خاتمة لباب الإخلاص والتحذير من الرياء ولماذا ذكر النووي رحمه الله تعالى بعده باب التوبة
فَلِعِظَمِ ذنب الرياءِ وعِظَمِ فضلِ الإخلاص وأهميتِه بدأ النووي كتابه بذكره، وبعد أن يَعرِفَ طالب العلم أهمية الإخلاص، ذكر له باب التوبة لِيُذَكِّرَهُ أنَّه لو كان في قلبك شيء من هذه الأدران اتركها وأَخْلِصْ لربك عز وجل.
فاللَّهُ تَعَالَى يقول: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، «سمي الرياءُ الشركَ الأصغر فهو غير مخرِجٍ من الملة ولكنه من الكبائر فالمرائي يُشرِكُ في نيته مع الله غيره». وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ طَلَبِ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ“.
وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رَقَائِقِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ وَحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَإِذَا قَرَءُوهُ قَالُوا مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا” ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: “هَلْ تَرَوْنَ فِي أُولَئِكُمْ مِنْ خَيْرٍ” قَالُوا: لَا. قَالَ: “أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ“.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى به وجه الله لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“. يَعْنِي رِيحَهَا.
ومعنى قوله: “لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” أنه يستحق العذاب يوم القيامة وليس معناه أنه بالرياء فقط يكون كافرا.
فَيَجِبُ عَلَى حَامِلِ الْقُرْآنِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَيُخْلِصَ العمل لله، فإن كان تقدم له شي مما يكره فليبادر بالتوبة والإنابة، وليخلصْ في عمله.
وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَنزَلَ اللهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ- أَوْ أَوْحَى- إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ: قُلْ لِلَّذِينِ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيرِ العَمَلِ وَيَطلُبُونَ الدُّنيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوْكَ «جمع مسك وهو الجلد» الْكِبَاشِ (جمع كبش) وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، إِيَّايَ يُخَادِعُونَ؟ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ؟ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ“.
وَخَرَّجَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ: عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “لَا تُخَادِعِ اللهَ فَإِنَّهُ مَن يُخَادِعِ اللهَ يَخدَعْهُ اللهُ (أي يجازيه على خداعه) وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ“. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخَادِعُ اللَّهَ؟ قَالَ: “تَعْمَلُ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَتَطْلُبُ بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ الشِّرْكُ وَإِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ بِأَسْمَاءٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا يَا خَاسِرُ يَا غَادِرُ يَا فَاجِرُ ضَلَّ عَمَلُكَ وَبَطَلَ أَجْرُكَ فَلَا خَلَاقَ لَكَ الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ“.
وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كيف أنتم! لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ الْكَبِيرُ، وَتُتَّخَذُ سُنَّةً مُبْتَدَعَةً يَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غُيِّرَ مِنهَا شَيءٌ قِيلَ: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ. قِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَن؟ قال: إِذَا كَثُر قُرَّاؤُكُم، وَقَلَّ فُقَهَائُكُم، وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقُلْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ وَمَا يَنبَغِي لَأَحَبَّهُم اللهُ، وَلَكِن طَلَبُوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمُ اللَّهُ، وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ قَالَ: قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَخَالَفُوهُ إِلَى غَيرِهِ.
فَلِعِظَمِ ذنب الرياءِ وعِظَمِ فضلِ الإخلاص وأهميتِه بدأ النووي كتابه بذكره، وبعد أن يَعرِفَ طالبُ العلم أهمية الإخلاص، ذَكَرَ له بابَ التوبة لِيُذَكِّرَهُ أنَّه لو كان في قلبك شيء من هذه الأدران اتركها وأَخْلِصْ لربك عز وجل.
قال النووي رحمه الله تعالى:
2- باب التوبة: (قال بعض الفقهاء: إِنَّ التَّوبَةَ عَن الذُّنُوب بالرُّجُوعِ إلى سَتَّار العُيُوب وعَلَّام الغُيُوب، مَبدَأُ طَريق السَّالكِين، ورَأسُ مالِ الفَائِزِين، وأَوَّلُ إِقدَامِ المُرِيدِين، وَمِفتَاحُ استِقَامَةِ المَائِلِين، ومَطلَعُ الاصطِفَاءِ وَالاجتِبَاء للمُقَرَّبِين، وَلَقَد قَرَعَ التَّائِب سنَّ النَّدَم، وَتَنَدَّمَ على مَا سَبَق مِنهُ وَتَقَدَّم. فَمَن اتَّخَذَه قُدوَةً فِي الذَّنبِ دُونَ التَّوبَة فَقَد زَلَّت بِهِ القَدَم. بَل التَّجَرُّد لِمَحضِ الخَيرِ دَأبُ المَلائِكَة المُقَرَّبِين، والتَّجَرُّدُ للشَّرِّ دُونَ التَّلَافِي سَجِيَّةُ الشَّيَاطِين، والرُّجُوع إلى الخَيرِ بَعدَ الوُقُوع فِي الشَّر صِفَةُ الصَّالِحِين مِن الآدَمِيِّين).
قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ (يقال: تَابَ الْعَبْدُ: رَجَعَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَعَبْدٌ تَوَّابٌ: كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَأَصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ يُقَالُ: تَابَ وثاب وآب وأناب: رجع) وَاجبَةٌ (على الفور دون تأخير) مِنْ كُلِّ ذَنْب (ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد)، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ (الصغيرة أو الكبيرة) بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لاَ تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط: أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ (أي أن يتركها على الفور امتثالا لأمر الله وليس لأمر دنيوي أو لعجز عنها وهو عازم القلب عليها، ويجب أن يترك هذه المعصية التي كان متلبسًا بها، إذ لا تكون التوبة مع مباشرة الذنب). والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا (أي أن يستشعر الندم بقلبه لأنه عمل هذه المعصية وليس لأنه افتُضح أمره بين الناس مثلا أو لفوات مأرب دنيوي أو نحو ذلك). والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا (وهذه شروط التوبة التامة). فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ (المذكورة سابقا) وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالاً أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه (أو استرضاه) وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ (أي صاحب الحد) مِنْهُ (أي من الحد) أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا (إن بلغته،). ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها () صَحَّتْ تَوْبَتُهُ (منها) عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ، وبَقِيَ عَلَيهِ (وجوبا أن يتوب من) البَاقي. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ (تعاضدت، فالتظاهر هو التعاون) دَلائِلُ الكتَابِ (أي القرآن الكريم)، والسُّنَّةِ (الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم)، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ (والإجماع لا ينعقد إلا عن دليل) عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ (فورا من كل الذنوب كما ذكرنا) (وهنا نذكر فائدة: أن التوبة من الكفر تكون بترك هذا الكفر والعود إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين، فإنَّ اللهَ تعالى قدْ بيّن في شرعهِ الذي أوحاهُ إلى سيّدنا محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلّم طريقًا واضحًا للدخولِ في الإسلامِ وهوَ أنْ يقولَ الإنسانُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ معَ اعتقادِ معنى هاتينِ الشهادتينِ جازمًا بقلبهِ، فمَن نطقَ بلسانهِ ولم يصدّقْ بقلبهِ فهوَ منافقٌ، لكننا نحكمُ بإسلامهِ لخفاءِ ما يُبطنُ علينا ونعاملهُ معاملةَ المسلمِ أخذًا بظاهرِ حالهِ وأما عندَ اللهِ فهوَ كافرٌ خالدٌ في النارِ إنْ ماتَ منْ غيرِ التوبةِ كما قالَ ربُّنا تباركَ وتعالى ﴿إنَّ المنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ منَ النارِ﴾ ومَن صدَّقَ بِقَلبِهِ ولم يَنطِقْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ أيضًا كافرٌ عندَنا وعندَ اللهِ عزَّ وجلَّ. قالَ النوويُّ في شرحه على مسلم: واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكمُ بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنًا. اهـ قالَ الحليميُّ في كتابه المنهاج: ولا خلاف أن الإيمان يصح بغير كلمة لا إله إلا الله حتى لو قال لا إله غير الله أو لا إله سوى الله أو ما عدا الله أو ما من إله إلا الله أو لا إله إلا الرحمن فكقوله لا إله إلا الله. اﻫ وقالَ الأردبيليّ في الأنوارِ: ويصح الإسلام بجميع اللغات. اﻫ وقال النووي الشافعي في الروضة: وقال أي الشافعي في موضع إذا أتى بالشهادتين صار مسلما. اهـ وكذلك توبة المرتد هي الإقلاع عن الكفر فورا والنطق بالشهادتين بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ولا ينفعه قول أستغفر الله قبل الشهادتين، كما نقل الإجماع على ذلك الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه الإجماع. قال الفقيه الحنبلي منصور بن إدريس البهوتي في كشاف القناع عن متن الاقناع ما نصه: وتوبة المرتد إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد. اهـ كلُّ هذا أخذهُ أهلُ العلمِ منْ نحوِ حديثِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ المتواترِ: “أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يشهدُوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ“، الحديثَ)).
فائدة أخرى: لقد جعل الله تبارك وتعالى التوبة بين عباده تطهيرًا من الذنوب، والشرط فيها أن تكون في الوقت الذي تقبل فيه، لأن هناك أوقاتًا لا تُقبل فيها التوبة، منها طلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وهما من علامات الساعة الكبرى فمن أراد التوبة في ذلك الوقت فلا تقبل منه، وكذلك من وصل إلى حالة اليأس من الحياة كأن أدركه الغرق مثلاً كما حصل مع فرعون لما لحق موسى عليه السلام في البحر فإنه لما أيقن الهلاك بعد أن رأى البحر يلتطم عليه قال آمنت، كما أخبر الله في القرآن: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة يونس آية 90] ولكنّ الله ما قبل توبته كما أخبر الله في القرءان: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس آية 91]. وكذلك من رأى ملك الموت عزرائيل عليه السلام يبشره بالعذاب لا تقبل منه توبة. وقد قال تعالى في القرءان الكريم: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [سورة النساء آية 18].
قَالَ الفقهاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: وَإِنَّمَا صَحَّتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ اي وقت قبولها، لِأَنَّ الرَّجَاءَ بَاقٍ وَيَصِحُّ مِنْهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ“. وَمَعْنَى مَا لَمْ يُغَرْغِرْ: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَغَرْغَرُ به. وَالْمُبَادِرُ فِي الصِّحَّةِ أَفْضَلُ، وَأَلْحَقُ لِأَمَلِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَالْبُعْدُ كل البعد الموت، كما قال: وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلَّا مَكَانِيَا.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ القَائلُ:
قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُوَّةً … قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الْأَلْسُنِ
بَادِرْ بِهَا غَلْقَ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا … ذُخْرٌ وَغُنْمٌ لِلْمُنِيبِ الْمُحْسِنِ (. يريد: بادر بالتوبة قبل ضياع الفرصة)
فالتوبة تُقبل في الوقت الذي تكون مقبولةً فيه، فمن تاب توبةً صادقة بأن أقلع عن الذنب وندم عليه وعزم على أن لا يعود إليه فإن الله تعالى يقبل توبته فقد قال عليه الصلاة والسلام: “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ” حديثٌ صحيحٌ رواهُ ابنُ ماجَه عن ابنِ مَسعُودٍ.).
حديث إن أحدنا يذنب الذنب… الحديث
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [قيل: الْمَعْنَى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنَّكُمْ لَا تَخْلُونَ مِنْ سَهْوٍ وَتَقْصِيرٍ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَتْرُكُوا التَّوْبَةَ فِي كُلِّ حَالٍ].
[وقال القشيري: التوبة الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزّلّة وهى توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهى توبة الخواص. وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.
ويقال أمر الكلّ بالتوبة لئلا يخجل العاصي من الرجوع بانفراده. ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء رفقا بهم من أمارات الكرم.
ويقال في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يتبين أنّه أمرهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك، ويقال أحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنّه ليس يحتاج إلى التوبة].
وَقالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [فرق بين الاستغفار اللساني والتوبة الكاملة الشروط التي تكلمنا عنها، فبمجرد الاستغفار اللساني وحده دون أركان التوبة التي ذكرناها، لا يكون توبة، بل لا بد من الشروط المذكورة، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، أي أَسلِمُوا يُغفِر لَكُم ذنُوبَكم بالإسلام وليس معناه أن تلفظوا بلفظ الاستغفار وأنتم مقيمون على الكفر لا، وهنا أمر مهم
(وَإِذَا قَالَ) الْمُرْتَدُّ (أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يُجَدِّدَ إِيمَانَهُ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أَىْ (وَهُوَ) مَا زَالَ (عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ) مِنَ الْكُفْرِ (فَلا يَزِيدُهُ قَوْلُهُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا إِثْمًا وَكُفْرًا لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النِّسَاءِ (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾) فَمَنْ قَالَ كَلِمَةَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَهُوَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَ مَعْنَى كَلامِهِ يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِى مِنْ غَيْرِ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ مَعْ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ فِى كِتَابِكَ أَنَّكَ لا تَغْفِرُهُ فِى هَذِهِ الْحَالِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ كَذِّبْ نَفْسَكَ وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَلِّمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الِاسْتِغْفَارَ حِينَ كَانَ لا يَزَالُ عَلَى الْكُفْرِ بَلْ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ غَيْرَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ كَمَا (رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَجُلٌ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ) جَدُّكَ (عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ) أَىْ سَنَامَ الإِبِلِ وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ العَرَبِ (وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ) أَىْ تَقْتُلُهُمْ أَىْ فِى الْجِهَادِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا شَاءَ اللَّهُ) لَهُ أَنْ يَقُولَ فِى الرَّدِّ عَلَى مَا قَالَ (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ) سَائِلًا (مَا أَقُولُ) أَىْ عَلِّمْنِى شَيْئًا أَقُولُهُ (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قُلِ اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ثُمَّ) رَجَعَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَكَانَ قَدْ ءَامَنَ وَ(قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّى أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ عَلِّمْنِى فَقُلْتَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ) اﻫ وَفِى الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَدْعُوَ الْكَافِرُ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ.]
وَقالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8].
قال القرطبي: تَوْبَةً نَصُوحاً اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ فِي التَّوْبَةِ النَّصُوحِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ قَوْلًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَإِقْلَاعٌ بِالْأَبْدَانِ، وَإِضْمَارُ تَرْكِ الْعَوْدِ بِالْجِنَانِ، وَمُهَاجَرَةُ سَيِّئِ الْخِلَّانِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَلَامَةُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ أَرْبَعَةٌ: الْقِلَّةُ وَالْعِلَّةُ وَالذِّلَّةُ وَالْغُرْبَةُ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الذَّنْبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَلَا يَزَالُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هُوَ أَنْ تَضِيقَ عَلَيْكَ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَتَضِيقَ عَلَيْكَ نَفْسُكَ، كَالثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا «1». وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ الْمِصْرِيُّ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ رَدُّ الْمَظَالِمِ، وَاسْتِحْلَالُ الْخُصُومِ، وَإِدْمَانُ الطَّاعَاتِ.. وَقَالَ ذُو النُّونِ: عَلَامَةُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَلَاثٌ: قِلَّةُ الْكَلَامِ، وَقِلَّةُ الطَّعَامِ، وَقِلَّةُ الْمَنَامِ. وَقَالَ شَقِيقٌ: هُوَ أَنْ يُكْثِرَ صَاحِبُهَا لِنَفْسِهِ الْمَلَامَةَ، وَلَا يَنْفَكَّ مِنَ النَّدَامَةِ، لِيَنْجُوَ مِنْ آفَاتِهَا بِالسَّلَامَةِ. وَقَالَ ذُو الْأُذُنَيْنِ: «2» هُوَ أن يكون لِصَاحِبِهَا دَمْعٌ مَسْفُوحٌ، وَقَلْبٌ عَنِ الْمَعَاصِي جَمُوحٌ. وَقَالَ فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ: عَلَامَتُهَا ثَلَاثٌ: مُخَالَفَةُ الْهَوَى، وَكَثْرَةُ الْبُكَاءِ، وَمُكَابَدَةُ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ.
وَأَصْلُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مِنَ الْخُلُوصِ، يُقَالُ: هَذَا عَسَلٌ نَاصِحٌ إِذَا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّصَاحَةِ وَهِيَ الْخِيَاطَةُ.اهـ
وقال ابن الجوزي: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَتُوبَ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ لا يَعُودَ. وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ النصوح فقال: ندمٌ بالقلب، وَاسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ، وَتَرْكٌ بِالْجَوَارِحِ، وَإِضْمَارٌ أَنْ لا يَعُودَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تُكَفِّرُ كُلَّ سَيِّئَةٍ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عسى رَبُّكُم ان يُكَفِّرَ عنكم سَيِّئاتِكُم﴾ [التحريم: 8].
والندم على الذنوب ممدوح مأمور به، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رَأَيْتُ ضيغمًا العابد قد أَخَذَ كُوزًا مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ فَصَبَّهُ فِي البئر وَاكْتَالَ غَيْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: نَظَرْتُ نَظْرَةً وَأَنَا شَابٌّ فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلا أُذِيقَهَا الْمَاءَ الْبَارِدَ، أُنَغِّصُ عَلَيْهَا أَيَّامَ الْحَيَاةِ.
وقد قيل: يَا نَادِمًا عَلَى الذُّنُوبِ أَيْنَ أَثَرُ نَدَمِكَ، أَيْنَ بُكَاؤُكَ عَلَى زَلَّةِ قَدَمِكَ، أَيْنَ حذرك من أليم الْعِقَابِ، أَيْنَ قَلَقُكَ مِنْ خَوْفِ الْعِتَابِ، جَرِّدْ قَلْبَكَ مِنَ الأَقْذَارِ، ثُمَّ أَلْبِسْهُ الاعْتِذَارَ، ثُمَّ حَلِّهِ حُلَّةَ الانْكِسَارِ، ثُمَّ أَقِمْهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ.
لَهَجَ بَعْضُ الْعُبَّادِ بِالْبُكَاءِ ، فَعُوتِبَ عَلَى كَثْرَتِهِ فَقَالَ:
(بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوبِ لِعُظْمِ جُرْمِي … وَحُقَّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَاءُ)
(فَلَوْ أَنَّ الْبُكَاءَ يَرُدُّ هَمِّي … لأَسْعَدَتِ الدُّمُوعَ معًا دِمَاءُ)
اعْلَمْ أَنَّ التَّائِبَ الْمُحَقِّقَ يَشْغَلُهُ تَنْظِيفُ مَا وَسَّخَ وَالْحُزْنُ عَلَى مَا فَرَّطَ عَنْ تَصْوِيرِ زَلَّةٍ ثَانِيَةٍ. يَا هَذَا
اكْتُبْ قِصَّةَ الرُّجُوعِ بِقَلَمِ النُّزُوعِ بِمِدَادِ الدُّمُوعِ، وَاسْعَ بِهَا عَلَى قَدَمِ الْخُضُوعِ إِلَى بَابِ الْخُشُوعِ، وَأَتْبِعْهَا بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ، وَسَلْ رَفْعَهَا فَرُبَّ سُؤَالٍ مَسْمُوعٍ، كَمْ هَتَكَ سِتْرَ مَنْ فَعَلَ خَطِيئَةً قَدْ فَعَلْتَهَا وَسُتِرْتَ، فَابْكِ عَلَى كَثْرَةِ الذَّنْبِ أَوْ [عَلَى] قِلَّةِ الشُّكْرِ.
ورحم الله من قال:
لَئِنْ جَلَّ ذَنْبِي وَارْتَكَبْتُ الْمَآثِمَا … وَأَصْبَحْتُ فِي بَحْرِ الْخَطِيئَةِ عَائِمَا
أُجَرِّرُ ذَيْلِي فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى … لأَقْضِيَ أَوْطَارَ الْبَطَالَةِ هَائِمَا
فَهَا أَنَا ذَا يَا رَبِّ أَقْرَرْتُ بِالَّذِي … جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي وَأَصْبَحْتُ نَادِمَا
أَجَلُّ ذُنُوبِي عِنْدَ عَفْوِكَ سَيِّدِي … حَقِيرٌ وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي عَظَائِمَا
وقيل
(ذَنْبِي إِلَيْكَ عَظِيمٌ … وَأَنْتَ لِلْعَفْوِ أَهْلُ)
(فَإِنْ عَفَوْتَ بِفَضْلٍ … وَإِنْ أَخَذْتَ فَعَدْلُ)
يَا هَذَا
مُنَاجَاتَكَ منجاتك، وَصَلاتَكَ صَلاتَكَ، نَادِ فِي نَادِي الأَسْحَارِ وَالنَّاسُ نَائِمُونَ: يَا أَكْرَمَ مَنْ أَمَّلَهُ الآمِلُونَ، إِنْ طَرَدْتَنِي فَإِلَى مَنْ أَذْهَبُ، عَلِمْتَ ذَنْبِي وَخَلَقْتَنِي، وَرَأَيْتَ زَلَلِي وَرَزَقْتَنِي.
وَا أَسَفَا لِمَنْ ذَهَبَ عُمْرُهُ فِي الْخِلافِ، وَصَارَ قَلْبُهُ بِالْخَطَايَا فِي غِلافٍ، لَمَّا سُتِرَتْ عَنِ التَّائِبِينَ الْعَوَاقِبُ فَزِعُوا إلى البكاء واستراحوا إِلَى الأَحْزَانِ، كَانُوا يَتَزَاوَرُونَ فَلا تَجْرِي فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ إِلا دُمُوعُ الْحَذَرِ.
(بَاحَتْ بِسِرِّي فِي الْهَوَى أَدْمُعِي … وَدَلَّتِ الْوَاشِيَ عَلَى مَوْضِعِي)
(يَا قَوْمُ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَذْهَبِي … فِي الْوَجْدِ وَالْحُزْنِ فَنُوحُوا مَعِي)
(يَحِقُّ لِي أَبْكِي عَلَى زَلَّتِي … فَلا تَلُومُونِي عَلَى أَدْمُعِي)
وقد قيل: التوبة أساس الطريق ، ومنها السير إلى عين التحقيق ، فمن لا توبة له لا سَيْرَ له، كمن يَبنى على غير أساس. والتوبة يَحتاجُ إليها المبتدئ والمتوسط والمنتهي، فتوبة المبتدئ من المعاصي والذنوب، وتوبة السائر : من الغفلة ولَوْثِ العيوب، وتوبة المنتهى: من النظر إلى سوى علام الغيوب.
قال ابن جُزَيٍّ: التوبة واجبة على كل مكلف، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وآدابها ثلاث: الاعتراف بالذنب مقرونا بالانكسار، والإكثار من التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من الأوزار. ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المُخَلِّطِين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب، وتعظيم المقام، وشكر الإنعام.
الحديث الثالث عشر
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: “واللَّه إِنِّي لأَسْتَغْفرُ الله، وَأَتُوبُ إِليْه، في اليَوْمِ، أَكثر مِنْ سَبْعِين مرَّةً“رواه البخاري.
الحديث الرابع عشر
وعن الأَغَرِّ بْن يَسار المُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “يَا أَيُّها النَّاس تُوبُوا إِلى اللَّهِ واسْتغْفرُوهُ فإِني أَتوبُ في اليَوْمِ مائة مَرَّة” رواه مسلم.
قال العيني: وَإِنَّمَا كَانَ يسْتَغْفر هَذَا الْمِقْدَار مَعَ أَنه مَعْصُوم ومغفور لَهُ لِأَن الاسْتِغْفَار عبَادَة، أَو هُوَ تَعْلِيم لأمته، أَو اسْتِغْفَار من ترك الأَوْلَى أَو قَالَه تواضعًا. وَقيل: كَانَ دَائِما فِي الترقي فِي الْأَحْوَال فَإِذا رأى مَا قبلهَا دونه اسْتغْفر مِنْهُ، وَقيل: يَتَجَدَّد للطبع غفلات تفْتَقر إِلَى الاسْتِغْفَار. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هفوات الطباع البشرية لَا يسلم مِنْهَا أحد، والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن عصموا من الْكَبَائِر فَلم يعصموا من الصَّغَائِر التي ليس فيها خسة ودناءة نفس.
وقوله سبعين مرة: ليس شرطا هذا العدد بعينه وإنما ورد بروايات متعددة بعضها بلفظ سبعين وبعضها بلفظ مائة وغير ذلك وإنما هو للتقريب.
الكلام على ما يجوز على الانبياء وما يستحيل عليهم