المحتويات
المقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ، الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ، الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ، نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ، وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنَ سَبِيلٍ، وَجَعَلَ لِلْحَسَنِ حَظًّا إِلَى مِثْلِهِ يَمِيلُ، أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بكثير العمل والقليل،
أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب برّ الوالدين للإمام البخاري رضي الله عنه إلى:
الحديث الرابع: أفضل الأعمال – الصلاة لوقتها وبر الوالدين
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا قُتَيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الحسن بن عُبَيد الله عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود
من فضائل ابن مسعود
قال علي بن أبي طالب: أَمَرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ابْنَ مَسْعُوْدٍ، فَصَعَدَ شَجَرَةً يَأْتِيْهِ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى سَاقِ عَبْدِ اللهِ، فَضَحِكُوا مِنْ حُمُوْشَةِ سَاقَيْهِ – يُقَالُ رَجُلٌ حَمْشُ السَّاقَيْنِ، وأَحْمَشُ السَّاقَيْنِ: أَيْ دَقِيقُهُمَا -. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (مَا تَضحكُوْنَ؟ لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي المِيْزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ) وجاء عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: قَالَ لِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ) قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُوْرَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾
فَغَمَزَنِي بِرِجْلِهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ صَرِيْعٌ، وَهُوَ يَذُبُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ! قَالَ: هَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلْتُ أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي، فَأَصَبْتُ يَدَهُ، فَنَدَرَ سَيْفُهُ، فَأَخَذَتْهُ، فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: فَقَامَ مَعِي حَتَّى خَرَجَ يَمْشِي مَعِي حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ، هَذَا كَانَ فِرْعُوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ)،
وروي عَنْ مَسْرُوْقٍ، قَالَ: رأيتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى سِتَّةٍ: عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَزَيْدٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبِيٍّ. ثُمَّ نظرت السِّتَّةَ، فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ.
وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا أَضَرَّ بِالآخِرَةِ. وكَانَ يَقُوْلُ إِذَا قَعَدَ: إِنَّكُم فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي آجَالٍ مَنْقُوْصَةٍ، وَأَعْمَالٍ مَحْفُوْظَةٍ، وَالمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، مَنْ زَرَعَ خَيْرًا يُوْشِكُ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا يُوْشِكُ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً، وَلكُلِّ زَارِعٍ مِثْلُ مَا زَرَعَ، لاَ يُسْبَقُ بَطِيْءٌ بِحَظِّهِ، وَلاَ يُدْرِكُ حَرِيْصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ، فَمَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَاللهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًّا فَاللهُ وَقَاهُ، المُتَّقُوْنَ سَادَةٌ، وَالفُقَهَاءُ قَادَةٌ، وَمُجَالَسَتُهُم زِيَادَةٌ. وقال: ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَاجْتَنِب المَحَارِمَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَدِّ مَا افْتُرِضَ عَلَيْك تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ
متن الحديث وشرحه
قال: قال رسول الله ﷺ:
«أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَوِ العَمَلِ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا»
فضل الصلاة على وقتها
ولا شك أنّ الصّلاة أفضل الأعمال العملية، وهي في المرتبة تأتي بعد الإيمان بالله ورسوله ﷺ، والنّبي ﷺ كان يحِبُّ الإكثار من الصلوات ويرتاح بها فهو القائل: وَجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصّلاة، وهو القائل ﷺ لبلال رضي الله عنه: أرحنا بها يا بلال.
وليُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَظَّمَ قَدْرَ الصَّلاةِ فَالْمُرَادُ مِنَ الْعَبْدِ التَّعَبُّدُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ خُضُوعِ بَدَنِهِ وَنُطْقِ لِسَانِهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِبَادَةَ مَلائِكَتِهِ بَيْنَ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ وَذِكْرٍ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي الصَّلاةِ. فَالشَّرْعُ عَظَّمَ أَمْرَ الصَّلاةِ وَضَرَبَ الأَمْثَالَ بِفَضْلِهَا، فقد روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
“أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ”
قَالُوا: لا، قَالَ:
“فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا”
وَفِي مُسْلِمٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
“الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ”
وفي مسلم عن عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
“ما من امرئ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ”
وقال رسول الله ﷺ:
“اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَفَضَلَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ”
وَقَدْ فَضَّلَ الشَّرْعُ الصَّلاةَ فِي الْجَمَاعَةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
“صلاة الجماعة تفضل على الصّلاة الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً”
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
“مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ”
قَالَ الْبَغَوِيُّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: لَمْ تَكُنْ تَفُوتُنِي صَلاةُ الْعَتَمَةِ فِي جَمَاعَةٍ، فَنَزَلَ بِي ضَيْفٌ فَشُغِلْتُ بِهِ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الصَّلاةَ فِي قَبَائِلِ الْبَصْرَةِ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ صَلَّوْا وَخَلَتِ الْقَبَائِلُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
“صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الْفَذِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً”
وَرُوِيَ “سَبْعًا وَعِشْرِينَ”. فَانْقَلَبْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، ثُمَّ رَقَدْتُ فَرَأَيْتُنِي مَعَ قَوْمٍ رَاكِبِي أَفْرَاسٍ وَأَنَا رَاكِبٌ فَرَسًا كَأَفْرَاسِهِمْ وَنَحْنُ نَتَجَارَى فَالْتَفَتُّ إِلَى أَحَدِهِمْ فَقَالَ: لا تُجْهِدْ فَرَسَكَ فَلَسْتَ بِلاحِقِنَا. فَقُلْتُ: فَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّا صَلَّيْنَا الْعَتَمَةَ فِي جَمَاعَةٍ.اهـ
فضل بر الوالدين
«وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ»
يقول تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِعَاقٍّ وَالِدَيْهِ، وَالْخِزْيُ كُلُّ الْخِزْيِ لِمَنْ مَاتَا غِضَابًا عَلَيْهِ، أُفٍّ لَهُ هَلْ جَزَاءُ الْمُحْسِنِ إِلا الإِحْسَانُ إِلَيْهِ، أَتْبِعِ الآنَ تَفْرِيطَكَ فِي حَقِّهِمَا أَنِينًا وَزَفِيرًا
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
كم آثراكَ بِالشَّهَوَاتِ عَلَى النَّفْسِ، وَلَوْ غِبْتَ سَاعَةً صَارَا فِي حَبْسٍ، حَيَاتُهُمَا عِنْدَكَ بَقَايَا شَمْسٍ، لَقَدْ رَاعَيَاكَ طَوِيلا فَارْعَهُمَا قَصِيرًا،
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَا مَعَكَ إِلَى الْفَجْرِ، يُدَارِيَانِكَ مُدَارَاةَ الْعَاشِقِ فِي الْهَجْرِ، فَإِنْ مَرِضْتَ أَجْرَيَا دَمْعًا لَمْ يَجْرِ، تَاللَّهِ لَمْ يَرْضَيَا لِتَرْبِيَتِكَ غَيْرَ الْكَفِّ وَالْحِجْرِ سَرِيرًا
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
يُعَالِجَانِ أَوساخَكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ، وَلَوْ لَقِيتَ مِنْهُمَا أَذَى شَكَوْتَ شَقَاءَكَ، مَا تَشْتَاقُ لَهُمَا إِذَا غابا ويشتاقان لِقَاءَكَ، كَمْ جَرَّعَاكَ حُلْوًا وَجَرَّعْتَهُمَا مَرِيرًا
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
أتجزي الإساءة في مقابلة الإحسان، كَيْفَ تُقابلُ حُسْنَ فَضْلِهِمَا بِقُبْحِ الْعِصْيَانِ، ثُمَّ تَرْفَعُ عَلَيْهِمَا صَوْتًا جَهِيرًا،
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
تُحِبُّ أَوْلادَكَ طَبْعًا، فَأَحْبِبْ وَالِدَيْكَ شَرْعًا، وَارْعَ أَصْلًا أَثْمَرَ لَكَ فَرْعًا، وَاذْكُرْ لُطْفَهُمَا بِكَ وَطِيبَ الْمَرْعَى أَوَّلا وَأَخِيرًا
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
تَصَدَّقْ عَنْهُمَا إِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، وَادْعُ لَهُمَا وَاقْضِ عَنْهُمَا الدَّيْنِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمَا وَاسْتَدِمْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَما تُكَلَّفُ إِلا أَمْرًا يَسِيرًا
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
الحديث الخامس: رواية أخرى بسند آخر
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد حدثنا الحسن بن عبيد الله عن أبي عمرو عن عبد الله
من وصية ابن مسعود ووفاته
أَوْصَى ابْنُ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه وَكَتَبَ: إِنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، وَإِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّهُمَا فِي حِلٍّ وَبِلٍّ مِمَّا قَضَيَا فِي تَرِكَتِي، وَإِنَّهُ لاَ تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِي إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا. وكَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَشَهِدَ فِي طَرِيْقِهِ بِالرَّبَذَةِ أَبَا ذَرٍّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ. ومَرِضَ عَبْدُ اللهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ، وَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوْبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ: أَلاَ آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهِ. وروي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. مَاتَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ بِالمَدِيْنَةِ، وَدُفِنَ بِالبَقِيْعِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ، وَعَنْ عَوْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ عَاشَ بِضْعًا وَسِتِّيْنَ سَنَةً
متن الحديث وشرحه
قال: قال النبي ﷺ:
«أَفْضَلُ العَمَلِ الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا»
ومما يدل على فضل الصلاة ما جاء فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَعَقَبَ مَنْ عَقَبَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْسِرُ ثِيَابَهُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ:
“أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ”
– وليس معناه أنّ الله تعالى يسكن السّماء، فهو موجود بلا مكان ولا يجري عليه زمان، وإنّما هو سبحانه وتعالى يأمرُ الملائكةَ فيفتحُ بابًا من أبواب السماء –
“يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ”
– معناه: يظْهر فَضلكُمْ لَهُم وَيُرِيهمْ حسن عَمَلكُمْ ويثني عَلَيْكُم عِنْدهم –
“يَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى”
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ، وَتَعْظِيمُهُ لا يَكُونُ إِلا بِحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْخِدْمَةِ. وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يَتَغَيَّرُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَيَقُولُ: أَتَرَوْنَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ؟! وَالمصلي يعلْمُ أَنَّ مَنْ حَضَرَ قَلْبُهُ فِي تَعْظِيمِ سُلْطَانِهِ فَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْ يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَانِبِهِ امْتَلأَ بِهَيْبَةِ الْمُعَظَّمِ، فَإِذَا أَرَاد اسْتِجْلابَ حُضُورِ قَلْبِه الْغَائِبِ فَليفَرِّغْهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ، وَقَدْ كَانَ أَصحابُ التَّفَكُّرِ مِنَ السَّلَفِ يُشَاهِدُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِبْرَةً، فَيَذْكُرُونَ بِالأَذَانِ نِدَاءَ الْعَرْضِ، وَبِطَهَارَةِ الْبَدَنِ تَطْهِيرَ الْقَلْبِ، وَبِسَتْرِ الْعَوْرَةِ طلب ستر الْقَبَائِحِ مِنْ عُيُوبِ الْبَاطِنِ، وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صَرْفَ الْقَلْبِ إِلَى الْمَقْلَبِ، فَمَنْ لَمْ تَكُنْ صَلاتُهُ هَكَذَا فَقَلْبُهُ غَافِلٌ. قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا هَانَتْ عَلَيْكَ صَلاتُكَ فَمَا الَّذِي يَعِزُّ عَلَيْكَ؟
وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ حُضُورَ الْقَلْبِ جَاءَ الْوَعْدُ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَيْهِ. روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
“مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”
الجهاد في سبيل الله
«وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
النبي ﷺ كان يغزو بنفسه أحيانا وكان يرسل البعوث والسرايا للجهاد في سبيل الله وقيل إن النبي ﷺ غزا بنفسه سبع عشرة غزوة وقيل غير ذلك، والهدف الأول من الجهاد هو إدخال الناس في دين الله عزّ وجلّ وليس للدفاع عن النفس فقط، وَبِهِ أي بإسلام الناس صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، والجهاد بهذا المعنى رحمة بالناس وليس وحشية وتجبّرا على الناس.
والجهاد يكون باليد واللِّسان وبالمال. روى أحمد وأبو داود عن أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال:
«جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم».اهـ
وهذا الحديث عن النبي ﷺ يبين أنّ من أنواع الجهاد أن يجاهد الشخص أعداء الدين بالبيان ورد الشُّبَهِ التي يوردها المخالفون لعقيدة أهل السنة والجماعة، فكم في هذه الأيام نجد الملاحدة والمنتسبين للدين وهم يقذفون الشُّبَهَ في قلوب أبناء المسلمين فيضل كثير من الجهال والعياذ بالله، صرنا إلى زمان نسمع فيه بمن يطعن بصدق النبي ﷺ، وينسب إلى رسول الله الخطأ في أمر التشريع، وصرنا إلى زمان يكذَّب فيه النصُّ الصريح الثابت في القرآن والحديث المتواتر والمتفق على صحته، ألا ترون أناسا في هذه الأيام يكذبون بعذاب القبر ويقولون عنه خرافة!!! وهو ثابت في القرآن والحديث المتواتر، نعم بلغت أحاديث عذاب القبر حدّ التواتر كما يقول الحافظ الكتاني والزبيدي والسيوطي وغيرهم، ألا ترون هذه الأيام من طلع للناس ينسب إلى الله تعالى القبائح والجسم والمكان وصفاتِ المخلوقين ويستدل بزعمه بآيات في كتاب الله عز وجل، سمعنا عن بعض هؤلاء المجسمة الذين تجرؤوا على عقيدة المسلمين بالتحريف يقولون عن الله إنه جالس على عرشه وإنه يوصف بصفات البشر فوصفوا الله بالملل والخداع والمكر الحقيقي والعياذ بالله، بعض هؤلاء المجسمة صار يقول عن الله إنه يوصف بحاسّة الشّم والعياذ بالله من الكفر، وصرنا إلى زمان نسمع فيه بعض أدعياء العلم يطعنون بالصّحابة الكرام رضي الله عنهم ويطعنون بالبخاري ومسلم وعلماء المذاهب الأربعة وعلماء الحديث الشريف.
وقال بعضهم عن البخاري ومسلم إنهما يهوديان، وطعنوا بما رواه البخاري ومسلم من أحاديث عذاب القبر وأحاديث الشفاعة ونزول عيسى وظهور المسيح الدجال وأحاديث المهدي، كل هؤلاء المخالفين الردّ عليه من فروض الدين وهو المقصود بحديث النبي ﷺ:
«جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم»
ولذلك قال أحد الصالحين: «الْجِهَادُ قِسْمَانِ: جِهَادٌ بِالسِّنَانِ أَيْ السِّلَاحِ وَجِهَادٌ بِالْـبَيَانِ. الْجِهَادُ بِالْبَيَانِ الْيَوْمَ فِي إِمْكَانِنَا، الْجِهادُ بِالْبَيَانِ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ فَرْضٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي كَـثُرَ فِيهِ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّـنَّةِ. فَتَعلُّمُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِإِبْطَالِ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَفْرَضِ الْفُرُوضِ، أَهَمُّ مِن الاشتغال بالنَّوافِلِ، وَفِي هَذَا فَلْيَرْغَبِ الرَّاغِبُونَ وَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ»
الحديث السادس: رواية بسند آخر
السادس: قال البخاري: ورواه عُبَيدٌ الْمُكْتِب عن أبي عمرو الشيباني عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ.
الحديث السابع: الصلاة وبر الوالدين
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأَحْوَص عن ابن مسعود قال: سألتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قالَ:
«الصَّلاَةُ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ»
من فضائل برّ الوالدين
ومما يدل على أن السلف الصالح كانوا يقدمون بر الوالدين على كل بر بين الناس، ما روى ابن الجوزي فقال: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَرَّ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِأُمِّهِمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. أَمَّا عُثْمَانُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قَدَرْتُ أَتَأَمَّلُ وَجْهَ أُمِّي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَأَمَّا حَارِثَةُ فَكَانَ يُطْعِمُهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يَسْتَفْهِمْهَا كَلامًا قَطُّ تَأْمُرُهُ بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ: مَاذَا قَالَتْ أُمِّي؟
وعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبر الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: (أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري، فآكله، أخاف أن تسبق يدي يدها).
وعن ظبيان بن علي الثوري – وكان من أبر الناس بأمه – قال: (لقد نامت لليلة وفي صدرها عليه شيء، فقام على رجليه يكره أن يوقظها، ويكره، أن يقعد، حتى إذا ضعف جاء غلامان من غلمانه، فما زال معتمدًا عليهما حتى استيقظت وأرضاها). وكان يسافر بها إلى مكة، فإذا كان يوم حار حفر بئرًا، ثم جاء بنطع فصب فيه الماء، ثم يقول لها: (ادخلي تبردي في هذا الماء).
فينبغي على الواحد منا أن يغتنم حياة والديه وأن يبرهما فإن برهما من أعظم الذخر ليوم الدين.
«وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
المجاهدون في سبيل الله مهتدون بإذن الله، لأنّ قصدهم إعلاء كلمة الله عزّ وجلّ، قَالَ الله تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
أَيْ جَاهَدُوا الْكُفَّارَ فِينَا. أَيْ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِنَا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: لَيْسَ الْجِهَادُ فِي الْآيَةِ قِتَالَ الْكُفَّارِ فَقَطْ بَلْ هُوَ نَصْرُ الدِّينِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَقَمْعُ الظَّالِمِينَ، وَعِظَمُهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْهُ مُجَاهَدَةُ النُّفُوسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ
وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
الحديث الثامن: رواية أخرى بسند آخر
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو النعمان وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد العزيز يعني ابنَ مُسْلِم عن أبي إسحاق عن أبي الأَحْوَص عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بهذا.
الخاتمة
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين