المقدمة
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي لَا مَانِعَ لِمَا وَهَبَ، وَلَا مُعطِيَ لِمَا سَلَبَ، طَاعَتُهُ لِلعَامِلِينَ أَفضَلُ مُكتَسَبٍ، وَتَقوَاهُ لِلمُتَّقِينَ أَعلَى نَسَبٍ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الفَائِقِ فِي الفَضَائِلِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي فَرَّ الشَّيطَانُ مِنهُ، وَعَلَى عُثمَانَ ذِي النُّورَينِ، وَعَلَى عَلِيٍّ صِهرِهِ وَابنِ عَمِّهِ، وَعَلَى بَقِيَّةِ أَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ. أَمَّا بَعدُ:
ملخص الدرس السابق
كُنَّا فِي الدَّرسِ المَاضِي بَدَأنَا بِشَرحِ أَحَادِيثِ كِتَابِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ، وَنُكمِلُ فِي شَرحِهَا سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
الحديث الثاني: صفة الوحي
«أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ»
وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. — عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا
سند الحديث
حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ — أَبُو مُحَمَّدٍ الكَلَاعِيُّ المِصرِيُّ، أَصلُهُ مِن دِمَشقَ، نَزَلَ تِنِّيسَ، رَوَى عَن مَالِكٍ وَاللَّيثِ وَغَيرِهِم. قَالَ ابنُ مَعِينٍ: مَا بَقِيَ عَلَى أَدِيمِ الأَرضِ أَوثَقُ فِي المُوَطَّأِ مِن عَبدِ اللهِ بنِ يُوسُفَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢١٨ﻫ.
قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ عَن هِشَامِ بنِ عُروَةَ — الإِمَامُ الثِّقَةُ شَيخُ الإِسلَامِ، أَبُو المُنذِرِ القُرَشِيُّ الزُّبَيرِيُّ المَدَنِيُّ، رَوَى عَن أَبِيهِ وَأَبِي سَلَمَةَ، وَرَوَى عَنهُ أَيُّوبُ وَشُعبَةُ وَمَعمَرٌ وَخَلقٌ. مَاتَ سَنَةَ ١٤٥ﻫ.
عَن أَبِيهِ عَن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — وَهُوَ المَخزُومِيُّ أَخُو أَبِي جَهلٍ، أَسلَمَ يَومَ الفَتحِ وَحَسُنَ إِسلَامُهُ، استُشهِدَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ١٨ﻫ — سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ يَأتِيكَ الوَحيُ؟
شرح الحديث
صلصلة الجرس: أشد أنواع الوحي
«أَحيَانًا يَأتِينِي مِثلَ صَلصَلَةِ الجَرَسِ»: الصَّلصَلَةُ هِيَ الصَّوتُ الَّذِي يَظهَرُ مِن وَقعِ الحَدِيدِ عَلَى الحَدِيدِ. وَالمُرَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا جِبرِيلَ حِينَ يَأتِي النَّبِيَّ ﷺ بِمَا يُوحَى يَكُونُ صَوتُهُ فِي الأَوَّلِ لَهُ طَنِينٌ لَا يَتَدَارَكُهُ، ثُمَّ يَتَّضِحُ، فَيَأخُذُ بِمَجَامِعِ القَلبِ كَمَا إِذَا سَمِعَ الإِنسَانُ صَوتَ الجَرَسِ لَا يَستَطِيعُ أَن يُرَكِّزَ مَعَهُ عَلَى شَيءٍ آخَرَ.
وَالحِكمَةُ فِي تَقَدُّمِ هَذَا الصَّوتِ: أَن يَقرَعَ الوَحيُ سَمعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَبقَى فِيهِ مُتَّسَعٌ لِغَيرِهِ.
«وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ»: يُفهَمُ مِن هَذَا أَنَّ الوَحيَ غَالِبًا كَانَ فِيهِ شِدَّةٌ وَتَعَبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ شَيءٌ مَهِيبٌ عَظِيمُ الهَيبَةِ لَيسَ مِمَّا تَألَفُهُ الطِّبَاعُ البَشَرِيَّةُ.
وَقَد شَهِدَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَلَى ذَلِكَ بِقَولِهَا: «وَلَقَد رَأَيتُهُ يَنزِلُ عَلَيهِ الوَحيُ فِي اليَومِ الشَّدِيدِ البَردِ فَيَفصِمُ عَنهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»، أَي أَنَّ العَرَقَ يَسِيلُ مِن جَبِينِهِ ﷺ سَيَلَانًا يُشبِهُ سَيَلَانَ الدَّمِ عِندَ الفَصدِ كِنَايَةً عَنِ الكَثرَةِ.
تمثل الملك رجلا
«وَأَحيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا»: أَي يَتَصَوَّرُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِثلَ رَجُلٍ، وَكَانَ غَالِبًا كَـدِحيَةَ الكَلبِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَالمَلَائِكَةُ لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا، وَإِنَّمَا يَتَشَكَّلُونَ عَلَى صُورَةِ الذُّكُورِ بِدُونِ آلَةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَهُم عِبَادٌ مُكرَمُونَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم. وَتَمَثُّلُهُ رَجُلًا لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ ذَاتَهُ انقَلَبَت رَجُلًا، بَل ظَهَرَ بِتِلكَ الصُّورَةِ تَأنِيسًا لِمَن يُخَاطِبُهُ.
الحديث الثالث: بدء الوحي — قصة غار حراء
«أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ — وَهُوَ التَّعَبُّدُ — اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: “اقْرَأْ”، قَالَ: “مَا أَنَا بِقَارِئٍ”، قَالَ: “فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾”، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَقَالَ: “زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي”، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ: “لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي”، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ — [سورة العلق: ١-٣]
سند الحديث
حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ بُكَيرٍ — يَحيَى بنُ عَبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ، مِن كِبَارِ الحُفَّاظِ المِصرِيِّينَ.
حَدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سَعدٍ — اللَّيثُ بنُ سَعدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الفَهمِيُّ أَبُو الحَارِثِ المِصرِيُّ، إِمَامُ أَهلِ مِصرَ وَقَرِينُ الإِمَامِ مَالِكٍ، ثِقَةٌ ثَبتٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ مَشهُورٌ. كَانَ يَصِلُ مَالِكًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي السَّنَةِ. مَاتَ سَنَةَ ١٧٥ﻫ.
عَن عُقَيلٍ — بِضَمِّ العَينِ، ابنُ خَالِدٍ الأَيلِيُّ، مَاتَ سَنَةَ ١٤١ﻫ.
عَن ابنِ شِهَابٍ الزُّهرِيِّ — مُحَمَّدُ بنُ مُسلِمٍ القُرَشِيُّ الزُّهرِيُّ المَدَنِيُّ، مِن مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، رَأَى عَشَرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِن أَحفَظِ أَهلِ زَمَانِهِ. قَالَ اللَّيثُ: مَا رَأَيتُ عَالِمًا أَجمَعَ مِنَ ابنِ شِهَابٍ. مَاتَ سَنَةَ ١٢٥ﻫ.
عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ عَن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا.
شرح الحديث
الرؤيا الصادقة: أول الوحي
«الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ»: أَي الرُّؤيَا الصَّادِقَةُ الَّتِي لَيسَ فِيهَا أَضغَاثُ أَحلَامٍ. وَرُؤيَا الأَنبِيَاءِ وَحيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يَذبَحُ ابنَهُ إِسمَاعِيلَ فَسَارَعَ لِتَنفِيذِ أَمرِ اللهِ.
وَقَد كَانَت مُدَّةُ الرُّؤيَا الصَّادِقَةِ سِتَّةَ أَشهُرٍ فِيمَا حَكَاهُ البَيهَقِيُّ، وَإِنَّمَا بُدِئَ ﷺ بِهَا تَمهِيدًا وَتَوطِئَةً لِلوَحيِ فِي اليَقَظَةِ.
«إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ» — رَوَاهُ البُخَارِيُّ
الخلوة بغار حراء
«حُبِّبَ إِلَيهِ الخَلَاءُ»: أَي حُبِّبَ إِلَيهِ الاختِلَاءُ. وَالحِكمَةُ فِيهِ فَرَاغُ القَلبِ لِمَا يَتَوَجَّهُ لَهُ. وَفِيهِ تَنبِيهٌ عَلَى فَضلِ العُزلَةِ بِضَوَابِطِهَا حَيثُ لَا تَكُونُ فِيهَا إِضَاعَةُ وَاجِبَاتٍ، لِأَنَّهَا تُرِيحُ القَلبَ مِن أَشغَالِ الدُّنيَا وَتُفَرِّغُهُ للهِ تَعَالَى.
حِرَاءٌ: جَبَلٌ مَعرُوفٌ بَينَهُ وَبَينَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَميَالٍ، مَشهُورٌ اليَومَ بِجَبَلِ النُّورِ. قَالَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ: خَصَّ حِرَاءً لِأَنَّهُ مُنزَوٍ يَنظُرُ مِنهُ إِلَى الكَعبَةِ المُعَظَّمَةِ، وَالنَّظَرُ إِلَيهَا عِبَادَةٌ، فَكَانَ لَهُ فِيهِ ثَلَاثُ عِبَادَاتٍ: الخَلوَةُ، وَالتَّحَنُّثُ، وَالنَّظَرُ إِلَى الكَعبَةِ.
وَلَم يَكُن النَّبِيُّ ﷺ يَنقَطِعُ فِي الغَارِ بِالكُلِّيَّةِ، بَل كَانَ يَرجِعُ إِلَى أَهلِهِ لِضَرُورَاتِهِم ثُمَّ يَخرُجُ لِتَحَنُّثِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الانقِطَاعَ الدَّائِمَ عَنِ الأَهلِ لَيسَ مِنَ السُّنَّةِ.
عصمة الأنبياء وصفاتهم
رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَلِكَ كُلُّ الأَنبِيَاءِ مُبَرَّؤُونَ عَنِ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، فَالأَنبِيَاءُ صَفوَةُ الخَلقِ، اللهُ تَعَالَى فَضَّلَهُم عَلَى العَالَمِينَ وَحَفِظَهُم.
يَجِبُ لِلأَنبِيَاءِ: – الصِّدقُ: يَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكَذِبُ صَغِيرَةً كَانَت أَو كَبِيرَةً. – الفَطَانَةُ: الذَّكَاءُ وَالحِكمَةُ، وَيَستَحِيلُ عَلَيهِم البَلَادَةُ وَضَعفُ الفَهمِ. – الأَمَانَةُ: لَا تَصدُرُ مِن أَيٍّ مِنهُم خِيَانَةٌ فِي قَولٍ أَو فِعلٍ أَو حَالٍ. – الصِّيَانَةُ: يَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالجُبنُ وَكُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ. – الفَصَاحَةُ: فُصَحَاءُ يُحسِنُونَ التَّعبِيرَ، لَا يَحصُلُ مِنهُم سَبقُ لِسَانٍ لَا فِي الشَّرعِيَّاتِ وَلَا فِي العَادِيَّاتِ. – الصِّحَّةُ: ذَوُو خِلقَةٍ سَوِيَّةٍ وَوُجُوهٍ حَسَنَةٍ وَأَصوَاتٍ حَسَنَةٍ، يَستَحِيلُ عَلَيهِم كُلُّ مَرَضٍ مُنَفِّرٍ كَالجُذَامِ وَالبَرَصِ.
وَهَذِهِ السَّلَامَةُ مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ هِيَ العِصمَةُ الوَاجِبَةُ لَهُم كَمَا نَصَّ عَلَيهِ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
نزول الوحي الأول: اقرأ
«فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقرَأ»: جَاءَهُ جِبرِيلُ يَومَ الِاثنَينِ لِسَبعَ عَشرَةَ خَلَت مِن رَمَضَانَ وَهُوَ ابنُ أَربَعِينَ سَنَةً.
«مَا أَنَا بِقَارِئٍ»: أَي لَا أَعرِفُ القِرَاءَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقرَأُ وَلَا يَكتُبُ، وَهَذَا مَعدُودٌ فِي جُملَةِ مُعجِزَاتِهِ ﷺ. وَقَد ثَبَتَت أُمِّيَّتُهُ بِنَصِّ الحَدِيثِ وَبِقَولِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ — [سورة النجم: ٣-٤]
وَالأُمِّيَّةُ فِي حَقِّهِ ﷺ مَدحٌ، فَهُوَ أُمِّيٌّ مَلَأَ الدُّنيَا عِلمًا وَحَضَارَةً، وَأَحَادِيثُهُ عُمدَةٌ يُحتَجُّ بِهَا فِي اللُّغَةِ وَالنَّحوِ وَالمَنطِقِ وَالبَيَانِ.
«فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي»: ضَمَّنِي وَعَصَرَنِي عَصرَةً شَدِيدَةً دُونَ أَن يَحصُلَ ضَرَرٌ. قَالَ القَسطَلَّانِيُّ: «وَهَذَا الغَطُّ لِيُفَرِّغَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى أَمرِ الدُّنيَا وَيُقبِلَ بِكُلِّيَتِهِ إِلَى مَا يُلقَى إِلَيهِ، وَكَرَّرَهُ لِلمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: الغَطَّةُ الأُولَى لِيَتَخَلَّى عَنِ الدُّنيَا، وَالثَّانِيَةُ لِيَتَفَرَّغَ لِمَا يُوحَى إِلَيهِ، وَالثَّالِثَةُ لِلمُؤَانَسَةِ».
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا أُوحِيَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ — [سورة العلق: ١-٣]
وَاشتَمَلَت هَذِهِ الآيَاتُ عَلَى الأَمرِ بِالقِرَاءَةِ وَالبَدَاءَةِ بِاسمِ اللهِ، وَبَيَانِ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الوَاحِدُ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أُصُولِ الدِّينِ وَفَضلِ العِلمِ.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ — [سورة فاطر: ١٥]
السيدة خديجة رضي الله عنها
«فَرَجَعَ بِهَا يَرجُفُ فُؤَادُهُ»: أَي يَخفِقُ وَيَضطَرِبُ فُؤَادُهُ مِن هَيبَةِ هَذَا الأَمرِ وَعِظَمِهِ، وَلَيسَ هَذَا مِنَ الجُبنِ المُنَافِي لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، فَالأَنبِيَاءُ يَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الجُبنُ، أَمَّا الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ فَلَا يَستَحِيلُ عَلَيهِم.
«فَقَالَت خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا»: وَقَد عَدَّدَت صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الكَرِيمَةَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَخذُلُهُ اللهُ.
خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَوَّلُ امرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَهِيَ أَوَّلُ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لَم يَسبِقهَا رَجُلٌ وَلَا امرَأَةٌ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ جِبرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ:
«يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ عَلَيهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ»
وَقَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: مَا غِرتُ عَلَى امرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِمَّا كُنتُ أَسمَعُ مِن ذِكرِهِ لَهَا.
صلة الرحم وإكرام الضيف
مِن أَوصَافِهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَتهَا خَدِيجَةُ: صِلَةُ الرَّحِمِ، وَحَملُ الكَلِّ، وَإِكرَامُ الضَّيفِ. وَقَد أَكَّدَ الشَّرعُ الحَنِيفُ عَلَى وُجُوبِ صِلَةِ الأَرحَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ — [سورة الرعد: ١٩-٢١]
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ — [سورة الرعد: ٢٥]
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ وَيُثْمِرُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ»
وَرَوَى مُسلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«إِنَّكُم سَتَفتَحُونَ مِصرَ وَهِيَ أَرضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحتُمُوهَا فَأَحسِنُوا إِلَى أَهلِهَا، فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا»
وَخَرَّجَ الإِمَامُ أَحمَدُ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِمْ ضَيفَهُ» قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالُوا: وَمَا كَرَامَةُ الضَّيفِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا جَلَسَ بَعدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»
سؤال فقهي: المقام المحمود
السُّؤَالُ: مَا هُوَ المَقَامُ المَحمُودُ؟
الجَوَابُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ — [سورة الإسراء: ٧٩]
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «فَقَالَ أَكثَرُ أَهلِ العِلمِ: ذَلِكَ هُوَ المَقَامُ الَّذِي يَقُومُهُ ﷺ يَومَ القِيَامَةِ لِلشَّفَاعَةِ لِلمُسلِمِينَ». وَنَقَلَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «المَقَامُ المَحمُودُ: مَقَامُ الشَّفَاعَةِ».
وَقَالَ البَغَوِيُّ: «المَقَامُ المَحمُودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ لِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُ يَحمَدُهُ فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ».
وَلَيسَ تَفسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ كَمَا تَقُولُ المُجَسِّمَةُ المُشَبِّهَةُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُقعِدُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَعَهُ عَلَى العَرشِ، وَكَذَبَ وَافتَرَى مَن نَسَبَ هَذَا التَّشبِيهَ وَالتَّجسِيمَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
نَقَلَ ابنُ المُعَلِّمِ القُرَشِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٥ﻫ حِكَايَةَ القَاضِي حُسَينٍ عَن نَصِّ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ فَهُوَ كَافِرٌ».
وَقَالَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ فَهُوَ غَيرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وَإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ».
الدعاء الختامي
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…
اللهم لَكَ أَسلَمنَا وَبِكَ آمَنَّا وَعَلَيكَ تَوَكَّلنَا وَإِلَيكَ أَنَبنَا وَبِكَ خَاصَمنَا وَإِلَيكَ حَاكَمنَا فَاغفِر لنَا مَا قَدَّمنَا وَمَا أَخَّرنَا وَمَا أَسرَرنَا وَمَا أَعلَنَّا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا، أَنتَ إِلَهنا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ. اللهم بَاعِد بَينَنَا وَبَينَ خَطَايَانَا كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللهم نَقِّنَا مِن خَطَايَانَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهم اغسِلنَا مِن خَطَايَانَا بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ. اللهم إِنَّا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا ظُلمًا كَثِيرًا وَلَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ فَاغفِر لَنَا مَغفِرَةً مِن عِندِكَ وَارحَمنَا إِنَّكَ أَنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
اللهم نَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ وَنَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنكَ لَا نُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنتَ كَمَا أَثنَيتَ عَلَى نَفسِكَ. اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ العِلافِيَةَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِينِنَا وَدُنيَانَا وَأَهلِنَا وَمَالِنَا، اللهم استُر عَورَاتِنَا وَآمِن رَوعَاتِنَا، اللهم احفَظنَا مِن بَينِ يَدَينَا وَمِن خَلفِنَا وَعَن يَمِينِنَا وَعَن شِمَالِنَا وَمِن فَوقِنَا وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن نُغتَالَ مِن تَحتِنَا. اللهم مُصَرِّفَ القُلُوبِ اصرِف قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ.
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِر اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ. وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.