الحديث الثامن عشر والحديث التاسع عشر

الدرس ٤ من ١٠ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٧:٢٤

الحديث الثامن عشر

وعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُمَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرِ“، رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

“إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ” قال ابن الأثير: أَيْ مَا لَمْ تَبْلغ رُوحُه حُلْقومَه، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَتَغَرْغَرُ بِهِ الْمَرِيضُ. والغَرْغَرَة: أَنْ يُجْعَل المشْروبُ فِي الْفَمِ ويُرَدَّد إِلَى أصْل الَحْلق وَلَا يُبْلَع، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ “لَا تُحَدِّثْهم بِمَا يُغَرْغِرُهُم” أَيْ لَا تُحَدِّثْهم بِمَا لَا يَقْدِرُون عَلَى فَهْمِه فيَبْقى فِي أنفُسِهم لَا يَدْخُلها كَمَا يَبْقَى الْمَاءُ فِي الحَلْق عِنْدَ الغَرْغَرَة، وقال النووي في شرحه لمسلم: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. (أي ولم تحصل الأمور الأخرى التي ورد أن التوبة لا تقبل بها).

أوقات قبول التوبة:

ولا بدَّ لصحةِ التوبةِ أن تكونَ في الوقتِ الذي تقبلُ فيهِ مثلًا أَنْ تكونَ قبلَ الغَرْغَرَةِ، كما ذكرنا في هذا الحديث، فقد قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

وكذلكَ لا تُقْبَلُ توبةُ مَنْ يئسَ منَ الحياةِ برؤيةِ مَلَكِ الموتِ ومَنْ مَعَهُ من الملائكةِ ، فإذا أَيِسَ العاصي مِنَ الحياةِ وأَيقَنَ بالموتِ بأَن رَأَى مَلَكَ الموتِ أو المَلائِكَةَ الذينَ معهُ وأرادَ التوبةَ وقتَها فلا تُقبَلُ تَوبَتُه في ذَلِك الوقتِ.

وأما أسباب العودة إلى المعاصي فكثيرة :

منها شهوة النفس، فكثير من الأنفس تشتهي المعاصي وتستلذ بها والعياذ بالله تعالى.

وكذلك الغفلة، والغفلة هي اسوداد القلب كما قال الفقهاء ومنهم الجنيد البغدادي، فكثير من الناس يُكثِرون من اقتراف المحرماتِ حتى يسوَدَّ قلبه ويعتاد على المعاصي فتَسهُلَ هذه الذنوبُ عليه.

وكذلك وسوسة الشيطان: فالشيطان يوقِعُ كثيرا من الناس في المعاصي كما جاء في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم: قال ﷺ: “إِنَّ الشَّيطَانَ يَجرِي مِنَ الإِنسَانِ مَجرَى الدَّمِ“.

إنَّ العاقلَ ينبغي أنْ يُجَدِّدُ التوبةَ للهِ تعالَى فإنَّهُ لَا ينبغي للواحدِ منَّا أنْ يُهمِلَ التوبةَ وإنْ كانَ يُعاوِدُ الذنبَ مرةً بعدَ أخرى، أليسَ كلمَا اتسخَ ثوبُك تغسله ولا تملُّ من ذلك، كذلك لا تملَّ من التوبة، فإنَّ في التوبةِ مِنَ الذنبِ صَقْلًا للقلبِ، ولا يَقُولُنَّ الواحِدُ مِنَّا كيفَ أتوبُ وقد تُبْتُ مِنْ ذنوبٍ مِنْ قبلُ ثمَّ عاوَدْتُها بعدَ الندمِ، فقدْ روى الترمذيُّ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ: “كلُّ بَني ءادمَ خَطَّاؤون وخَيرُ الخطّائينَ التّوّابون“. معناهُ غالِبُ بني ءادمَ يقعونَ في الذنبِ وخيرُهمُ الذي يَتُوبُ.

واعلموا أنَّ للذنبِ أثَرًا يتركُه في قلبِ المرءِ فهوَ كمَا روى أصحابُ السننِ عن رسولِ اللهِ ﷺ: “إنَّ المؤمِنَ إذا أذْنَبَ كانت نُكتَةٌ سوداءُ في قلبِهِ فإذا تابَ ونَزَعَ واسْتَعتَبَ صُقِلَ قلبُهُ وإن زادَ زادَتْ حتّى يُغلقَ قلبُهُ فذلك الرّانُ الذي قال الله تعالى ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فالذنوبُ إذا تتابعتْ على القلوبِ فأغلَقَتْها أتاها حينئذٍ الخَتْمُ مِنَ اللهِ والطبعُ فلا يكونُ للإيمانِ إليها مَسْلَكٌ ولا للكفرِ منها مخلصٌ.

توبوا إلى اللهِ واعزموا في قلوبِكم أنكمْ لَا ترجعونَ إلى معصيتِهِ مِنْ قبلِ الفواتِ فإنَّ الموتَ يأتي بغتَةً قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، استعدوا ليومِ القيامةِ.. ليومِ التغابنِ.. ليومِ الحآقةِ… ليومِ الطآمةِ… ليومِ الصيحةِ… ليومِ الزلزلةِ… ليومِ القارعةِ.. ليومٍ تُنسَفُ فيهِ الجبالُ وتُسَجَّرُ فيهِ البحارُ.. اذكروا ذلكَ اليومَ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾.

وهذا الحديث فيه التذكير لأي واحد فينا بأن باب التوبة مفتوح وإذا صحت بشروطها وأركانها فإنها مقبولة بإذن الله تعالى. فلا ينبغي على المؤمن اليأس من رحمة الله عز وجل. 

فقد روى مسلم عَنْ عُثْمَانَ بنِ عفانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: “مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ“. أي يعتقد أنه لا إله إلا الله ولم ينقضها فلا ينبغي على المؤمن أن يقنَط من رحمة الله وييأس من التوبة بل أن يبقى على تذكر التوبة دائما.

فقد روي أن أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ قالَ: (أَوْصَانِي أَبُو الْجَلْدِ أَنْ أُلَقِّنَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكُنْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَدْ أَخَذَهُ كَرْبُ الْمَوْتِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَا أَبَا الْجَلْدِ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بِهَا أَرْجُو نَجَاةَ نَفْسِي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قُبِضَ).

وجاء عَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ قَالَ: جَلَبْتُ جَلُوبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ ضَيْعَتِي قُلْتُ: لَأَلْقَيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسَمَعَنَّ مِنْهُ، فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ، فَتَبِعْتُهُمْ، حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ نَشَرَ التَّوْرَاةَ يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَنِ ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ، كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ صِفَتِي وَمَخْرَجِي” فَقَالَ بِرَأْسِهِ، أَيْ: لَا. فَقَالَ ابْنُهُ: إِي وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، إِنَّا لَنَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ، صِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَقِيمُوا الْيَهُودِيَّ عَنْ أَخِيكُمْ“. ثُمَّ وَلِيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَفَنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ.

ورُوِيَ عَنْ ثَابِتٍ: أَنَّ غُلَامًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ وَأَبُوهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ. ثُمَّ مَاتَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ  بي مِنَ النَّارِ“.

وقال حَيَّانُ أَبُو النَّضْرِ: قَالَ لِي وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ: قُدْنِي إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ  شَارَفَ عَلَى المَوتِ، فَقَدْتُهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ثَقِيلٌ وَقَدْ وُجِّهَ [إلى القبلة]، وَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، فَنَادَوْهُ، فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا وَاثِلَةُ أَخُوكَ، فَأَبْقَى اللَّهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا سَمِعَ أَنَّ وَاثِلَةَ قَدْ جَاءَ، فَمَدَّ يَدَهُ فَجَعَلَ يَلْمِسُ بِهَا، فَعَرَفْتُ مَا يُرِيدُ، فَأَخَذْتُ كَفَّ وَاثِلَةَ فَجَعَلْتُهَا فِي كَفِّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ وَاثِلَةَ ذَاكَ، لِمَوْضِعِ يَدِ وَاثِلَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَضَعُ مَرَّةً عَلَى صَدْرِهِ، وَمَرَّةً عَلَى وَجْهِهِ، وَمَرَّةً عَلَى فِيهِ. فَقَالَ وَاثِلَةُ: أَمَا تُخْبِرُنِي عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ كَيْفَ ظَنُّكَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: أَغْرَقَتْنِي ذُنُوبٌ، وَأَشْفَيْتُ عَلَى هَلَكَةٍ، وَلَكِنْ أَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ. فَكَبَّرَ وَاثِلَةُ، وَكَبَّرَ أَهْلُ الْبَيْتِ تَكْبِيرَةً. وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ“.

الحديث التاسع عشر

وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبْيشٍ قَال: أَتيْتُ صفْوانَ بْنَ عسَّالٍ رضِي الله عنْهُ أَسْأَلُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابْتغَاءَ الْعِلْمِ، فقَال: إِنَّ الْملائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحتِها لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بمَا يَطلُبُ، فَقلْتُ: إِنَّه حَكَّ في صدْرِي الْمسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ والْبوْلِ، وكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحاب النَّبِيِّ ﷺ، فَجئْت أَسْأَلُكَ: هَلْ سمِعْتَهُ يذْكرُ في ذَلِكَ شيْئًا؟ قَالَ: (نعَمْ كانَ يأْمُرنا إِذَا كُنا سَفْرًا أوْ مُسافِرينَ أَن لا ننْزعَ خفافَنا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيَهنَّ إِلاَّ مِنْ جنَابةٍ، لكِنْ مِنْ غائطٍ وبْولٍ ونْومٍ). فقُلْتُ: هَل سمِعتهُ يذكُر في الْهوى شيْئًا؟ قَالَ: نعمْ كُنَّا مَع رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ، فبيْنا نحنُ عِنْدهُ إِذ نادَاهُ أَعْرابي بصوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحمَّدُ، فأَجَابهُ رسولُ الله ﷺ نحْوا مِنْ صَوْتِه: “هاؤُمُ” فقُلْتُ لهُ: وَيْحَكَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فإِنَّك عِنْد النَّبيِّ ﷺ وقدْ نُهِيت عَنْ هذا، فقال: واللَّه لاَ أَغضُضُ: قَالَ الأَعْرابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوم ولَمَّا يلْحقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “الْمرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“، فَمَا زَالَ يُحدِّثُنَا حتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنَ الْمَغْرب مَسيرةُ عرْضِه أوْ يسِيرُ الرَّاكِبُ في عرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّوَاةِ. قِبَلَ الشَّامِ خلقَهُ اللَّهُ تعالى يوْمَ خَلَقَ السمواتِ والأَرْضَ مفْتوحًا لِلتَّوبةِ لَا يُغلَقُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ، رواه التِّرْمذيُّ وغيرُه وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. 

ترجمة التابعي راوي الحديث وهو زرُّ بنُ حُبَيْشٍ، وترجمة الصحابي صفوانَ بنِ عسَّالٍ. 

هو زِرُّ بنُ حُبَيْشِ بنِ حُبَاشَةَ بنِ أَوْسٍ الأَسَدِيُّ الإِمَامُ، القُدْوَةُ، مُقْرِئُ الكُوْفَةِ، أَبُو مَرْيَمَ الأَسَدِيُّ، الكُوْفِيُّ، وَيُكْنَى أَيْضًا: أَبَا مُطَرِّفٍ، وَهُوَ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامَ لَكِن لَيسَ صَحَابِيًّا.

وَحَدَّثَ عَنْ: عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ، وَعَمَّارٍ، وَالعَبَّاسِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ، وَصَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ. وَقَرَأَ عَلَى: ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَعَلِيٍّ. وَتَصَدَّرَ لِلإِقْرَاءِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ: يَحْيَى بنُ وَثَّابٍ، وَعَاصِمُ بنُ بَهْدَلَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَالأَعْمَشُ، وَغَيْرُهُم. وَحَدَّثُوا عَنْهُ: هُم، وَالمِنْهَالُ بنُ عَمْرٍو، وَعَبْدَةُ بنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو بُرْدَةَ بنُ أَبِي مُوْسَى، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي خَالِدٍ، وَآخَرُوْنَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ. وَقَالَ عَاصِمٌ: كَانَ زِرٌّ مِنْ أَعْرَبِ النَّاسِ، كَانَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ يَسْأَلُهُ عَنِ العَرَبِيَّةِ. وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: وَفَدْتُ إِلَى المَدِيْنَةِ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ الحِرْصُ عَلَى لُقِيِّ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَلَقِيْتُ صَفْوَانَ بنَ عَسَّالٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَغزَوَتُ مَعَهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً. 

وروي عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِي وَفْدٍ مِنْ أَهْلِ الكُوْفَةِ، وَايْمُ اللهِ، إِنْ حَرَّضَنِي عَلَى الوِفَادَةِ إِلاَّ لُقِيُّ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمْتُ المَدِيْنَةَ، أَتَيْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ، فَكَانَا جَلِيْسَيَّ وَصَاحِبَيَّ. فَقَالَ أُبَيٌّ: يَا زِرُّ، مَا تُرِيْدُ أَنْ تَدَعَ مِنَ القُرْآنِ آيَةً إِلاَّ سَأَلْتَنِي عَنْهَا؟ وروي عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: كُنْتُ بِالمَدِيْنَةِ فِي يَوْمِ عِيْدٍ، فَإِذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ضَخْمٌ أَصْلَعُ، كَأَنَّهُ عَلَى دَابَّةٍ مَشْرَفٍ. وَقَالَ زرٌّ: لَزِمْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ، وَأُبَيّاً. قَالَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي خَالِدٍ: رَأَيْتُ زِرَّ بنَ حُبَيْشٍ وَإِنَّ لَحْيَيْهِ لَيَضْطَرِبَانِ مِنَ الكِبَرِ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ عِشْرُوْنَ وَمائَةُ سَنَةٍ. وَعَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَقْرَأَ مِنْ زِرٍّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَاتَ زِرٌّ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ. وقيل: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ.

وروى أبو نعيم أَنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كِتَابًا يَعِظُهُ، وَكَانَ فِي آخِرِهِ: “وَلَا يُطْمِعْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طُولِ الْحَيَاةِ مَا يَظْهَرُ مِنْ صِحَّتِكَ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ، وَاذْكُرْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ:

إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلَادُهَا … وَبَلِيَتْ مِنْ كِبَرٍ أَجْسَادُهَا

وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا … تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا

فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْكِتَابَ بَكَى حَتَّى بَلَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ زِرٌّ.

أَدْرَكَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رِضْوَانَ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَسَمِعَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاقْتَبَسَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ: أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.

أما الصحابي الذي روى هذا الحديث فهو صفوان بن عسَّال، قال ابن حجر العسقلاني: صفوان بن عسال المرادي من بني زاهر بن عامر، له صحبة وقال البغوي سكن الكوفة وقال ابن أبي حاتم كوفي له صحبة مشهور روى عن النبي ﷺ أحاديث، روى عنه زر بن حبيش وعبد الله بن سلمة وغيرهما وذُكِر أنه غزا مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة وقال ابن السكن حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين وفضل العلم والتوبة مشهور من رواية عاصم عن زر عنه رواه أكثر من ثلاثين من الأئمة عن عاصم ورواه عن زر أيضا عدة أنفس. ومن مناقبه أن عبدالله بن مسعود روى عنه وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن الجوزي: روي له عن النبي أحد وعشرون حديثًا.

التعليق والشرح لهذا الحديث: وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبْيشٍ قَال: أَتيْتُ صفْوانَ بْنَ عسَّالٍ رضِي الله عنْهُ أَسْأَلُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (وهذا يُبَيِّنُ أمرًا دَرَجَ عليه الصالحون من هذه الأمة وهو الرحلة في طلب العلم الشرعي والاهتمام بذلك والإنفاق الكثير لطلب الحديث وتلقِّيه سماعًا بإسناد متصل إلى النبي ﷺ.

واستدلوا على ذلك من كتاب الله عز وجل فيما جاء من ذِكرِ رحلة سيدنا موسى عليه السلام للخضر ليتعلم منه وموسى أفضل من الخضر، وفي هذا يُروَى الكثير من القصص عن السلف الصالح وعن الصحابة رضي الله عنهم، فقد رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا، مِنَ الْأَنْصَارِ رَكِبَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ بِمِصْرَ حَتَّى لَقِيَهُ، فَقَالَ لَهُ أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَبَّرَ الْأَنْصَارِيُّ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وجاء عَمْرَو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: أَنَا أَلْزَمُكَ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْكَ إِلَّا ثَلَاثِينَ حَدِيثًا، قَالَ: وَتَسْتَقِلُّ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ‍، لَقَدْ سَارَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَى رَاحِلَةً وَرَكِبَهَا حَتَّى سَأَلَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ عَنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَانْصَرَفَ، وَأَنْتَ تَسْتَقِلُّ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. وقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنْ كُنْتُ لَأَسِيرُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وفي هذا قال عبد الله بن مسعود لزر بن حبيش: (اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا وَلَا تَغْدُ إِمَّعَةً بَيْنَ ذَلِكَ)، واتباع هذا النهج من حال الصحابة والسلف الصالح فيه صلاحنا في هذه الأيام، فلو أن هممَ الناس مصروفة لعلم الدين لما كان حالهم هكذا، ولو أن الذي يطلب العلم يطلبه بطريقه الصحيح بالسند المتصل لما كان حال الناس هكذا، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ فَإِنَّ مِنْ رَفْعِهِ أَنْ يُقْبَضَ أَصْحَابُهُ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعُ وَالتَّنَطُّعُ , وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ (أي بالأمر العتيق القديم الذي كان عليه سلفكم الصالح في تلقي العلم والاعتناء به ونشره), فَإِنَّهُ سَيكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّمَا مَثَلُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ مِثْلُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ إِذَا رَآهَا النَّاسُ اقْتَدُوا بِهَا وَإِذَا عُمِّيَتْ عَلَيْهِمْ تَحَيَّرُوا” وإن العلم هو الذي يرفع صاحبه إذا أخلص وصدق، فقد رُويَ عَنْ أَبِي الْعَالِيةَ قَالَ: كُنْتُ آتِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَرْفَعُنِي عَلَى السَّرِيرِ (وهو مكان عال يجلس عليه مثل عرش الملك) وَقُرَيْشٌ (أي من كان من قريش من المسلمين من غير المتبحرين في العلم) أَسْفَلُ مِنَ السَّرِيرِ، فَتَغَامَزَ بِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: يَرْفَعُ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى السَّرِيرِ فنظر لهم ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا وَيُجْلِسُ الْمَمْلُوكَ عَلَى الْأَسِرَّةِ)، وقال الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبِي فَقَالَ: (يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِيرَاثِكَ عَنْ أَبِيكَ).

ومن عجيب ما ذكره مسلم في الصحيح في كتاب الصلاة فيما بوب عليه في باب المواقيت، روى عن بعض مشايخه يحيى بن أبي كثير رحمه الله قال: لاَ يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. حتى إن الفضلاء والفقهاء ما عرفوا واستغربوا لماذا ذكر مسلم هذه الجملة في هذا الموضع، فإنه أورد أحاديث متعلقة بمواقيت الصلاة وبين هذه الأحاديث يذكر عن يحيى بن أبي كثير قولَه هذا لاَ يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. ما علاقة هذا بالمواقيت. مسلم يأتي بالحديث ويذكر سنده فيه فإذا كان ذلك الحديث له طرق كثيرة يذكرها وإذا كان فيه اختلاف في المتن يذكره في الموضع نفسه حتى إذا انتهى فيما عنده من اختلاف الطرق واختلاف المتون انتقل إلى حديث آخر وهكذا في صحيحه كله، بينما هو يذكر بهذه الطريقة يأتي بقول يحيى بن أبي كثير لاَ يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. ومسلم لم يبين لماذا نقل هذا القول هنا، والسر في هذا أن مسلما رحمه الله عندما استنفذ جهده في هذه الروايات وهذه الأسانيد وسوقها في هذا الموضع وهذا شيء يتطلب حفظا عجيبا جدا وجهدا كبيرا، عندما يقول أخبرنا فلان وحدثنا فلان ويفرق بين أخبرنا وحدثنا ويذكر اختلاف الأسانيد والروايات وهذا يحتاج اطلاعا غزيرا وحفظا ودقة عجيبة، ولما فعل هذا كله أعجبه هذا وترتيبه استحضر قول يحيى بن ابي كثير لاَ يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. يعني إذا أردت أن تدرك هذا فإنه لا ينال بالراحة بل بالتعب والشدة. وَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ الْعِلْمُ إذَا أَعْطَيْته كُلَّك أَعْطَاك بَعْضَهُ‏) فَقالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابْتغَاءَ الْعِلْمِ (وهذا الأمر يحتاج إلى مجاهدة نفس وصبر عظيم وإخلاص، وكان الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: (مَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ ذُلَّ التَّعْلِيمِ سَاعَةً بَقِيَ فِي ذُلِّ الْجَهْلِ أَبَدًا).

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيشُقُّ النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ مَعَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي حَلْقَتِهِ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ تَأْتِي تَتَخَطَّى حَتَّى تَجْلِسَ مَعَ هَذَا الْعَبْدِ (ليس مراده التنقيص من زيد، بل لعل المراد التعجب من فعله) فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: (إِنَّ الْعِلْمَ يُبْتَغَى وَيُؤْتَى وَيُطْلُبُ مِنْ حَيْثُ كَانَ).

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لَا تَتَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ (أي لا يكن قصدك بطلب العلم هذه الثلاثة) وَلَا تَتْرُكْهُ لِثَلَاثٍ (أي لا يمنعك من طلبه هذه الثلاثة): لَا تَتَعَلَّمْ لِتُمَارِي بِهِ، وَلَا تَرَائِي بِهِ، وَلَا تُبَاهِي بِهِ، وَلَا تَتْرُكْهُ حَيَاءً مِنْ طَلَبِهِ، وَلَا زَهَادَةً فِيهِ، وَلَا رِضَاءً بِجَهَالَةٍ).

وكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِذَا قَعَدَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَأَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً فَمَنْ زَرْعَ خَيْرًا يُوشِكْ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا يُوشِكْ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً، وَلِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ، وَالْمُتَّقُونَ سَادَةٌ، وَالْفُقَهَاءُ قَادَةٌ، وَمُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ.اهـ

وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ، وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ وَيُنَوِّرُ الْحِكْمَةَ، كَمَا تُحْيَى الْأَرْضُ بِوَابِلِ الْمَطَرِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعودٍ: مَنْهُوَمَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيزْدَادُ رِضَا الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 7]، وَقَالَ لِلْآخَرِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَعْضَ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا، وروي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، كَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَجْلِسَ فِي مَجْلِسِ فِقْهٍ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ وَقِيَامِ لَيْلَةٍ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: لَوْ قِيلَ لَكَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِكَ إِلَّا يَوْمٌ مَا كُنْتَ صَانِعًا؟، قَالَ: كُنْتُ أُعَلِّمُ النَّاسَ) فقَال: إِنَّ الْملائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحتِها لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بمَا يَطلُبُ (وهذا يبين فضل ودرجة طالب العلم إذا كان مخلصا لله عز وجل، وروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدٍ: أَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ، فَقَالَ: “كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَا هَؤُلَاءِ فَيَدْعَوْنَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلَّمُونَهُ الْجَاهِلَ، فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا“، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ.

وجاء عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَغْدُو فِي طَلَبِ عِلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ جَاهِلًا أَوْ فِي إِحْيَاءِ سُنَّةٍ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرَسَ (أي تذهب وتزول) إِلَّا كَانَ كَالْغَازِي الرَّابِحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ“.

ورُوِيَ  أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا جَاءَتْ بِكَ حَاجَةٌ وَلَا جِئْتَ فِي طَلَبِ التِّجَارَةِ وَلَا جِئْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَبْشِرْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَخْرُجِ يَطْلُبُ عِلْمًا إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا وَسُلِكَ بِهِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ،  وَمَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةٌ لَا تُجْبَرُ، وَثَلْمَةٌ لَا تُسَدُّ، وَنَجْمٌ طُمِسَ وَمَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ“.

وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ أنَّهُمَا قَالَا: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ نتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعٍ، وَقَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ طَالِبَ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ“.

ورُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنَّه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “الْعِلْمُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ” (وهذا يدل على أهمية علم التوحيد خاصة) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “الْعِلْمُ بِاللَّهِ” قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْأَلُكَ عَنِ الْعَمَلِ وَتُخْبِرُنِي عَنِ الْعِلْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ يَنْفَعُ مَعَ الْعِلْمِ وَإِنَّ كَثِيرَ الْعَمَلِ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهْلِ“.

وروي عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: (حَجَجْتُ مَعَ أَبِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَلِيَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فَإِذَا شَيْخٌ قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لِأَبِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَقُلْتُ لِأَبِي: فَأَيُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ؟ قَالَ: أَحَادِيثُ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لِأَبِي: قَدِّمْنِي إِلَيْهِ حَتَّى أَسْمَعَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيَّ وَجَعَلَ يُفَرِّجُ النَّاسَ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مِنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ“، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ غَدَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَبُورِكَ لَهُ فِي مَعِيشَتِهِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْ رِزْقِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ مُبَارَكًا“.

وروي عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعيِّ قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تُوضَعُ حَسَنَاتُ الرَّجُلِ فِي كِفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَتَشِيلُ حَسَنَاتُهُ فَإِذَا يَئِسَ وَظَنَّ أَنَّهَا النَّارُ جَاءَ شَيْءٌ مِنَ السَّحَابِ حَتَّى يَقَعَ فِي حَسَنَاتِهِ فَتَشِيلُ سَيِّئَاتُهُ قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا مِنْ عَمَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيُقَالُ: هَذَا مَا عَلَّمْتَ النَّاسَ مِنَ الْخَيْرِ فَعُمِلَ بِهِ مِنْ بَعْدِكَ).

وجاء عن أَحْمَدَ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: (رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: إِلَامَ صِرْتَ؟ قَالَ: غُفِرَ لِي ثُمَّ قِيلَ لِي: لَمْ نَجْعَلْ هَذَا الْعِلْمَ فِيكَ إِلَّا وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَغْفِرَ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فَعَلَ أَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ قُلْتُ: وَأَبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ).

وَيُنْسَبُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ شَعْرِهِ أَنَّهُ قالَ: 

النَّاسُ فِي جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ … أَبُوهُمُ آدَمٌ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ

نَفْسٌ كَنَفْسٍ وَأَرْوَاحٌ مُشَاكِلَةٌ … وَأَعْظُمٌ خُلِقَتْ فِيهِمْ وَأَعْضَاءُ

فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ أَصْلِهِمْ حَسَبٌ … يُفَاخِرُونَ بِهِ فَالطِّينُ وَالْمَاءُ

مَا الْفَضْلُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ … عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ

وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ … وَلِلرِّجَالِ عَلَى الْأَفْعَالِ أَسْمَاءُ

وَضِدُّ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ … وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ

وكان معاذ بن جبل يقول قبل وفاته: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لِكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَلَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ وَلَكِنْ كُنْتُ أُحِبُّ الْبَقَاءَ لِمُكَابَدَةِ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ وَلِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَلِمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ.

وقال البيهقي: وَالْعِلْمُ إِذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ عِلْمُ الدِّينِ، فانظروا إلى أهمية علم الدين الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم فرحا به.

((بعض الملائكة ينتقل من السماء السابعة للأرض التي نحن عليها بطرفة عين، أعطاهم الله قوة عجيبة ومكَّنهم من ذلك، ومع ذلك تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم أي يسيرون بسيره تواضعا معه وتعظيما لفعله، وما هذا إلا لشأن طالب العلم، وهم راضون عن فعله.

فَقلْتُ (أي زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ): إِنَّه حَكَّ (يُقَالُ حَكَّ الشَّيْءُ فِي نفْسي: إِذَا لَمْ تَكُنْ مُنْشرح الصَّدر بِهِ) في صدْرِي (أي في قلبي، وذكر الصدرَ وأراد القلب، وهذا وارد في لغة العرب أحيانا يذكرون الكل ويريدون الجزء وأحيانا يذكرون الجزء ويريدون الكل، كمن يقول أريد أن أطلب يد فلانة للزواج وهو يريدها كلَّها وليس يدَها فقط) الْمسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ (وقال الفقهاء يجوز بالإجماع مَسْحُ الْخُفِّ إِذَا كَمُلَتْ شُرُوطُهُ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا وأَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ بِلا نَعْلٍ لِحَاجَاتِ الْمُسَافِرِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتَّرْحَالِ وَأَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مَانِعًا لِنُفُوذِ الْمَاءِ. ويبطل المسح على الخفين بثلاثة أشياء بخلعهما وانقضاء المدة وما يوجب الغسل) بَعْدَ الْغَائِطِ (الغَوْط: عُمق الْأَرْضِ الأبْعَد، وَمِنْهُ قِيلَ للمطْمِئنّ مِنَ الْأَرْضِ: غَائِط. وَمِنْهُ قِيلَ لموْضِع قَضاء الْحَاجَةِ: الغَائِط، لأنَّ الْعَادَةَ أنَّ الْحَاجَةَ تُقْضَى فِي المنْخَفِض مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ هُوَ أسْتَر لَهُ، ثُمَّ اتُّسِع فِيهِ حَتَّى صَارَ يُطْلَق عَلَى النَّجْو نَفْسِه، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «الغَائِط» فِي الْحَدِيثِ بمَعنى الحَدَث وَالْمَكَانِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّ رجُلا جَاءَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لأهْل الغَائِط يُحْسِنُوا مُخَالطَتِي)، أَرَادَ أهْلَ الْوَادِي الَّذِي كَانَ يَنْزِلُه) والْبوْلِ (وحاصل معنى سؤال زرِّ بنِ حبيش أنه يريد أن يعرف حكم الشخص إذا أخرج البول أو الغائط ويريد أن يتوضأ بعدها ويمسح على الخفين)، وكُنْتَ امْرَأً (أي شخصا) مِنْ أَصْحاب النَّبِيِّ ﷺ (والصحابي هو كُلُّ مَن اجتَمَع بالنَّبِيِّ ﷺ مؤمِنًا به ومات على ذلك)، فَجئْتُ أَسْأَلُكَ (طَلَبًا للعلم وبحثًا عن علو السند، فإن علو السَّنَد من الدِّين كما قال أحمد بن حنبل) هَلْ سمِعْتَهُ (أي النبي ﷺ) يَذْكُرُ في ذَلِكَ شيْئًا؟ (أي فيما سألتُك عنه من أمر المسح على الخفين بعد البول والغائط) قَالَ: نعَمْ كانَ يأْمُرنا إِذَا كُنا سَفْرًا أوْ مُسافِرينَ (الشك من الراوي، السَّفْرُ: جمعُ سَافِرٍ، كَصَاحِبٍ وصَحْب. والْمُسَافِرُونَ جمعُ مُسَافِرٍ. والسَّفْرُ والْمُسَافِرُونَ بِمَعْنًى، ويُجْمَعُ السَّفْرُ عَلَى أَسْفَارٍ،) أَن لا ننْزعَ (أَيْ: يَنْهَانَا عَنِ النَّزْعِ، وَهُوَ مَا استَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ) خفَافَنا (بِكَسْرِ الْخَاءِ جَمْعُ خُفٍّ، يَعْنِي: أَنْ نَمْسَحَ عَلَيْهَا) ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيَهنَّ (اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا مِنْ حَدَثٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُغْتَسِلِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّزْعُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ مُؤْذِنًا بِإِثْبَاتِ النَّزْعِ مِنْهَا اسْتَدْرَكَهُ بِالْأَحْدَاثِ الَّتِي لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا النَّزْعُ لِيُعْلَمَ اخْتِصَاصُ وُجُوبِ النَّزْعِ بِالْجَنَابَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْحَدَثِ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ،) إِلَّا مِنْ جنَابةٍ (قال ابن علان: وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس؛ فيلزمه نزعه، وفارق الحدثُ الأكبرُ الأصغَرَ بأنه لا يتكرر تَكَرُّرَهُ فلا يَشُقُّ النزع فيه) (وسمي الجنب جنبا لأنه يُجَنَّبُ بعضَ الطاعات وهو جنب قبل أن يغتسل، وليس معناه أنه يكون نجسا أو أنه يحرم عليه الخروج من بيته وهو جنب إذا لم يُضِعِ الصلوات ولم يأت بما يحرم على الجنب أن يأتيه، والذي يوجب الغسل إنما يوجبه مع إرادة القيام إلى الصلاة ونحوها، أمّا مجرد حصول أحدها فلا يوجب الغسل على الفورية، فلو أجنب الشخص بعد طلوع الشمس فلا يجب عليه أن يغتسل فورًا بل له قبل أن يغتسل أن يذهب لقضاء حاجاته ثم يرجع وقد بقي من الوقت ما يسع الطهارة والصلاة فيغتسل ويصلي الفرض، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سلمة أنه قال: سألتُ عائشة أكان النبيّ ﷺ يرقد (أي ينام) وهو جنب؟ قالت: “نعم ويتوضأ”. وأمّا ما شاع عند بعض العوام من أن الجنب إذا خرج قبل أن يغتسل تلعنه كل شعرة من جسمه فهو كذب وهو خلاف الدين. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه قال : لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت فأتيت الرَّحْلَ (أي المأوى الذي يأوي إليه أبو هريرة) فاغتسلت ثم جئت (أي رجع إلى الرسول ﷺ) وهو قاعد فقال: “أَينَ كُنتَ يَا أَبَا هِرٍّ” فقلت له (أي أنه كان جنبًا فتركه لذلك) فقال : “سُبحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤمِنَ لَا يَنجُسُ“، فتبين من ذلك فساد كلامهم)، لكِنْ (قيل: فالتقدير أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفْرًا أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها) مِنْ غائطٍ (تَقْدِيرُهُ: فَنَحْنُ نَنْزِعُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُ مِنْ غَائِطٍ) وبْولٍ ونْومٍ (الْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى ” أَوْ ” يَعْنِي: بَلْ نَتَوَضَّأُ، وَنَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ أَحَدِهَا، وَيُرْوَى: ” لَا مِنْ جَنَابَةٍ ” وَهُوَ أَظْهَرُ، أَيْ: يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ مِنْ حَدَثٍ لَا مِنْ جَنَابَةٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَكِنْ مُفَادُهَا مُخَالَفَةُ مَا قَبْلَهَا مَا بَعْدَهَا، نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا، فَالتَّقْدِيرُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ نَنْزِعَ خِفَافَنَا مِنَ الْجَنَابَةِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُهَا فِيهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَغَيْرِهَا). فقُلْتُ (أي زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ): هَل سمِعتهُ يذكُر في الْهوى شيْئًا؟ (أي في الحُبِّ، وتطلق كلمة أهل الأهواء ويراد بها أهل الفتن والشرور، والأهواء جَمْعُ هَوًى مَقْصُورٌ وَهُوَ الْمَيْلُ إلَى الشَّهَوَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّات مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَالْمُرَادُ الْمُبْتَدِعُونَ الْمَائِلُونَ إلَى مَا يَهْوَونَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ، ورَوَى أَحمَد أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: “وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ“، (تَتَجَارَى): بِالتَّاءَيْنِ أَيْ تَدْخُلُ وَتَجْرِي وَتَسْرِي (بِهِمْ)، أَيْ: فِي مَفَاصِلِهِمْ (تِلْكَ الْأَهْوَاءُ): جَمْعُ هَوًى وَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْبِدْعَةُ، فَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ هَوَى الرَّجُلِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى إِبْدَاعِ الرَّأْيِ الْفَاسِدِ أَوِ الْعَمَلِ بِهِ، وَذِكْرُ الْأَهْوَاءِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْهَوَى وَأَصْنَافِ الْبِدَعِ (كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ): بِفَتْحَتَيْنِ دَاءٌ مَخُوفٌ يَحْصُلُ مِنْ عَضِّ الْكَلْبِ الْمَجْنُونِ وَيَتَفَرَّقُ أَثَرُهُ (بِصَاحِبِهِ)، أَيْ: مَعَ صَاحِبِهِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، أَيْ: مِثْلُ جَرْيِ الْكَلَبِ فِي الْعُرُوقِ (لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ). فَكَذَلِكَ تَدْخُلُ الْبِدَعُ فِيهِمْ وَتُؤَثِّرُ فِي أَعْضَائِهِمْ، قِيلَ: الْكَلَبُ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ، والكَلِبِ أَيْ الْمَكْلُوبِ، وَهُوَ الْمَجْنُونُ فَيُصِيبُهُ شِبْهُ الْجُنُونِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا، وَأَجْمَعَتِ الْعَرَبُ أَنَّ دَوَاءَهُ قَطْرَةٌ مِنْ دَمٍ يُخْلَطُ بِمَاءٍ فَيُسْقَاهُ. وروى أحمد وأبو داود عن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبيِّ ﷺ، قال: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»، أي اتباع الأهواء الفاسدة يعمي عن طريق الحق والرشد ويصم عن استماع الحق.) قَالَ: نعمْ كُنَّا مَع رسولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فبيْنا نحنُ عِنْدهُ إِذ نادَاهُ أَعْرابي (أي من أهل البادية، وهؤلاء يغلب فيهم الجفاء والغلظة، قال النووي: أَهْلُ الْبَادِيَةِ هُمُ الْأَعْرَابُ وَيَغْلِبُ فِيهِمُ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: “مَنْ بَدَا جَفَا”، وَالْبَادِيَةُ وَالْبَدْوُ بِمَعْنًى وَهُوَ مَا عَدَا الْحَاضِرَةَ وَالْعُمْرَانَ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بَدَوَيٌّ وَالبَدَاوَةُ الْإِقَامَةُ بِالْبَادِيَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ قال القرطبي: وَالْعَرَبُ: جِيلٌ مِنَ النَّاسِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمْ عَرَبِيٌّ بَيِّنُ الْعُرُوبَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْأَمْصَار، وَجَمْعُ الْعَرَبِيِّ الْعَرَبُ وَجَمْعُ الْأَعْرَابِيِّ أَعْرَابٌ وَأَعَارِيبُ. وَالْأَعْرَابِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا عَرَبِيُّ فَرِحَ وَالْعَرَبِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا أَعْرَابِيُّ غَضِبَ. وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَرَبٌ لَا أَعْرَابٌ. وَسُمِّيَتِ الْعَرَبُ عَرَبًا لِأَنَّ وَلَدَ إسماعيل نشئوا مِنْ عَرَبَةٍ وَهِيَ مِنْ تِهَامَةَ فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. وَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ بِعَرَبَةَ وَهِيَ مَكَّةُ وَانْتَشَرَ سَائِرُ العرب في جزيرتها.اهـ 

وهنا ينبغي التنبيه إلى أنه لا يجوز ذمُّ العرب على الإطلاق كما يقول البعض: العرب جرب. والعياذ بالله. فإن هذا اللفظَ فيه إطلاق في ذم العرب كلِّهم ولا يخفى أنه يوجد أنبياء من العرب وهم أربعة.) بصوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ (يُقَالُ: جَهَرَ بِالْقَوْلِ: إِذَا رَفَعَ بِهِ صَوْتَه فَهُوَ جَهِير.): يَا مُحمَّدُ (لعله قبل تحريم ندائه باسمه، أو لم يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة، أما نداؤه في غيبته بقول يا محمد فليس فيه ضرر ولا منهي عنه، لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ علَّمَ الرجل الأعمى أن يتوسل إلى الله في دعائه بمحمد ﷺ بقوله: “اللهُم إني أسألُكَ وأتَوجهُ إلَيكَ بِنَبيكَ مُحَمد ﷺ نَبِي الرَّحْمَةِ، يا محمد إني تَوَجَّهْتُ بكَ إلى رَبي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي“، وقال ابنُ عَلَّان في شرح الأذكار للنووي: قوله: (أتَوجَّهُ بِكَ) أي بذاتك والباء فيه للاستعانة. وثبت فيما رواه البخاري في الأدب المفرد أن عبد الله بن عمر قال عندما خدرت رجله: (يا محمد)، وقال بعض الفقهاء:

(بِكَ يَستَجِيرُ العَبدُ مِن هَفَوَاتِهِ

يَا وَاحِدًا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ
وَإِلَيكَ يَرفَعُ رَاحَةً مَا مَدَّهَا

لِسِوَاكَ يَا مَولَايَ فِي حَاجَاتِهِ
مُتَوَسِّلًا بِمُحَمَّدٍ خَيرِ الوَرَى

وَمَلَاذِهِم بِحَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ
وَبِبَابِهِ السَّامِي أَبِي الحَسَنَينِ مَن

نَفَعَ الأَنَامَ بِبَثِّ مَعلُومَاتِهِ
وَبِنَجلِهِ الحَسَنِ الكَرِيمِ وَصنوِهِ

هُوَ سَيِّدُ الشَّهَدَاءِ فِي دَرَجَاتِهِ))

فأَجَابهُ رسولُ الله ﷺ نَحْوا مِنْ صَوْتِه: “هاؤُمُ” (هَاؤُمْ: بمعْنَى تَعَالَ، وَبِمَعْنَى خُذْ. وَيُقَالُ للجماعة، كقوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. وَإِنَّمَا رَفَع صَوْتَه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ طَريق الشَّفَقَة عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَحْبَطَ عَمَلُه، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فَعَذَره لِجَهْله، ورَفَع النَّبيُّ ﷺ صَوْتَه حَتَّى كَانَ مِثْلَ صَوْتِه أَوْ فَوْقَه، لِفَرْطِ رأفَتِهِ بِهِ.) فقُلْتُ لهُ: وَيْحَكَ (وَيْحَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَقَدْ يُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ وَهَى مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَدْ يُرْفَعُ، وَيُضَافُ، وَلَا يُضَافُ، يُقَالُ وَيْحَ زَيْدٍ، وَوَيْحًا لَهُ، وَوَيْحٌ لَهُ) اغْضُضْ (أي اخفض) مِنْ صَوْتِكَ فإِنَّك عِنْد النَّبيِّ ﷺ وقدْ نُهِيت عَنْ هذا (وهذا من تعظيم النبي ﷺ المأمورِ به في الشرع، قال القاضي عياض في الشفا: قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وسَدَّدَهُ: لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ وخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ، مِنْهَا مَا أَبْرَزَهُ لِلْعَيَانِ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخلَاقِ الْحمِيدَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ البَيِّنَةِ: الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَى انْتَهَى عِلْمُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا وَلْيُعْلَمْ أَنَّ فِي كتابِ اللهِ العزيزِ آياتٍ كثيرةً مفصحةً بجميل ذكر الْمُصْطَفَى ﷺ وَعَدِّ مَحَاسِنِهِ وَتَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَتَنْوِيهِ قَدْرِهِ، اعْتَمَدْنَا مِنْهَا عَلَى مَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ وَبَانَ فَحْوَاهُ)، فقال: واللَّه لاَ أَغضُضُ: قَالَ الأَعْرابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوم (أي يحب القوم الصالحين) ولَمَّا يلْحقْ بِهِمْ؟ (لقلة عمله مقارنة بهم ولأن أعماله لم تصل لرتبة أعمالهم ولاإخلاصه يصل لدرجة إخلاصهم) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “الْمرْءُ مَعَ منْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيامةِ” (نسأل الله أن يجمعنا بنبينا محمد ﷺ في جنات النعيم فإننا نحبه ونرجو الله أن نحشر تحت رايته يوم القيامة، فهنيئا لمن أحبه وتمسك بهديه ونصر دينه ودعوته فهو الذي أمضى عُمُرَهُ يدعُو إلى هذا الدِّين وهذه العقيدة وهذا التوحيد وبعد ذلك يُقَصِّرُ مَن قَصَّرَ وَيَتَخَلَّفُ مَن تَخَلَّفَ ولكن أفلح من أفلح بالاقتداء به ﷺ، وبحبه عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل أمرنا بحبه وجعل حبه فرضا على المسلمين ومن أبغضه فقد فارق الدين وحاد عن سبيل المرسلين، وجعل الله عز وجل حب محمد ﷺ موصلا إلى محبته وقد قال تعالى مرشدا ومبينا لعباده كيف تكون وكيف تتحقق محبتهم لخالقهم عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي قل يا محمد يا أشرف الخلق إن كنتم تقصدون محبة الله تعالى وطاعتَه فاتبعوني فيما جئتُكُم به من عند الله وافعلوا ما آمركم به. ويكون حُسنُ المتابعة بأداء ما أوجب واجتناب ما حرم، فالعبد التقي هو الذي يطيع ربه وهذه علامة المحبة الصادقة، يقول ذو النون المصري: (من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله (أي سيدنا محمد ﷺ) في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه). وإن من كان صادقا في حبه لله ورسوله ﷺ وكان اتباعه للنبي المصطفى ﷺ اتباعا كاملا وجد حلاوة ولذة الإيمان في قلبه وكان من أولياء الله وأحبابه الصالحين، وعن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عن النبي ﷺ قال: “ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيَمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ للَّهِ، وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والمحب الصادق من شأنه وحاله أن لا يخالف حبيبه ومحبوبه كما قالت العارفة بالله السيدة الجليلة رابعة العدوية رضي الله عنه

تَعصِي الإِلَهَ وَأَنتَ تَزعُمُ حُبَّهُ *** هَذَا لَعَمرِي فِي الفِعَالِ شَنِيعُ

لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعتَهُ *** إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

وإن من شأن المحب لله تعالى ولرسوله ﷺ أن يكون لسانه دائما رطبا بذكر الله عز وجل والصلاة على نبيه ﷺ فتعلُّق قلبِه بهذا وأُنسُه بهذا وهُيَامُه بهذا وقلبُه منقَطِعٌ عن عوالِقِ الدنيا الفانِيَةِ الزائِلَةِ لا يأنَسُ إلا بِذِكر اللهِ وذكر نبيه ﷺ، فتهُونُ العبادَةُ على قلبِهِ ويسهُلُ القيامُ والصِّيامُ والطاعَةُ ومُواصَلَةُ العِبادَةِ لرَبِّهِ عزَّ وجَلَّ في قَلبِه وعلى جَوارِحِه، وقد قِيل:

بِذِكرِ اللهِ تَرتَاحُ القُلُوبُ *** وَدُنيَانَا بِذِكرَاهُ تَطِيبُ

فمحبةُ الله عز وجل ومحبةُ نبيِّه الكرِيمِ ﷺ ما جاوَرَت قلبَ عبدٍ إلا أفلَحَ بإِذن الله) فَمَا زَالَ يُحدِّثُنَا (إن كان من كلام صفوان كما هو الظاهر فالمحدِّثُ لهم النَّبيُّ، وإن كان من كلام زِرٍّ فهو صفوَانُ) حتَّى ذَكَرَ بَابًا مِنَ الْمَغْرب (والروايةُ التي فِي التِّرمِذِيِّ وغيرِه لهذَا الحديثِ في هذا الموضع: (من قِبَلِ المغرب)، أي من جهة المغرب، والمغرب هو غروب الشمس) مَسيرةُ عرْضِه (أي بين طرفيه) أوْ يسِيرُ الرَّاكِبُ في عرْضِهِ (والشك من الراوي) أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ سُفْيانُ (أي سفيان بنُ عيينة) أَحدُ الرُّوَاةِ: قِبَلَ الشَّامِ (وقال أهلُ الأَثَرِ: سُمِّيَت بذَلِك لأنَّ قومًا من كنعَانَ بنِ حَامٍ خرجُوا عند التفرِيقِ فَتَشَاءَمُوا إِلَيهَا أي أخذوا ذات الشِمَالِ فسُمِّيَت بالشَّامِ لذلِكَ، وقال آخرون من أهل الأثر منهم الشَّرقِيُّ: سُمِّيَت الشامُ بِسَامِ بنِ نُوحٍ عليه السلام، وذلِكَ أنّه أوَّل من نَزَلها فجُعِلَت السِّينُ شِينًا لتغيُّر اللَّفظِ العجَمِي، وقال ياقوت الحموي: وأمّا حدُّها فَمِن الفُرَات إلى العَرِيشِ المُتَاخِمِ لِلدِّيَارِ المِصرِيَّةِ، وأمّا عَرضُهَا فمن جَبَلي طَيِّءٍ من نَحوِ القِبلَةِ إلى بَحرِ الرُّومِ) خلقَهُ اللهُ تعالى يوْمَ خَلَقَ السمواتِ والأَرْضَ (ومطلوب منا التفكر في مخلوقات الله عز وجل لإثبات خَالِقِيَّةِ اللهِ تعالى وَتَنَزُّهِهِ عن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، قالَ أبُو العَتَاهِيَةِ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمَانِ: 

فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَىَ الإِلَهُ *** أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ

وَفِي كُلِّ تَحْرِيْكَةٍ آيَةٌ *** وَفِي كُلِّ تَسْكِيْنَةٍ شَاهِدُ

وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ ءَايَةٌ *** تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

هلْ تَفَكَّرتَ فِي عَظَمَةِ اللهِ سبحانَه وتعالى؟ إذا سَكنَ الليلُ وعمَّ الظلامُ، وهدأتِ العيونُ وغارتِ النجومُ أذكرْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، وهلْ تأملتَ إذا بَزغَ الفجرُ وسطعَ الضياءُ كاشفًا عَتمَةَ الليلِ وأشرقتِ الشمسُ فَمَلَأَتِ الأُفُقَ ضِياءً ونُورًا، عندَها قِفْ وتَفَكَّرْ فِي عَظَمَةِ اللهِ الخالقِ العظيمِ وقُدرَتِه وعَظِيمِ فَضلِه وكَرَمِه وكَثرَةِ نَعمَائِهِ على النَّاسِ قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ تفكَّرْ فِي هَذَا وقُلْ سُبحَانَ اللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، سُبحَانَ اللهِ الخالقِ العظيمِ، أيِ اللهُ منزهٌ عنْ كلِّ نَقصٍ وَعَيبٍ كالشَّبِيهِ والمثيلِ والولدِ والحدِّ والمكانِ والصورةِ والشكلِ تعالى اللهُ عنْ ذلك كلِّه وتنزَّهَ، واللهُ أعظمُ مِنْ كلِّ عظيمٍ في القدرِ والجلالِ وهوَ الخالقُ وحدَه الموجِدُ للأشياءِ مِنَ العدمِ جلَّ جلالُه. وإذا مَا رأيتَ الجبالَ الشاهقةَ الشامخةَ الراسيةَ الثابتةَ تذكرْ عظمةَ اللهِ تعالى كيفَ نَصَبَها ورَفَعَها وأمسَكَهَا بقدرَتِه وجعلَ فيها الفوائدَ ومَكَّنَ الإنسانَ مِنَ الصعودِ والنزولِ عليها قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾. وإذا رأيتَ خليةَ النحلِ ودقةَ ونظامَ ما فيها مِنْ عجيبِ قدرةِ اللهِ تعالى تَعْجَبُ وتحتارُ في عظيمِ صنعِ اللهِ تعالى كيفَ أُلْهِمَتْ بناءَ خلِيَّتِها بطريقةٍ مذهلةٍ مِنَ الهندسةِ والنظافةِ والحفظِ للعسلِ وكلُّ ذلكَ مُسَخَّرٌ للبَشَرِ، وانظُرْ في مجموعاتِ النملِ وأنواعِها وما خلقَ اللهُ فيها مِنَ الأعضاءِ الصغيرةِ ومِنْ حَمْلِ غذائِها وبناءِ بيوتاتِها وادِّخَارِ الحبوبِ فيها بطريقةٍ فيها العَجَبُ، ثُم انظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وهيَ مَرفُوعَةٌ فوقَنا تحمِلُ ما فيها مِنْ مخلوقاتٍ مِنَ الملائكةِ الكرامِ سكانِ السماواتِ وغيرِهم، وتأمَّلِ النجومَ وزينَتَها وكثرَتَها وضَوْئَها، ثُمَّ الشمسَ وحُسنَها وجَمَالَها مَعَ شِدَّةِ حَرَراتِها، واذكُرْ عظيمَ نفعِها وفوائِدَها، والكواكبَ وروعَتَها، والبدرَ وإِشرَاقَه واكتِمَالَه واضمِحلَالَهُ ومَنَازِلَه وَتَحَوُّلَه مِنْ مكانٍ لِمَكانٍ ومِنْ شكلٍ لآخرَ وارتباطَ الناسِ بهِ بالشهورِ والمواقيتِ وغيرِها، والفضاءَ الفسيحَ الواسعَ برحابَتِه، سَتَرَى جَمَالًا وحُسنًا مُبهِرًا مُدهِشًا يَتَوَقَّفُ عِندَهُ أُولُو الألبَابِ والعُقُولِ النَّيِّرَةِ مُتَفَكِّرِينَ مُتَبَصِّرِينَ مُستَذكِرِينَ عَظَمَةَ الخَالِقِ العَظِيمِ لَا إلَه إلَّا هَو خالقُ كلِّ شىءٍ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، بلِ انظرْ إلى نفسكَ التي بينَ جَنبَيكَ وما جعلَ اللهُ فيها مِنَ العجبِ العُجابِ سُبحانَ مَنْ خَلقكَ، وعلى مَا شَاءَ جَعلَ شَكلكَ وهيئَتَكَ، وأَسْمَعَكَ وَأَبْصَرَكَ وَأَضْحَكَكَ وَأَبْكَاكَ وَأَضْعَفَكَ وَقَوَّاكَ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾) مفْتوحًا لِلتَّوبةِ (قال بعض الوُعَّاظِ عن حَالِ التَّائِبِ والمُذنِبِ: فَإِذا رأى الْمِسْكِينُ الَّذِي عَمِلَ السُّوءَ وَقد أحاطت بِهِ الكُروبُ وتَرَادَفَت عَلَيْهِ الهُمُوم والخُطُوب واسوَدَّ وَجهُه من ظُلُمَات الذُّنُوب وَرَأى الَّذِين تَابُوا من إخوانِه وَأَهلِه وَأَصْحَابِه وجيرانِه قد فازُوا بِالْمُلكِ الْكَبِيرِ والحِسابِ الْيَسِيرِ ولِبَاسِ السُّندُسِ وَالْحَرِيرِ وَالنَّظَر إِلَى نَعِيمِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ وَرَأى نَفسَه قد خَسِرَ وخَاب وَحُرِمَ الثَّوَابَ ونُوقِشَ الْحِسَابَ وَصَارَ إِلَى أَلِيمِ الْعَذَابِ يَوَدُّ لَو كَانَ تَائِبًا وَلم يكُن مِنَ الرَّحْمَةِ خَائِبًا يَوَدُّ لَو كَانَ السُّوءُ عَنهُ بَعيدًا وَلم يَكُن حَاضِرًا عَتِيدًا وَلم يكن الْعَذَابُ عَلَيْهِ شَدِيدًا يود لَو كَانَ من التَّائِبِينَ وَلم يكن مِن المحرومِينَ يودُّ لَو كَانَ من الْآمنينَ وَلَم يكُن من الْمُخَالِفِين يَوَدُّ لَو كَانَ من الطائعين وَلم يكن من العاصين يود لَو كَانَ من الْمُحْسِنِينَ وَلم يكن من الظَّالِمين يود لَو كَانَ من أهل الْجنان وَلم يكن من أهل النيرَان يود لَو كَانَ من أهل الثَّوَاب وَلم يكن من أهل الْعقَاب يود لَو كَانَ من أهل النَّعيم وَلم يكن من أهل الْجَحِيم يود لَو كَانَ من الْأَوْلِيَاء وَلم يكن من الأشقياء يود لَو كَانَ من أهل الْوِفَاق وَلم يكن من أهل النِّفَاق يَوَدُّ لَو كَانَ من أهل الْفَوْز بِالْجنَّةِ وَلم يكن من أهل الْعَذَاب والمِحنَةِ يود لَو كَانَ سَعِيدًا رَشِيدًا وَلم يكن عَن رحمةِ الله بَعيدًا لَا أبعدنا الله وَإِيَّاكُم من رَحمته وقّرَّبَنَا وَإِيَّاكُم بِالفَوزِ بِجَنَّتِه) لَا يُغلَقُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. (وقد وردَ في حدِيثِه ﷺ: “ولا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فإذا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ العَمَلَ“. إذًا فينبغي على العاقل أن يتفطَّنَ لذلك ويُجَدِّد التوبَةَ لله عز وجل فلا يَستَرسِلَ للمَعَاصِي ولا يُؤَخِّرَ التَّوبَةَ، فقد روى البخاري في الصحيح مرفوعًا: “مَن كَانَ لِأَخِيهِ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرضٍ أو مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ اليَومَ قَبلَ أَن لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرهَمٌ“. معناه من كان ءاذى أخاهُ من كان لأخيه عليه الحق من حيثُ العِرض أو من حيثُ المال، من حيثُ العِرض يعني مثلاً سبهُ أهانهُ هنا يكون نالهُ في عِرضِهِ، من حيثُ المال أكل مالهُ بغيرِ حق “مَن كَانَ لِأَخِيهِ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرضٍ أو مَالٍ فَلْيَسْتَحِلَّهُ اليَومَ قَبلَ أَن لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرهَمٌ” الآن في الدنيا هو قادر أن يسترضيَهُ بالمال أما في الآخرة إن لم يخرج من هذه المظلمة أَخذُ الحق للمظلوم لا يكون بالدِّينَارِ والدرهم إنما في الآخرة يؤخذُ من حسنات الظالم فيُعطَى للمظلوم، إن لم تكفِ حسناتُهُ يؤخذُ من سيئات المظلوم فتُطرحُ على الظالم. وبعضُ الناس الله يُوفي عنهُم من خزائِنِهِ. اهـ.)