الغيب الذي لا يُكذّب: نبوءات وقعت كما قالها النبي ﷺ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله القويِّ المتين، الظاهر القاهر المُبين، لا يعزب عن سمْعِه أقَلُّ الأنين، ولا يخْفَى على بصرِه حركَاتُ الجَنِين، ذَلَّ لكبريائِه جبابرة السلاطين، وبطلَ أمَام قدرتِه كَيدُ الكائِدين، قضى قضاءه كما شاء على الخاطِئين، وسبقَ اختيارهُ من اختاره من العالمِين، فهؤلاء أهلُ الشِّمَالِ وهؤلاءِ أهلُ اليمين. 

أحمدُه سبحانَه حمدَ الشاكِرين، وأسأله معونَة الصابِرِين، وأسْتَجِيرُ بِهِ من العذابِ المُهين، وأشهد أنْ لا إِله إِلّا الله الملكُ الحقُّ المُبين، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه المصطفى الأمين، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ أوّل تابعٍ من الرّجال على الدِّين، وعلى عمرَ القويِّ في أمر الله فلا يَلِين، وعلى عثمانَ زوجِ ابنتِي الرسولِ ونعمَ القرِين، وعلى عليٍّ بَحْر العلومِ الأنزع(1) البطين(2)، وعلى جميع آل بيت الرّسول الطّاهرين، وعلى سائِر أصَحابِه الطَّيِّبين، وعلى أتباعِه الصَّالِحِينَ إلى يوم الدّين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، 

أما بعد:

فمن جملة ما تكلمنا عنه ونحن في هذه الليالي المباركة الليالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك، مقارنة ما أوتي نبينا صلوات الله وسلامه عليه مع ما أوتيه الأنبياء السابقون عليهم الصّلاة والسّلام، 

وكان عيسى عليه السّلام يُنبّئ النّاس بما يأكلون ويدّخرون في بيوتهم، وكم لنبينا من قصّة أخبر فيها النّاس بغيب أطلعه الله عليه، فالنّبيّ ﷺ لا يعلم كلّ الغيب وإنّما مما علّمه الله عزّ وجلّ، 

وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن جابر رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ مرّ وأصحابه بامرأة فذبحت لهم شاة واتخذت لهم طعاما، فلما رجع، قالت: يا رسول الله إنا ذبحنا لكم شاة، واتخذنا لكم طعاما، فادخلوا فكلوا فدخل رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا لا يبدءون حتى يبدأ النّبي ﷺ فأخذ النّبي ﷺ لقمة، فلم يستطع أن يسيغها، فقال النبي ﷺ: ((هذه ذبحت بغير إذن أهلها))، فقالت المرأة: يا رسول الله، إنا لا نحتشم من آل معاذ، نأخذ منهم ويأخذون منا، وفي لفظ: إنا لا نحتشم من آل فلان ولا يحتشمون منا، نأخذ منهم، ويأخذون منا. 

روى الطبراني من طريق الحسن بن يحيى الخشني أنّ معاذًا رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: ((تَنْزِلُونَ مَنْزِلًا يُقَالُ لَهُ: الْجَابِيَةُ يُصِيبَكُمْ فِيهِ دَاءٌ مِثْلُ غُدَّةِ الْجَمَلِ، يَسْتَشْهِدُ اللَّهُ بِهِ أَنْفُسَكُمْ وَذَرَارِيَّكُمْ، وَيُزَكِّي بِهِ أَعْمَالَكُمْ)) فمات بالطاعون رضي الله عنه. 

وروى الطبراني عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه كان عند رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال: ((مالك يا شداد؟)) قال: ضاقت بي الدنيا، قال: ((ليس عليك، إنّ الشام يفتح ويفتح بيت المقدس فتكون أنت وولدك أئمةً فيهم)) توفي في القدس ودفن في مقبرة الرحمة المجاورة لسور المسجد الأقصى الشرقي.

وروى ابن عساكر من طريق أبي العاصم، قال: حدثني مولى لعثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ بعث إلى عثمان بهدية، فاحتبس الرسول ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ: ((ما حبسك؟)) ثم قال: ((إن شئت أخبرتك بما حبسك، كنت تنظر إلى عثمان مرة، وإلى رقية مرة، أيهما أحسن؟)) قال: إي والذي بعثك بالحقّ، إنه الذي حبسني.

وروى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلمّا مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا تبعها يضربها بالسيف، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال رسول الله ﷺ: ((أما إنّه من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه فكلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجلُ جرحا شديدا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: ((وما ذاك؟)) قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه(3)، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((إنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإنّ الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)).

أخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضًا شديدًا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ(4). قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة(5) فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ(6)، وأحرقوها، فإذا فيها وتد فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [سورة الفلق] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس].قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ هَذَا الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَدِهِ وَظَوَاهِرِ جَوَارِحِهِ لَا عَلَى عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ واعتقاده.

وروى أبو نعيم في دلائل النبوة من حديث ابن عباس قال: لمّا كان يوم بدر أسر سبعون، فجعل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أربعين أوقية ذهبًا، وجعل على عمّه العبّاس مئة، وعلى عقيل ثمانين، فقال العباس: أللقرابة صنعت بي هذا؟ والذي يحلف به العباس، لقد تركتني فقير قريش ما بقيت. قال: ((كيف تكون فقير قريش، وقد استودعت أم الفضل بنادق الذهب ثم أقبلت إلي، وقلت لها: إن قتلت تركتك غنية ما بقيت، وإن رجعت فلا يهمنك شيء)). فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، ما أخبرك بهذا إلا الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 70] فقال حين نزلت: يا نبي الله! لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها فآتاني الله خيرًا منه.

روى البخاري والبيهقي عن أبي هريرة، من طريق ابن إسحاق أنّ خبيبا لمّا قال: اللهم إنّي لا أجد من يبلغ رسولك عنّي السّلام، فقال النّبي حينئذ: ((وعليك السلام.)) قال أصحابه: يا رسول الله، من قال؟ قال: ((خبيب يقتل)). وفي لفظ قال رسول الله وهو جالس في ذلك اليوم الذي قتل فيه خبيب: ((عليك السلام خبيب قتلته قريش)). 

عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ناس إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرءان والسّنّة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حَرامٌ بن مِلحان يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنّهار يَجِيئُون بالماء، فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطّعام لأهل الصُّفَّةِ، وللفقراء، فبعثهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم فَعَرَضُوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بَلِّغْ عَنَّا نبينا أنا قد لَقِينَاك فرضينا عنك ورَضِيتَ عَنَّا، وأتى رجلٌ حَرَامًا خال أنس من خلفه، فطعنه برُمْحٍ حتى أَنْفَذَهُ، فقال حَرَامٌ: فُزْتُ ورَبِّ الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ إخوانكم قد قُتِلُوا وإنّهم قالوا: اللهم بلغ عنّا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا)).

قنَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَهرًا مُتَتابِعًا، في الظُّهرِ، والعَصرِ، والمَغرِبِ، والعِشاءِ، وصَلاةِ الصُّبحِ، في دُبُرِ كلِّ صَلاةٍ، إذا قال: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه، مِنَ الرَّكْعةِ الآخِرةِ، يَدْعو على أحْياءٍ مِن بَني سُلَيمٍ؛ على رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، ويُؤَمِّنُ مَن خَلفَه.

وروى البيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: زعموا أن رسول الله ﷺ قال: مر ‌عَليّ ‌جَعْفَر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان، وزعموا أن يعلى بن أميه قدم على رسول الله ﷺ يخبره بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ: ((إن شئت فأخبرني، وإن شئت أخبرتك))، قال: أخبرني يا رسول الله به، فأخبره رسول الله ﷺ خبرهم كلهم ووصفه لهم فقال: والذي بعثك بالحق، ما تركت من حديثه حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال: ((إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم)).

وروى مسلم والطيالسي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أمّا الرجل فأَدْرَكَتْه رغْبَة في قريته، ورأْفَة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يَخْفَى علينا، فإذا جاء فليس أحدٌ يرْفَع طَرْفَه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَنْقَضي الوحي، فلمّا انْقَضَى الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا مَعْشر الأنصار)) قالوا: لبَّيْك يا رسول الله، قال: ((قلتُم: أمَّا الرجل فأدْرَكَتْه رغْبَةٌ في قريته؟)) قالوا: قد كان ذاك. قال: ((كلَّا، إنّي عبدُ الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمَحْيَا مَحْيَاكم والمَمَات مَماتُكم))، فأقْبَلوا إليه يبْكون ويقولون: والله، ما قلْنا الذي قلْنا إلَّا الضِّنَّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكم، ويَعْذُرانِكم))، فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصًا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا؛ لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الشورى/ الآية 52] فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ورسوله يصدقانهم ويعذرانهم.

وروى ابن سعد عن عثمان بن طلحة قال: لقيني رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام، فقلت: يا محمّد، العجب لك حيث تطمع أن أتبعك، وقد خالفت دين قومك، وجئت بدين محدث، فذهب وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل يوما يريد الكعبة أن يدخلها مع الناس، فغلظت عليه، ونلت منه وحَلُم عني، ثم قال: ((يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح بيدي، أضعه حيث شئت))، فقلت: لقد هلكت قريش، وذلت، فقال: ((بل عمرت يومئذ وعزّت)). فدخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا، ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال، فأردت الإسلام، فإذا قومي يزبرونني زبرًا شديدًا، فأسلم في الحديبية فلمّا كان يوم فتح مكة، قال لي: ((يا عثمان، ائت بالمفتاح)) فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي، وقال: ((خذها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم))، فلمّا وليّت ناداني، فرجعت إليه، فقال: ((ألم تكن الذي قلت لك؟)) فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت، فقلت: بلى أشهد أنّك رسول الله حقًّا.

وروى ابن سعد وابن عساكر عن شيبة بن عثمان قال: لمّا غزا النّبي صلّى الله عليه وسلم حنينًا، فقلت: اليوم أدرك ثأري في محمّد. فجئت من خلفه فدنوت منه ودنوت حتّى لم يبق إلا أن أسوره بالسيف، رُفع لي شواظ من نار كأنّه البرق فخفت أن يحبسني فنكصت القهقري. فالتفت إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا شيبة))! قال: ((ادن)) فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدري وقال: ((اللهم أعذه من الشيطان)) فاستخرج الله الشيطان من قلبي، فرفعت إليه بصري وهو أحبّ إلي من سمعي وبصري، فقال: ((يا شيبة، أراد الله بك خيرا مما أردت بنفسك؟)) ثم حدثني بما أضمرت في نفسي! فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، استغفر لي يا رسول الله، قال: ((غفر الله لك)).

وروى البخاري عن أبي هريرة قال النبي ﷺ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، ‌وَتَكْثُرَ ‌الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ القَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ)).

وروى الشيخان عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ‌أَنْ ‌تُبْسَطَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ)).

وروى الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: ((تُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتي قَوْمٌ يُبِسُّونَ(7)، فَيَتَحَمَّلُونَ بأَهْلِهِمْ ومَن أطَاعَهُمْ(8)، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لهمْ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتي قَوْمٌ يُبِسُّونَ(9)، فَيَتَحَمَّلُونَ بأَهْلِيهِمْ ومَن أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لهمْ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بأَهْلِيهِمْ ومَن أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لهمْ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ)).

وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ، وَقَرِيبَهُ ‌هَلُمَّ ‌إِلَى ‌الرَّخَاءِ ‌هَلُمَّ ‌إِلَى ‌الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) فكأن الذي حضر الفتح أعجبه حُسن اليمن ورخاؤه فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيحتمل المدعوّ بأهله وأتباعه.

روى البخاري وابن ماجه وأحمد عن عوف بن مالك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة: مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غاية تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا)). 

فقد ذكر النّبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث ستّ علامات من علامات السّاعة الصّغرى، وقد وقع منها خمس علامات، وبقيت السادسة، والخمس التي وقعت هي:

  1. موت النّبي صلّى الله عليه وسلّم.
  2. فتح بيت المقدس، وكان ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السّنة السّادسة عشرة من الهجرة النّبوية، كما ذهب إلى ذلك أئمة السّيرة، وقد ذهب عمر رضي الله عنه بنفسه إلى بيت المقدس وبنى فيها مسجدًا في قبلة بيت المقدس، كما روى الإمام أحمد من طريق عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار أين ترى أن أصلي؟

فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلّها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت – شابهت – اليهود، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلّى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.

  1. كثرة الموت، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((‌مُوتَانٌ ‌يَأْخُذُ ‌فِيكُمْ ‌كَقُعَاصِ ‌الْغَنَمِ)) وقعاص الغنم هو: داء يأخذ الدّواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. قال أبو عبيدة: قال ابن حجر: ويقال إنّ هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس.
    ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور وقع طاعون عَمَواس، ثم انتشر في أرض الشّام فمات فيه خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم، ومن غيرهم. قيل: بلغ عدد من مات فيه خمسة وعشرون ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة رضي الله عنه.
  2. استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطًا، وقد تحقّق هذا في زمن عمر بن عبد العزيز فقد كثر المال في عهده، وفاض حتى كان الرجل يعرض المال للصّدقة فلا يجد من يقبله منه، وسيكثر أيضًا في آخر الزمان حتى يعرض الرّجل ماله، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وذلك عند نزول عيسى عليه السلام، ففي صحيح مسلم عن النّواس بن سمعان: ((ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ‌ثَمَرَتَكِ، ‌وَرُدِّي ‌بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا(10)، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ(11)، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ(12) مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ(13) مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ(14) مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)).

وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ ‌الْأُسْطُوَانِ ‌مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا)). 

وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَاللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا ‌وَلَيَدْعُوَنَّ ‌إِلَى ‌الْمَالِ ‌فَلَا ‌يَقْبَلُهُ ‌أَحَدٌ)). وهذه الاستفاضة للمال لم تقع بعد، لأنّها تكون بعد ظهور المهدي، ونزول عيسى عليه السلام.

  1. فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، وهي كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان، واستمرت الفتنة بعده.
  2. هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا، وهذه لم تقع بعد، وقد نص جماعة من أهل العلم على أنها لم تقع حتى زمنهم، منهم: ابن حجر، وقال: أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد.

وروى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: ((إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ(15)، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا)) لمّا افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص – حين دخل ما يسمونه بؤونة مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ(16) – فقالوا: أيّها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إنّ هذا مما لا يكون في الإسلام، إنّ الإسلام يهدم ما قبله .

قال: فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بِطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل .

فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها: “من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر: أما بعد، فإن كنت إنّما تجري من قبلك ومن أمرك: فلا تجر، فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنّما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجري”.

قال: فألقى البطاقة في النيل، فأصبحوا يوم السبت، وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. وضرب الأرض برجله لمّا اهتزت وقال: ألم أعدل عليك فسكنت.

فائدة

روى الطبراني وابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: “إِذَا طَلَبْتَ حَاجَةً ‌فَأَحْبَبْتَ ‌أَنْ ‌تَنْجَحَ فَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ”.

مِنْ خواصِّ اسمِ اللهِ “البارئِ“: أنْ يُذْكَرَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَة كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ لِلسَّلَامَةِ مِنَ الآفَاتِ.

الحاشية

  1. الأنزع لغةً: يُوصف بها من انحسر الشّعر عن جانبي جبهته، أي لم يكن على جانبي جبهته شعر. فلِكُلّ إنسان نزعتان وناصية، فالنّاصية هي الشّعر الذي يكون في مقدّم الرّأس محاذيًا للجبهة التي تتوسط الجبينين، والنّزعتان هما الموضعان اللذان يكونان عن يمين النّاصية وشمالها في مقدّم الرّأس، فمن لم يكن على نزعتيه شعر يُقال له الأنزع ويُقابله الأغمّ، وهو من كان الشّعر بالغًا حد جبينه.
  2. كلمة البطين تطلق على أكثر من معنى، فمن موارد إطلاقها ما أفاده ابن منظور في لسان العرب أنَّه وصف للرّجل العريض البطن وإن لم يكن منتفخ البطن.
    فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين كان أنزع الشعر وذلك من الصفات الممدوحة في الرّجال، وكانت العرب تتيمن بالأنزع وكان بطينًا أي أنه كما قيل كان له بطن أو كان عريض البطن نظرًا لكون جسد علي عظيمًا تناسب أن يكون بطنه كذلك، وتناسب الأعضاء من صفات الكمال الجسدي.
  3. وهنا يجدر التنبيه على حكم المسلم الذي يقتل نفسه، فقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: في هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أنّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة”. 
  4. الْمَطْبُوبُ الْمَسْحُورُ يُقَالُ طُبَّ الرَّجُلُ إِذَا سُحِرَ، فَكَنَوْا بِالطِّبِّ عَنِ السِّحْرِ كما كنوا بالسليم عن اللديغ، قال ابن الأنبارى: الطب من الأضداد يُقَالُ لِعِلَاجِ الدَّاءِ طِبٌّ وَلِلسِّحْرِ طِبٌّ، وَرَجُلٌ طَبِيبٌ أَيْ حَاذِقٌ؛ سُمِّيَ طَبِيبًا لِحِذْقِهِ وَفِطْنَتِهِ.
  5. أي البئر
  6. مثل الحجر الصلب
  7. أي يسوقون
  8. ويُزيّنون لهم الخروج عنها إلى غيرها، معناه: يدعون الناس إلى بلاد الخصب
  9. قوله: ((فَيَأْتي قَوْمٌ يُبِسُّونَ)) قيل: يعني تتحملون بأهليهم ويُزينون لهم الخروج عنها إلى غيرها، فمعناه: عنده يدعون الناس إلى بلاد الخصب.
  10. أي بقشرها
  11. أي اللبن
  12. وهي قريبة العهد بالولادة 
  13. الفئام هي الجماعة الكثيرة
  14. وهم الجماعة من الأقارب وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة
  15. كوحدة قياس لمساحة الأراضي. في مصر هو جزء من 24 جزء من الفدان، أي ما يعادل 175 متر مربع.
  16. وهو عاشر شهر في السنة القبطية.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ