المقدمة
الحمد لله الذي صدحت بالثناء عليه ألسنُ العابدين والعارفين، واستمطرت سحائبَ الأمدادِ بأسرارِ تحميدِه وأنوارِ تمجيدِه ابتهالاتُ الذاكرين ودموعُ الخاشعين، فلبسَت قلوبُهم من صفاءِ اليقينِ حللًا، ومن التقوى تفاصيلَ وجملًا، فهم الهداةُ المهتدون على سُنَنِ الأمينِ وقَدَمِ التمكينِ، فالحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي مَدَحَ سيدَ الأولينَ والآخرينَ فقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾ وجعلَ الحِلْمَ وحُسْنَ الخُلُقِ شعارَ الصَّالحين، أَحْمَدُهُ تعالَى بأنْ خَصَّنَا بالنَّبيِّ المَكِينِ، والرَّسولِ الأمِينِ، سيِّدِ المُرسَلِينَ، وخَاتَمِ النَّبيِّينَ، أرسَلَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ إلى كافَّةِ المُكلَّفينَ مِنَ الخَلقِ فَخَتَمَ بهِ النَّبِيِّيْن، واصطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ واجتَبَاهُ لِبَيانِ شَرائعِ الدين، ورَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الأولينَ والآخرين، والصلاةُ والسلامُ الأتمان الأكملان على طبِّ القلوبِ ودوائها، وعافيةِ الأبدانِ وشفائها ونورِ الأبصارِ وضيائِها النبيِّ المصطفى والرسولِ المجتبى، صاحبِ الكرامةِ والتكريم، والتقديمِ والتعظيمِ، سيدِنا محمدٍ الذي مدَحَه ربُّه في الذكر الحكيم، ورفع ذكره بين الأولين والآخرين، فالصَّلاةُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اقتَفَى أثَرَهُ وأحْيَا سنَّتَهُ إلَى يومِ الدِّينِ، أمَّا بعدُ:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه: التَّاسِعَ عَشَرَ: وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَلَا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَومِ القِيَامَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَا يَغرِسُ مُسْلِمٌ غَرسًا، وَلَا يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلَ مِنهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَةٌ وَلَا شَيءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً». وَرَوَيَاهُ جَمِيعًا مِن رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. قَولُهُ: «يَرْزَؤُهُ» أَي يَنقُصُهُ.
الشرح
التَّاسِعَ عَشَرَ (هو الحديث التاسع عشر من باب في بيان كثرة طرق الخير، وهو الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): وَعَنْهُ قَالَ (أي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وعن أبيه فهو راوي الحديث السابق): قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ (الإسلام هو الشرط لقبول الأعمال الصالحة ولو كانت هذه الأعمال صغيرة قليلة فلذلك بدأ في بيان أن المعنيَّ في القول هنا والذي تنطبق عليه هذه الخصلةُ وينالُ هذه المغفرةَ هو المسلم ففي الرواية الأخرى لهذا الحديث وهي تأتي بعد هذه الرواية من صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي نَخْلٍ لَهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَة»، فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سؤاله في هذه الرواية: أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا…. الخ، تبين أن الإسلام هو الشرط المنصوص عليه لقبول العمل وهو الشرط المنصوص عليه للمغفرة بعد الموت ولكون غرسه صدقةً له.
فأما غير المؤمن لو أطعم الفقراء وتصدق فيما يظهر للناس وأنقذ مليون مسلم من المجاعة فإنه لا حسنَةَ واحدة له، لا شيء له من الثواب، ولا ذرة حسنة، وهذا مثلُ عبد الله بن جُدعان فَقَدْ قيل عنه: كَانَ مِنَ الْأَجْوَادِ الْمَشْهُورِينَ الْمُطْعِمِينِ فِي السِّنِينَ الْمُمْحِلَةِ وَالْأَوْقَاتِ الْمُرْمِلَةِ. قال أهل التاريخ والسِّيَرِ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ سَيِّدُ بَنِي تَيْمٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَكَانَ مِنَ الْكُرَمَاءِ الْأَجْوَادِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْعِمِينَ وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ فَقِيرًا وَكَانَ شِرِّيرًا يُكْثِرُ مِنَ الْجِنَايَاتِ حَتَّى أَبْغَضَهُ قَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَأَهْلُهُ وَقَبِيلَتُهُ وَأَبْغَضُوهُ حَتَّى أَبُوهُ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي شِعَابِ مَكَّةَ حَائِرًا بَائِرًا فَرَأَى شَقًّا فِي جَبَلٍ فَظَنَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ شَيْءٌ يُؤْذِي فَقَصَدَهُ لَعَلَّهُ يَمُوتُ فَيَخلصُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ إِذَا ثُعْبَانٌ فَجَعَلَ يَحِيدُ عَنْهُ وَيَثِبُ فَلَا يُغْنِي شَيْئًا فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ إِذَا هُوَ مِنْ ذَهَبٍ وَلَهُ عَيْنَانِ هُمَا يَاقُوتَتَانِ فَكَسَرَهُ وَأَخَذَهُ وَدَخَلَ الْغَارَ فَإِذَا فِيهِ قُبُورٌ لِرِجَالٍ مَنْ مُلُوكِ جُرْهُمٍ، وَمِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ، الَّذِي طَالَتْ غَيْبَتُهُ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَوَجَدَ عِنْدَ رُءُوسِهِمْ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَارِيخُ وَفَاتِهِمْ وَمُدَدُ وِلَايَتِهِمْ، وَإِذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَاللَّآلِئِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَّمَ بَابَ الْغَارِ، وَإِذَا عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ لَا يُمَسّ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا انْتَثَرَ كَالْهَبَاءِ مِنْ طُولِ الزّمَنِ وَشِعْرٌ مَكْتُوبٌ فِي اللّوْحِ فِيهِ عِظَاتٌ آخِرُ بَيْتٍ مِنْهُ:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْت بِرَاعٍ … رَدّ فِي الضّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلَابِ
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى أَحَبُّوهُ وَسَادَهُمْ، وَجَعَلَ يُطْعِمُ النَّاسَ، وَكُلَّمَا قَلَّ مَا فِي يَدِهِ من المال ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْغَارِ فَأَخَذَ حَاجَتَهُ ثُمَّ رَجَعَ. وَكَانَتْ لَهُ جَفْنَةٌ (أي موائد كبيرة يضع فيها الطعام) يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّاكِبُ وهو عَلَى بَعِيرِهِ دون أن ينزل
وَذَكَرُوا أَنَّ عبد الله بن جدعان كَانَ يُطْعِمُ التَّمْرَ وَالسَّوِيقَ (السويق نوع طعام يُعْمَلُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ)، وَيَسْقِي اللَّبَنَ، وَأَرْسَلَ ابْنُ جُدْعَانَ إِلَى الشَّامِ أَلْفَيْ بَعِيرٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالشَّهْدَ أي العسل وَالسَّمْنَ، وَجَعَلَ مُنَادِيًا يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، أَنْ هَلُمُّوا إِلَى جَفْنَةِ ابْنِ جُدْعَانَ.
وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»، أي لم يكن مسلما يؤمن بالبعث، فمشركو مكة كانوا ينكرون البعث ولذلك عَرَّفَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف، كانوا يقولون ما أخبر الله عنهم في القرآن الكريم: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}.
وكانوا لأجل اعتقادهم الفاسد هذا يقولون: «أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عود بعد الفوات».
وردت عليهم الآيات الكريمة بقوله تعالى: [وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ].
ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان ذكره بهذا الوصف فقال: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.اهـ ) يَغْرِسُ غَرْسًا (قال النووي في شرحه لمسلم: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَضِيلَةُ الْغَرْسِ وَفَضِيلَةُ الزَّرْعِ وَأَنَّ أجر فاعلي ذلك مستمر مادام الْغِرَاسُ وَالزَّرْعُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا أَنَّ الثَّوَابَ وَالْأَجْرَ فِي الْآخِرَةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ)
(وقال بعض العلماء أفضل الكسب الغنيمة لأنه يكسب من جهاد ثم الزراعة لأن فيها توكلا كثيرا لأنه إذا زرع لا يثق هل تحمل أم لا وإن حملت هل تتعرض للآفات أم لا وإن لم تتعرض لا يثق هل يُشترى منه أم لا لأن فيها نفعا للطيور ثم الصناعة ثم التجارة)
إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً (أي يحصل له ثواب إن أُكل منه)، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً (قال ملا علي القاري: أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ تَصَدُّقِ الْمَسْرُوقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِأَيِّ سَبَبٍ يُؤْكَلُ مَالُ الْمُسْلِمِ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى نُقْصَانِ الْمَالِ فَإِنَّ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ (الرُزء المصيبة كما قال ابن الأثير وغيره، لذلك لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَازِءٌ أَو رَزَّاءٌ بَل رَازِقٌ وَرَزَّاقٌ لِأَنَّ الرُّزءَ فِي اللُّغَةِ المُصِيبَةُ، وَهَذِهِ الأَلفَاظُ لَم تَرِد عَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الشَّرعِ.
قَالَ الرَّازِيُّ: الرُّزءُ: المُصِيبَةُ، وَالجَمعُ: الأَرزَاءُ، وَيُقَالُ: مَا رَزَأتُهُ مَالَهُ وَمَا رَزِئتُهُ مَالَهُ أَي: مَا نَقَصتُهُ؛ وَارتَزَأَ الشَّيءُ: انتَقَصَ وَقَد رَزَأَتُهُ رَزِيئَةٌ أَي أَصَابَتهُ مُصِيبَةٌ.
وقد روى ابن الجوزي أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كتب بأبيات لبعض من فُتِنَ وابتلي في زمانه فقال له يبين له أن المبتلى هو من ابتُلي في دينه وليس البلاء بلاءَ الدنيا مقارنة ببلاء الدين:
إِنَّ المُرَزَّى مَن يُصَابُ بِدِينِهِ *** لَا مَن يُرَزَّأُ نَاقَةً وَفِصَالَهَا) إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً (أي يحصل له الثواب)». رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَلَا يَغْرِسُ المُسْلِمُ (هذا يبين لنا عظيم نعمة الإسلام، فنعم الله علينا كثيرة عظيمة جليلة نحصي بعضها وأكثرها لا نحصيها ولا نعرف الكثير منها، وأعظم نعمة هي الإسلام، فهو سبحَانَهُ الَّذِي أَسبَغَ عَلَينَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَنَحنُ نَحمَدُهُ تَعَالَى حَمدًا كَثِيرًا عَلَى إِنعَامَاتِهِ وَهِبَاتِهِ وَعَطِيَّاتِهِ الوَاصِلَةِ إِلَينَا وَالفَائِضَةِ عَلَينَا يَعنِي نَشكُرُهُ عَلَيهَا، قَالَ تَعَالَى: [مَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللهِ]، وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: [وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لَا تُحصُوهَا]، مَعنَاهُ نَحنُ لَا نَحصُرُهَا بِالعَدِّ، فَأَقسَامُ نِعَمِ اللهِ عَلَينَا خَارِجَةٌ عَنِ التَّحدِيدِ وَالإِحصَاءِ مِن جِهَتِنَا، فَلَا يَقوَى عَقلُ الإِنسَانِ عَلَى الوُقُوفِ عَلَيهَا بِكُلِّيَّتِهَا.
وقال عز وجل: [وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً]، فَمِنَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ صِحَّةُ الجَسَدِ وَالحَوَاسُّ الخَمسُ وَالمَاءُ البَارِدُ وَغَيرُهَا، وَأَمَّا البَاطِنَةُ فَأَعظَمُهَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَا يَتبَعُ ذَلِكَ مِنَ التَّسلِيمِ للهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: “النِّعمَةُ الظَّاهِرَةُ الإِسلَامُ، وَالبَاطِنَةُ سَترُ الذُّنُوب”.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى النِّعمَةَ الظَّاهِرَةَ قَبلَ البَاطِنَةِ لِأَنَّ النِّعمَةَ الظَّاهِرَةَ هِيَ الَّتِي يَعرِفُهَا أَكثَرُ النَّاسِ.
ثُمَّ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى أَفضَلِيَّةِ نِعمَة الإِيمَانِ على نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ، مَا أَخرَجَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُعطِي الدُّنيَا مَن يُحِبُّ وَمَن لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعطِي الإِيمَانَ إِلَّا مَن يُحِبُّ»، فَنِعمَةُ الإِيمَانِ أَفضَلُ مِن نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ.
وَقَدِ اعتَادَ أَهلُ الشَّامِ قَولَ كَلِمَةٍ حُلوَةٍ هِيَ: “الحَمدُ للهِ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَكَفَى بِهَا مِن نِعمَةٍ”، وَلِذَلِكَ قَالُوا: “مَن أُعطِيَ الدُّنيَا وَلَم يُعطَ الإِيمَانَ فَكَأَنَّمَا مَا أُعطِيَ شَيئًا، وَمَن أُعطِيَ الإِيمَانَ وَلَم يُعطَ الدُّنيَا فَكَأَنَّمَا مَا مُنِعَ شَيئًا”.
وقد قيل: نِعَمُ الإِلَـهِ عَلَى العَبادِ كَــثِيرَةٌ **** وَأَجَلُّــهُنَّ فَــنِعمَـةُ الإِيـمَانِ) غَرْسًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ (حتى لو كان كافرا، أحيانا تثاب بإطعامه وهذا في القرآن الكريم، حيث يقول عز وجل: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]، فهذا سيدنا علي والسيدة فاطمة رضي الله عنهما كانا يطعمان الكفار ونزلت بذلك هذه الآية في مدحهما، أما معنى ما ورد في الحديث عند الترمذي: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»، فهو محمولٌ على الأكمل والأحسن لا الحُرمة وعدمِ الجوازِ)
وَلَا دَابَّةٌ (الدابة في الأصل كا ما دب على الأرض ثم صارت تطلق على هذه البهائم) وَلَا طَيْرٌ (قال الدميري في حياة الحيوان: الطائر: واحد الطيور والأنثى طائرة، وهي قليلة، وجمع الطير أطيار وطيور. والطيران حركة ذي الجناحين في الهواء بجناحيه قال الله تعالى: [وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ]. أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، والحشر والاقتصاص من بعضها لبعض. وقوله بجناحيه تأكيد وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال طائر للنحس والسعد.
روى أحمد بإسناد صحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة». قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطيرٌ ناعمةٌ قال صلى الله عليه وسلم «أكلتُها أنعمُ منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها».
وروى البزار عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًّا».
وطائر الإنسان عمله، الذي قُلِّدَه، وقيل: رزقه، والطائر الحظ من الخير والشر، وقوله تعالى: [وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِه]. قيل: حظه، وقال المفسرون: ما عمل من خير أو شر ألزمناه عنقه، فلكل امرىء حظ من الخير والشر، قد قضاه الله تعالى، فهو ملازمٌ عنقَه. وإنما قيل: للحظ من الخير والشر طائر، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل)
(وهذا الحديث يذكرنا أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين إنسِهم وجنِّهم وجعله رحمة للعالمين فقال سبحانه: [وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ]، وقال صلى الله عليه وسلم: [إنما أنا رحمة مهداة]، وهذا الحديث يدل على الرحمة التي جاءت للبشرية بسبب شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حث الشرع الحنيف على الاعتناء بالطير وبالشجر والبهائم قال رسول الله ﷺ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ)) متفق عليه.
والمراد بذلك الأشجار المثمرة التي يأكل منها الطير والإنسان ويستظل بها. وحتى بعض البهائم دعا الشرع الحنيف لعدم إيذائها بغير حق فقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم إثم من يؤذي هذه الحيوانات بغير حق فقال: ((دخَلتِ امرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربَطَتْها فلا هي أطعَمَتْها ولا هي أرسَلَتْها تأكُلُ مِن خَشاشِ الأرضِ حتَّى ماتت)) متفق عليه، وحتى عند ذبح بعض البهائم للأكل، فإن الإسلام أمر أن يكون ذلك بإحسان ودون تعذيب، فقد قال رسول الله ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة وَإِذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الْذِّبْحَة وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) رواه مسلم) إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَومِ القِيَامَةِ (أي يحصل له الثواب ويكون مستمرا بإذن الله إلى يوم القيامة)».
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَا يَغرِسُ مُسْلِمٌ (والإسلام هو سبب دخول الجنات والنجاة من الخلود الأبدي في نار جهنم، من ليس مسلما لا يدخل الجنة إذا مات على ما هو عليه مهما أتعب نفسه في عمل صور الطاعات، ولا تناله رحمة الله في الآخرة، وقد روى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «لَمَّا أُتِيَ بِسَبَايَا طَيِّئٍ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ شديدة الجمال، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا أُعْجِبْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: لَأَطْلُبَنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَجْعَلُهَا فِي فَيْئِي فَلَمَّا تَكَلَّمْت أُنْسِيتُ جَمَالَهَا; لِمَا رَأَيْتُ مِنْ فَصَاحَتِهَا فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنِّي وَلَا تُشْمِتْ بِيَ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ فَإِنِّي ابْنَةُ سَيِّدِ قَوْمِي، وَإِنَّ أَبِي كَانَ يَحْمِي الذِّمَارَ [ما ينبغي حياطَتُه والذَّوْدُ عنه، كالأهل والعِرْض] وَيَفُكُّ الْعَانِيَ، وَيُشْبِعُ الْجَائِعَ، وَيَكْسُو الْعَارِيَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُفْشِي السَّلَامَ، وَلَمْ يَرُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، وَأَنَا ابْنَةُ حَاتِمِ طَيِّئٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَا جَارِيَةُ لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُؤْمِنًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». وحاتم هذا هُوَ حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، أَبُو سَفَّانَةَ الطَّائِيُّ وَالِدُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الصَّحَابِيِّ كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ لِحَاتِمٍ مَآثِرُ وَأُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَأَخْبَارٌ مُسْتَغْرَبَةٌ فِي كَرَمِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُ السُّمْعَةَ وَالذِّكْرَ. ولم يكن مؤمنا فلم تنفعه بعد الموت.
وروى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قِيلَ لِنَوَارَ امْرَأَةِ حَاتِمٍ: حَدِّثِينَا عَنْ حَاتِمٍ قَالَتْ: كُلُّ أَمْرِهِ كَانَ عَجَبًا; أَصَابَتْنَا سَنَةٌ [أي قحط] أفقدتنا كُلَّ شَيْءٍ فَاقْشَعَرَّتْ لَهَا الْأَرْضُ وَاغْبَرَّتْ لَهَا السَّمَاءُ، وَضَنَّتِ الْمَرَاضِعُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَجفَّت الْإِبِلُ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَإِنَّا لَفِي لَيْلَةٍ إِذْ بكى الصبِيَةُ مِنَ الْجُوعِ; عَبْدُ اللَّهِ وَعَدِيٌّ وَسَفَّانَةُ فَوَاللَّهِ ما وَجَدْنَا شَيْئًا نُعَلِّلُهُمْ بِهِ [أي نطعمهم إياه] فَقَامَ إِلَى أَحَدِ الصَّبِيَّيْنِ فَحَمَلَهُ، وَقُمْتُ إِلَى الصَّبِيَّةِ فَعَلَّلْتُهَا فَوَاللَّهِ إِنْ سَكَتَا إِلَّا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى الصَّبِيِّ الْآخَرِ فَعَلَّلْنَاهُ حَتَّى سَكَتَ وَمَا كَادَ، ثُمَّ افْتَرَشْنَا قَطِيفَةً لَنَا شَامِيَّةً ذَاتَ خَمْلٍ فَأَضْجَعْنَا الصِّبْيَانَ عَلَيْهَا، وَنِمْتُ أَنَا وَهُوَ فِي حُجْرَةٍ وَالصِّبْيَانُ بَيْنَنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ يُعَلِّلُنِي لِأَنَامَ، وَعَرَفْتُ مَا يُرِيدُ فَتَنَاوَمْتُ أي أريته أني نائمة، فَقَالَ مَالَكِ أَنِمْتِ؟ فَسَكَتُّ. فَقَالَ: مَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ نَامَتْ وَمَا بِيَ نَوْمٌ فَلَمَّا مضى اللَّيْلُ، وَهَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ، وَسَكنَتِ الرِّجْلُ إِذَا جَانَبُ الْبَيْتِ قَدْ رُفِعَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَوَلَّى حَتَّى إِذَا قُلْتُ: قَدْ أَسْحَرْنَا أَوْ كِدْنَا عَادَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: جَارَتُكَ فُلَانَةُ يَا أَبَا عَدِيٍّ مَا وَجَدْتُ عَلَى أَحَدٍ مُعَوَّلًا غَيْرَكَ، أَتَيْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَصَبِيَّةٍ يَتَعَاوَوْنَ عُوَاءَ الذِّئْبِ مِنَ الْجُوعِ. قَالَ: أَعَجِلِيهِمْ عَلَيَّ، قَالَتْ النَّوَارُ زوجتُه: فَوَثَبْتُ فَقُلْتُ: مَاذَا صَنَعْتَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ بكى أَصَبِيَتُكَ فَمَا وَجَدْتَ مَا تُعَلِّلُهُمْ فَكَيْفَ بِهَذِهِ وَبِوَلَدِهَا؟ فَقَالَ: اسْكُتِي فَوَاللَّهِ لَأُشْبِعَنَّكِ وَإِيَّاهُمْ. قَالَتْ: فَأَقْبَلَتْ تَحْمِلُ اثْنَيْنِ وَتَمْشِي جَنْبَتَيْهَا أَرْبَعَةٌ كَأَنَّهَا نَعَامَةٌ حَوْلَهَا أبناؤهَا فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ فذبحه، ثُمَّ طبخه فَكَشَطَ عَنْ جِلْدِهِ، ثُمَّ دَفَعَ الطعام إِلَى الْمَرْأَةِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكِ خذي، ثُمَّ جَعَلَ يُطَوِّفُ فِي الناس حَتَّى هَبُّوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَالْتَفَعَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ نَاحِيَةً يَنْظُرُ إِلَيْنَا، لَا وَاللَّهِ مَا ذَاقَ شيئا، وَإِنَّهُ لِأَحْوَجُهُمْ إِلَيْهِ فَأَصْبَحْنَا وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ إِلَّا عَظْمٌ أَوْ حَافِرٌ. وعندما يذكر أهلُ السير والتاريخ أخبارَ حاتم الطائي يقولون: وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَرُجِيَ لَهُ الْخَيْرُ فِي مَعَادِهِ.اهـ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: قِيلَ لِحَاتِمٍ: هَلْ فِي الْعَرَبِ أَجْوَدُ مِنْكَ؟ فَقَالَ: كُلُّ الْعَرَبِ أَجْوَدُ مِنِّي. ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى غُلَامٍ مِنَ الْعَرَبِ يَتِيمٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ مِائَةٌ مِنَ الْغَنَمِ فَذَبَحَ لِي شَاةً مِنْهَا وَأَتَانِي بِهَا فَلَمَّا قَرَّبَ إِلَيَّ دِمَاغَهَا قُلْتُ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الدِّمَاغَ قَالَ: فَذَهَبَ فَلَمْ يَزَلْ يَأْتِينِي مِنْهُ حَتَّى قُلْتُ قَدِ اكْتَفَيْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا هُوَ قَدْ ذَبَحَ الْمِائَةَ شَاةٍ وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ. فَقِيلَ: فَمَا صَنَعْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: وَمَتَى أَبْلُغُ شُكْرَهُ وَلَوْ صَنَعْتُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ: عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَالَ أَعْطَيْتُهُ مِائَةَ نَاقَةٍ مِنْ خِيَارِ إِبِلِي.اهـ
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ مِلْحَانَ بْنِ عَرْكِيِّ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: شَهِدْتُ حَاتِمًا يَكِيدُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لِي أَيْ بُنَيَّ إِنِّي أَعْهَدُ مِنْ نَفْسِي ثَلَاثَ خِصَالٍ: وَاللَّهِ مَا خَاتَلْتُ جَارَةً لِرِيبَةٍ قَطُّ وَلَا ائْتُمِنْتُ عَلَى أَمَانَةٍ إِلَّا أَدَّيْتُهَا وَلَا أُوتِيَ أَحَدٌ مِنْ قِبَلِي بِسُوءٍ.اهـ
ومع كثرة أخبار حاتم وصنيعه من الأعمال التي ظاهرها الأمر الحسن إلا أن الرحمة منفية عنه بعد الموت ولن ينال ذرة من الحسنات، فالرحمة لا تنال بعد الموت إلا من مات مسلما مؤمنا، اللهُ تَعَالَى أَخبَرَنَا أَنَّ رَحمَتَهُ فِي الآخِرَةِ خَاصَّةٌ بِالمُؤمِنِينَ، قال تعالى: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ]، وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرحَمُ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا، وَمَعنَى رَحمَتِهِ لِلكَافِرِينَ أَن يُعطِيَهُمُ الصِّحَّةَ وَالرِّزقَ وَالهَوَاءَ العَلِيلَ وَالمَاءَ البَارِدَ وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا فِي الآخِرَةِ فَهِيَ خَاصَّةٌ بِالمُؤمِنِينَ، وَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]، أَي فِي الدُّنيَا، [فَسَأَكْتُبُهَا]، أَي فِي الآخِرَةِ، [لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ]، أَي يَجتَنِبُونَ الشِّركَ وَجَمِيعَ أَنوَاعِ الكُفرِ، فَرَحمَةُ اللهِ وَسِعَت فِي الدُّنيَا المُؤمِنَ وَالكَافِرَ، لَكِنَّهَا فِي الآخِرَةِ خَاصَّةٌ لِمَنِ اتَّقَى الشِّركَ وَسَائِرَ أَنوَاعِ الكُفرِ.
روى البيهقي عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَىٰ قَسَمَ بَينَكُم أَخلاَقَكُم كَمَا قَسَمَ بَينَكُم أَرزَاقَكُم، فَإِنَّ اللهَ يُعطِي الدُّنيَا لِمَن يُحِبُّ وَمَن لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعطِي الدِّينَ إِلَّا مَن يُحِبُّ، فَمَن أَعطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَد أَحَبَّهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ عند الحاكم في المستدرك: «وَإِنَّ اللهَ يُعطِي المَالَ مَن يُحِبُّ وَمَن لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعطِي الإِيمَانَ إِلَّا مَن يُحِبُّ».اهـ فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَضلًا مِنهُ وَكَرَمًا جَعَلَ رَحمَتَهُ فِي الدُّنيَا عَامَّةً شَامِلَةً لِلمُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ، وَجَعَلَهَا خَاصَّةً فِي الآخِرَةِ بِالمُؤمِنِينَ دُونَ الكَافِرِينَ عَدلًا مِنهُ لِأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيسَ مُلزَمًا بِشَيءٍ، وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيما رواه مسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنَةً يُعطَى بِهَا فِي الدُّنيَا وَيُجزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا [أَي مَا عَمِلَ مِن صُوَرِ الطَّاعَاتِ كَإِطعَامِ الفَقِيرِ وَإِغَاثَةِ المَلهُوفِ، فَالكَافِرُ لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ أَيَّ عَمَلٍ لِأَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ] فِي الدُّنيَا، حَتَّى إِذَا أَفضَى إِلَى الآخِرَةِ لَم تَكُن لَهُ حَسَنَةٌ يُجزَى بِهَا».
ومن عرف هذه القواعد التي ذكرتُ من كتاب الله تعالى يعلم أنه لَا يَجُوزُ اعتِقَادُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ الرَّحمَةَ لِكَافِرٍ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الكُفرِ كَمَا يَزعُمُ البَعضُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فِي القُرءَانِ بِقَولِهِ: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ]، وَحَاشَا أَن يَطلُبَ الرَّسُولُ ﷺ المَغفِرَةَ لِكَافِرٍ مَاتَ عَلَى الكُفرِ، فَقَد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ صَلَّى عَلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ لَمَّا مَاتَ وَلَكِنَّهُ لَم يَكُن يَعرِفُ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى النِّفَاقِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: [وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ]، أَي مَاتُوا كَافِرِينَ بِاللهِ تَعَالَى فَلَا مَغفِرَةَ لَهُم وَلَا يَنتَفِعُونَ بِدُعَاءِ دَاعٍ بَعدَ مَوتِهِم. فَعَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنِ سَلُولَ رَأسُ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ تَظَاهَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ النِّفَاقِ وَأَظهَرَ النَّدَمَ وَطَلَبَ قَمِيصَ النَّبِيِّ ﷺ لِيُكَفَّنَ بِهِ طَلَبًا لِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاعتَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِسلَامَهُ، ظَنَّهُ مُسلِمًا، فَهُوَ ﷺ أَجرَى الحُكمَ عَلَيهِ عَلَى ظَاهِرِ أَمرِهِ لِذَلِكَ عِندَمَا مَاتَ صَلَّى عَلَيهِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَم يَعلَم تِلكَ السَّاعَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَا زَالَ عَلَى الكُفرِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَا زَالَ مُنَافِقًا يَعتَقِدُ الكُفرَ وَيُظهِرُ الإِسلَامَ، إِذ يَستَحِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن يُصَلِّيَ عَلَى مُشرِكٍ وَيَستَغفِرَ لَهُ مَعَ عِلمِهِ بِكُفرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ]، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: وَصَلَّى عَلَيهِ إِجرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكمِ الإِسلَامِ.اهـ وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ: وَمُحَالٌ أَن يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ رَاعَى ظَوَاهِرَهُ مِنَ الإِقرَارِ وَوَكَّلَ سَرِيرَتَهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى أَن قَالَ: وَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوضِعِ إِظهَارِهِ الإِيمَانَ وَمُحَالٌ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ وَهُوَ يَتَحَقَقُ كُفرَهُ.اهـ
فَقَد ثَبَتَ فِي قَوَاعِدِ عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعصُومٌ مِنَ الكُفرِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الكَافِرِ مَعَ اعتِقَادِ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا تَكذِيبٌ لِلقُرآنِ وَذَلِكَ يُنَافِي العِصمَةَ، وَهَذَا أَيضًا تَلَاعُبٌ فِي الدِّينِ وَالرُّسُولُ مَعصُومٌ عَن ذَلِكَ، فَالرَّسُولُ ﷺ لَم يُصَلِّ عَلَيهِ إِلَّا لِاعتِقَادِهِ تِلكَ السَّاعَةَ أَنَّهُ ذَهَبَ عَنهُ النِّفَاقُ وَأَخلَصَ فِي إِسلَامِهِ وَإِيمَانِهِ.
إِذَا قَالَ لَكَ قَائِلٌ: كَيفَ تَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَعلَم أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَقَد أَوحَى اللهُ إِلَيهِ بِأَسمَاءِ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ؟، فَقُل: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يُوحَ إِلَيهِ بِكُلِّ أَسمَاءِ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: [وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ]) غَرسًا، وَلَا يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلَ مِنهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَةٌ وَلَا شَيءٌ (وهذا يؤكد ما جاء في الحديث الآخر حيث قَالَ صلى الله عليه وسلم: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ»، قال ابن حجر: أَيْ كُلُّ كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَالْمُرَادُ رُطُوبَةُ الْحَيَاةِ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَازِمَةٌ لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَمَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ هُنَا أَنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ، أَيِ الْأَجْرُ ثَابِتٌ فِي إِرْوَاءِ كُلِّ كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَالْكَبِدُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى فِي كُلٍّ كَبِدٍ حَيٍّ أَجْرٌ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ)، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً (أي يحصل له الثواب بإذن الله، ولا ريب أن هذا الثواب يحصل لمن كان مخلصا في نيته بعد الإيمان، فمن كان مرائيا فلا ثواب له بل عليه وزر ومعصية والعياذ بالله تعالى. قال تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الْإِخْلَاصُ هُوَ التَّصْفِيَةُ وَالْإِنْقَاءُ، أَيْ غَيْرَ مُشَارِكِينَ فِي عِبَادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ، قال القشيري: الإخلاص تصفية العمل من الخلل. وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، «سمي الرياءُ الشركَ الأصغر فهو غير مخرِجٍ من الملة ولكنه من الكبائر فالمرائي يُشرِكُ في نيته مع الله غيره».
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ طَلَبِ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ“.
وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَنزَلَ اللهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ- أَوْ أَوْحَى- إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ: قُلْ لِلَّذِينِ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيرِ العَمَلِ وَيَطلُبُونَ الدُّنيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوْكَ «جمع مسك وهو الجلد» الْكِبَاشِ (جمع كبش) وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، إِيَّايَ يُخَادِعُونَ؟ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ؟ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ“)». وَرَوَيَاهُ جَمِيعًا مِن رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. قَولُهُ: «يَرْزَؤُهُ» أَي يَنقُصُهُ.