك غدا أنت وبنوك حتى آتيكم فإنّ لي فيكم حاجة))، فانتظروه، حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم، فقال: ((السلام عليكم)) فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال لهم: ((تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض)) حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته وقال: ((يا رب، هذا عمّي وصفو أبي – أي مثل أبي – وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه))، قال: فأمّنت أسكفّة الباب – أي عتبته – وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين. 

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه النبي ﷺ برجله وقال: ((اثبت، عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)).

وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((إنا نازل))، ثم قال: فلما رآها أخذ المعول وقال: ((بسم الله)) وضربها ضربة تكسر ثلثها وبرقت برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحا في جوف ليلة مظلمة، فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنيّ لأبصر قصر المدائن الأبيض)) ثم ضربه التالية فقطع بقية الحجر، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني السّاعة)).

وروى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: ((إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن))، وروى الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. وروى أبو نعيم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: ((لما كانت ليالي بعثت ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك، يا رسول الله)).

وروى الإمام أحمد والترمذي: بينما أعرابيّ ببعض نواحي المدينة في غنم له إذ عدا ذئب على شاة، فأخذها، فطلبها الراعي، فاستنقذها منه فصعد الذّئب على تلّ فاقع واستقرّ، وقال: ألا تتقي الله عز وجل، تنزع مني رزقا ساقه الله عز وجل إليّ؟ فقال: يا عجبا لذئب يقع على ذنبه يكلّمني بكلام الإنس! فقال الذئب: أتعجب منّي؟ فقال الرجل: كيف لا أعجب من ذئب مستذفر ذنبه يتكلّم! فقال الذئب: والله إنك تصادف أعجب من هذا، وفي لفظ: إنا أخبرك بأعجب من كلامي، قال: وماذا أعجب من هذا؟ قال رسول الله ﷺ في النّخلات بين الحرّتين يحدث الناس عن نبأ ما سبق وما يكون بعد ذلك، وفي لفظ: يدعو الناس إلى الهدى، وإلى دين الحق وهم يكذّبونه، فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زوايا المدينة، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره وفي حديث أبي هريرة فقال له رسول الله ﷺ: ((إذا صلّيت الصّبح معنا غدا فأخبر الناس بما رأيت))، فلما أصبح الرجل وصلّى الصّبح فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: ((أخبرهم))، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: ((صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يخرج من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله من بعده)).

وله شعر قاله في ذلك يرحمه الله تعالى:

دَعَيْتُ الضَّــأْنَ أَجْمَعُهَـــا بِكَلْبِــيمِـــنَ اللِّصِّ الْخَفِيِّ وَكُلِّ ذِيْـــبِ
فَلَمَّا أَنْ سَمِعْتُ الذِّئْــــبَ نَـــــادَىْيُبَشِّرُنِيْ بِأَحْمَــــدَ مِنْ قَرِيْـــــبِ
سَعَيْتُ إِلَيْهِ قَـــــدْ شَمَّرْتُ ثَوْبِـــيْ عَلَىْ السَّاقَيْنِ فِيْ الْوَفْـدِ الرَّكِيْبِ
فَأَلْفَيْتُ النَّبِــــــيَّ يَقُــــوْلُ قَـــــوْلًا صَدُوْقًا لَيْـــــسَ بِالْقَوْلِ الْكَذُوْبِ
فَبَشَّرَنِيْ بِدِيْــــــنِ الْحَــــــقِّ حَتَّىْتَبَيَّنَتِ الشَّرِيْعَــــــــةَ لِلْمُنِيْـــــبِ
وَأَبْصَرْتُ الضِّيَاءَ يُضِيْءُ حَوْلِـيْأَمَامِيْ إِنْ سَعَيْــتُ وَعَنْ جَنُوْبِيْ

وقال القاضي في الشفاء روى ابن وهب مثل هذا أنّه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أميّة مع ذئب وجداه أخذ ظبيا، فدخل الظّبي الحرم، فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك، قال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنّة وتدعونه إلى النار؟ 

وروى الإمام أحمد ومسدد بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لآل رسول: داجن – ما يألف البيوت كالشاة والطير – فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتدّ وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه.

وروى ابن سعد وأبو يعلى والبزار والحاكم وصححه عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها، فأخرجني إلى شجر كثير ملتف فيها أسد فأقبل الأسد، فلما رأيته قلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ فأقبل إليّ فدفعني بمنكبه حتى ضربني بجنبه كأنما سمعت صوتا أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبي حتى أقامني على الطريق ثم همّهم ساعة فرأيت أنّه يودّعني.

وروى ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم وابن السّكن وغيرهم عن نافع بن الحارث بن كلدة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وكنّا زهاء أربعمائة، فنزلنا منزلا في موضع ليس فيه ماء فشقّ على أصحاب الرسول ﷺ فجاءت شاة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله ﷺ فحلبها، فشرب حتى روي وسقى أصحابه حتى رووا ثم قال: ((يا نافع احفظها الليلة وما أراك تملكها)) قال: فأخذتها فوتدتّ لها في الأرض ثم أخذت رباطا فربطتها فاستوثقت منها، ثم قمت بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا فأخبرت النبي ﷺ فقال: ((ذهب بها الذي جاء بها)). 

وروى ابن عدي عن محمد بن كعب القرظيّ رحمه الله تعالى قال: عدا كلب أسود على رجل من أهل الذّمّة فدخل البحر، فمكث الكلب قائما عليه ينتظره، فلما أبطأ عليه، قال: يا كلب، إني في ذمّة محمد ﷺ فولّى الكلب يعدو.

وروى النّسائي في الكبرى والطبراني برجال ثقات والبيهقي بسند صحيح عن جعيل الأشجعي رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة فكنت في آخر الناس، فلحقني رسول الله ﷺ فرفع مخفقة – عصا – فضربها بها وقال: ((اللهم بارك فيها))، قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسها أن أتقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا.

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرّة فركب رسول الله ﷺ فرسا لأبي طلحة كان بطيئا فلما رجع، قال: ((وجدنا فرسك بحرا)) فكان بعد لا يجارى .

وروى الطبراني عن عصمة بن مالك الخطميّ قال: ((زارنا رسول الله إلى قباء فلمّا أراد أن يرجع جئناه بحمار يتجافى قطوف فركبه، وردّه علينا فهو هملاج – سرعة السير شبه الهرولة، فارسيّ معرّب ويسمّى الآن رهوانا – ما يساير)).

وروى أبو داود والنسائي وأبو مسلم عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال: ((قرب لرسول الله خمس أو ستّ بدنات ينحرهنّ يوم عيد فطفقن يقربن إليه بأيتهن يبدأ)) معناه أن البدنات كن يتسابقن ليُذبحن بين يديه ﷺ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ لَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِدَاوُدَ الْحَدِيدَ حَتَّى سَرَدَ مِنْهُ الدُّرُوعَ السَّوَابِغَ

قُلْنَا: قَدْ لُيِّنَتْ لِمُحَمَّدٍ الْحِجَارَةُ وَصُمُّ الصُّخُورِ فَعَادَتْ لَهُ غَارًا اسْتَتَرَ بِهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، مَالَ ﷺ بِرَأْسِهِ إِلَى الْجَبَلِ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ عَنْهُمْ فَلَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْجَبَلَ حَتَّى أَدْخَلَ فِيهِ رَأْسَهُ وَهَذَا أَعْجَبُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ تُلَيِّنُهُ النَّارُ وَلَمْ نَرَ النَّارَ تُلَيِّنُ الْحَجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدُ ظَاهِرٌ بَاقٍ يَرَاهُ النَّاسُ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ حَجَرٌ مِنْ جَبَلٍ أَصَمَّ اسْتَرْوَحَ فِي صَلَاتِهِ إِلَيْهِ فَلَانَ لَهُ الْحَجَرُ حَتَّى أَثَّرَ فِيهِ بِذِرَاعَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ يَقْصِدُهُ الْحُجَّاجُ وَيَزُورُونَهُ. 

ومن فضل الله تبارك وتعالى على عبده داود أن قوّى مُلكه وجعله منصورًا على أعدائه مُهابًا في قومه قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [سورة ص/ الآية 20]، وقيل: معنى الحكمة أي النّبوة، وأمّا فصل الخطاب فقد قيل: هو إصابة القضاء وفهم ذلك، وقيل: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وقيل: هو قوله في الخطاب، أما بعد.

وقد كانت الحكمة التي أوتيها نبينا ﷺ، والشريعة التي شرعت له أكمل من كل حكمة وشرعة كانت قبله من الأنبياء وقد قال ﷺ: ((أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا)). ولا شكّ أنّ العرب أفصح الأمم، وكان رسول الله ﷺ أفصحَهم لفظا، وأجملَهم مطلقا، وأوتي حسن الصوت.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ