فضل الصلاة على آل البيت: كيفية الصلاة على النبيّ وأهل بيته

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بعثَ محمدًا ءايةَ الجمال، وأستغفره تعالى على التقصير المتوال، وأعوذ بالله من شرورِ النفسِ وسيئِ الأعمال، من يهده الله فلا مضل له بحال، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له من الضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربٌّ مُتَعَال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كُلَّمَا حنَّ غُصنٌ مِن الشّوقِ ومال، الذي أرسلَه ربُّه بالهدى ودينِ الحقِ الطّاهرِ الصافي كالزُلال، ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون وَقَلاَهُ كلُّ قال، أما بعد:

وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

الحديث

   وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».

وَرَوَى الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَصْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَمَانِينَ سَنَةً».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَيْ: أَعْجَبُهُ وَأَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ؛ أَيْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، فَحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى عِبَارَةٌ عَنْ نَيْلِ الثَّوَابِ الْوَافِي عَلَى نَحْوِ: (ثُمَّ ‌يُجۡزَىٰهُ ‌ٱلۡجَزَآءَ ‌ٱلۡأَوۡفَىٰ) [سورة النجم/ الآية 41] لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْمِكْيَالِ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِلْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَالتَّقْدِيرَ بِالْمِيزَانِ يَكُونُ غَالِبًا لِلْأَشْيَاءِ الْقَلِيلَةِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا وهذا دليل على أنه يجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه دعاء لمن صُلِّيَ عليه برفع الدرجة والرحمة والرفعة، سواء كان المُصَلَّى عليه نبيًّا أم صالحًا، فقد روى ابن حجر في المطالب العالية والسبكي في الطبقات بالسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا عَلَى الأَنْبِيَاءِ كَمَا تُصَلُّونَ عَلِيَّ فَإِنَّهُمْ ‌بُعِثُوا ‌كَمَا ‌بُعِثْتُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ».اهـ

قال تاج الدين السبكي بعد نقله لهذا الحديث: “فَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْقَائِمِينَ بِمُدَاوَاةِ الْقُلُوبِ وَعِلاجِهَا صَلاةً كَصَلَوَاتِهِمُ الْمُفْتَرَضَةِ ذَاتِ الأَرْكَانِ آمِنَةً من خِداجها مَا مدّت أنفس المذنبين إِلَى شَفِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يَدَ احْتِيَاجِهَا”.اهـ

وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ ‌عَلَى ‌آلِ ‌أَبِي أَوْفَى». يريد بذلك: ارحمهم واغفر لهم أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي أهل البيت. جاء في الذكر الحكيم قوله عزَّ وجلَّ في شأن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا ‌يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌لِيُذۡهِبَ ‌عَنكُمُ ‌ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا) [سورة الأحزاب/ الآية 33]، وعند تتبّع ءايات القرءان الكريم، الذي جعله الله هاديًا إلى طريق الرشاد في الدنيا والآخرة، نجد أنّ كلمة (آل) قد وردت ستا وعشرين مرةً، بينما وردت كلمة (أهل) ستا وعشرين ومائة مرةٍ.

وقد استعمل المسلمون لفظ (آل البيت) في أهل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن هم من ذريته صلى الله عليه وسلم عبر سبطيه الحسن والحسين خاصّة، واشتهر هذا اللفظ حتى صار علمًا لهم.

أمّا تعريف آل البيت في الاصطلاح فبعد استقراء آراء العلماء والبحث عن أقوالهم في هذا الأمر العظيم، وُجد أنّ مجموع تلك الأقوال قد بلغ سبعةً وعشرين قولًا، وما ذلك إلا لعظم هذا الأمر عند الخلق، كما هو مُعَظّمٌ عند الخالق سبحانه وتعالى.

ومع ذلك كله يمكن جمع تلك الأقوال ضمن أحد عشر رأيًا جامعًا، على النحو التالي:

الرأي الأول: هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

الرأي الثاني: هم بنو هاشم.

الرأي الثالث:  هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو هاشمٍ.

الرأي الرابع: هم فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، وأم سلمة، وواثلة، وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.

الرأي الخامس: هم بنو هاشمٍ، وبنو المطلب. وبه قال بعض المالكية، وهو رأي الشافعية، وقول عند الحنابلة.

الرأي السادس: هم بنو هاشمٍ، وبنو عبد المطلب، وبنو عبد منافٍ.

الرأي السابع: هم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو عبد منافٍ.

الرأي الثامن: هم قريشٌ كلها.

 الرأي التاسع: هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقريش جميعًا.

الرأي العاشر: هم كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة. وهذا الرأي ينسب إلى جابر رضي الله عنه، وسفيان الثوري، وجماعة، وهو في مقام الدعاء عند جميع المسلمين.

الرأي الحادي عشر: هم أمته صلى الله عليه وسلم، أي أمة الإجابة. وقد نسب إلى الإمام مالك رحمه الله، الميل إلى هذا الرأي، كما اختاره جمع من محققي الشافعية كالأزهري، والنووي، رحمهما الله، حيث قال النووي: “أظهر الأقوال أنهم جميع الأمة”.

أما فضائل آل البيت فقد أعطى الله سبحانه وتعالى لآل البيت عطاءً جزيلًا، حيث جاء ذكر فضلهم في القرءان الكريم جامعًا إياهم في آياتٍ، ومنوّهًا بفضل بعضهم في آياتٍ أخرى، وأعظم ما تجلّى ذلك في آية التطهير من الرجس، في قوله سبحانه وتعالى:(إِنَّمَا ‌يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌لِيُذۡهِبَ ‌عَنكُمُ ‌ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا) [سورة الأحزاب/ الآية 33]. وهذه الآية الكريمة هي منبع فضلهم حيث أبتدئت بـ (إِنَّمَا) التي تفيد معنى الحصر، وهي هنا في إذهاب (الرِّجْسَ) الذي هو الإثم والفاحشة المدَنِّسان للأعراض، الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، في حين أنّ استعمال كلمتي (الرِّجْسَ) و(تَطْهِيرًا) دون غيرهما هنا لإفادة التنفير البليغ، والزجر الشديد لفاعل المعصية.

وجاء الخطاب بـ ﴿عَنْكُمُ﴾ و﴿وَيُطَهّرَكُمْ﴾ ليشمل ما هو أعم من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، اللاتي قُصِدْنَ بالخطاب فيما سبق، وكُنَّ سببًا لنـزول هذه الآية، وهذا نصٌ في دخول أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم في (أهل البيت) ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النـزول داخلٌ فيه قولًا واحدًا.

أما نصب كلمة ﴿أَهْلَ﴾ في الآية، فهو على تقدير: يا أهل البيت، ويجوز أن يكون النصب على التخصيص والمدح، أي: أعني أو أخصُ أهلَ البيت.

وأكد الله سبحانه وتعالى إزالة الرجس بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيًرا﴾؛ لأن الرجس قد يزول ولـمَّا يطهر المحل بعد. كما أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية بالمصدر الذي هو ﴿تَطْهِيرًا﴾ دون غيره، للمبالغة في وصولهم لأعلاه، كما أن التنوينَ تنوينُ تعظيم وتكثير وإعجابٍ، وهو يُؤكد أن هذا التطهير ليس من جنس ما يُتعارف ويُؤلف.

كما يظهر فضل آل البيت في إحدى أوجه التفسير لآية المودة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: (قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ‌ٱلۡمَوَدَّةَ ‌فِي ‌ٱلۡقُرۡبَىٰ) [سورة الشورى/ الآية 23]، إلا أن تَصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، معنى الآية على أن يواددوا النبيّ صلى الله عليه وسلم من أجل القرابة التي بينه وبينهم.

كما روى البخاري هذا التفسير عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

ومما يُظهر فضل آل البيت أيضًا: ذكرهم في آية المباهلة التي قال الله سبحانه وتعالى فيـها: (فَمَنۡ ‌حَآجَّكَ ‌فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 61]، حيث قدمهم في الذكر على الأنفس، لينبه على لطف مكانهم، وقرب منـزلتهم، وهذا دليلٌ على فضلهم.

فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ هذا اللفظ فيه وصف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وهو من أعظم أوصافه؛ فهو أفضل الأنبياء وسيدهم وأشرفهم وأرفعهم مكانة كما لا يخفى، ويجبُ الإيمانُ بأنبياءِ اللهِ ورسلِهِ كلِّهِم، وَالنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ هُوَ أي النبي إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ لا بِشَرْعٍ جَدِيدٍ، بَلْ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَوَّلُ رُسُلِ اللَّهِ هُوَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَءَاخِرُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهُنَا ينبغِي التنبيهُ إلى أنَّه لا يَصِحُّ قولُ بعضِهِم: النَّبِيُّ إنسانٌ أُوحِيَ إليهِ بِشَرعٍ وإنْ لَم يُؤْمَر بِتَبْلِيغِهِ، فإنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فرَسُولٌ. لِأَنَّ كُلًّا مِنَ النَّبِيِّ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ غيرِ الرَّسُولِ مَأمُورٌ بِالتَّبلِيغِ، وعَدَمُ التّبليغِ مِنَ الخيانَةِ، والأنبياءُ مُنَزَّهُونَ عن ذلكَ، فَكُلُّهُم أُمَنَاءُ،

قال الإمام البغدادي: وَالفَرْقُ بَينَهُمَا أَيِ النَّبِيِّ والرَّسُوْلِ أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أَتَاهُ الوَحْيُ منَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أي نَزَلَ عليهِ الْمَلَكُ بِالوَحْيِ وأمر بالتبليغ والرَّسُوْلَ مَنْ يأْتِيْ بشَرْعٍ عَلَى الابْتِدَاءِ أَوْ يَنْسَخُ بَعْضَ أَحْكَامِ شَرِيْعَةٍ قَبْلَهُ.اﻫ

 وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ والنبي صلى الله عليه وسلم تزوّج أكثر من امرأة ولم يكن زواجه عليه الصلاة والسلام وتعداده للزوجات بدافع تعلّق القلب بالنساء، لا، فسيّدنا محمَّد ﷺ لَم يَكُن مُعلَّق القَلبِ بالنّساء، فلم يَتزوَّج قبلَ النُّبُوّة إلّا خَدِيجةَ رضي الله عنها، ثُمّ بعدَ أنْ صارَ عمُره ثلاثًا وخمسِينَ تزَوَّج بِغَيرِها، فعدَّد ﷺ الزِّواجَ في خِلالِ العَشرِ سنَواتٍ الّتي قَضَاها بالمَدِينةِ حتّى اجْتَمَع عِندَه تِسعُ نساء، وكان غرَضُه ﷺ نَشرَ أحكامِ الشّريعةِ مِن طَرِيقِ النِّساءِ، لأنّ تعَلُّم النِّساءِ مِن النِّساءِ أسرَعُ للنِّساءِ وأقرَبُ إلَى نُفوسِهِنّ، لأنّه قَد يَمْنَعُهُنّ الاستِحياءُ مِن تعَلُّم أُمورِ الدِّين مِن الرِّجالِ.

ومِن الدّلِيلِ علَى أنّ الرّسُولَ ﷺ لم يَكُن مُتعلِّقَ القَلبِ بالنِّساءِ، أنّ عائشةَ رضي الله عنها وهي أجمَلُ نِسائِه وأحدَثُهنَّ سِنًّا حدَّثَتْ أنّه ﷺ كان يَذهَبُ في بعضِ اللَّيالِي في قَسْمِها ليزُورَ المقابِرَ ويدُعو لأهلِها، وكان دَورُ عائِشةَ ليلةً مِن تِسعِ ليالٍ حِينَ بلَغَ عَددُ زَوجاتِه تِسعًا، وكان لا يَلزَمُ الفِراشَ تلكَ اللّيلة معَها، بل كان يَتهَجَّدُ مرَّتَين ويَتركُها في فِراشِها.

ومن الدليل على ذلك أنّه كان معروفًا بين أهل مكة بمحمد الأمين إلى أن بلغ من العمر أربعين سنة، وقد كان أوتي من الجمال ما لم يساوه فيه أحد، فلو كان كما يفتري عليه الملحدون ولوعًا بالنساء لظهرت منه رذيلة بل رذائل كثيرة، ولكان أهل بلده طعنوا فيه بذلك حين أعلن دعوته ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما كانوا يعبدون من الأوثان، ولكانوا اكتفوا بالتشنيع عليه بذلك عن غيره من أساليب الإيذاء له ولمن ءامن به.

وينبغي أن يُعلم أن زوجاتِ النبي صلى الله عليه وسلم التي مات عنهن كلُّهن وليَّات صالحات وهنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في تعريفنا لآل البيت فهن رضي الله عنهن من آل البيت كما جاء في القرآن الكريم، فالآية التي ذكرناها عن آل البيت وهي قوله تعالى: (إِنَّمَا ‌يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌لِيُذۡهِبَ ‌عَنكُمُ ‌ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا) [سورة الأحزاب/ الآية 33]، لو قرأناها من أولها فهي تتكلم عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: (وَقَرۡنَ ‌فِي ‌بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا) [سورة الأحزاب/ الآية 33]، فهذا واضح في أن زوجات النبي من آل البيت بنص القرآن الكريم،

ونتعجب هنا ممن يأتي هذه الأيام وفي أيام سابقة من زمن الصحابة ويسبُّ زوجاتِ النبي صلى الله عليه وسلم ويعادي السيدة الطاهرة النقية التقية الصدِّيقةَ بنت الصدِّيق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها، كيف يزعمون محبة آل البيت ويسبون عائشة أو أبا بكر أو عمر رضي الله عنهم،

علي كان له أولاد غير الحسن والحسين كان سمّى بعضهم أبا بكر وسمّى الآخر عمر، لو كان يبغض أبا بكر وعمر هل يسمي أولادَه بأسمائهم!!! ويقولون والعياذ بالله إن أبا بكر أخذ الخلافة غصبا من علي. هذا طعن بأبي بكر وطعن بعلي وطعن بالصحابة، بزعمهم الصحابة رأوا أبا بكر يأخذ الخلافة من علي وتركوه وسكتوا عنه!!! هذا تخوين للصحابة كلِّهم.

بل اللَّائِقُ بَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إِلَى قتال المرتدين بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَذْلِهِ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالْمَشُورَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ،

قال المحبُّ الطبري رحمه الله: “إنّ عليًّا رضي الله عنه إمّا أن يعتقد صحة خلافة أبي بكر مع أحقيته، فيكون تخلّفه عن البيعة ومفارقة الجماعة ونزع ربقة الطاعة عدولًا عن الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال وهو مبرأ عن ذلك ومنزه عنه رضي الله عنه أو لا يعتقد صحتها فيكون قد أقر على الباطل؛ ولم يظهر منه نكير على فعلهم لا بقول ولا بفعل مع قوة إيمانه وشدة بأسه وكثرة ناصره، وكفى بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم بأجمعهم ظهيرًا ونصيرًا، مع ما أسس له رسول الله صلى الله عليه وسلم من القواعد في العقائد، وأن موالاتَه مع موالاته ومحبتَه مع محبته والدعاء لمن والاه وعلى من عاداه، ومع ذلك كله لم يظهر عنه ما يقتضيه حال مثله من إنكار الباطل بحسب طاقته، فلو كان باطلًا للزم تقريره الباطل والقول بأن سكوته كان تقية كما يزعم الروافض باطل عريق في البطلان؛ فإن مقتضى ذلك ضعف إما في الدين أو في الحال، والأول باطل إجماعًا والثاني أيضًا باطل”.

ويقولون إن عمر كان يريد أن يحرق بيت فاطمة ويحرق ولديها والعياذ بالله، ويروون في ذلك بعض الروايات المنقطعة والتي لا تثبت بسند متصل صحيح، كل هذا فيه طعن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعنة الله على من يسب الصحابة كلَّهم ويعادي أبا بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.

وَذُرِّيَّتِهِ المقصود ذريته الصالحون، فهو صلى الله عليه وسلم القائل: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نِسَبُهُ» رواه أحمد في مسنده وغيره وَأَهْلِ بَيْتِهِ وقد نص الفقهاء على استحباب الصلاة على آل البيت، لا سيما في الصلاة، حيث نبّه إلى ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه فيما نظمه في شأن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا فيما روي عنه:

يكفيكمُ من عظيم الفخر أنكـــمُ *** مَن لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ له

وقد حُمل هذا الحق على الوجوب في وجه عند الشافعية، قال عنه الإمام النووي رحمه الله تعالى: “إنه شاذ” ثم قال: “ليس بشىء” بل وقال: “إن الصلاة على (الآل) لا تجب بالإجماع، بل هي سنّة”. فإن كان الأمر كذلك حُمل نفي الصلاة في آخر البيت السابق على عدم الكمال، لا على نفي الصحة، فيكون التقدير: (لا صلاةَ كاملةً له) كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ وهو أفضل الأنبياء بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك ذُكر في هذه الصيغة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيرها كالصلاة الإبراهيمية دون غيره من الأنبياء.ولَا شَكَّ أَنَّهُ عليه السلام دَاخِلٌ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا إِشْكَالَ فِي التَّشْبِيهِ، تَحْصُلُ لَهُ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِانْفِرَادِهِ، وَمَرَّةً تَحْتَ الْعُمُومِ.

إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» الحميد من أسماء الله تعالى؛ معناه: هوَ المستحقُّ للحمدِ والثناءِ والمدحِ. فالحمدُ مستَحَقٌّ للهِ تعالى، فنحنُ نحمَدُ اللهَ أيْ نثني على اللهِ تعالى ونمدحُهُ بألسنَتِنَا على ما أَنْعَمَ بِهِ عَلَينَا مِنَ النِّعَمِ التي لَا نُحصِيهَا مِنْ غَيرِ وُجُوبٍ عَلَيهِ، وَالمعنَى إِثباتُ استِحْقَاقِ الحمدِ للهِ تعالى لأَنَّه المنعِمُ علَى الحقيقَةِ فَمَا مِنْ نِعمَةٍ إِلَّا وَهِيَ خَلْقٌ للهِ تعالى. أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالوُجُودِ وَأنْعَمَ عَلَيْنَا بِالحَوَاسِّ الخَمْسِ وَبِالعَقْلِ وَبِالمعْرَفَةِ؛ بِمَعْرِفَةِ المنَافِعِ وَالمضَارِّ، يَخْرُجُ الإِنْسَانُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَمْشِي وَلَا يُمَيِّزُ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ، اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْطَقَ الإِنْسَانَ الَّذِي كَان نُطْفَةً ثُمَّ سَوَّاهُ رَجُلًا، فَالعَبْدُ وَمَا فِيهِ مِنْ نِعْمَةٍ مِلْكٌ للهِ تَعَالَى وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، بَعْضُ النِّعَمِ يَشْتَرِكُ فِيهَا المؤمِنُونَ وَالكَافِرُونَ لَكِنَّ النِّعَمَ التي تنزلُ على الكَافِرِينَ تَعُودُ وَبَالًا عَلَيْهِمْ فِي الآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا شُكْرَهَا لِلهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ هِيَ وَإِنْ كَانَتْ نِعْمَةً فِي الدُّنْيَا فَهِيَ نِقْمَةٌ عَلَيْهُمْ فِي الآخِرَةِ، بِمُجَرَّدِ أَنْ يُفَارِقُوا الحَيَاةَ حُرِمُوا رَحْمَةَ الله تَعَالَى لَا تَتَنَعَّمُ أَرْوَاحُهُمْ وَلَا أَنْفُسُهُمْ بَعْدَ الموْتِ اللهُ تَعَالَى يَقْطَعُ عَلَى الكُفَّارِ جَمِيعَ نِعَمِهِ،

شُكْرُ المنْعِمِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيَتْبَعَهُ النَّاسُ، لذلك الكَافِرُ مَهْمَا أَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَأَعَانَ الفُقَرَاءَ وَالملْهُوفِينَ لَا يَكُونُ شَاكِرًا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِالعَقْلِ، الشُّكْرُ الَّذِي فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَرَضِيَهُ لَهُمْ لَيْسَ قَوْلَ: “الشُّكْرُ للهِ” بَلْ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ نِعَمَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ.

 أما الْمَجِيْدُ: هوَ الواسعُ الكرمِ العالي القدرِ. ومِنْ خَوَاصِّ اسْمِ اللهِ “المَجِيدِ”: فَقَدْ قَالُوا إِذَا صَامَ الأَبْرَصُ أَيَّامَ المَرَضِ وَقَرَأَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الفِطْرِ كَثِيرًا برىء بإذن الله.

إن الله عزَّ جلَّ قد شرَّف رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنّهُ الفاضلُ المِفضال، وشرَّف من انتسب إليه من ءاله الطاهرين بحمل نور النبوةِ والكمال، الذي يُضيءُ الكونَ هدايةً وجلالًا على جلال، ويجلو الغشاوةَ عنِ العيونِ بسِرِّ فريدِ الاكتِحال، ويمحو ظُلْمَةَ الجهلِ في مختلِفِ العصورِ والأزمانِ ويختِمُ لعاشقِهِ المحسِنِ بحُسْنِ الْمَآل. وليس هذا فحسب، بل ازداد هؤلاءِ الأهلُ شرفًا حين خصهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعديد من الخيرِ الْمَدِيد، ونبّهَ على عظيمِ فضلِهِم بالأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومناقبهم التي هي فريدَةُ كلِّ فريد، فضلًا عما جاء في فضلهم من ءايِ الذكر الحكيم الرشيد، المرغبة بحبهم وإنصافهم من كلِّ عنيد، وإعطائهم حقوقَهم وتعظيمَهُم وإن أبى كلُّ جبارٍ عتيد، والمحذرةِ من مجافاتِهِم أو إنقاصهِم حقوقَهُم التحذيرَ الشديد.

وَرَوَى الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَصْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَمَانِينَ سَنَةً» معناه إن كانت عنده، وعصر الجمعة أي بعد العصر إلى المغرب وهو وقت مبارك يرجى أن يكون فيه ساعة الإجابة من يوم الجمعة وفيه خُلق آدم كما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ السخاوي بعد رواية هذا الحديث: “قلت: وحسّنه العراقي ومن قبله أبو عبد الله بن النعمان”.اهـ

وبعد ذلك يأتي بعض الجهلة في هذه الأيام فيقولون: هذا لا يجوز وهذه بدعة!!! يقصدون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر، وحجتهم بزعمهم في هذا أن بعض الحفاظ ضعف هذا الحديث.

فالسؤال هنا: مَا حُكمُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ؟

يأخذ العلماء بالحديث الضعيف إذا جاء في السيرة وفضائل الأعمال، لأنها مواضيعُ لا تتعلق بالحلال والحرام. يقبل العلماء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فإنه لا يضر. وقد ذكر النووي في كتابه الأذكار أن الأحاديث الضعيفة يؤخذ بها في فضائل الأعمال بالإجماع. ونصه هو: قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يُعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزّه عنه ولكن لا يجب.اهـ

ليعلم أن علماء السيرة كانوا يتساهلون في الرواية عندما يكون الكلام عن السير والمغازي والأيام وفضائل الأعمال، فلا يُطلب هنا هل هذا صحيح أم غير صحيح لأن موضوع السيرة ليس موضوعا لاستنباط الأحكام وما كان يستنبط منه الأحكام مما مرده إلى السيرة فإنه يروى في كتب السنة، فإننا نجد في الصحيحين والسنن كتاب المغازي والسير والمناقب وبدء الخلق وغيرها، وهذه كلها من السيرة لكنها لما كانت موضعا لاستنباط الأحكام رويت عند أهل الحديث فذلك موضع لاستنباط الأحكام، ولم يكن العلماء يجلسون فيبسطون أمامهم كتاب الله وسنن الرسول وكتب السيرة ليستنبطوا منها الأحكام وهذا كان دأبَ الناس في التعامل مع المرويات في السير، الإمام أحمد رضي الله عنه ينقل عنه السخاوي في شرحه لألفية العراقي قولَه: ابن إسحاق (وهو كان من أشهر من روى السيرة النبوية) رجل تؤخذ عنه هذه الأحاديث (أي في السيرة مع ضعفها)، لكن الإمام أحمد لم يكن يتشدد في ابن إسحاق إذا كان الكلام عن المغازي والسير، يقول أحمد: ابن إسحاق رجل تؤخذ عنه هذه الأحاديث فإذا أخذنا في الحلال والحرام طلبنا رجالا هكذا وقبض أصابع يديه. اهـ

قال الحافظ زين الدين العراقي عندما جاء ينظم في السيرة:

وَليَعلَمِ الطَّالِــــــــــبُ أَنَّ السِّيَرَا *** تَجمَعُ مَا صَـحَّ وَمَا قَد أُنكِرَا

وَالقَصدُ ذِكرُ مَا أَتَى أَهلُ السِّيَـرْ *** بِــــــــهِ وَإِنْ إِسنَادُهُ لَمْ يُعتَبَرْ

أما الحديث الموضوع فنقول: لا يجوز العمل بالحديث الموضوع ولو في فضائل الأعمال، فالكلام في تسهيل الرواية هو في الحديث الضعيف أما الحديث الموضوع فلا يقبل في أي محل ولا يروى إلا مع بيان حاله، أما الضعيف له تعامل غير تعامل الموضوع.

هذا الذي ذكرت هو المنقول عن أحمد وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وغيرهم من رؤوس السلف الصالح.

فلا يُعْتَرَضُ على من يروي في السير وفضائل الأعمال ويقال لهم هذا إسناده ضعيف وهذا ضعّفه فلان وفلان لأن الكلام هنا في السير وفضائل الأعمال كما ثبت عن الأئمة. وهذا طريقهم في رواية السيرة والفضائل فما يروى فيها منه ما هو صحيح ومنه ما هو ضعيف ولكنه يروى ويقبل عندهم، وهم الذين بلغوا رتبة في الورع والفهم مما لم يبلغه أكثر أهل عصرنا هذا.

ونستغرب من هؤلاء الجهلة كيف ينكرون على المؤمنين والمؤمنات المشتاقين للنبي صلى الله عليه وسلم والذي تفرح قلوبهم بذكره عليه الصلاة والسلام كيف ينكرون ويهاجمون هؤلاء، وبعضهم واقع في التشبيه والتجسيم والعياذ بالله.

 والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تنفع صاحبها في دنياه وبعد الوفاة ولها بركة ظاهرة لمن التزمها على مرِّ الأيام فقد روى البيهقي والسبكي في طبقاته عن أَبي الْحُسَيْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ الطَّائِيِّ أنه كان يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ بَيَانٍ الأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَام بعدَ وفاةِ الإمامِ الشافعيِّ فَقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ابْنُ عَمِّكَ هَلْ خَصَصْتَهُ بِشَيْءٍ أَوْ هَلْ نَفَعْتَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يُحَاسِبَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ يُصَّلِي عَلَيَّ صَلاةً لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِثْلَهَا. قُلْتُ: فَمَا تِلْكَ الصَّلاةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقُولُ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ).

قال تاج الدين السبكي: وروينا من حَدِيث المَقْبُري عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعا: (من صلى عَلَيّ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُ مَا دَامَ ذكري فِي ذَلِك الْكتاب).اهـ

وَعَن حَمْزَة السَّهْمِي سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المنيري يَقُول رَأَيْته يَعْنِي أَحْمَد بْن مُوسَى بْن عِيسَى الْجِرْجَانِيّ فِي النّوم بعد وَفَاته فَقلت: مَا فعل اللَّه بك؟ قَالَ: غفر لي بِكَثْرَة كتبي الحَدِيث وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عليه وسلم.اهـ

وَعَن سعد الزنجاني قَالَ: كَانَ بِمصْر رجل زاهد يُقَال لَهُ أَبُو سَعِيد الْخياط وَكَانَ لَا يخْتَلط بِالنَّاسِ ثمَّ داوم عَلَى حُضُور مجْلِس ابْن رَشِيق فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: رَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَام فَقَالَ احضر مَجْلِسه فَإِنَّهُ يكثر فِيهِ الصَّلَاة عَلِيّ.اهـ

ورئي بعض أَصْحَاب الحَدِيث فِي الْمَنَام يَقُول غفر لي رَبِّي بصلاتي فِي كتبي عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم.اهـ

وروي عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَجِيءُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مَعَهُمُ الْمَحَابِرُ وَحِبْرُهُمْ خَلُوقٌ يَفُوحُ فَيَقُولُ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ طَالَمَا كُنْتُمْ تُصَلُّونَ عَلَى نَبِيِّي انْطَلِقُوا بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ.اهـ

وروي عَن عبد الله بْن عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ لآدَمَ عليه السلام مِنَ اللَّهِ عز وجل مَوْقِفًا يوم القيامة عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يُنْطَلَقُ بِهِ من وَلده إِلَى الْجَنَّةِ وَيَنْظُرُ إِلَى مَنْ يُنْطَلَقُ بِهِ مِنْ وَلَدِهِ إِلَى النَّارِقَالَ فَبَيْنَا آدَمُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي آدَمُ يَا أَحْمَدُ يَا أَحْمَدُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ يَا أَبَا الْبَشَرِ فَيَقُولُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَأَشُدُّ الْمِئْزَرَ وَأَهْرَعُ إليه فيقبض عَلَى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَيَقُولُ رَبِّ قَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي فِي أُمَّتِي فَيَأْتِيَ النِّدَاءُ أَطِيعُوا مُحَمَّدًا وَرُدُّوا هَذَا الْعَبْدَ إِلَى الْمَقَامِ فَأُخْرِجُ مِنْ حُجْزَتِي بِطَاقَةً بَيْضَاءَ كَالأَنْمُلَةِ فَأُلْقِيهَا فِي كَفَّةِ الْمِيزَانِ الْيُمْنَى وَأَنَا أَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْجَحُ الْحَسَنَاتُ عَلَى السَّيِّئَاتِ فَيُنَادِي سَعِدَ وَسَعِدَ جَدُّهُ وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ يَا رُسُلَ رَبِّي قِفُوا حَتَّى أَسْأَلَ هَذَا الْعَبْدَ الْكَرِيمَ عَلَى رَبِّهِ فَيَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَأَحْسَنَ خُلُقَكَ مَنْ أَنْتَ فَقَدْ أَقَلْتَنِي عَثْرَتِي وَرَحِمْتَ عَبْرَتِي فَيَقُولُ أَنَا نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وَهَذِهِ صَلاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلِيَّ وَافَتْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهَا.

 وروي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ عَجَبًا رَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ فَأَتَاهُ الْوُضُوءُ فَاسْتَنْقَذَهُ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي احْتَوَشَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ صَلاتُهُ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يَلْهَثُ عَطَشًا كُلَّمَا وَرَدَ حَوْضًا مُنِعَ فَاسْتَنْقَذَهُ صِيَامُهُ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ ظُلْمَةٌ وَخَلْفَهُ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَمِينِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ ظُلْمَةٌ فَاسْتَنْقَذَهُ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَلا يُكَلِّمُونَهُ فَجَاءَتْهُ صِلَةُ رَحِمِهِ فَاسْتَنَقْذَتْهُ حَتَّى كُلِّمَ وَرَأَيْتُ رَجُلا جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَدْ حُجِبَ عَنِ النُّورِ فَاسْتَنْقَذَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ وَرَأَيْتُ رَجُلا أُعْطِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَاسْتَنْقَذَهُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ فَأُعْطِيهِ بِيَمِينِهِ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَاسْتَنْقَذَهُ وَجَلُهُ مِنَ اللَّهِ عز وجل وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي هَوَى مِنَ الصِّرَاطِ فِي جَهَنَّمَ فَاسْتَنْقَذَتْهُ دُمُوعُهُ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يَلْفَحُ وَجْهَهُ شَرَرُ النَّارِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ صَدَقَتُهُ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي أَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَةُ فَاسْتَنْقَذَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي يَرْعَدُ عَلَى الصِّرَاطِ فَاسْتَنْقَذَهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ عز وجل وَرَأَيْتُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ صَلاتُهُ عَلَى وَرَأَيْتُ رَجُلا انْتُهِيَ بِهِ إِلَى بَاب الْجنَّة فَأُغْلِقَ عَنْهُ فَاسْتَنْقَذَهُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَرَأَيْتُ أَعْجَبَ الْعَجَبِ نَاسٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ المشاؤون بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَرَأَيْتُ رِجَالا يُعَلَّقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا.

والله تعالى أعلم وأحكم