شرح أذكار ما بعد صلاة الفجر والمغرب | اللهم أجرني من النار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكريمُ البَرُّ الرحيمُ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، تقدَّست أسماؤه وعزَّ اسمه ذو الجلال والإكرام. 

وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خيرُ الخلق وخاتَمُ الرسل، والهادي إلى الحقِّ، ذو الخُلقِ العَظيم، والنسبِ الكريم، صاحبُ الشفاعة العظمى، النذيرُ المبين، حاملُ لواءِ الحمد، وصاحبُ الحوض، خيرُ من وطئت قدماه الحَصى، وأوذِيَ فعفى، وخيرُ من أنفقَ في سبيل الله وتصدَّق، ودعا إلى الخير وكان إليه أسبق، فصلاةُ ربي وسلامه عليه، وعلى ءاله وأصحابه ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين. 

أما بعد: 

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في شرح الأذكار التي يقولها المصلي بعد انتهائه من صلاة الفجر والمغرب، ووصلنا إلى قوله: 

بَابُ مَا يُقَالُ دُبُرَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ

الشرح والتعليق:

بَابُ مَا يُقَالُ أي من الأذكار والأدعية والأوراد التي تقال اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كان يقولها دُبُرَ أي بعد هذه الصلوات المذكورات، وفي الأصل: الدُّبُرُ بِضَمَّتَيْنِ خِلَافُ الْقُبُلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِآخِرِ الْأَمْرِ دُبُرٌ وقد صح في الحديث: «وَلَا تَدَابَرُوا» رواه البخاري، والمعنى: أَيْ لَا يُعْطي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أخَاه دُبُرَهُ وقفَاه فيُعْرض عَنْهُ ويهْجُره.اهـ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التدابر والقطيعة، بل حال المؤمن مع أخيه المؤمن أن يحب له ما يحب لنفسه ولو أخطأ معك أخوك، أنت: ألا تحب إذا أخطأت مع أحد أن يسامحك ويعفو عنك؟ ستقول لي: بلى، فأقول لك: وكذلك إذا أخطأ معك أخوك المؤمن سامحه لوجه الله خوفا عليه وحزنا عليه وهذا له أجر عظيم في دين الله حيث يقول تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة النور/ الآية 22]، هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان له قريبٌ من أهل بدر اسمه مِسطَحٌ وكان أبو بكر ينفق عليه، ولما تكلّم الناس في حادثة الإفك في السيدة الشريفة العفيفة عائشة رضي الله عنها، كان مسطح هذا من جملة الذي تكلموا فيها، فقال أبو بكر: لا أنفق عليك يا مسطح وقطع النفقة عليه فنزلت هذه الآية بالحثّ على العفو لأنّ مسطحا تاب من فعله ذلك، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة النور/ الآية 22]، ولما سمعها أبو بكر قال: بلى يا رب بلى، وأرجع النفقة على مسطح.اهـ فالعفو من شيم المؤمنين الكاملين ولا سيما مع إخوانهم المؤمنين. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا يُونُسُ إِذَا بُلِّغْتَ عَنْ صَدِيْقٍ لَكَ مَا تَكْرَهُهُ فَإِيَّاكَ أَنْ تُبَادِرَ بِالْعَدَاوَةِ وَقَطْعِ الْوَلَايَةِ فَتَكُونَ مِمَّنْ أَزَالَ يَقِيْنَهُ بِشَكٍ، وَلَكِنِ اِلْقَهُ، وَقُلْ لَهُ: بَلَغَنِيْ عَنْكَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ أَصْدَقُ وَأَبَرُّ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ فَرَأَيْتَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَجْهًا بِعُذْرٍ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ وَجْهًا لِعُذْرٍ، وَضَاقَ عَلَيْكَ الْمَسْلَكُ فَحِينَئِذٍ أَثْبِتْهَا عَلَيْهِ سَيِّئَةً أَتَاهَا. ثُمَّ أَنْتَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ ترد بِمِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْتَ عَنْهُ، وَالْعَفْوُ أَبْلَغُ لِلتَّقْوَى، وَأَبْلَغُ فِي الْكَرْمِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى/ الآية 40] فَإِنْ نَازَعَتْكَ نَفْسُكَ بِالرد فَاذْكُرْ فِيمَا سَبَقَ لَهُ لَدَيْكَ، وَلَا تَبْخَسْ بَاقِي إِحْسَانِهِ السَّالِفِ بِهَذِهِ السَّيِّئَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الظُّلْمُ بِعَيْنِهِ. صَلاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ هاتان الصلاتان هما طرفا النهار، فاليوم يبدأ من طلوع الفجر ويستمر إلى المغرب، والليل يبدأ من دخول المغرب وينتهي بالفجر، ويحسب الفقهاء نصف الليل بأن يحسبوا الوقت من دخول وقت المغرب إلى طلوع الفجر ويأخذوا نصفها.

نص الحديث: 

رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُسْلِمِ بنِ الْحَارِثِ التَّمِيمىِّ الصَّحَابِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِى مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذَا مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا».

الشرح والتعليق على هذا الحديث: 

رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُسْلِمِ بنِ الْحَارِثِ التَّمِيمىِّ الصَّحَابِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو مسلم ‌بن ‌الحارث ويقال الحارث بن مسلم ‌التميميّ. روى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الدعاء عند الانصراف من صلاة المغرب. توفي الحارث بن مسلم في خلافة عثمان. وصَحَّح البخاريّ، وأبو حاتم وأبو زرعة الرَّازِيان، والترمذي، وغير واحد: أنَّ مسلم بن الحارث هو صحابي هذا الحديث. وأخرج ابن حبان الحديث في “صحيحه” من مسند الحارث بن مسلم 

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ أي تكلّم بينه وبينه دون أن يسمع ذلك أحد غيره فَقَالَ: «إِذَا انْصَرَفْتَ» أي قضيت الصلاة «مِنْ صَلاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِى مِنَ النَّارِ» أي احفظني منها، اصرفها عني، لا تجعلني من أهلها. 

هذهِ النارُ العظيمةُ التي هيَ أعظمُ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى للكافرينَ ولبعضِ عصاةِ المسلمينَ، فقدْ قالَ ﷺ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» والحديثُ رواهُ الترمذيُّ. أوقدَ عليها كمَا قالَ النبيُّ ﷺ ثلاثةَ آلافِ سنةٍ فهيَ مخلوقةٌ الآنَ وموجودةٌ تحتَ الأرضِ السابعةِ كمَا صحَّ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ الذي يرويهِ الحاكمُ في المستدركِ أنَّها تحتَ الأرضِ السابعةِ منفصلةٌ عنها ولها أرضُها وسقفُها ويؤتَى بقطعةٍ منها يومَ القيامةِ إلى أرضِ المحشرِ يَجُرُّهَا سبعونَ ألف ملكٍ ليراها الكفارُ فيرتاعوا مِنْ منظرِها المخيفِ كمَا روى البيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ، نسألُ اللهَ أنْ يُسَلِّمَنَا. وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِيْنَ النَّارَ فِيْهَا خَالِدِيْنَ، وَكَتَبَ العَذَابَ فِيْهَا عَلَى بَعْضِ العُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَمِمَّا جَاءَ فِي وَصْفِهَا: أنَّ أبوابَها سبعةُ أبوابٍ يقولُ تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [سورة الحجر/ الآية 44]، 

وأمَّا سَعَتُها وصِفَتُهَا: فقدْ صحَّ أنَّهُ لو قُذِفَ حَجَرٌ فِي جَهَنَّمَ لَهَوَى سَبْعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهَا، وَهِيَ سَوْدَاءُ مظلمةٌ لَا يُضِيءُ جَمْرُهَا وَلَا لَهَبُهَا، بَلْ أَهْلُهَا فِي ظُلْمَةٍ يَأْتِيْهِمُ العَذَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. وَلَيْسَ عَذَابُهُمُ النَّارَ فَقَطْ، بَلْ لَهُم فِيْهَا مِنَ الزَّمْهَرِيْرِ أَيِ البَرْدِ الشَّدِيْدِ، فَإِذَا اسْتَغَاثُوا مِنَ الحَرِّ جَاءَهُمْ بَرْدٌ يَصْدَعُ الْعَظْمَ، فَيَمْكُثُوْنَ فِي عَذَابٍ مُسْتَمِرٍّ مُتَنَوِّعٍ، وقد روى البزار عن النبي ﷺ أنَّهُ قالَ: «فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ قَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَاسْتَأْذَنَتِ اللهَ فِي نَفَسَيْنِ فَأَذِنَ لَهَا، فَشِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَشِدَّةُ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا». وقعرُها الذي مسافتُهُ سبعونَ سنةً في النزولِ لا يدخُلُهُ إلَّا كافرٌ فعصاةُ المسلمينَ لا يدخلونَهُ، لا يدخُلُهُ مسلمٌ، والكافرُ الذي يصلُ لهذا المحلِّ هوَ الذي وقعَ في أيِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ الكفرِ والعياذُ باللهِ تعالى:

 وقد ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الكفرَ يُقسَمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ فَمِنْهُ مَا هوَ قوليٌ كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ والعياذُ باللهِ أو يَسُبُّ دينَ الإسلامِ أو نبيًّا مِنَ الأنبياءِ أو مَلَكًا مِنَ الملائكةِ الكرامِ أو يستهزئُ بشرعِ اللهِ وبشريعتِهِ وبمعالمِ دينِهِ أو يستخفُّ بعذابِ جهنمَ فإنَّهُ أشدُّ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى، والقسمُ الثاني مِنْ أقسامِ الكفرِ هوَ الفعليُّ كالذي يُلْقِيْ المصحفَ في القاذوراتِ أو يسجدُ للشمسِ والقمرِ والقسمُ الثالثُ هوَ الكفرُ الاعتقاديُّ كالذي يعتقدُ خلافَ عقيدةِ المسلمينَ كالذي يعتقدُ أنَّ للهِ ولدًا أو زوجةً أو شريكًا أو يعتقدُ عقيدةَ اليهودِ أنَّ اللهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثمَّ تعبَ في اليومِ السابعِ واستراحَ جالسًا على العرشِ فنزلَ فيهمْ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سورة ق/ الآية 38] فاللهُ تعالى لا يوصفُ بالتّعبِ ولا بالجلوسِ ولا بالجسميةِ ولا بالحدِّ ولا بالمكانِ ولا بالزمانِ فهوَ خالقُ المكانِ والزمانِ كانَ موجودًا قبلَهُمَا بدونِهِمَا وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ، مهمَا تصوّرتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وقعَ في أيِّ قسمٍ مِنَ الكفرِ فيجبُ عليهِ فورًا الرجوعُ للإسلامِ بالنطقِ بالشهادتينِ وتركِ ما صدرَ منهُ. 

نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُجَنِّبَنَا الكفرَ وما يُقَرِّبُ إليه مِن قولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ. 

أمَّا ما جاءَ في وصفِ جبالِ جهنمَ وأوديَتِهَا: فإِنَّ مِنْ جبالِهَا الصَّعُودَ: وهوَ ما ذُكِرَ في قولِهِ تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [سورة المدثر/ الآية 17] وهوَ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ، يُكَلَّفُ الْكَافِرُ صُعُوْدَهُ ثُمَّ يَهْوِي، إِذَا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعُوهَا عَادَتْ. 

وكذلكَ مِنْ أَوْدِيَتِهَا واديْ “وَيْل” وَوَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ الْجِبَالُ لَمَاعَتْ مِنْ حَرِّهِ، وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا يُدْعَى غَيًّا وهو المذكورُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 59] أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُصِرِّيْنَ عَلَى الزِّنَا وَشُرْبِ الخَمْرِ وَأَكْلِ الرِّبَا، والعياذُ باللهِ مِنْ هذا كلِّهِ. 

أمَّا عَقَارِبُهَا وَحَيَّاتُهَا: فَفِيهَا حَيَّاتٌ كَالوِدْيَانِ وَعَقَارِبُ، فِي فِقَارِ إِحْدَاهُنَّ مِقْدَارُ سَبْعِينَ قُلَّةِ سُمٍّ، وَالْعَقْرَبُ مِنْهُنَّ مِثْلُ الْبَغْلَةِ الْمُؤْكَفَةِ – التي عليها الإكافُ وهوَ مثلُ السرجِ الذي يوضَعُ على الحصَانِ – تَلْدَغُ الرَّجُلَ فَلَا يُلْهِيهِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ حُمُوَّةَ لَدَغَتِهَا. 

أمَّا سِجْنُهَا: فَفيِهَا سِجْنٌ أَرْضُهُ نَارٌ، وَسَقْفُهُ نَارٌ، وَجُدْرَانُهُ نَارٌ، فَإِذَا أُدْخِلُوا وُجِّهَتِ النِّيرَانُ إلى أَفْوَاهِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 8] وَالحَصِيْرُ السِّجْنُ. 

أمَّا سِيَاطُهَا: فَلِلْكَافِرِينَ فيها سِيَاطٌ خَاصَّةٌ يُضْرَبُوْنَ بِهَا، لَوْ أَنَّ أحدَ هذهِ السياطُ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ أيْ ما رفعوهُ عنِ الأرضِ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 50-51].

 أمَّا صِفَةُ أَهْلِهَا: فَضِرْسُ الْكَافِرِ فيها مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، وَمَقْعَدُهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَبْكُونَ فِيْهَا الدُّمُوعَ وَبَعْدَ الدُّمُوعِ الدَّمَ، وَلَوْ أُرْسِلَتِ السُّفُنُ فِي دُمُوعِهِمْ لَجَرَتْ، يُسْحَبُوْنَ إِلَيْهَا مُغَلَّلَةً أَيْدِيهِم إِلَى أَعْنَاقِهِم، وَيُضْرَبُونَ بِالْمَقَامِعِ عَلَى وُجُوهِهِم وَأَدْبَارِهِمِ. 

أَمَّا طَعَامُ أَهْلِهَا وَشَرَابُهُمْ: فَإِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَسَقَطَتْ جُلُودُ وُجُوهِهِمْ، ووصفُ هذا ما قالَ تعالى في القرآنِ الكريمِ: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [سورة الدخان/ الآية 43-46]. وَيَأْكُلُوْنَ الضَّرِيعَ وَهُوَ شَجَرَةٌ نَتِنَةٌ قَبِيْحَةٌ، قالَ تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [سورة الغاشية/ الآية 6-7]، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرَّهُ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 29]فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْ أَفْوَاهِهِمِ انْشَوَى مِنْ حَرِّهِ لَحْمُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ، وَيُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ فَيَمْشُونَ فَتَسِيلُ أَمْعَاؤُهُمْ وَتَتَسَاقَطُ جُلُودُهُمْ، ثُمَّ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ، وَإِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَيَنْفُذُ الْجُمْجُمَةَ حَتَّى يَخْلُصُ إِلَى جَوْفِهَا، قال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [سورة الحج/ الآية 19-22].

 أمَّا سَلَاسِلُهَا: فإنَّها تَدْخُلُ فِي دُبُرِ الكافر حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [سورة الحاقة/ الآية 32]، وَعَنِ الحَسَنِ وَابْنِ عَبّاسٍ أَنَّ قِيَاسَهَا بِذِرَاعِ الْمَلَكِ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [سورة الإنسان/ الآية 4].

 أمَّا تَعَاوِيْهِمْ وَصَيْحَاتِهِمْ: فإنَّهُم يَقُولُونَ وَهُم يَصْرُخُوْنَ وَيَبْكُوْنَ: كَلِّمُوا خَزَنَةَ النَّارِ، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 49]، فَيُجِيبُونَهُمْ مَا أخبَرَ الله عزَّ وجلَّ عنهُ في القرآنِ الكريمِ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [سورة غافر/ الآية 50]، فَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ ما ذَكَرَ ربُّنا عزَّ وجلَّ حكايةً عنهُم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية 77]فَيُجِيبُهُمْ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ مِنَ الانْتِظَارِ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [سورة الزخرف/ الآية77]. فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ خَيْرًا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ ما جاءَ في كتابِ اللهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 106-107] فَيَأْتِيْهِمُ الجَوَابُ: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 108-110]، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأَسُونَ وَيَأْخُذُونَ فِي الشَّهِيقِ وَالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ. وَيَمُرُّ عَلَيْهِم وَقْتٌ يَتَخَاصَمُوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُم قالَ تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [سورة ص/ الآية 61-64]، وَإنَّهُم كذلكَ يَتَلاوَمُوْنَ قالَ تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 38-39] وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 24]، وَمِنْ جُمْلَةِ الحِجَارَةِ الَّتِي فِي جَهَنَّمَ كَمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُوْنَ حِجَارَةُ الكِبْرِيْتِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَوَقُّدًا مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْتَنُ رَائِحَةً وَأَلْصَقُ بِالْبَدَنِ، وَقِيْلَ: هِيَ الأَصْنَامُ الَّتِي اتَّخَذَهَا الكُفَّارُ مِنْ حِجَارَةٍ فِي الدُّنْيَا مَعْبُوْدَاتٍ لَهُم مِنْ دُوْنِ اللهِ تُرْمَى فِي جَهَنَّمَ أَيْضًا تَحْسِيْرًا لِلْكَافِرِيْنَ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مِنَ الجَمَادَاتِ كَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 98]، أَيْ وَقُوْدُ النَّارِ. كانَ بعضُ السلفِ إذا ذُكِرَتِ النارُ أمامَهُ تراهُ يبكي بكاءً شديدًا والبعضُ يُغْشَى عليهِ وبعضُهم قدْ يموتُ خوفًا مِنْ عذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ،

 فقدْ روَى ابنُ الجوزيِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُعْرَفُ بِدِينَار العِيَار، وَكَانَ لَهُ والدةٌ صَالحةٌ تَعِظُهُ وَهُوَ لا يَتَّعِظُ، فَمَرَّ في بَعْضِ الأيامِ بمقبرةٍ فأَخَذَ مِنْهَا عَظْمًا تَفَتَّتَ في يَدِهِ فَفَكَّرَ في نَفْسِهِ، وَقَالَ وَيْحَكَ يا دِينَارُ كَأَنّي بِكَ وَقَدْ صَارَ عَظْمُكَ هكَذَا رُفَاتًا والجِسْمُ ترابًا، فَنَدِمَ على تَفْرِيْطِهِ وَعَزَمَ على التوبةِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ لأَنَّها قِبْلَةُ الدُّعَاء، رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ إلهي وَسَيِـّدِي أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ مَقَالِيْدَ أَمْرِيْ فَاقْبَلْني وارْحَمْني، ثُمَّ أَقْبَلَ نحوَ أُمِـّهِ مُتَغَيِـّرَ اللّونِ مُنْكَسِرَ القَلْبِ فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ مَا يُصْنَعُ بالعَبْدِ الآبِقِ إِذَا أَخَذَهُ سَيِـّدُهُ، قَالَتْ: يُخَشِّنُ مَلْبَسَهُ ومطعَمَهُ وَيَغِلُّ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. فَقَالَ: أُرِيدُ جُبَّةً مِنْ صُوْفٍ وافْعَلِيْ بي كَمَا يُفْعَلُ بالعَبْدِ الآبِقِ، فَفَعَلَتْ بِهِ مَا أَرَادَ، فَكَانَ إِذَا جنَّ عليهِ الليلُ أَخَذَ في البُكَاءِ الشديدِ وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: وَيْحَكَ يَا دِيْنَارُ أَلَكَ قُوَّةٌ عَلى النَّارِ، كَيْفَ تَعَرضْتَ لِغَضَبِ الجبَّارِ، ولا يَزَالُ كذلكَ إلى الصَّبَاحِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ يَا بُنَي ارفِقْ بنفسِكَ. قَالَ دَعِيني أَتْعَبُ قليلًا، لَعَلّي أَسْتَرِيْحُ طَويلًا، يَا أُمَّاهُ إِنَّ لي غَدًا مَوْقِفًا طَويلًا، بَيْنَ يَدَيْ رَبٍّ جَلِيْلٍ، وَلا أَدْري أَيُؤْمَرُ بي إِلى ظِلٍّ ظَلِيْلٍ، أَوْ إلى شَرِّ مَقيلٍ. قَالَتْ: يَا بُنَيَّ خُذْ لِنَفْسِكَ رَاحَةً. قَالَ: لَسْتُ لِلرَّاحَةِ أَطْلُبُ كَأَنَّكِ يَا أُمَّاهُ غَدًا بالخلائقِ يُسَاقُوْنَ إلى الجنَّةِ وَأَنا أُسَاقُ إلى النَّارِ مَعَ أَهْلِهَا. فَتَرَكَتْهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ في البُكَاءِ والعِبَادَةِ وَقِراءَةِ القُرْءانِ فَقَرَأَ بَعْضَ الليالي:﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 92-93] فَفَكَّرَ في هذِهِ الآيةِ العظيمةِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَجَعَل يَبْكِيْ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا فَقَالَتْ لَهُ: يَا حَبيبي وَقُرَّةَ عَيْني أَيْنَ الملْتَقَى؟ فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيْفٍ: يَا أُمَّاهُ إِنْ لَم تَجِديْني في مَوَاقِفِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَاسْألي مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ عَنّي ثُمَّ شَهقَ شَهْقَةً فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. فَغَسَّلَتْهُ أُمُّهُ وَجَهَّزَتْهُ وَخَرَجَتْ تُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلى الصَّلاةِ عَلَى قَتيلِ النَّارِ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمْ يُرَ أَكْثَرُ جَمْعًا وَلا أَغْزَرُ دَمْعًا مِنْ ذلِكَ اليومِ فَلَمَّا دَفَنُوْهُ نَامَ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ تِلْكَ الليلةَ فَرَءاهُ يمشي في الجنَّةِ وَهُوَ يَقرأ الآية: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ويَقُولُ: وَعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ سَأَلَني وَرَحِمَني وَغَفَرَ لي وتجاوَزَ عنِّي أَلا أَخْبِروا عَنِّي أُمِّي. «سَبْعَ مَرَّاتٍ»هذا العدد، فيه سرٌّ معين، في بعض الأحاديث يَرِدُ هذا العدد وأحيانا أكثر وأحيانا أقل، لكن يكون فيه سر معين فمن أراد هذه الفضيلة فلا يزيد ولا يُنقِصْ «فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مُتَّ» بِضَمِّ المِيمِ مِن مَاتَ يَمُوتُ، وَبِكَسرِهَا مَن مَاتَ يَمِيتُ، من أسرار اللغة العربية أنّ الفعل (مات) يجوز في مضارعه التثليث، فنقول: مات يموت، ويميت، ويمَات. جمعها بعضهم بقوله: من منعت زوجته منه المبيت كاد يمات ويموت ويميت.

 مِنْ لَيْلَتِكَ» أي في تلك الليلة التي قلت هذا الذكر فيها «كُتِبَ لَكَ» هو المقدَّر مكتوب قبل قولك أو عدمِ قولك، لكن« المعنى كنت ممن كتب له في اللوح المحفوظ أنك لست من أهل النار. فقد صح في الحديث المشهور بينكم وبين الناس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ ‌لَوْ ‌اجْتَمَعَتْ ‌عَلَى ‌أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» رواه الترمذي في سننه. يَعْنِى الأَقْلام التي تَجْرِي عَلَى الصُّحُف، يُكْتِبُ بِها. 

هذه عِبارَة يقُولُها العَرَب إِذا كانَ الأَمرُ قَدْ بُتَّ مَعناهُ الذي قَدْ كُتِب، قَدْ كُتِب لا يَتَغَيَّر وَلا يَتَبَدَّل وَلا يُنْسَخ. معناه ما قَدَّرَهُ اللهُ لا يَتَغَيَّر وَلا يَتَبَدَّل. لَوْ دَعى الدّاعِي أَوْ سَأَلَ السائِل، مَا قَدَّرَهُ اللهُ تعالَى لا يَتَغَيَّر لَكِنْ الذي يَدْعُو يسْتَفِيد الثَواب مِنَ الله.

 الدُّعاء سَبب مِثل الأَكْل. الأَكل سبب حَتّى تَشبع وَالدُّعاء سبب حَتَّى تنالَ مَطْلُوبَك وَهُوَ بابٌ للخَيرِ لَك حَتّى يَكُونَ لَكَ ثَوابٌ مِنَ الله تعالَى إِذا دَعَوْتَهُ فَلا يَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يَتْرُكَ الدُّعاء بِقَولِهِ لا بُدَّ أَنْ يَحْصُل ما قَدَّرَهُ الله. فَيَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعاءِ اللهِ تعالَى فَإِنَّ هذا سَبَبٌ لِنَيْلِهِ مَطْلُوبَه فِى الدُّنْيا وَفِى الآخِرَة. وَلَيس الدُّعاء مُغَيِّرًا لِما قَضاهُ الله. الرّسُولُ صلى الله عليه وسلم قالَ: «سأَلْتُ رِبّي أربَعًا … » رواه الطبراني في المعجم الكبير. التَّغَيُّر صِفَة الْمَخلُوق. الله لا يَتَغَيَّر! فَعَلَى الإِنسان أَنْ يُسَلِّمَ للهِ عَزَّ وَجَلّ وَأَنْ يَتَوَكَّل عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ فِى قَلبِهِ مُسْتَشْعِرًا التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ تعالَى، جازِمًا أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلّا ما كَتَبَ اللهُ لَهُ وَعَلى هذا بُنِيَ الإِسْلام.

ماذا قالَ الطّحاوِيُّ؟

“وَلا تَثْبتُ قَدَمُ فِى الإِسْلامِ إِلّا عَلَى ظَهْرِ التّسْلِيمِ وَالاسْتِسْلام”، عَلى هذا بُنِيَ الإِسْلام

لذلِكَ عدَّ العُلَماءُ هذا الحَدِيث مِنْ أُصُول الإِيمان. ما قَضاهُ اللهُ تعالَى لا يَتَغَيَّر، لا بُدَّ أَنَّهُ حاصِل. 

وَقَدْ جاءَ فِى الحَدِيثِ أَيضًا:«لا يَرُدُّ القَضاءَ إِلّا الدُّعاء» رواه الترمذي في سننه، كَيفَ هذا؟ هذا الحَدِيث: «لا يَرُدُّ القَضاءَ إِلّا الدُّعاء»، هذا يَتَعَلَّق بِالقَضاءِ الْمُعَلَّق! القَضاء الْمُعَلَّق معناهُ يَكُونُ مَكْتُوبًا فِى اللّوْح المحفُوظ إِنْ فَعَلَ فُلانٌ كَذا، يَحْصُلُ لَهُ كَذا وَإِنْ فَعَلَ كَذا، لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا الأَمر، واللهُ يَعْلَم هل سيَفْعَل أو لا! فَهذا الذي كُتِبَ إِنْ لَمْ يَفْعَل كَذا، إِنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ يُصِيبُهُ كَذا، إِذا دَعَى الله لا يُصِيبُهُ، هَذا الشّخص إِذا دَعَى الله، لا يُصِيبُهُ، فَيَكُونُ الدّعاءُ سببًا فِى دَفْعِ ذِلكَ الأَمرِ عَنْهُ، اللهُ فِى الأَزل شاءَ أَنْ يَدْعُوَ وَشاءَ أَنْ لا يُصِيبَهُ هذا الأَمر فَلَمْ تَتَغَيَّر مَشِيئَةُ الله تعالَى. والأَمْرانِ كِلاهُما، هذا وَهذا، مَكتُوبانِ فِى اللوْحِ المحفُوظ. مَكتُوب ماذا يُصِيبُهُ إِنْ لَمْ يَدْعُ وماذا يُصِيبُهُ إِنْ دَعَى. واللهُ تعالَى عالِمٌ فِى الأَزَل هَلْ سيَدْعُو أَوْ لا وَشاءَ ما يَحْصُلُ مِنْهُ. إِذا دَعَى، اللهُ شاءَ فِى الأَزَل أَنْ يَدْعُو، فَلا تَتَغَيَّر مَشِيئَةُ الله تعالَى وَلَوْ بِدُعاءِ النّبِيِّ. ذَكَرْنا قَبْلَ ذلِكَ الحَدِيث: «سَأَلْتُ رَبِّي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً»، لَوْ كانَت مَشِيئَةُ اللهِ تَتَغَيَّر بِدُعاءِ أَحَد، لَتَغَيَّرَت بِدُعاءِ نَبِيِّ الله ﷺ، لكِن مشِيئَةُ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَتَغَيَّر سبحانه. «جِوَارٌ مِنْهَا» أي حفظ منها، وما أعظمها من فضيلة ومنقبة، أن تُحفَظَ أعضاؤك من النار، أن يُحفظَ جسدُك من النار وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذَا مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا وكله بمشيئة الله فلا تفوتوا هذه الفضائل.

نص الحديث الذي بعده: 

وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالنَّسَائِىُّ فِى الْكُبْرَى وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا وَرِزْقًا طَيِّبًا» وَفِى رِوَايَةٍ: «صَالِحًا» بَدَلَ «مُتَقَبَّلًا».

الشرح والتعليق على هذا الحديث: 

وَرَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالنَّسَائِىُّ فِى الْكُبْرَى وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» هذا فيه دليل على أن العلم منه ما هو نافع ومنه ما هو ضار لا يجوز تعلمه أصلا، كالسحر والتنجيم وغير ذلك، فمن المعاصي تَعْلِيمُ وَتَعَلُّمُ عِلْمٍ مُضِرٍّ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ. تَعْلِيمُ الشَّخْصِ غَيْرَهُ كُلَّ عِلْمٍ مُضِرٍّ شَرْعًا وَتَعَلُّمُ الشَّخْصِ ذَلِكَ من الحرام لِأَنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالسِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ وَعِلْمِ الْحَرْفِ الَّذِى يُقْصَدُ لِاسْتِخْرَاجِ الأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَوِ الأُمُورِ الْخَفِيَّةِ مِمَّا وَقَعَ وَقَدْ عَدَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنَ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ السُّيُوطِىُّ وَغَيْرُهُ. وَالْمُشْتَغِلُونَ بِعِلْمِ الْحَرْفِ الْمُحَرَّمِ يُقَسِّمُونَ الْحُرُوفَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ثُمَّ يَقُولُونَ مَنِ اسْمُهُ مَرَكَّبٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْحُرُوفِ يَصْلُحُ لَهُ كَذَا وَلْيَحْتَرِسْ مِنْ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ. وَمِنَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ عِلْمُ التَّنْجِيمِ الَّذِى فِيهِ الْحُكْمُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النُّجُومِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الْكَافِرِ الْقُرْءَانَ وَلا الْمُبْتَدِعِ الْجِدَالَ لِيُجَادِلَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ – وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ مَنْ يَدِينُ بِغَيْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَالصَّحَابَةُ – وَلا نَشْرُ الرُّخَصِ لِلسُّفَهَاءِ لِيَتَّخِذُوهَا طَرِيقًا لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ. وَمِنَ الْعِلْمِ الْمُحَرَّمِ الْفَلْسَفَةُ الَّتِى تُسَمَّى الإِلَهِيَّاتِ أَىِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَهِىَ الْمَوْرُوثَةُ عَنْ إِرَسْطُو وَأَمْثَالِهِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهَا ابْنُ سِينَا فَإِنَّهَا كُفْرٌ كَقَوْلِهِمْ إِنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّةً وَصُورَةً، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّةً أَىْ جِنْسًا هَؤُلاءِ مُحْدَثُو الْفَلاسِفَةِ وذلك كُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ لِآيَةِ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [سُورَةَ الْحَدِيد/ الآية 3]

وَمِمَّا يَحْرُمُ سُؤَالُ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ عَنِ الضَّائِعِ وَالْمَسْرُوقِ وَالأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وَرَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَىْ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى الْغَيْبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يُوَافِقُ خَبَرُهُ الْوَاقِعَ وَقَدْ لا يُوَافِقُ الْوَاقِعَ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا بِسُؤَالِهِ إِيَّاهُمْ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِى يَتَعَاطَى الإِخْبَارَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِى الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النَّظَرِ فِى النُّجُومِ وَعَلَى أَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَالَّذِينَ لَهُمْ أَصْحَابٌ مِنَ الْجِنِّ يَأْتُونَهُمْ بِالأَخْبَارِ فَيَعْتَمِدُونَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ فَيُحَدِّثُونَ النَّاسَ بِأَنَّهُ سَيَحْصُلُ كَذَا، رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُنَاسٌ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَىْءٍ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانًا بِشَىْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقَرُّهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» قَوْلُهُ فَيَقَرُّهَا أَىْ يُلْقِيهَا. وَفِى رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِىِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:«إِنَّ الْمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِى الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِىَ فِى السَّمَاءِ فَيَسْتَرِقُ الشَّيْطَانُ السَّمْعَ فَيَسْمَعُهُ فَيُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ».

 وَأَمَّا الْعَرَّافُ فَهُوَ الَّذِى يُخْبِرُ عَنِ الْمَسْرُوقَاتِ وَنَحْوِهَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسْرُوقِ أَوْ عَنِ الضَّالَّةِ أَيْنَ هِىَ وَمَا صِفَتُهَا فَإِنَّ هَذَا مَنْ سَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ أَىْ لا ثَوَابَ لَهُ لا بِصَلاةِ الْفَرْضِ وَلا بِصَلاةِ النَّفْلِ كُلَّ هَذِهِ الْمُدَّةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ. وَمِمَّنْ يَدْخُلُ فِى ذَلِكَ أَيْضًا مَنْ يَعْتَمِدُ فِى إِخْبَارِهِ عَلَى الضَّرْبِ بِالْمِنْدَلِ يَقْرَأُ أَشْيَاءَ فَتَظْهَرُ لَهُ صُورَةُ جِنِّىٍّ فِى الْمِرْءَاةِ فَيُكَلِّمُهُ وَمَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى النَّظَرِ فِى فِنْجَانِ قَهْوَةِ الْبُنِّ وَكَذَا الَّذِى يَعْتَمِدُ عَلَى كِتَابِ قُرْعَةِ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ جَدْوَلٌ بِأَسْمَاءِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ ثُمَّ يَقْرَأُ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ حَظَّهُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيَضَعُ إِصْبَعَهُ عَلَى الْجَدْوَلِ الَّذِى فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ يَشْرَحُ لَهُ يَقُولُ لَهُ أَنْتَ شَأْنُكَ كَذَا وَكَذَا وَيَصْلُحُ لَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَا كَانَ وَصْفُهَا كَذَا وَكَذَا وَمِنَ الْبُيُوتِ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَأَعْدَاؤُكَ فُلانٌ وَفُلانٌ وَقَدْ يَذْكُرُ بَعْضَ أَقْرِبَائِهِ.

 أما العلم النافع فهو تعلم العقيدة السليمة وتعلم الفقه واللغة ونحو ذلك مما ينفع العبدَ المؤمنَ في آخرته، وما أعظمه من عمل وأكثرَ فضله، فالاشتغال به هو عمل الأنبياء والأولياء والصالحين ودأبهم، قَالَ الْحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: إِنَّ أَوْلَى مَا صُرِفَتْ فِيْهِ نَفَائِسُ الْأَيَّامِ وَأَعْلَى مَا خُصَّ بِمَزِيْدِ الِاهْتِمَامِ الِاشْتِغَالُ بِالْعُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ خَيْرِ البَرِيَّةِ ﷺ.اهـ 

وَلَا يَخْفَىْ مَا لِمَجَالِسِ الْعِلْمِ مِنَ الْفَضْلِ فِيْ دِينِ اللهِ وَمَا لَهَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ، وَفِيْهَا مَا فِيْهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ فَقَدْ ثَبَتَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّهَا تَحُفُّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَمِصْدَاقُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ حَيْثُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيْعٍ يَقُصُّ – أي يعظ – وَقَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَفِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ حَلْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ يَتَحَدَّثُوْنَ بِالْفِقْهِ وَيَتَذَاكَرُوْنَ فَرَكَعْتُ مَا بَيْنَ حَلْقَةِ الذِّكْرِ وَحَلْقَةِ الْفِقْهِ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ السُّبْحَةِ قُلْتُ: لَوْ أَنِّي أَتَيْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ سَرِيْعٍ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَعَسَىْ أَنْ تُصِيْبَهُمْ إِجَابَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ فَتُصِيْبَنِيْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ الْحَلْقَةَ الَّتِيْ يَتَذَاكَرُوْنَ فِيْهَا الْفِقْهَ فَتَفَقَّهْتُ مَعَهُمْ لَعَلِّي أَسْمَعُ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا فَأَعْمَلُ بِهَا فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُ نَفْسِيَ بِذَلِكَ وَأُسَاوِرُهَا حَتَّى جَاوَزْتُهُمْ فَلَمْ أَجْلِسْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَانْصَرَفْتُ فَأَتَانِي آتٍ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِيْ وَقَفْتَ بَيْنَ الْحَلْقَتَيْنِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ الْحَلْقَةَ الَّتِيْ يَتَذَاكَرُوْنَ فِيهَا الْفِقْهَ لَوَجِدْتَ جِبْرِيْلَ مَعَهُمْ.اهـ «وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» يُقبَل العمل بشروط، فلا بد أن يكون من مؤمن فلا يقبل من كافر، ويقبل ممن كانت نيته خالصةً لوجه الله تعالى، فلا ثواب للمرائي والعياذ بالله، ويقبل ممن كان عمله موافقا لما جاء في الشرع فلا يقبل ممن خالف الأمر المنصوص عليه في الكتاب والسنة المطهرة وَرِزْقًا طَيِّبًا وهذا مثل ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»، وَيُقَالُ: الدُّعَاءُ لَهُ جَنَاحَانِ، جَنَاحٌ هُوَ صِدقُ التَّوَجُّهِ وَالنِّيَّةِ وَالقَصدِ وَالعَمَلِ، وَجَناحٌ ءَاخَرُ هوَ طِيبُ المَأكَلِ، وَالطَّائِرُ حَتَّى يَطِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِن جَناحَينِ، لَا يَطِيرُ بِجَناحٍ وَاحِدٍ، فَشَبَّهُوا الدُّعَاءَ بِالطَّائِرِ الَّذِي لَهُ جَنَاحَانِ، أَحَدُ جَناحَيهِ حُسنُ المَقصِدِ، صِدقُ النِّيَّةِ، وَالجَناحُ الآخَرُ طِيبُ المَأكِلِ، أَي أَن يَكُونَ مَأكَلُهُ مِن حَلالٍ لَا مِن حَرامٍ، نَسأَلُ اللهَ تَعالَى أَن يُعافِيَنَا مِن هَٰذَا. مِن أَدَبِ الدُّعَاءِ التَّوبَةُ وَرَدُّ المَظَالِمِ وَالإِقرَارُ بِالإِسَاءَةِ، وَأَكلُ الحَلَالِ فَقَد قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِسَيِّدِنَا سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا سَعدُ أَطِب مَطعَمَكَ تَكُن مُستَجَابَ الدَّعوَةِ» رواه الطبراني في المعجم الأوسط. وَفِى رِوَايَةٍ: «صَالِحًا» بَدَلَ «مُتَقَبَّلًا».

والله تعالى أعلم وأحكم