المقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ خَالِقِ الدُّجَى وَالصَّبَاحِ، وَمُسَبِّبِ الْهُدَى وَالصَّلاحِ، وَمُقَدِّرِ الْغُمُومِ وَالأَفْرَاحِ، فَرَّقَ وَجَمَعَ وَوَصَلَ وَقَطَعَ وَحَرَّمَ وَأَبَاحَ، رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَنْزَلَ الْمَاءَ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأَسْمَاءَ وَذَرَى الرِّيَاحَ، عَلِمَ مَا كَانَ وَما يَكُونُ وَخَلَقَ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُون وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ وَالرُّكُونُ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ.
أَحْمَدُهُ تعالى وَأَسْتَعِينُهُ وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ عَنْ أَدِلَّةٍ صِحَاحٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُقَدَّمُ وَرَسُولُهُ الْمُعَظَّمُ وَحَبِيبُهُ الْمُكَرَّمُ تَفْدِيهِ الأَرْوَاحُ، ﷺ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ رَفِيقِهِ فِي الْغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ فَتَّاحِ الأَمْصَارِ وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يَفْتِكُ رُعْبُهُ قَبْلَ لُبْسِ السِّلاحِ،
أما بعد:
نكمل في كتاب برّ الوالدين للإمام البخاري، وأذكر فيما ذكرته سابقا أنّ هذا الكتاب ليس كلّ ما فيه أحاديث من أحاديث النبي ﷺ بل يوجد بعض المنقولات فيه عن بعض العلماء.
الشرح
الحديث الرابع عشر: ارجع إليهما فأضحكهما
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبايِعُهُ علَى الهِجْرَةِ وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ يَبْكِيَانِ قالَ:
«ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا»
شرح الحديث
قال الإمام أبو سُلَيمان الخَطّابيّ: “قُلتُ الجِهادُ إذا كان الخارِجُ فِيهِ مُتَطَوِّعًا فإِنَّ ذلك لا يَجُوزُ إلاّ بإِذْنِ الوالِدَين، فأَمَّا إِذَا تَعَيَّن علَيهِ فَرضُ الجهادِ فلا حاجةَ بِهِ إلى إِذْنِهما وإِنْ مَنَعاهُ مِن الخُروجِ عَصاهُما وخَرَج في الجِهاد، وهذا إذَا كانَا مُسْلِمَين، فإنْ كانا كافِرَينِ فَلا سَبِيلَ لَهُما إلى مَنْعِه مِن الجِهادِ فَرْضًا كانَ أو نَفْلًا”.
قال الحافظ في «الفَتح»: “وأَصْرَحُ مِن ذَلِك حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِندَ أبي دَاودَ بِلَفْظِ:
«ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا»
وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. قالَ جُمهُورُ العُلَماءِ: يَحْرُم الجِهادُ إِذَا مَنَعَ الأَبَوَانِ أو أحَدُهُما بِشَرْطِ أَنْ يَكُونا مُسْلِمَينِ لأَنَّ بِرَّهُما فَرْضُ عَينٍ علَيه والجِهادُ فَرْضُ كِفايةٍ، فإِذَا تَعَيَّن الجِهادُ فَلاَ إِذْنَ”.
وقولُه: “لأَنَّ بِرَّهُما فَرْضُ عَينٍ علَيه” أي بِقُيودٍ وضوابِطَ وليس مُطلَقًا في كُلِّ الأحوالِ.
من أقوال السلف في طاعة الوالدين
وفي مثل هذا روي عن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَأَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ: أَيَغْزُو الرَّجُلُ وَأَبَوَاهُ كَارِهَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ قَالَ: «لَا».
وروي عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَنَّهُ تَحْبِسُنِي أُمِّي فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيِرَةِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ: «أَطِعْهَا».
من فضل بر الوالدة
وروى البخاري في الأدب المفرد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ.
فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ قَالَ: إِنِّي لا أَعْلَمُ عَمَلا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ.
من أحوال السلف في بر الأم
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لأُمِّهِ: ضَعِي قَدَمَكِ عَلَيْهِ!
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي وَبَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ!
وكان حجر بن عدي بن الأدبر يلتمس فِرَاشَ أُمِّهِ بِيَدِهِ فَيَتَّهِمُ غِلَظَ يَدِهِ، فَيَنْقَلِبُ عَلَيْهِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَمِنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَضْجَعَهَا.
الحديث الخامس عشر: فضل صلة الرحم
قال الإمام البخاري رحمه الله: (هذا الحديث فيه الحثّ على صلة الرحم بوجه عام وذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في كلامه عن برّ الوالدين لأن الوالدين من أولى الرحم بالصلة والبر، فينال البارُّ بوالديه فضيلة من وصل شيئا من رَحِمِهِ)
حدثنا يحيى بن بُكَير حدثنا الليث عن عَقِيل عن ابن شهاب أخبرني عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال:
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»
ترجمة الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه
هو الصحابي الجليل أَنَسُ بنُ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ من بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ الأَنْصَارِيُّ. الإِمَامُ، المُفْتِي، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، رَاوِيَةُ الإِسْلاَمِ، أَبُو حَمْزَةَ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، النَّجَّارِيُّ، المَدَنِيُّ، خَادِمُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَتِلْمِيذُهُ، وَتَبَعُهُ، وَآخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتًا في البصرة، وأمّه أم سليم بنت ملحان وهي أم أخيه البراء بن مالك.
رَوَى عَنِ: النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا، وَعَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وغيرهم.
وَعَنْهُ: خَلْقٌ عَظِيمٌ، مِنْهُمُ: الحَسَنُ البصري، وَابْنُ سِيْرِيْنَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُوْلٌ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ المُنْكَدِرِ. وغيرهم.
وَبَقِيَ أَصْحَابُهُ الثِّقَاتُ إِلَى بَعْدِ الخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ، وَبَقِيَ ضُعَفَاءُ أَصْحَابِهِ إِلَى بَعْدِ التِّسْعِيْنَ وَمائَةٍ. وَقَدْ سَرَدَ بعضُ الحفاظِ نَحْوَ مائَتَيْ نَفْسٍ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَنَسٍ.
وَكَانَ أَنَسٌ يَقُوْلُ: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِيْنَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ.
فَصَحِبَ أَنَسٌ نَبِيَّهُ ﷺ أَتَمَّ الصُّحْبَةِ، وَلاَزَمَهُ أَكْمَلَ المُلاَزَمَةِ مُنْذُ هَاجَرَ، وَإِلَى أَنْ مَاتَ، وَغَزَا مَعَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
وَقَدْ رَوَى: مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ فِي (طَبَقَاتِهِ): أَنَّهُ قَيلَ لأَنَسٍ: أَشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: لاَ أُمَّ لَكَ، وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ راوي الحديث خَرَجَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ يَخْدُمُهُ. ولَمْ يَعُدَّهُ أَصْحَابُ المَغَازِي فِي البَدْرِيِّيْنَ؛ لِكَوْنِهِ حَضَرَهَا صَبِيًّا، فإنه مَا قَاتَلَ، بَلْ بَقِيَ فِي رِحَالِ الجَيْشِ.
كيف أصبح أنس خادما للنبي ﷺ
وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حَمْزَةَ بِبَقْلَةٍ اجْتَنَيْتُهَا.
وقال: قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي، فَانْطَلَقَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلاَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلًا وَقَدْ أَتْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لاَ أَقْدِرُ عَلَى مَا أُتْحِفُكَ بِهِ إِلاَّ ابْنِي هَذَا، فَخُذْهُ، فَلْيَخْدُمْكَ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، فَمَا ضَرَبَنِي، وَلاَ سَبَّنِي، وَلاَ عَبَسَ فِي وَجْهِي.
وفي رواية قال أنس: جَاءتْ بِي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللهَ لَهُ.
فَقَالَ:
«اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»
فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيْرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي يَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مائَةٍ اليَوْمَ.
شرح الحديث
معنى «يُبْسَطَ لَهُ»: أَيْ: يُوَسَّعُ.
معنى «فِي رِزْقِهِ»: أَيْ: فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ.
معنى «يُنْسَأَ لَهُ»: أَيْ: يُؤَخَّرَ.
معنى «فِي أَثَرِهِ»: أَيْ: أَجَلِهِ.
قال ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: النَّسَأُ التَّأْخِيرُ، يُقَالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ أَنْسَأُ وَأَنْسَأْتُهُ إِنْسَاءً: إِذَا أَخَّرْتَهُ، وَالنَّسَاءُ الِاسْمُ، وَيَكُونُ فِي الْعُمُرِ وَالدِّينِ وَالْأَثَرِ وَالْأَجَلِ، وَيُسَمَّى بِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ.
قَالَ زُهَيْرٌ:
| يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا | وَالنَّفْـــسُ وَاحِـــدَةٌ وَالْهَـمُّ مُنْتَشِرُ |
| وَالْمَرْءُ مَا عَــاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ | لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ |
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا
وَالنَّفْـــسُ وَاحِـــدَةٌ وَالْهَـمُّ مُنْتَشِرُ
وَالْمَرْءُ مَا عَــاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ
لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ
وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، فَلَا يُرَى لِأَقْدَامِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ.
الجمع بين الحديث والآية
قَالَ ابن حجر: قَالَ ابن التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 34]
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الوجه الثاني: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد/ الآية 39]
فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ.
الأثر السادس عشر: قول إبراهيم التيمي عن عرض القول على العمل
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم التيمي قال: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا.
ترجمة إبراهيم التيمي
هو إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ: تَيْمُ الرَّبَابِ، الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الْفَقِيهُ عَابِدُ الْكُوفَةِ أَبُو أَسْمَاءَ حَدَّثَ عَنْ: أَبِيْهِ؛ يَزِيْدَ بنِ شَرِيْكٍ التَّيْمِيِّ، وَكَانَ أَبُوْهُ يَزِيْدُ مِنْ أَئِمَّةِ الكُوْفَةِ أَيْضًا يَرْوِي عَنْ: عُمَرَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَالكِبَارِ أَخَذَ عَنْهُ: الحَكَمُ، وَإِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ، وَحَدِيْثُهُ فِي الدَّوَاوِيْنِ السِّتَّةِ.
وَحَدَّثَ إِبْرَاهِيْمُ عَنْ الحَارِثِ بنِ سُوَيْدٍ، وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ الأَوْدِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، فهو من التابعين، وَكَانَ شَابًّا، صَالِحًا، قَانِتًا للهِ، عَالِمًا، فَقِيْهًا، كَبِيْرَ القَدْرِ، وَاعِظًا.
قصة سجنه واستشهاده
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: طَلَبَ الْحَجَّاجُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَجَاءَ الرَّسُولُ فَقَالَ: أُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَدُلَّهُ عَلَى النَّخَعِيِّ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ فِي الدِّيمَاسِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ظِلٌّ مِنَ الشَّمْسِ وَلَكِنْ مِنَ الْبَرْدِ وَكَانَ كُلُّ اثْنَيْنِ فِي سِلْسِلَةٍ فَتَغَيَّرَ إِبْرَاهِيمُ فَعَادَتْهُ أُمُّهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ حَتَّى كَلَّمَهَا فَمَاتَ، فَرَأَى الْحَجَّاجُ فِي نَوْمِهِ قَائِلًا يَقُولُ: مَاتَ فِي الْبَلَدِ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَسَأَلَ، فَقَالُوا: مَاتَ فِي السِّجْنِ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، فَقَالَ: حِلْمٌ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ عَلَى الْكُنَاسَةِ.
معنى قول إبراهيم التيمي
عن إبراهيم التيمي قال: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا.
رُوي بفتحِ الذال أي خَشِيتُ أن يُكَذِّبَنِي مَن رأى عَمَلِي مُخالفًا لِقَولِي، فيقول لي: لو كُنْتَ صادقًا ما فَعَلْتَ خِلافَ ما تَقُول فأنتَ تَعِظُ النّاسَ وتأتِي خِلافَ ذلك. ورُوِيَ بكسر الذال أي أن أكون في حالِي مُكَذِّبًا لِمَقالِي حيث إنّنِي أقول ما لا أفعَل، وقد ذمّ الله تعالى من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ويَنهى عن المنكر ويأتيه فقال عَزّ وجلّ:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف/ الآية 3]
وقال أبو الأسود الدؤلي:
| يَا أَيُّهَــا الرَّجُــلُ الْمُعَلِّـــمُ غَيْرَهُ | هَلَّا لِنَفْسِــكَ كَــانَ ذَا التَّعْلِيـمُ |
| وَنَــرَاكَ تُلْقِحُ بِالرَّشَـــادِ عُقُولَنَا | صِفَةً وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَادِ عَدِيمُ |
| لَا تَنْهَ عَنْ خُلُـقٍ وَتَأْتِــيَ مِثْلَـــهُ | عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْـــتَ عَظِيمُ |
| وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَـــنْ غَيِّهَا | فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْــهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ |
| فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى | بِالْقَــوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَــعُ التَّعْلِيـمُ |
وليتنبه أن مَن كانَ على حالٍ سيِّئةٍ يَلزَمُه أن يؤدِّيَ الواجِباتِ ويَجتَنِبَ المحرَّماتِ ولا يَترُكَ ذَلِكَ لأجلِ ما يَظُنُّ النّاسُ به.
الحكمة من ذكر هذا الأثر
ذكر البخاري هذا الأثر هنا عن إبراهيم التيمي رحمه الله حتى ينتبه القارئ لهذا الكتاب فيما قرأ وفيما سيقرأ، هل يفعل ويطبق هذا المذكورَ في هذه الأحاديث أم أنه لا يطبق ولا يعمل بالأوامر التي نقلها من أحاديث النبي ﷺ وهذا حال من أراد الترقي في الدرجات أن يعرض كلامه على عمله فينبغي أن يكون قولُه أقل من فعله، وفعلُه أكثر من قوله، وقد روى ابن حبان عن النبي ﷺ أنه قال:
«وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ»
والمعنى أن يقبل المسلم على العمل للآخرة لا أن يقبل على القيل والقال وتتبع الكلام دون الفعل فهو مَهْلَكَةٌ.
من أقوال السلف في التواضع
وكلام إبراهيم التيمي هذا هو من باب اتهام النفس والتواضع فهو إمام كبير رحمه الله تعالى، وفي مثل هذا روى ابن أبي شيبة عَنْ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ: كَانُوا إِذْ أَثْنُوا عَلَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذُنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ.
خوف الصحابة من النفاق
وروى البخاري في صحيحه هذا الأثر عن إبراهيم التيمي ثم قال: وقال ابن أبي ملكية: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 135]
الحديث السابع عشر: من أحب أن يُمد له في عمره ويزاد في رزقه
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي حدثنا حزم بن أبي حزم القُطَعِي سمعت ميمون بن سِيَاهٍ سمعت أَنسًا قال: قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ»
من فضائل أنس بن مالك رضي الله عنه
قال ثَابِتٌ، قَالَ أَنَسٌ: “مَا شَمِمْتُ شَيْئًا عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا قَطُّ، وَلَا شَيْئًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ، دِيبَاجًا، وَلَا حَرِيرًا، أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ”
قَالَ ثَابِتٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ: أَلَسْتَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَأَنَّكَ تَسْمَعُ إِلَى نَغَمَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُولَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ.
قَالَ: “خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا غُلَامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ لِي فِيهَا: أُفٍّ، وَمَا قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا، أَوْ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا”.
دعاء النبي ﷺ لأنس
وفي مسلم عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلّا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي. فَقَالَ:
«قُومُوا فَلأِصَلِّيَ بِكُمْ»
فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاَةٍ فَصَلَّى بِنَا. فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ. ثُمَّ دَعَا لَنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللّهِ خُوَيْدِمُكَ. ادْعُ الله لَهُ.
قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ. وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ:
«اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ»
قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيْرٌ. وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوَ الْمِائَةِ، الْيَوْمَ.
استجابة دعاء النبي ﷺ لأنس
قَالَ بعض التابعين: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيْهَا رَيْحَانٌ يَجِيْءُ مِنْهُ رِيحُ المِسْكِ.
وفي رواية عند أحمد قَالَ أَنَسٌ: “فَأَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أَنِّي قَدْ دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي بِضْعًا وَتِسْعِينَ، وَمَا أَصْبَحَ فِي الْأَنْصَارِ رَجُلٌ أَكْثَرَ مِنِّي مَالًا.
وفي البخاري قال أنس: فإِني لَمِنْ أكثَرِ الأنصارِ مالًا. وحدَّثَتْني ابنَتي أُمَينةُ أنهُ دُفِنَ لِصُلْبي مَقْدَمَ الحَجّاجِ البَصرةَ بِضعٌ وعِشرونَ ومائة». وثبت في صحيح البخاري عن أنس أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج بن يوسف مائة وعشرين.
قال النووي: هَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ وَفِيهِ فَضَائِلُ لِأَنَسٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يُفَضِّلُ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْفَقِيرِ أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذَا قَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَمَتَى بُورِكَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِتْنَةٌ وَلَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ وَلَا تَقْصِيرٌ فِي حَقٍّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَتَطَرَّقُ إِلَى سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَفِيهِ هَذَا الْأَدَبُ البديع وهو أنه إذا دعا بشيء لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدُّنْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إِلَى دُعَائِهِ طَلَبَ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَةِ وَنَحْوِهِمَا وَكَانَ أَنَسٌ وَوَلَدُهُ رَحْمَةً وَخَيْرًا وَنَفْعًا بِلَا ضَرَرٍ بِسَبَبِ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وعَنْ مُوْسَى بنِ أَنَسٍ: أَنَّ أَنَسًا غَزَا ثَمَانِ غَزَوَاتٍ.
من فضائل أنس في الصلاة والعبادة
وَقَالَ ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشبَهَ بِصَلاَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ – يَعْنِي: أَنسًا -.
وَقَالَ أَنَسُ بنُ سِيْرِيْنَ: كَانَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَحسَنَ النَّاسِ صَلاَةً فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ.
قال ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: جَاءَ قَيِّمُ أَرْضِ أَنَسٍ، فَقَالَ: عَطِشَتْ أَرَضُوكَ. فَتَرَدَّى أَنَسٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ صَلَّى، وَدَعَا، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ، وَغَشِيتْ أَرْضَهُ، وَمَطَرَتْ، حَتَّى مَلأَتْ صِهْرِيْجَهُ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَهْلهِ، فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتْ؟ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلّا يَسِيْرًا.
قال الذّهبي: هَذِهِ كَرَامَةٌ بَيِّنَةٌ ثَبَتَتْ بِإِسْنَادَيْنِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخُصُّهُ بِبَعْضِ العِلْمِ.
وفاة أنس بن مالك
قال الذهبي: ثَبَتَ مَوْلِدُ أَنَسٍ قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِعَشْرِ سِنِيْنَ. وَأَمَّا مَوْتُهُ: فَاخْتَلَفُوا فِيْهِ، فقيل: أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ. وقيل سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ. وَقَالَ عِدَّةٌ – وَهُوَ الأَصَحُّ -: مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ. فَيَكُوْنُ عُمُرُهُ عَلَى هَذَا: مائَةً وَثَلاَثَ سِنِيْنَ.
(مُسْنَدُهُ): أَلْفَانِ وَمائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُوْنَ. اتَّفَقَ لَهُ: البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى مائَةٍ وَثَمَانِيْنَ حَدِيْثًا. وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِثَمَانِيْنَ حَدِيْثًا، وَمُسْلِمٌ: بِتِسْعِيْنَ.
وقال ابن علان: توفيّ على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنّه توفيّ سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة.
ولمّا مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبي ﷺ.
قَالَ المُثَنَّى بنُ سَعِيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُوْلُ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيْهَا حَبِيبِي (يعني النبي ﷺ) ثُمَّ يَبْكِي.
وكان يعظم النبي ﷺ ويتبرّك بآثاره ويحمل معه شيئا من شعره الشريف يبرك الناس بها، كما ثبت في الصحيحين ويروى عن عبيدة السَّلماني وهو من تلاميذ أنس ومن كبار التابعين: إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
فضل برّ الوالدين في الحديث
جاءت هذه الرواية صريحة في الحثّ على برّ الوالدين فالبارّ لوالديه ينال هذه البركة التي ذُكرت في الحديث.
بيان عقيدة القدر
اللَّهُ تَعَالَى إِذَا قَدَّرَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ عِبَادِهِ يُصِيبُهُ كَذَا لا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ الشَّىْءُ وَلَوْ تَصَدَّقَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ صَدَقَةً أَوْ دَعَا أَوْ وَصَلَ رَحِمَهُ أَوْ عَمِلَ إِحْسَانًا لِأَقَارِبِهِ؛ لِأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِهِ، لَوْ عَمِلَ لَهُمْ إِحْسَانًا لا بُدَّ أَنْ يَتَنَفَّذَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَ هَذَا الإِنْسَانَ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ إِنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَصَلَ رَحِمَهُ أَوْ دَعَا دُعَاءً يَنْجُو مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّهُمْ إِنْ دَعَوِا اللَّهَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَذْهَبُ عَنْهُمْ شَىْءٌ قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ.
القضاء المعلق والقضاء المبرم
وَهَذَا بِخِلافِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ قَدَرًا مُعَلَّقًا بِأَنَّ فُلانًا إِنْ فَعَلَ كَذَا يُصِيبُ كَذَا مِنْ مَطَالِبِهِ أَوْ يُدْفَعُ عَنْهُ شَىْءٌ مِنَ الْبَلاءِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا لا يَنَالُ مَا طَلَبَهُ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ يَكْتُبُونَ فِي صُحُفِهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَلَقَّوْنَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا لا يُنَافِي الإِيـمَانَ بِالْقَدَرِ.
أَمَّا إِنْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الأَزَلِ أَنْ يُصِيبَنِي هَذَا الشَّىْءُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا أَوْ كَذَا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ أَوِ التَّصَدُّقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ دَعَوْتُ أَوْ تَصَدَّقْتُ بِصَدَقَةٍ أَوْ أَحْسَنْتُ إِلَى أَهْلِي وَإِلَى رَحِمِي يُنْجِينِي مِنْ ذَلِكَ أَسْلَمُ بِالدُّعَاءِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، هَذَا لا ضَرَرَ فِيهِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَدْعُو فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِنِيَّةِ أَنْ يَسْلَمَ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبُهُ لا مَحَالَةَ هَذَا كَافِرٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ مُتَغَيِّرَ الْمَشِيئَةِ وَالْعِلْمِ، وَتَغَيُّرُ الْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن/ الآية 29]
فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِاخْتِلافِ الأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ بَلْ مَعْنَاهُ يَخْلُقُ خَلْقًا جَدِيدًا، كُلَّ يَوْمٍ يُغَيِّرُ فِي خَلْقِهِ وَلا يَتَغَيَّرُ فِي عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
شرح حديث “لا يرد القضاء شيء إلا الدعاء”
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ:
«لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ شَىْءٌ إِلَّا الدُّعَاءُ»
فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْهُ مَا هُوَ مُعَلَّقٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبْرَمٌ لا يَتَغَيَّرُ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا، فَالْمُعَلَّقُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ فِي صُحُفِ الْمَلائِكَةِ الَّتِي نَقَلُوهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، مَثَلًا يَكُونُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فُلانٌ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ أَوْ بَرَّ وَالِدَيْهِ أَوْ دَعَا بِكَذَا يَعِيشُ إِلَى الْمِائَةِ أَوْ يُعْطَى كَذَا مِنَ الرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَعِيشُ إِلَى السِّتِّينَ وَلا يُعْطَى كَذَا مِنَ الرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ، هَذَا مَعْنَى الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ.
وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ الأَزَلِيَّ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ مُعَلَّقٌ عَلَى فِعْلِ هَذَا الشَّخْصِ أَوْ دُعَائِهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ، هُوَ يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ أَيَّ الأَمْرَيْنِ سَيَخْتَارُ هَذَا الشَّخْصُ وَمَا الَّذِي سَيُصِيبُهُ، وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كُتِبَ فِيهِ ذَلِكَ أَيْضًا.
شرح ابن حجر للحديث
قال ابن حجر في شرحه حديث البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»
قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ.
ثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ، فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾
فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ، وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ، وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ.
حديث ابن عباس عن القدر
وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
«لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ»
فَقَوْلُهُ: «لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» مَعْنَاهُ فِيمَا كَتَبَ مِنَ الْقَضَاءِ الْمَحْتُومِ، وَقَوْلُهُ: «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ» مَعْنَاهُ الْمَقْدُورُ.
دليل على عدم تغير مشيئة الله
وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ لِدُعَاءِ دَاعٍ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً…»
الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:
«سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً»
وَفِي رِوَايَةٍ:
«وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ»
فَلَوْ كَانَ اللَّهُ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِدَعْوَةٍ لَغَيَّرَهَا لِحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَلَكِنَّ اللَّهَ لا تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ.
الحديث الثامن عشر: ثلاث دعوات مستجابات
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا معاذ بن فَضالة قال: حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر أنّه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ:
«ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَهُنَّ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ علَى وَلَدِهِ»
شرح “لا شك فيهن”
أَيْ فِي اسْتِجَابَتِهِنَّ، وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِهِ لِالْتِجَاءِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصِدْقِ الطَّلَبِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ وَانْكِسَارِ الْخَاطِرِ، والمعنى أنهن مستجابات عند الله تعالى إذا توفرت شروطها.
دعوة المظلوم
دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ: أي مَنْ ظَلَمته بأيّ وجه كان من نحو استيلاء على ما يستحقه أو إيذاء له بأن تردّ إليه حقه أو تمكنه من استيفائه، فإنك إن ظلمته ودعا عليك استجيب له.
وفي رواية:
«وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ:
«وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»
وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُوَكِّلُ مَلَائِكَتَهُ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَبِحَمْلِهَا عَلَى الْغَمَامِ، فَيَعْرُجُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ لِيَرَاهَا الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ، فَيَظْهَرُ مِنْهُ مُعَاوَنَةُ الْمَظْلُومِ، وَشَفَاعَةٌ مِنْهُمْ لَهُ فِي إِجَابَةِ دَعَوْتِهِ، رَحْمَةً لَهُ.
وَقَال الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحَاجِبِ وَالْحِجَابِ نَفْيُ عَدَمِ إِجَابَةِ دُعَاءِ الْمَظْلُومِ ثُمَّ اسْتَعَارَ الْحِجَابَ لِلرَّدِّ، فَكَانَ نَفْيُهُ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ الإجَابَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِنَفْيِ الْحِجَابِ أَبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْقَبُول، لأَنَّ الْحِجَابَ مِنْ شَأْنِهِ الْمَنْعُ مِنَ الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُودِ فَاسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِعَدَمِ الْمَنْعِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ (حِجَابٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلَا مَانِعٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنِ النَّاسِ.
وَقَال الطِّيبِيُّ: لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ تَعْلِيلٌ لِلاِتِّقَاءِ وَتَمْثِيلٌ لِلدُّعَاءِ كَمَنْ يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ مُتَظَلِّمًا فَلَا يُحْجَبُ.
تحذير من الظلم
وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الظُّلْمِ جُمْلَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، حَيْثُ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ:
«يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»
وقد قيل:
| فلا تعجلن بالجُورِ ما دُمتَ قادرًا | فآخره إثم وخــوفُ عـذابِ |
| تنـــامُ وما المظلومُ عنــك بنائمِ | ودعوته لا تنثني بحجـابِ) |
من قصص المظلومين
روي عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَفَدْنَا وُفُودًا مِنَ الْبَصْرَةِ نَسْأَلُ: فِيمَ قُتِلَ؟ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَتَفَرَّقْنَا فَمِنَّا مَنْ أَتَى عَلِيًّا، وَمِنَّا مَنْ أَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَمِنَّا مَنْ أَتَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَقُولِينَ فِي عُثْمَانَ؟ قَالَتْ: «قُتِلَ وَاللَّهِ مَظْلُومًا، لَعَنَ اللَّهُ قَتَلَتَهُ، أَقَادَ بِهِ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَهْرَقَ بِهِ دِمَاءَ بَنِي بُدَيْلٍ، وَأَبْدَى اللَّهُ عَوْرَةَ أَعْيَنَ، وَرَمَى اللَّهُ الْأَشْتَرَ بِسَهْمٍ مِنْ سِهَامِهِ فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَصَابَتْهُ دَعَوْتُهَا».
وروى ابن أبي الدنيا عَنْ أَبِي الْمُحَيَّاةِ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنِي مُؤَذِّنُ عَكَّا قَالَ: “خَرَجْتُ إِلَى مُكْرَانَ أَنَا وَعَمِّي وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَنَهَيْنَاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقُلْنَا: اعْتَزِلْنَا، فَاعْتَزَلَنَا فَلَمَّا دَنَا خُرُوجُهُمَا تَذَمَّمْنَا، فَقُلْنَا: لَوْ صَحِبَنَا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْكُوفَةِ؟ فَلَقِيَنَا غُلَامَهُ، فَقُلْنَا لَهُ: قُلْ لِمَوْلَاكَ يَعُودُ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنَّ مَوْلَايَ حَدَثَ لَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَدْ مُسِخَتْ يَدَاهُ يَدَيْ خِنْزِيرٍ، قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا: ارْجِعْ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنَّهُ حَدَثَ لِي أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَأَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ، فَإِذَا هُمَا ذِرَاعَا خِنْزِير ٍ قَالَ: فَصَحِبَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى السَّوَادِ كَثِيرَةِ الْخَنَازِيرِ، فَلَمَّا رَآهَا صَاحَ صَيْحَةً وَوَثَبَ فَمُسِخَ خِنْزِيرًا، وَخَفِيَ عَلَيْنَا، فَجِئْنَا بِغُلَامِهِ وَمَتَاعِهِ إِلَى الْكُوفَةِ.
دعوة المسافر
وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ: أي سفرًا مباحًا مطلوبًا ولو مندوبًا وكان ذلك جبرًا لمقاساته وعثاء السفر ويستمر ذلك حتى يرجع كما عند البزار.
قال العلماء: الْمَظْلُومُ مُضْطَرٌّ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ مُنْفَرِدٌ عَنِ الصَّدِيقِ وَالْحَمِيمِ، لَا يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَى مُسْعِدٍ وَلَا مُعِينٍ لِغُرْبَتِهِ. فَتَصْدُقُ ضَرُورَتُهُ إِلَى الْمَوْلَى، فَيُخْلِصُ إِلَيْهِ فِي اللجإ، وَهُوَ الْمُجِيبُ لِلْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَاهُ.
دعوة الوالد على ولده
وَدَعْوَةُ الوَالِدِ علَى وَلَدِهِ: والمعنى أَيْ لِوَلَدِهِ أَوْ عَلَيْهِ، والمراد أن تكون بحقّ. والمراد من ولده ما يشمل الفرع وإن سفل وقد جاء حذف دعوة الوالد اكتفاء بدخوله في دعوة المظلوم.
من قصص دعوة الوالدين
روى ابن أبي الدنيا عَنْ أَبِي قَزَعَةَ – رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ – عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ: “مَرَرْنَا بِبَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ، فَسَمِعْنَا نَهِيقَ حِمَارٍ، فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا هَذَا النَّهِيقُ؟ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ كَانَتْ أُمُّهُ تُكَلِّمُهُ بِالْحُسْنَى، فَيَقُولُ: انْهَقِي نَهِيقَكِ، قَالَ غَيْرُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتْ أُمُّهُ تَقُولُ: جَعَلَكَ اللَّهُ حِمَارًا. فَلَمَّا مَاتَ نَسْمَعُ هَذَا النَّهِيقَ عِنْدَ قَبْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
دعاء المضطر
وفي إجابة الدعاء يقول تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [سورة النمل/ الآية 62]
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكِ بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أَنْ تَدْعُوَ لِي فَأَنَا مُضْطَرٌّ. قَالَ: إِذًا فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
| وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ وَالْأَمْرُ ضَيِّقٌ | عَلَيَّ فَمَـــا يَنْفَـــــكُّ أَنْ يَتَفَرَّجَا |
| وَرُبَّ أَخٍ سُدَّتْ عَلَيْهِ وُجُوهُــهُ | أَصَابَ لَهَا لَمَّا دَعَا اللَّهَ مخرجا |
وفي مسند أبى داود الطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دُعَاءِ الْمُضْطَرِّ:
«اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»
قال القرطبي: دَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، لَا تَصْدُرُ مِنْهُ مَعَ مَا يُعْلَمُ مِنْ حَنَّتِهِ عَلَيْهِ وَشَفَقَتِهِ، إِلَّا عِنْدَ تَكَامُلِ عَجْزِهِ عَنْهُ، وَصِدْقِ ضَرُورَتِهِ، وَإِيَاسِهِ عَنْ بِرِّ وَلَدِهِ، مَعَ وُجُودِ أَذِيَّتِهِ، فَيُسْرِعُ الْحَقُّ إِلَى إِجَابَتِهِ.
من شروط إجابة الدعاء
وينبغي فعل ما يقتضي إجابة الدعاء، قال بعضهم: لا تستبطئ الإجابة من دعائك وقد سَددْتَ طريقَه بالذنوب.
وقيل لمالك بن دينار: ادعُ الله لفلان المحبوس. فقال: مَثَلُ محبوسكم مَثَلُ شاةٍ غدت إلى عجينِ فقيرٍ فأكلته فاتخمت، فصاحبها يقول: اللهم سلمها. وصاحب العجين يقول: اللهم أهلكها، ولا ينفع دعاء صاحبها مع دعاء المظلوم، فقولوا لصاحبكم يردّ إلى كلّ ذي حقّ حقّه، فإنّه لا يحتاج إلى دعائي حينئذ.
قال طاوس: يكفي من الدعاء مع الورع ما يكفي العجين من الملح.