الحديث (118) · يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة

المقدمة

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي نَصَبَ مِنْ كُلِّ كَائِنٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بُرْهَانًا، وَتَصَرَّفَ فِي خَلقِه كَمَا شَاءَ عِزًّا وَسُلْطَانًا، وَاخْتَارَ الْمُتَّقِينَ فَوَهَبَ لَهُمْ بِنِعْمَتِهِ عِلمًا وَإِيمَانًا، وعَمَّ بعضَ الْمُذْنِبِينَ بِرَحْمَتِهِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، وَلَمْ يَقْطَعْ أَرْزَاقَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ جُودًا وَامْتِنَانًا، حَكَمَ فِي بَرِيَّتِهِ فَأَمَرَ وَنَهَى، وَأَكْرَمَ الْمُؤْمِنَ إِذْ كَتَبَ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ، وَأَيْقَظَ بِمَوْعِظَتِهِ مَنْ غَفَلَ وَسَهَا، وَدَعَا الْمُذْنِبَ إِلَى تَوْبَةٍ لِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ فجعلَه سَمِيعًا بَصِيرًا، وأَنْشَرَ زَرْعًا لَمْ يَكُنْ مَنْشُورًا، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْقَمَرَ نُورًا بَيْنَ شَرْقِهِ وَغَرْبِهِ. لَيْسَ بِجِسْمٍ فَيُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، وَلا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ فَيَتَطَرَّقُ عَلَيْهَا انْعِدَامٌ، نَصِفُهُ بما وصَفَ نَفسَه مِنْ غَيْرِ كَيْفَ وَالسَّلامُ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ مُعتَرف بذَنْبِهِ، وَأُقِرُّ بِتَوْحِيدِهِ إِقْرَارَ مُخْلِصٍ مِنْ قَلْبِهِ، وَأُصَلِّي وأُسَلِم عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَءالِهِ وَصَحْبِهِ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُرْبِهِ، وَعُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيْطَانُ فِي سَرْبِهِ، وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ لا فِي صَفِّ حَرْبِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَرْبِهِ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ كُلا مِنَّا بِإِصْلاحِ قَلْبِهِ، وَأَنْعِمْ عَلَيْهِ بِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَانْفَعْنِي وَكُلَّ مستَمِعٍ بِجَسَدِهِ وَلُبِّهِ. ءامين، أما بعد:

الحديث

فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين للحافظ النووي رحمه الله في باب بيان كثرة طرق الخير، ووصلنا إلى الحديث الثاني منه وهو الحديث الثامنَ عشرَ بعد المائة، قال رحمه الله: الثاني: عن أبي ذر أيضًا رضي الله عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ، وَيُجزِىءُ مِنْ ذلِكَ رَكْعَتَانِ يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى». رواه مسلم. «السُّلامَى» بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.

الشرح

الثاني (أي الحديث الثاني من باب بيان كثرة طرق الخير): عن أبي ذر أيضًا رضي الله عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «يُصْبحُ (أي يأتي عليه الصباح) عَلَى كُلِّ سُلَامَى (قال ملا علي القاري: سلامى: بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ: عِظَامِ الْأَصَابِعِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعِظَامُ كُلُّهَا، وفِي النِّهَايَةِ: السُّلَامَى جَمْعُ السُّلَامِيَّةِ وَهِيَ الْأُنْمُلَةُ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ، وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْإِنْسَانِ.اهـ وقال النووي في شرحه لمسلم: هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْكَفِّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي جَمِيعِ عِظَامِ الْبَدَنِ وَمَفَاصِلِهِ وَسَيَأْتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ صَدَقَةٌ) مِنْ أَحَدِكُمْ (أي من المؤمنين الذين يقبل منهم العمل فهذه الأعمال الحسنة المذكورة لا تقبل ممن ليس مسلما مؤمنا، لأن المؤمن إذا عمل العمل الحسن الموافقَ للشريعة مع إخلاص النية لله تعالى فإن الله يقبله، أما إذا اختل شرط من هذه الشروط فلا يقبله الله منه مهما أتعب نفسه في صور الحسنات والطاعات، فإن كان الشخص غيرَ مسلم فلا يصح العمل منه فلو جاء هذا الكافر أو المرتد فقال مثلا: سبحان الله، أو قال: الحمد لله، أو قال: الله أكبر، أو قال: لا إله إلا الله، وهو يعتقد خلافها، فهذا لا يصح إسلامه، فالشرط لقبول الأعمال الصالحة هو الإيمان، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. وقال رَسولُ الله ﷺ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا». رواه الإمام أحمد. فمن لم يكن مؤمنا بأن كفر بالله فقد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، والكُفْرُ نَقِيضُ الإيمانِ كَمَا أنَّ الظَلامَ نَقِيضُ النُّورِ، والكافر: إمّا كَافِرٌ أصْلِيٌّ أوْ مُرْتَدٌّ عَنِ الإسْلامِ. فَالَكَافِرُ الأصْلِيُّ: هُوَ مَنْ نَشَأ مِنْ أبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ على الكفر وَبَلَغَ على الكُفْرِ. أمَّا المُرتَدُّ: فَهُوَ الشّخْصُ الذي كَان مُسْلِمًا وَوَقَعَ في أحدِ أنْوَاعِ الرّدَّةِ. وَالرّدّةُ هيَ الخُرُوجُ عَنِ الإسْلام، فيَجِبُ على كلّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْفَظَ إسْلامَهُ وَيَصُونَهُ عَنْ هذِهِ الرّدّةِ التي تُفْسِدُهُ وَتُبْطِلُهُ وتَقْطَعُهُ والعِيَاذُ باللهِ تَعالى. وَالرّدَّةُ ثَلاثةُ أقْسَامٍ كَما قَسَّمها العلماءُ: كُفْرٌ اعْتِقَادِيٌّ، وكُفْرٌ فِعْليٌّ، وكُفْرٌ قَوْلِيٌّ. وكُلُّ قِسْمٍ مِنْ أقْسَامِ الرّدّةِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ. الكُفْرُ الاعْتِقَاديٌّ: كَنَفْيِ وجودِ اللهِ تَعَالَى، أو اعْتِقَادِ أن الله عَاجِزٌ أو جَاهِلٌ أو اعتِقَادِ أنَّ اللهَ جِسْمٌ أوْ ضَوْءٌ أو رُوحٌ أو أنّه يَتَّصفُ بصفةٍ من صِفاتِ الخَلْقِ والعِيَاذُ بِاللهِ تَعالى، أو اعتِقَادِ أن شُرْبَ الخَمْرِ حَلالٌ أو أن السَّرِقَةَ حَلالٌ، أو اعْتقَادِ أنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِض الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أو صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، أو مطلق الزَّكَاةَ أو الحَجَّ. الكُفْرُ الفِعْلِيُّ: كإلْقَاءِ المصْحَفِ أوْ أوْرَاقِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَمْدًا فِي القَاذُورَاتِ، أو السُّجُودِ لِصَنَمٍ أوْ لِشَمْسٍ أوْ مَخْلُوقٍ آخَرَ على وَجْهِ العِبَادَةِ لَهُ، وَكَكِتَابَةِ الآيَاتِ القُرآنِيَّةِ بِالبَوْلِ. الكُفْرُ القَوْليٌّ: كَسَبّ اللهِ تَعَالى أوْ سَبّ نَبِيّ مِنَ الأنْبِيَاءِ أو مَلَكٍ مِنَ الملائِكَةِ أوْ سَبّ الإسْلامِ أو القُرْآنِ أو الاسْتِهْزاء بالصَّلاةِ أو الصّيَامِ، أو الاعتراض على اللهِ. وليُعلَم أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يَرجِعُ إلى الإسلامِ إلا بالنُّطقِ بالشهادتين بعد رجوعه عن الكفر، فلا يرجع الكافر إلى الإسلام بقول أستغفِرُ اللهَ بل يَزيده ذلك كفرًا، ولا تنفعه الشَّهادتان ما دام على كفرِه لم يرجِع عنه، ومما يدل على أن الله يقبل العمل الصالح من المؤمن ولو كان قليلا ويثيب عليه الثواب العظيم في الآخرة ما روى الإمام أحمد في الزهد عن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: ” كَانَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عليه السلام أَلْفُ بَيْتٍ؛ أَعْلَاهَا قَوَارِيرُ، وَأَسْفَلُهَا حَدِيدٌ، فَرَكِبَ الرِّيحَ يَوْمًا، فَمَرَّ بِحَرَّاثٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْحَرَّاثُ، فَقَالَ: لَقَدْ أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَحَمَلَتِ الرِّيحُ كَلَامَهُ، فَأَلْقَتْهُ فِي أُذُنِ سُلَيْمَانَ عليه السلام قَالَ: فَنَزَلَ حَتَّى أَتَى الْحَرَّاثَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكَ، وَإِنَّمَا مَشَيْتُ إِلَيْكَ لِئَلَّا تَتَمَنَّى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، ‌لَتَسْبِيحَةٌ ‌وَاحِدَةٌ يَقْبَلُهَا اللَّهُ عز وجل خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ، فَقَالَ الْحَرَّاثُ: أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، كَمَا أَذْهَبْتَ هَمِّي.اهـ ) صَدَقةٌ (أي صدقةٌ عظيمةٌ شكرًا لله تعالى على عظيم منته، وليس معنى قوله: [على كل سلامى] أن هذه الصدقاتِ المذكورةَ في هذا الحديث الشريف واجبة على المؤمن، لا، بل كل المذكورات في الحديث من الأذكار بالإضافة لصلاة الضحى، كلها من باب النوافل إلا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر فإنه فرض كفاية على المكلفين) (وهذه الصدقات والأعمال المذكورة في هذا الحديث هي من باب شكر الله على ما أنعم علينا، والشكر قسمان شكرٌ واجبٌ وشكرٌ مندوبٌ. فالشكر الواجبُ هو ما على العبدِ من العمل الذي يدلُّ على تعظيم المُنعِم الذي أنعمَ عليه وعلى غيرهِ بتركِ العصيان لله تبارك وتعالى في ذلك هذا هو الشكرُ المفروض على العبد ، وهذا معناه أن الشكر لله على النعم هو بمعنى أن لا يعصي الله بهذه النعمة، فمن حفظَ قلبه وجوارحه وما أنعم الله به عليهِ من استعمالِ شئٍ من ذلك في معصيةِ الله فهوَ العبدُ الشاكر، ثم إذا تمكنَ في ذلك سُميَ عبدًا شكورًا قال الله تعالى {وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُوْرُ}، والشكور أقلُ وجودًا من الشاكر الذي دونه. والشكرُ المندوبُ هو الثناء على الله تعالى الدال على أنه هو المتفضل على العبادِ بالنعم التي أنعمَ بها عليهم مما لا يدخل تحتَ إحصائنا. ويطلق الشكرُ شرعًا على ” القيام بالمُكافأةِ لمن أسدى معروفًا منَ العبادِ بعضهم لبعضٍ ” ، ومن هذا الباب الحديث المشهور [مَنْ لم يشكر الناس لم يشكر الله] أي أنّ كمال شكر الله يقتضي شكرَ الناس، 

وشكرُ الناس يكونُ بالمكافأة والدعاءِ ونحو ذلك. قَال ملا علي القاري: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِ ابْنِ آدَمَ يُصْبِحُ سَلِيمًا عَنِ الْآفَاتِ بَاقِيًا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ شُكْرًا لِمَنْ صَوَّرَهُ وَوَقَاهُ عَمَّا يُغَيِّرُهُ وَيُؤْذِيهِ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ ﷺ: ” فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا ” تَارَةً ذَكَرَ الْعِظَامَ ; لِأَنَّهَا بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ، وَتَارَةً ذَكَرَ الْمَفَاصِلَ ; لِأَنَّ بِهَا يَتَيَسَّرُ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالتَّرَدُّدُ وَالنُّهُوضُ إِلَى الْحَاجَاتِ) (وهذا الحديث فيه أن الله يدفع بالصدقات البلاءَ عن العبد وعن أعضاء جسده ولو كانت هذه الصدقات المذكورة أذكارا وأفعالا مسنونة، فلذلك لا ينبغي ان يستقل العبد أعمال الخير بأن يقول العبد هذا ذكر قليل ماذا سيكون ثوابه مُسْتَقِلًّا لَهُ، فأنت لا تدري ماذا يُكتب لك من الأجر بهذا الذكر الذي ذكرته، ولا تدري أي حسنة تلك التي تُدخِلُك الجنة ولا تدري أي حسنة هي التي تكون سببا في صرف وجهك عن النار) فَكُلُّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةٌ (من هذا الحديث يقول الفقهاء: إنه لَيْسَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ خَيْرٍ يقدمه المؤمن من أعمال الطاعات فهو صَدَقَةٌ) (أَسْنَدَ النَّحَّاسُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَعْنَى” سُبْحَانَ اللَّهِ” فَقَالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ). ومنه قول الملائكة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أَيْ نُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِكَ. وَالتَّسْبِيحُ فِي كَلَامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وَهُوَ الْجَرْيُ وَالذَّهَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:” إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا” [المزمل: 7] فَالْمُسَبِّحُ جَارٍ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ. والمعنى أي تنزه الله وتبارك عما لا يليق به من الوصف بصفات المخلوقات كالجسم والجوارح والمكان والتغير والجلوس والنزول الحقيقي ونحوه فالتسبيح كما قال الزبيدي وغيره التنزيه أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. ولذلك قال إمام أهل السنة والجماعة الإمام الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية: [وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ بِصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالْبَشَرِ]، أَيْ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْبَشَرِ الْمُحْدَثَةِ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ قَوْلًا أَوِ اعْتِقَادًا فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] فَمِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ الْحُدُوثُ وَالتَّطَوُّرُ وَالِانْفِعَالُ وَالتَّأَثُّرُ وَاللَّوْنُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَالتَّحَيُّزُ بِالْمَكَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كُلُّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا أَوْ قَالَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ كَفَرَ. فَصِفَاتُ اللَّهِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْبَشَرِ لِأَنَّ صِفَاتِهِ قَدِيمَةٌ وَصِفَاتِهِمْ مُحْدَثَةٌ وَلا مُشَابَهَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ.اهـ وقال الطحاوي أيضا في العقيدة الطحاوية: [وَتَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَرْكَانِ وَالأَدَوَاتِ لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ]، أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَالْحَدُّ مَعْنَاهُ نِهَايَةُ الشَّىْءِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالْمِسَاحَةُ وَالْمِقْدَارُ فَنَفْىُ الْحَدِّ عَنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْىِ الْحَجْمِ. وَمَعْنَى الْغَايَاتِ النِّهَايَاتُ وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ. وَمَعْنَى الأَرْكَانِ الْجَوَانِبُ وَمَعْنَى الأَعْضَاءِ جَمْعُ عُضْوٍ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الأَجْسَامِ وَمَعْنَى الأَدَوَاتِ الأَجْزَاءُ الصَّغِيرَةُ كَاللَّهَاةِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ أَيْ لا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَهِىَ فَوْقٌ وَتَحْتٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ وَقُدَّامٌ وَخَلْفٌ لِأَنَّ هَذِهِ لا تَصِحُّ إِلَّا لِمَنْ هُوَ جِرْمٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ خَارِجَهُ وَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ لا تُحْصَى وَهُوَ سُبْحَانَهُ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ الْمُمَاثَلَةَ لِشَىْءٍ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾. وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَفْىِ التَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ مَشَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ) وَكُلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَة (قال ابن علان: أي: ثناء على الله تعالى بأوصافه العلية نحو الحمد.اهـ الْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِىِّ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ لإِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ وَهُوَ مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَالْعَالَمُ هُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ سُمِّىَ عَالَمًا لِأَنَّهُ عَلامَةٌ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ. 

الفضائل والفوائد: روي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي الْحَمْدُ لِي). وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ). وَفِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِحَذَافِيرِهَا بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَانَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِي عَلَى أَثَرِهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَفْضَلَ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لِأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْكَلِمَةَ بَاقِيَةٌ. وروى الخرائطيُّ عن عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، قَالَتْ: “كَانَ بِمَرْوَ امْرَأَةٌ تَلِدُ الْبَنَاتَ، فَوَلَدَتْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَلَمَّا حَمَلَتِ الْعَاشِرَةَ، قَالَ لَهَا النِّسَاءُ: يَا فُلَانَةُ إِنْ وَلَدْتِ هَذِهِ الْمَرَّةَ ابْنَةً فَاحْمَدِي اللَّهَ، قَالَتْ: إِنْ وَلَدْتُ ابْنَةً لَمْ أَحْمَدِ اللَّهَ قَالَتْ: فَوَلَدَتْ خِنْزِيرَةً” قَالَتْ أُمِّي: «فَأَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ إِلَى الْخِنْزِيرَةِ تَحْتَ ثِيَابِهَا فَعَاشَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَتْ». وروي عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يُعْجِبُهُ أَوْ يُحِبُّهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمُفْضِلِ، اللَّهُمَّ بِنِعْمَتِكَ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وَإِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَكْرَهُهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ») وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ (التهليل أي قول لا إله إلا الله، وَمَعْنَى لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنَّ أَحَدًا لا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلْقِ أَىِ الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ. قال الشيخ: “لا إله إلا الله” أفضل ما يُمتَدَحُ بِهِ الرب وأفضل ما يُمَجَّدُ به الربُّ.اهـ وقال البهوتي وغيره: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللَّهُ) أَيْ: أُخْبِرُ بِأَنِّي قَاطِعٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ: أَنَّ حُرُوفَهَا كُلَّهَا جَوْفِيَّةٌ، لَيْسَ فِيهَا حَرْفٌ شَفَوِيٌّ; (اللام، والألف، الهاء) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِخْلَاصُ فَيَأْتِي بِهَا مِنْ خَالِصِ جَوْفِهِ وَهُوَ الْقَلْبُ لَا مِنْ الشَّفَتَيْنِ فقط (معناه ليست كلمة تخرج من الشفاه بل من جوفك). وَكُلُّ حُرُوفِهَا مُهْمَلَةٌ (غير منقوطة، تجريدها عن النقط ينبغي أن يتجرد قائلها من الذي لا يرضي ربه عز وجل), دَالَّةٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ ذكرِ كُلِّ شيء سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.اهـ وأخرج أحمد والطبراني والحاكم بسند حسن عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: “من قالَ في كل يومٍ مائةَ مرةٍ: لا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كل شىءٍ قديرٌ لم يسبِقهُ أحدٌ كان قبلَهُ ولا يُدركهُ أحدٌ كان بعدهُ إلا من عمِلَ عملًا أفضل من عملِهِ”. وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “ليس مِن عبدٍ يقولُ: لا إلهَ إلا الله مرة إلا بعثَهُ الله يومَ القيامةِ ووجهُهُ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، ولم يُرفع لأحدٍ يومئذٍ عملٌ أفضلَ مِن عملِهِ إلا من قالَ مثلَهُ أو زادَ”.اهـ وَكُلُّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةٌ (التكبير قول: الله أكبر، الله أكبر بنفس معنى الله كبير، والكبير من أسماء الله تعالى معناه: الجليلُ كبيرُ الشَّأنِ واللهُ أكبرُ معناه أنَّ اللهَ أكبرُ مِنُ كلِّ شيءٍ قَدرًا فهوَ أقدرُ مِن كُلِّ قادرٍ وأَعلمُ مِن كلِّ عليمٍ. قال الرازي: قال تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيْرُ الْمُتَعَال)) وهو تَعالى يمتَنِعُ أنْ يكونَ كبيرًا بحسَبِ الجُثَّةِ والحجمِ والمِقدارِ فوَجَبَ أنْ يكونَ كبيرًا بحسَبِ القُدرةِ الإلهيةِ ثُمَّ وَصَفَ تعالى نفسَهُ بأنَّه المتعالِ وهو المنَزَّهُ عنْ كلِّ ما لا يجوزُ عليهِ وذلك يَدُلُّ على كونِهِ مُنزَّهًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفعالِهِ فهذه الآيةُ دالَّةٌ على كونِهِ تعالى موصوفًا بالعلمِ الكامِلِ والقدرةِ التامَّةِ ومُنزَّهًا عن كلِّ ما لا يَنبغِي.اهـ إذًا: الكبير والأكبر بنفس المعنى إذا أطلق على الله، ومِن خَواصِّ اسمِ اللهِ “الكبير”: لِفَتْحِ بابِ العلمِ والمعرفةِ لِمَن أكثرَ ذِكرَهُ، وإِنْ قُرِئَ عَلى طعامٍ وأَكَلَـهُ الزوجانِ تَصَالَحَا وتَوَافَقَا) وَأَمْرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقةٌ (لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فرض الشرع الحنيف على المكلفين فرضَ كفاية الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، فإنه مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ السُّكُوتُ عَنِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَعَنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِلا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا ءَامِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَنَحْوِ مَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِجَوَازِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ أَيِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى فَاعِلِهَا كَوْنَ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ فَلا يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمْ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى حُرْمَتَهُ وَكَوْنَهُ لا يُؤَدِّى إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ فَإِنْ أَدَّى الإِنْكَارُ إِلَى ذَلِكَ حَرُمَ. فَمَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ اشْتَرَكَ فِى الأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْىِ عَنْهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، أَمَّا مَا كَانَ خَفِيًّا فَلا يَتَكَلَّمُ فِيهِ إِلَّا الْعَالِمُ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَالِمِ قَدْ يُنْكِرُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى مَنْ يَرَى خِلافَ مَذْهَبِهِ أَيْ عَلَى مَنْ مَذْهَبُهُ خِلافُ مَذْهَبِ الْمُنْكِرِ فَيَكُونُ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ «لا يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُنْكَرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ» وَهِىَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، لَكِنْ لا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُرْشِدَ الشَّخْصَ إِذَا أَخَذَ بِرُخْصَةٍ فِى مَذْهَبٍ يُرَخِّصُ فِى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِى مَذْهَبِهِ مِنْ دُونِ إِنْكَارٍ إِلَى الأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فَيَقُولَ لَهُ لَوْ فَعَلْتَ كَذَا كَانَ أَحْسَنَ، كَمَا إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَقْتَصِرُ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَيَكْشِفُ فَخِذَهُ وَهُوَ لا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا فَيَجُوزُ لِلَّذِى يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا فِى مَذْهَبِهِ أَنْ يَقُولَ لِهَذَا لَوْ جَعَلْتَ سُتْرَتَكَ شَامِلَةً لِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ أَزْيَدَ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ تَرْكَ الإِنْكَارِ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّىُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِزُّ الدِّينِ الْمَالِكِىُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتَاوِيهِ فِى رَجُلٍ يَعْمَلُ وَهُوَ كَاشِفٌ فَخِذَهُ. وَعِزُّ الدِّينِ الْمَالِكِىُّ ذَكَرَهُ فِى رَجُلٍ يَكُونُ فِى الْحَمَّامِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ كَاشِفًا فَخِذَهُ، وَكَشْفُ الْفَخِذِ لِلرَّجُلِ جَائِزٌ عِنْدَ عدد مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فِى أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ. وَيُحْتَجُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثٍ حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ عَوْرَةُ الرَّجُلِ الْفَرْجَانِ. وَلا يَجِبُ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لا يُفِيدُ فِى الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِىِّ فَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الزُّبَدِ: كَأَمْرِ مَعْرُوفٍ وَنَهْىِ الْمُنْكَرِ *** وَإِنْ يَظُنَّ النَّهْىَ لَمْ يُؤَثِّرِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ احمد بن عبد الرحيم بن الحسين العر اقي فِى نُكَتِهِ مَا نَصُّهُ «وَلا يَسْقُطُ (أَىْ وُجُوبُ إِنْكَارِ مُنْكَرٍ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) بِعِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَنَّهُ لا يُفِيدُ (فِى الْمَنْهِىِّ وَالْمَأْمُورِ)، قَالَ فِى الْمُهِمَّاتِ للاسنوي جمال الدين عبد الرحيم إِنَّهُ لا نَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ بِهِ بَلْ نَقَلَ الإِمَامُ فِى الشَّامِلِ فِى أُصُولِ الدِّينِ [إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجُوَيْني الشافعي الأشعري، فقيه وأصولي ومتكلم] عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ») (وقد صح عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ثُمَّ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَضَعُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، أَلَا وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ‌‌ الْقَوْمَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَالْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ». وقال أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ، قَالَ: ” أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللَّهِ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ‌‌«بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ» وَزَادَنِي غَيْرُهُ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ». وروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “‌‌ إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ”. وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا أُظْهِرَتِ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ الْعُقُوبَةَ. وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا، مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَفَاتِيح الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» قال أبو الليث السمرقندي: يَعْنِي الَّذِي يَأْمُرُ ‌بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُوَ مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ وَمِغْلَاقٌ لِلشَّرِّ وَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] فَأَمَّا الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ فَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ) وَيُجزِىءُ (بِالتَّذْكِيرِ أَوِ التَّأْنِيثِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالضَّمِّ، أَيْ ضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِجْزَاءِ، وَبِالْفَتْحِ مِنْ جَزَى يَجْزِي، أَيْ يَكْفِي) مِنْ ذلِكَ أَيْ: يَكْفِي عَمَّا ذَكَرَ مِمَّا عَلَى السُّلَامَى مِنَ الصَّدَقَاتِ) رَكْعَتَانِ (لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، فَيَقُومُ كُلُّ عُضْوٍ بِشُكْرِهِ، وَلِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا أَمْرًا لِلنَّفْسِ بِالْخَيْرِ وَنَهْيًا لَهَا عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) يَركَعُهُما مِنَ الضُّحَى (أَيْ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ فِي وَقْتِ الضُّحَى، فَيَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالْإِجْزَاءِ أَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ) (وفي الحديث عظم فضل صلاة الضحى لتحصيلها هذا الثواب الجزيل، فينبغي المداومة عليها) (روى ابن حجر في المطالب العالية: وكان أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، يَقُولُ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا عَلَّمَنِي قَالَ: «يَا أَنَسُ، أَحْكِمْ وُضُوءَكَ لِصَلَاتِكَ تُحِبُّكَ حَفَظَتُكَ، وَيَزِدْ فِي عُمْرِكَ، يَا أَنَسُ، اغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ وَبَالِغْ فِيهَا»، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ أُبَالِغُ فِيهَا؟ قَالَ: «رَوِّ أُصُولَ شَعْرِكَ، وَأَنْقِ بَشْرَتَكَ، تَخْرُجْ مِنْ مُغْتَسَلِكَ وَقَدْ غُفِرَ ذَنْبُكَ يَا أَنَسُ لَا يَفُوتَنَّكَ رَكْعَتَا ‌الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَأَكْثِرِ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِنَّكَ مَا دُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُصَلُّونَ عَلَيْكَ. [أي يدعون لك]، يَا أَنَسُ، وَإِذَا قُمْتَ لِلصَّلَاةِ فَانْصِبْ نَفْسَكَ للَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، وَارْفَعْ عَضُدَيْكَ عَنْ جَنْبَيْكَ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فَقُمْ حَتَّى يَعُودَ كُلُّ عُضْوٍ إِلَى مَكَانِهِ، وَإِذَا سَجَدْتَ فَأَلْقِ وَجْهَكَ بِالْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرَ الْغُرَابِ، وَلَا تَبْسُطْ ذِرَاعَيْكَ بَسْطَ الثَّعْلَبِ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، وَضَعْ إِلْيَتَكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَالْزَقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ [أي لا يقبل] إِلَى صَلَاةٍ لَا يَتِمُّ رُكُوعُهَا وَلَا سُجُودُهَا، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْوُضُوءِ فِي يَوْمِكَ وَلَيْلَتِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ إِنْ يَأْتِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَفُتْكَ الشَّهَادَةُ يَا أَنَسُ، إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ يَعْنِي عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ تَكْثُرْ بَرَكَتُكَ وَبَرَكَةُ بَيْتِكَ وَإِذَا خَرَجْتَ لِحَاجَةٍ فَلَا يَقَعَنَّ بَصَرُكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِكَ إِلَّا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ تَدْخُلْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ يَا أَنَسُ لَا تَبِيتَنَّ لَيْلَةً وَلَا تُصْبِحَنَّ يَوْمًا وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَخَذَ بِسُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَهُوَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ يَا أَنَسُ، إِذَا عَمِلْتَ بِهَذَا وَحَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ فَإِنَّ فِيهِ رَاحَتَكَ».اهـ فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ إِخْرَاجَ الْغِشِّ مِنَ الْقَلْبِ مِنْ سُنَّتِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُخْرِجَ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ مِنْ قَلْبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.اهـ وقد روي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ مَوْلَى هَاشِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: «أَنْ لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَأَنْ أَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ لَا أَدَعَ صَلَاةَ ‌الضُّحَى». وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَوْصِنِي يَا عَمُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى ‌الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ بَيْنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ الْعَابِدِينَ، وَمَنْ صَلَّاهَا سِتًّا، لَمْ يَتْبَعْهُ يَوْمَئِذٍ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلَّاهَا ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ».اهـ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَقْرَعُ بَابَ الْمَلِكِ، وَمَنْ يُدِمْ عَلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ. (ويقول فقهاء الشافعية: أقلها ركعتان، وأدنى الكمال أربع، وأكمل منه ست، وأكملها ثماني ركعات. ويبدأ وقتها عند ارتفاع الشمس قَدرَ قامة وينتهي وقتها الى الزوال وهو وقت الظهر. عَنْ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الضّحى، ثم قال: اللَّهُمَّ اغفرْ لي، وتبْ عليّ، إنّك أنتَ التّواب الرّحيم”، حتى قالها مائة مرة. رواه البخاريُّ رحمه الله في اﻷدب المفرد)».