المقدمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَشْكُورِ عَلَى النِّعَمِ كُلِّهَا، وله الحمد على مَا وَفَّقَ مِنْ شُكْرِهِ عَلَيْهَا، فَالنِّعَمُ مِنْهُ، وَالشُّكْرُ لَهُ، وَالْمَزِيدُ فِي نِعَمِهِ بِشُكْرِهِ، وَالشُّكْرُ مِنْ نِعَمِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَحْمُودِ عَلَى السَرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْمُتَفَرِّدِ بِالْعِزِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْعَالِمِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْلُومَاتِ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ ما يَفْنَى مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، الْمُبْتَدِئِ بِالنِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَالْمَتَكَفِّلِ لِلْبَرِيَّةِ بَأَرْزَاقِهَا قَبْلَ خَلْقِهَا،
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يُرْضِيهِ، وَيُزَكِّينَا لَدَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الطَّاهِرِ، محمدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، مِفْتَاحِ الرَّحْمَةِ، وَخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، الْأَوَّلِ مَنْزِلَةً، وَالْآخِرِ رِسَالَةً، الْأَمِينِ فِيمَا اسْتُودِعَ، وَالصَّادِقِ فِيمَا بَلَّغَ، وَعَلَى آلهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الفَضْلِ والسَّوَابِقِ، وعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهْجِهِم واتَّبَعَ طَرِيْقَهُم إلَى يَومِ الدِّينِ، يوم يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِيْنَ، وَسَلِّمْ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا مُبَارَكًا فِيهِ زَكِيًّا عَظِيْمًا لَدَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ:
الحديث
الخامسَ عشر: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ». رواه مسلم.
الخامس عشر (أي الخامس عشر من باب في بيان كثرة طرق الخير، وهو الحديث الواحد والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْهُ (أي عن أبي هريرة رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا (للاستفهام التقريري فـ ألا هنا لِلِاسْتِفْهَامِ وَلَيْسَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بَلَى) أَدُلُّكُمْ (أي أرشدكم، والنبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ كما أمر لم يترك شيئا ينفعنا في أمر ديننا إلا حثنا عليه ولم يترك شيئا يضرنا إلا حذرنا منه، فقد حذرنا الذنوبَ والمعاصي والفتن، فهو صلى الله عليه وسلم والأنبياءُ قبله يبلغون كُلَّ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَأُمِرُوا بِتَبْلِيْغِهِ لا يقصرون في ذلك، فإن من وظيفة النبي والرسول التبليغ، وقد قال الله تعالى: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ]، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]، فَلَا يَكْتُمُ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْئًا أُمِرَ بِتَبْلِيْغِهِ.
ثُمَّ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا” فَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَلَّغَ كُلَّ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيْغِهِ، وَهَذَا الحَدِيْثُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ: “مَعْنَاهُ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْ عِظَمِ انْتِقَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا عَلِمْتُ وَتَرَوْنَ النَّارَ كَمَا رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَقَلَّ ضَحِكُكُمْ لِفِكْرِكُم فِيمَا عَلِمْتُمُوهُ”.اهـ)
(فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَرْحُ الْعَالِمِ الْعِلْمَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَابْتِدَاؤُهُ إِيَّاهُ بِالْفَائِدَةِ وَعَرْضُهَا عَلَيْهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا (قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَحْوُ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ مَحَوَهَا مِنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى غُفْرَانِهَا) وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ (إِعْلَاءُ الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّاتِ، وأعلى الدرجات في الجنة هي لمحمد صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى خصه بالوسيلة وهي أعلى منزلةً في الجنة كما جاء في حديثه عليه الصلاة والسلام، فقد روى الإمام مسلم وغيره عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ. فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
وهذا فيه إشارة الى جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان خلافا للجفاة النفاة الذين يحرمون ذلك، حتى قال بعضهم: إن الربابة في بيت الخاطئة يعني الزانية أقلُّ إثما من الذي يصلي على النبي بعد الأذان.اهـ والعياذ بالله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب أعلى المنازل في الجنات، وقد أوصانا أن ندعو الله بأن يرزقنا الدرجات العلى من الجنان، فقال فيما رواه البخاري: فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أو قال: وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ.اهـ وقال ابن حبان: المراد بالأوسط السَعة وبالأعلى الفوقية.اهـ
قال ابن حجر: قوله: (ومنه تفجر أنهار الجنة) أي من الفردوس.
وقوله صلى الله عليه وسلم “عرش الرحمن” ليس معناه أن الله يجلس عليه، لا بل الله عز وجل لا يحتاج إلى العرش ولا غيره من المخلوقات، وليس معنى قوله تعالى في سورة طه: “الرحمن على العرش استوى” أن الله جالس عليه، لا بل معناه أن الله حافظ للعرش وما دون العرش، وهذا من معاني الاستواء اللائقة بالله عز وجل)
قَالُوا: بَلَى، يَا رسولَ اللهِ (يعني أخبرنا يا رسول الله وأفِض علينا من هذا العلم الذي علمك الله وأوحى إليك به، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ويخبر بمثل هذه الأمور عن وحي من الله عز وجل ولا يخطئ فيما ينقل من التشريع ولا يسبق لسَانُه في ذلك)، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ (بِضَمِّ الْوَاوِ، أَيْ تَكْمِيلُهُ وَإِتْمَامُهُ بِاسْتِيعَابِ الْمَحَلِّ بِالْغُسْلِ وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارُ الْغُسْلِ ثَلَاثًا، وَأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ الْمُتَوَضِّئَ)
عَلَى المَكَارِهِ (قِيلَ أَرَادَ الْبَرْدَ وَشِدَّتَهُ وَكُلَّ حَالٍ يُكْرِهُ الْمَرْءُ فِيهَا نَفْسَهُ فَدَفَعَ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ فِي تَكْسِيلِهِ إِيَّاهُ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ) (وهو جَمْعُ مَكْرَهٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْكُرْهِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وَالْأَلَمِ [ولكن مع التأكيد إلى أنه لا يصل إلى مرحلة الإضرار بالنفس فلو أضر بالمتوضئ ضررا يودي به إلى فقد عضو من أعضائه أو أن يطول مرضه أو يموت بسبب وضع الماء على بدنه فهذا لا يستعمل الماء جزما بل يعدل عنه إلى التيمم كما في كتب الفقه])
(وقيل: المكاره: جمع: كَرْه، وهو المشقة والشدة، لذلك جاء في الحديث حفت الجنة بالمكاره يعني: الجنةُ مُحدَقة بأنواع الشدائد والمشقات، وهي عبارة عن التكاليف الشرعية من الصوم والصلاة والحج والزكاة، فإنها ثقيلةٌ على غالب الأنفس، لا سيما الزكاةِ؛ فإنها ماليةٌ، فالثقلُ فيها أشدُّ؛ لأن البخلَ مركوزٌ في أكثر الطبائع، فحينَئذٍ مَن امتثلَ أوامر الشرع فقد قطعَ مفاوزَ المشقات العظيمة من التكاليف، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يحصلَ له الجنةُ الباقيةُ؛ جزاءً لذلك الاحتمال العظيم في التكاليف رزقنا الله سبحانه إياها بفضله.
وكذا النارُ مُحدَقة بالشهوات، وهي عبارة عن الدنيا ومستلذاتها ومرادات النفس، كشرب الخمر والزنا وغير ذلك من المحرَّمات الشرعية، فإن غالب النفوس مائلةٌ إليها طبعًا، والشيطانُ مساعدٌ لها طوعًا، أعاذنا الله تعالى منها برحمته)
(ومن بركات الوضوء وإتمامه ولو مع الشدة والصعوبة ما يروى أنه كَانَتِ امْرَأَةٌ تَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ حَجَّتْ ثُمَّ زَارَتِ الرَّسُولَ ﷺ ثُمَّ نَوَتِ الإِقَامَةَ فِى مَكَّةَ فَصَارَ لَهَا شُهْرَةٌ بِالتَّقْوَى وَالصَّلاحِ وَالْعِلْمِ ثُمَّ عَمِيَتْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَرَادَتْ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِصَلاةِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَزَحْلَقَتْ عَلَى دَرَجٍ فَانْكَسَرَ ضِلْعَانِ مِنْ أَضْلاعِهَا وَمَعَ ذَلِكَ تَكَلَّفَتْ وَصَلَّتْ ثُمَّ نَامَتْ فَرَأَتِ الرَّسُولَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مُقْبِلِينَ مِنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بَابُ بَيْتِهَا كَانَ مُوَاجِهًا لِلْكَعْبَةِ فَجَاءَ الرَّسُولُ فَبَصَقَ عَلَى طَرَفِ رِدَائِهِ وَقَالَ لَهَا امْسَحِي بِهِ عَيْنَيْكِ فَأَخَذَتِ الرِّدَاءَ فَمَسَحَتْ بِهِ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ فِى الْحَالِ ثُمَّ وَضَعَتْهُ عَلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ فَتَعَافَى فقالَ: يا فاطمةُ من غير استئذانٍ فقالت: يا سيّدي يا رسولَ الله إنَّ الحدثَ الأصغرَ يندرجُ فِي الأكبر وأنتَ قد أذِنْتَ فِي البَصر وهو أعظمُ فتبسَّم وقالَ عمرُ عبد الرسول ومحمد صالح الريس فِي مكانهما كأبي بكرٍ وعمرَ فِي زمانِهما وفلان وفلان عندَ الناس منَ العلماء وهما عندَ الله منَ الفسّاق.اهـ ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ ثُمَّ لَمَّا جَاءَتْ خَادِمَتُهَا رَأَتْهَا مُبْصِرَةً فَقَصَّتْ عَلَيْهَا قِصَّتَهَا، كَثِيرٌ مِنْ نِسَاءِ مَكَّةَ اسْتَفَدْنَ مِنْهَا فِى الزُّهْدِ وَالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى كَانَتْ حَنْبَلِيَّةً اسمهافَاطِمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الدَّائِمِ الزُّبَيْرِيَّةُ، وَانْتَشَرَ خَبَرُهَا فِى الأَرْضِ وَصَارَ الْعُلَمَاءُ يُرَاسِلُونَهَا وأتى الشّيخان المذكوران فأخبرَتهما فبَكيا وَبَكَتْ وسألاها أن لا تخبرَ بأسمائِهما فقالَت: لا أكتم ذلكَ وهوَ بإشارة النبيّ فناشَداها اللهَ فِي ذلكَ مِنْ شِدَّةِ تَوَاضُعِهِمَا يَخَافَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْفِتْنَةَ وَالرِّيَاءَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَقَعُوا فِى الْفِتْنَةِ فقالَت: لكُما عليَّ ذلكَ إلى قُرْب وَفَاتي أو مَوْتِكُمَا قَبْلِي فَقَدَّرَ اللهُ وفاتَهما قبلَها فأخبرَتْ بأنهما الممدوحان وأما المذمومان فلَم تُخبِر أحدًا؛ بل يقالُ: إنها أرسلَت إليهما وأخبرَتهما ونصحَتهما. ثُمَّ هَذِهِ الْكَرَامَةُ لِهَذِهِ الْوَلِيَّةِ مُعْجِزَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ هَذِهِ أَعْجَبُ مِنْ مُعْجِزَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي دَعَا لَهُمْ فَشُفُوا، الرَّسُولُ بِالْمَنَامِ شَفَى بِإِذْنِ اللَّهِ)
وَكَثْرَةُ الخُطَا (جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ
وَكَثْرَتِهَا إِمَّا لِبُعْدِ الدَّارِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرَارِ) إِلَى المَسَاجِدِ (لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَا دِلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الدَّارِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ لِلْبُعْدِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ فِي تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا رَغَّبَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَثْرَةِ الْخُطَا تَسْلِيَةً لِمَنْ بَعُدَت دَارُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» لِمَنْ بَعُدَتْ دِيَارُهُمْ عَنْ مَسْجِدِهِ؛ فَأَرَادُوا الْقُرْبَ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ أَفْضَلُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، فَسَلَّاهُمْ عليه الصلاة والسلام بِقَوْلِهِ: (تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) يَعْنِي إِنْ فَاتَكُمْ بَعْضُ الْفَوَائِدِ يَحْصُلُ لَكُمْ بَعْضُ الْعَوَائِدِ، وَالْأَمْرُ بِلُزُومِ الدِّيَارِ لِمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْيِيرِ الدَّارِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْدَارِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ لِئَلَّا يَخْلُوَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَصِيرَ مَحَلَّ الْإِمْكَارِ)
وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ (أَيْ: وَقْتُهَا أَوْ جَمَاعَتُهَا، والمراد الصلاة القادمة عليك) بَعْدَ الصَّلاةِ (يَعْنِي إِذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى وَيُعَلِّقُ فِكْرَهُ بِهَا بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُهَا، أَوْ يَكُونَ فِي شُغْلِهِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا. والمراد الصلاة التي صليتها في وقتها)
(وهذا فيه إشارة إلى أن نبقى معلقي القلب بأمور الآخرة، فإذا أنهيت وأديت العبادة في وقتها فاشغل فكرك وقلبك بالعبادة التي بعدها، لا تُفْرِغ قلبك من شَغْلِهِ بطاعة الله ولو بالتفكير والترتيب والتخطيط لذلك، وكان هذا حالَ الصالحين، فقد كان خالد بن الوليد رضي الله عنه: لَا يَنَامُ، وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا يَنَامُ، فلهذا كان رضي الله عنه ينتقل من نصر إلى نصر، لا يهدأ ولا يطمئن إلا على صهوة جواده في الجهاد ونصر الإسلام ليلا ونهارا، وكان هذا حالَ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ فِي ” الْمُجَالَسَةِ ” عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَثْبُتُ لَهُمُ الْعَدُوُّ فُوَاقَ نَاقَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ (أي لا يصمد العدو في وجوههم مقدار فواق الناقة أي مقدار حلب الناقة أي لا يصمد العدو أمامهم ولو وقتا قليلا).
وقَالَ هِرَقْلُ وَهُوَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا قَدِمَتْ مُنْهَزِمَةُ الرُّومِ: وَيَلَكُمُ! أَخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، أَلَيْسُوا هُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ؟ ! قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَنْتُمْ أَكْثَرُ أَمْ هُمْ؟ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَنْهَزِمُونَ كُلَّمَا لَقِيتُمُوهُمْ؟ ! فَقَالَ واحدٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَتَنَاصَفُونَ بَيْنَهُمْ (أي يأخذون الحق لبعضهم البعض ولو من قوي لضعيف ولو من شريف لغير ذلك)، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَنَزْنِي، وَنَرْكَبُ الْحَرَامَ، وَنَنْقُضُ الْعَهْدَ، وَنَظْلِمُ، وَنَأْمُرُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَنَنْهَى عَمَّا يُرْضِي اللَّهَ، وَنُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي.اهـ
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وكان يقال له عالم الشام: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِنَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا أَنَّ دِمَشْقَ سَتُحَاصَرُ، فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّقُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِيهَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا بِطْرِيقُهَا فَجِئْنَاهُ فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنَ الْعَرَبِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا فَلْيَتَجَسَّسْ لَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَأْيِهِمْ، وَلِيَثْبُتِ الْآخَرُ عَلَى مَتَاعِ صَاحِبِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ رِجَالٍ دِقَاقْ، يَرْكَبُونَ خُيُولًا عِتَاقْ، أَمَّا اللَّيْلُ فَرُهْبَانْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَفُرْسَانْ، يَرِيشُونَ النَّبْلَ (يعملون لها ريشا) وَيَبْرُونَهَا، وَيُثَقِّفُونَ الْقَنَا، (يقوّمونها) لَوْ حَدَّثْتَ جَلِيسَكَ حَدِيثًا مَا فَهِمَهُ عَنْكَ لِمَا عَلَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَتَاكُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ.
وهذا وصف الصحابة والتابعين الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام شرقا وغربا، رضيَ اللهُ عنهُم وجزاهُم اللهُ عنِ المسلمينَ خيرَ الجزاءِ، هؤلاءِ الصحابةُ الذينَ عَلَّقُوا قلوبَهم بالآخرةِ وبمَا عندَ اللهِ وبِنُصْرَةِ هذَا الدينِ، هَكَذَا رَبَّاهُمُ النبيُّ ﷺ وتَرَكَهُم عَلَى هذَا ولم يَرَوا منهُ ﷺ تعلقًا بهذهِ الدُّنيا الفانيةِ فَرَبَّاهم بحَالِهِ ومقالِهِ ﷺ، فقدْ روَى البخاريُّ فِي صحيحِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلاَثُ مِائَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ.اهـ
هؤلاءِ همُ الذينَ كانتِ الآخرةُ همَّهُم وليس الدنيا فتحقَّقَ فيهم قولُ نبيِّنا ﷺ الذي رواهُ الحاكمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ. وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ»).
لا يَنبَغِي أَنْ يَتَهاوَنَ الإِنْسان عَنْ فِعلِ أَيَّةِ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَنات يَقْدِرُ عَلَيْها وَلا أَنْ يُؤَجِّلَها، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَتَى يَمُوت! إِنّما الذي يَنبَغِي أَنْ يُبادِرَ فِى الخَيرات. كُلُّ شىءٍ مِنَ الخَير، بادِر فِيهِ! هكذا قالَ بَعضُ الصالِحِين!) فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ (الرباط بالأصل: بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ: رَابَطْتُ أَيْ لَازَمْتُ الثَّغْرَ وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِمَا يُرْبَطُ بِهِ وَسُمِّيَ مَكَانُ الْمُرَابَطَةِ رِبَاطًا
قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمُرَابَطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَنَّهَا تَسُدُّ طُرُقَ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ وَتَقْهَرُ الْهَوَى وَتَمْنَعُهَا مِنْ قَبُولِ الْوَسَاوِسِ فَيَغْلِبُ بِهَا حِزْبُ اللَّهِ جُنُودَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَر. والمقصود الرِّبَاطُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ)
(وقيل: الرِّبَاطُ هُنَا مُلَازَمَةُ الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ وَالرِّبَاطُ مُوَاظَبَةُ الصَّلَاةِ أَيْضًا، روى الحاكم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال لرجل: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) ؟ قال : قلت : لا ، قال : إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.
وقال بعض السلف: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدْتُكُمْ وَرَابِطُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ حَتَّى يَتْرُكَ دِينَهُ لِدِينِكُمْ وَاتَّقُونِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِذَا لَقِيتُمُونِي غَدًا) (فَهذا حَضٌّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَعَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالصَّبْرُ الْحَبْسُ.
وقيل: أي اغلبوا الكفار بصبركم عليهم، فلا يكونوا أصبر منكم فهم على الباطل وأنتم على الحق، ويدخل في هذا الحثُّ على الصبر لكل داعٍ إلى الله عز وجل وإلى دينه، فينبغي عليه أن يسأل الله العافية وإذا لقي من خالف دين الله تعالى أن يصبر ويكون ذا جَلَدٍ على إحقاق الحق ودفع الباطل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: فإذا لقيتموهم فاصبروا، فالصبر يُعرَف عند الشدة بكل أصنافها، سواء شدة في المعارك أو شدة عند لقاء أعداء الإسلام وخصوصا من يتسترون بستار المسلمين ويُضِلُّون الناس بغير علم.
الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وقبلهم الصحابة الكرام كان هذا حالَهم، كانوا صابرين على الحق مدافعين عن دين الله عز وجل لا يلينون لمن خالف الشريعة، فهذا أبو بكر صبر صبرا عظيما حين ارتدت أكثر القبائل فردَّ جزيرة العرب إلى الإسلام، وهذا عمر صبر صبر عظيما حتى أزال أعظمَ دول الكفر في زمانه، وهذا عثمان رضي الله عنه صبر على ما أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم به إلى أن قُتلَ شهيدا ولم يتزحزح عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا علي رضي الله عنه صبر على الحق حتى لا تتفرق كلمة المسلمين إلى أن قُتِل شهيدا رضي الله عنه وأرضاه، وهذا أبو حنيفة رضي الله عنه صبر على خوفه من الله وصبر على الورع رافضا للقضاء حتى مات في السجن، وهذا الإمام مالك رضي الله عنه صبر على فتوى هي حق حتى نزل به من العذاب ما نزل، وهذا الشافعي رضي الله عنه صبر على نشر العلم مع الآلام والأمراض حتى مات رضي الله عنه وقد نشر علما عظيما في الشرق والغرب وهذا أحمد بن حنبل رضي الله عنه صبر على مناظرات المعتزلة وغيرهم من أهل الشُّبَهِ والمفاسد والضلال الذين يُزيغون قلوب الناس بعقائدهم الفاسدة حتى مات رضيًّا صابرا محتسبا رضي الله عنه وأرضاه، فهؤلاء هم أئمة الحق وهؤلاء هم سلفنا وبهم نقتدي وطريقَهم نحتذي، ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الصبر على دينه وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهولاء الأئمة الأربعة وغيرُهم من علماء الإسلام صبروا صبرا تلين له الجبال صبروا على نشر هذا الدين وواجهوا الْمِحَنَ في سبيل ذلك وصبرهم رضي الله عنهم سببُه رسوخُ العقيدة في قلوبهم فإن العقيدة والتوحيد إذا استقر في القلب فإنه يدفع صاحبه ليعمل أكثر وأكثر في نشر هذا الدين بين الناس ويدفع صاحبه أكثر وأكثر ليصبر على ما يلاقي من مشقات وصعوبات، وهذا من حلاوة التوحيد ومن لذته، فإن من عرف الله على ما يليق به و عرف صفاتِ الله الواجبةَ له ونزَّه الله عن مشابهة المخلوقات يستقر تعظيم الله في قلبه فيدفعه للصبر لِمَا يُحِسُّ من محبة الله ومحبة دينه العظيم)»
(من عرف ما في هذا الحديث وعرف فضله لا بد أن يبادر إلى هذه الطاعات وغيرها فهي متيسرة لنا بفضل الله وسهلة علينا فالنبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك رباطا، وهو من الإشارة إلى الثبات عليه، لا بد للواحد منا أن يبادرَ إلى الطاعاتِ ويتسابقَ إليها ويُسرعَ إلى عملِها على الوجهِ الذي يُرضي الله عز وجل.
قالَ العلماءالاستعدادُ نتيجةُ قربِ الانتظارِ فمَنِ انتظرَ مجيءَ الموتِ بعدَ سنةٍ اشتغلَ قلبُه بالمدةِ ونسيَ ما وراءَ المدةِ وذلكَ قد يمنعُه مِنْ مبادرةِ العملِ لأنه يرَى لنفسِه متسَعًا في تلكَ السنةِ فيؤخرُ العملَ وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ وَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ».
وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لرجل وهو يَعِظُهُ: اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ من الناس الصحة والفراغ.
وفي الحديثِ «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلا إنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلا إِنَّ سِلْعَةَ الله الْجَنَّةُ» أخرجه الترمذي.
وفي الحديث أيضا يقول صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُهَا النَّاسُ اذْكُرُوا الله جَاءَتْ الرَاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ». أخرجه الترمذي.
وفي الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «يا بَنِي قُصَيٍّ، يا بَنِي هَاشِمٍ يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنا النَّذِيرُ، والمَوْتُ المُغيرُ، والسَّاعَةُ المَوْعِدُ». أخرجه أبن أبي الدنيا.
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والشمسُ على أطراف السعف فقال «مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا فيما مَضَى مِنْهُ» أخرجه ابن أبي الدنيا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ، فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ» أخرجه ابن أبي الدنيا.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ النُّورَ إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ تُعْرَفُ بِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَار ِالْخُلُودِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ»، وقال السدي: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] أَيْ: أَيُّكُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُ لَهُ اسْتِعْدَادًا، وَأَشَدُّ مِنْهُ خَوْفًا، فَاحْذَرُوا”.
وقال المنذر: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ لِنَفْسِهِ: «وَيْحَكِ بَادِرِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكِ الْأَمْرُ، وَيْحَكِ بَادِرِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكِ الْأَمْرُ، وَيْحَكِ بَادِرِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكِ الْأَمْرُ» قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ سِتِّينَ مَرَّةً أسمعه ولا يراني.
وَكَانَ الحسن يَقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ الْمُبَادِرَةَ الْمُبَادِرَةَ فَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْفَاسُ لَوْ حُبِسَتِ انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي تَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجل رحم الله امرأ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ وَبَكَى عَلَى عَدَدِ ذُنُوبِهِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عدًّا) يَعْنِي الْأَنْفَاسَ آخِرُ الْعَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ آخِرُ الْعَدَدِ فِرَاقُ أَهْلِكَ آخِرُ الْعَدَدِ دُخُولُكَ فِي قبرك.
واجْتَهَدَ أبو موسى الْأَشْعَرِيُّ قَبْلَ مَوْتِهِ اجْتِهَادًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمْسَكَتَ أَوْ رَفَقْتَ بِنَفْسِكَ بَعْضَ الرِّفْقِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الْخَيْلَ إِذَا أُرْسِلَتْ فَقَارَبَتْ رَأْسَ مُجْرَاهَا، أَخْرَجَتْ جَمِيعَ مَا عِنْدَهَا، وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَجْلِي أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ». قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ رضي الله عنه.
وقال ابن مسعود: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أَصْبَحَ إِلَّا وَهُوَ ضَيْفٌ، وَمَالُهُ عَارِيَةٌ وَالضَّيْفُ مُرْتَحِلٌ لِيَنْطَلِقَ، وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ».
وقال أبو عبيدة الباجي: دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِكُمْ وَأَهْلًا، وَحَيَّاكُمُ اللَّهُ بِالسَّلَامِ، وَأَحَلَّنَا وَإِيَّاكُمْ دَارَ الْمُقَامِ، هَذِهِ عَلَانِيَةٌ حَسَنَةٌ إِنْ صَبَرْتُمْ وَصَدَّقْتُمْ وَاتَّقَيْتُمْ، فَلَا يَكُنْ حَظُّكُمْ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَسْمَعُوا بِهَذِهِ الْأُذُنِ وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْأُذُنِ فَإِنَّهُ مَنْ رَأَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَآهُ غَادِيًا وَرَائِحًا، لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَلَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ، الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ [الوحاء: السرعة. والمعنى أسرعوا والزموا السرعة بأمر الآخرة ولا تؤخروا ذلك]، النَّجَاءَ النَّجَاءَ [النجاء: السرعة. و (النجاء النجاء) أي: أسرع]، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا جَعَلَ الْعَيْشَ عَيْشًا وَاحِدًا، فَأَكَلَ كِسْرَةً، وَلَبِسَ خَلَقًا، وَلَزِقَ بِالْأَرْضِ، وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ، وَبَكَى عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَهَرَبَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَابْتَغَى الرَّحْمَةَ، حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ».
وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «لَقَدْ نَغَّصَ هَذَا الْمَوْتُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَا هُمْ فِيهِ مِنْ غَضَارَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهَا كَذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ، أَتَاهُمْ حِيَاضُ الْمَوْتِ فَاخْتَرَمَهُمْ، فَالْوَيْلُ، وَالْحَسْرَةُ هُنَالِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْذَرِ الْمَوْتَ وَيَذْكُرْهُ فِي الرَّخَاءِ، فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا يَجِدُهُ بَعْدَمَا فَارَقَ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا»، قَالَ: ثُمَّ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ فَقَامَ.
وروي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَيْنَ الْوِضَاءُ وَالْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحِيطَانِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطَوْنَ الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ؟ قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ وَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، النَّجَاءَ النَّجَاءَ».
وقال أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ الْأَسْوَدَ، هو: أبو معاوية الأسود، من كبار أولياء الله، صحب سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهما، وكان يعد من الأبدال وقيل: إنه ذهب بصره، فكان إذا أراد التلاوة في المصحف أبصر بإذن الله،كان يَقُولُ: «إِنْ كُنْتَ يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ تُرِيدُ لِنَفْسِكَ الْجَزِيلَ، فَلَا تَنَامَنَّ اللَّيْلَ وَلَا تَقِلْ، قَدِّمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ الْأَشْغَالِ، بَادِرْ ثُمَّ بَادِرْ قَبْلَ نُزُولِ مَا تُحَاذِرُ، وَلَا تَهْتَمَّ بِأَرْزَاقِ مَنْ تُخَلِّفُ، فَلَسْتَ أَرْزَاقَهُمْ تُكَلَّفُ».
ومن كلامه: من كانت الدنيا همَّه، طال غدا غمُّه، ومن خاف ما بين يديه، ضاق به ذرعه
وقال عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ صَفْوَانَ: كُنَّا مَعَ الْحَسَنِ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَمِلَ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، إِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَقْدِرُونَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِخْوَانُكُمْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَاغْتَنِمُوا الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ، قَبْلَ يَوْمِ الْفَزْعَةِ وَالْحِسَابِ»).