الحديث الحادي عشر

وَعَنْ أبي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلب رَضِي اللهُ عنهما، عَنْ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فِيما يَرْوي عَنْ ربِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: “إِنَّ اللهَ كتَبَ الْحسناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلِكَ: فمَنْ همَّ بِحَسَنةٍ فَلمْ يعْمَلْهَا كتبَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلةً وَإِنْ همَّ بهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمَائِةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كثيرةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِها فعَمِلهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً” متفقٌ عليهِ.

ترجمة مختصرة لابن عباس رضي الله عنهما

هو عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْرِ، أَبُو العَبَّاسِ عَبْدُ اللهِ، ابْنُ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ شَيْبَةَ بنِ هَاشِمٍ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بنُ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلاَبِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرٍ القُرَشِيّ، الهَاشِمِيّ، المَكِّيّ، الأَمِيْر – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ كان مَوْلِدُهُ بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِثَلاَثِ سِنِيْنَ. صَحِبَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ. وَقيل إنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ مائَتَانِ سِوَى ثَلاَثَةِ أَنْفُسٍ. وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ الفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ حَزْنِ بنِ بُجَيْرٍ الهِلاَلِيَّةُ، وَلَهُ جَمَاعَةُ أَوْلاَدٍ أَكْبَرُهُمُ العَبَّاسُ – وَبهِ كَانَ يُكْنَى – وَعَلِيٌّ أَبُو الخُلَفَاءِ – وَهُوَ أَصْغَرُهُم – وَالفَضْلُ، وَمُحَمَّدٌ، وَعُبَيْدُ اللهِ، وهولاء الثلاثة مَاتُوا وَلاَ عَقِبَ لَهُم، وَلُبَابَةُ، وَأَسْمَاءُ.

 وَكَانَ وَسِيمًا، جَمِيْلًا، مَدِيدَ القَامَةِ، مَهِيبًا، كَامِلَ العَقْلِ، ذَكِيَّ النَّفْسِ، مِنْ رِجَالِ الكَمَالِ. انتَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أَبَويهِ إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ سَنَةَ الفَتْحِ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَبلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِيْنَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ، وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فيما رواه البخاري أنه قَالَ: مَسَحَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالحِكْمَةِ. وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: “اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ تَأْوِيْلَ القُرْآنِ“. قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلابْنِ عَبَّاسٍ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَغَزَا ابْنُ عَبَّاسٍ إِفْرِيْقِيَةَ مَعَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: خَمسَةَ عَشَرَ نَفْساً. وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ خَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ المَخْزُوْمِيِّ. وثبت أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دَعَاكَ يَوْماً، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: “اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ“.

 وروى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ كَالمُنشغل عَنْ أَبِي، فَخَرَجنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ ابْنَ عَمِّكَ كَالمُنشغل عَنِّي؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ. قَالَ: أَوَ كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ؟ فَقَالَ لِي: “هَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللهِ؟” . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “ذَاكَ جِبْرِيْلُ، فَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ“. وفي رواية أَنَّ العَبَّاسَ بَعثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلاً، فَرَجَعَ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ. فَلَقِيَ العَبَّاسُ رَسُوْلَ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْسَلتُ إِلَيْكَ ابْنِي، فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلاً، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُ. فَقَالَ: “يَا عَمِّ! تَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟“. قَالَ: لاَ. قَالَ: “ذَاكَ جِبْرِيْلُ لَقِيَنِي، لَنْ يَمُوْتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ، وَيُؤْتَى عِلْماً“.

وكان ابْنُ عَبَّاسٍ يقول: ذَهَبَ النَّاسُ وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ. قِيْلَ: مَا النَّسْنَاسُ؟ قَالَ: الَّذِيْنَ يُشْبِهُوْنَ النَّاسَ وَلَيْسُوا بِالنَّاسِ.

وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ نَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيْرٌ. فَقَالَ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ – مَنْ تَرَى؟ فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْألَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيبْلُغُنِي الحَدِيْثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيْحُ عَلَيَّ التُّرَابَ، فَيَخرجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ! أَلاَ أَرْسَلتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُوْلُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ فَأَسْأَلَكَ. قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا الفَتَى أَعقَلُ مِنِّي. وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عِنْدَ هَذَا الحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، إِنْ كُنْتُ لآتِي الرَّجُلَ مِنْهُم، فَيُقَالُ: هُوَ نَائِمٌ؛ فَلَو شِئْتُ أَنْ يُوْقَظَ لِي فَأَدَعُهُ حَتَّى يَخرُجَ لأَسْتطِيبَ بِذَلِكَ قَلْبَهُ. وصح عنه أنه قال: إِنْ كُنْتُ لأَسْأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ ثَلاَثِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وقال الحسن البصري: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الإِسْلاَمِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ مِنَ القُرْآنِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا، فَيَقرَأُ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَيُفَسِّرُهُمَا آيَةً آيَةً. وَكَانَ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ إِذَا ذَكَرَهُ، قَالَ: ذَلِكَ فَتَى الكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلْبٌ عَقُوْلٌ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الأَمْرِ إِذَا أَهَمَّه، وَيَقُوْلُ: غُصْ غَوَّاصُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ! إِنَّ عُمَرَ يُدنِيكَ، فَاحفَظْ عَنِّي ثَلاَثاً: لاَ تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلاَ تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلاَ يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِباً. وقال سعد بن أبي وقاص: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَحْضَرَ فَهْمًا، وَلاَ أَلَبَّ لُبًّا، وَلاَ أَكْثَرَ عِلمًا، وَلاَ أَوسعَ حِلمًا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدعُوْهُ لِلمُعْضِلاَتِ فَيَقُوْلُ: قَدْ جَاءت مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ لاَ يُجَاوِزُ قَوْلَه، وَإِنَّ حَوْلَهُ لأَهْلُ بَدْرٍ. وقال عبد الله بن مسعود: وَلَنِعْمَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

ورُويت حادثة حصلت في زمان عثمان عن بَعجَة بن عبد الله الجُهَنِي، قال تزوج رجل منا امرأة فولدت لستةِ أشهر فأتَى عثمانَ، رضي الله تعالى عنه، فأمر بِرجمِها فأتاه علي، رضي الله تعالى عنه، فقال: إن الله عز وجل يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ } وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وقال ابن عباس: إذا ذهبت رضاعته فإنما الحمل ستة أشهر. فخلصاها من الرجم.

 وروي عن عبيد الله بن عبد الله قال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ فَاتَ النَّاسَ بِخِصَالٍ: بِعِلْمِ مَا سَبَقَ، وَفِقْهٍ فِيمَا احتِيجَ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ، وَحِلْمٍ، وَنَسَبٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلاَ بِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مِنْهُ، وَلاَ أَعْلَمَ بِمَا مَضَى، وَلاَ أَثقَبَ رَأْيًا فِيمَا احتِيجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَقَدْ كُنَّا نَحضُرُ عِنْدَهُ، فَيُحَدِّثُنَا العَشِيَّةَ كُلَّهَا فِي المَغَازِي، وَالعَشِيَّةَ كُلَّهَا فِي النَّسَبِ، وَالعَشِيَّةَ كُلَّهَا فِي الشِّعْرِ. وقال بعض التابعين: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيْرٌ عَلَى المَوْسِمِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النُّوْرَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ وَلاَ سَمِعْتُ كَلاَمَ رَجُلٍ مِثْلَ هَذَا لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ وَالرُّوْمُ وَالتُّرْكُ لأَسْلَمَتْ. وجاء عَنْ حَبِيْبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوْبَ الأَنْصَارِيَّ أَتَى مُعَاوِيَةَ، فَشَكَا دَيْنًا، فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يُحِبُّ، فَقَدِمَ البَصْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ: لأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعتَ بِرَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ قَالَ: كَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: عِشْرُوْنَ أَلْفاً. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِيْنَ أَلْفاً، وَعِشْرِيْنَ مَمْلُوْكاً، وَكُلَّ مَا فِي البَيْتِ. وَمِمَّا قَالَ حَسَّانٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -:

إِذَا مَا ابْنُ عَبَّاسٍ بَدَا لَكَ وَجْهُهُ … رَأَيْتَ لَهُ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ فَضْلَا

إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ … بِمُنْتَظَمَاتٍ لاَ تَرَى بَيْنَهَا فَصْلَا

كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوْسِ فَلَمْ يَدَعْ … لِذِي أَرَبٍ فِي القَوْلِ جِدًّا وَلاَ هَزْلَا

سَمَوْتَ إِلَى العَلْيَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ … فَنِلْتَ ذُرَاهَا لاَ دَنِيًّا وَلاَ وَغْلَا

وذهب بصره في آخر عمره رضي الله عنه وكان يقول:

إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا … فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ

قَلْبِي ذَكِيٌّ، وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ … وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ

وجاء أَنَّ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ لَمَّا دُفِنَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ، فَدَخَلَ فِي أَكْفَانِهِ. وقال بعض التابعين: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِنَعشِهِ، جَاءَ طيْرٌ عَظِيْمٌ أَبيضُ مِنْ قِبَلِ وَجٍّ حَتَّى خَالطَ أَكْفَانَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرَوْهُ، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عمله. وقال بعضهم: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقتِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خَارِجاً مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيْرِ القَبْرِ، لاَ يُدْرَى مَنْ تَلاَهَا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. وقال بعض الحفاظ: فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وتُوُفِّيَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، أَوْ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ. وَقِيْلَ: عَاشَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. ومُسْنَدُهُ أَلْفٌ وَسِتمائَةٍ وَسِتُّوْنَ حَدِيثاً. وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُوْنَ. وَتَفَرَّدَ البُخَارِيُّ لَهُ بِمائَةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيثاً، وَتَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِتِسْعَةِ أَحَادِيْثَ. وجمع بعض الفقهاء فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عِشْرِيْنَ كِتَاباً.

شرح الحديث

(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ (عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) يَعْنِى فِيما يَرْوِيه النّبِيُّ عَنْ فَضْلِ رَبِّهِ تعالَى أَوْ يرويه عَنْ حُكْمِ رَبِّهِ سُبْحانَه. هُنا هذا الْمُرادُ بقَوْلِهِ: (عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)، يَعْنِى هذا الحدِيثُ ذَكَرَ فِيهِ النبيُّ أُمُورًا عَنْ فَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ أَوْ عَنْ حُكْمِ رَبِّهِ سُبْحانَه. وفضل الله علينا عظيم لا نقدِرُ على إحصائه، وأعظمُ نِعَمِ الله علينا أن رزقنا الإيمان وجعلنا من أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وجعلنا من أهل السنة والجماعة، ونِعَمُهُ سبحانه لا يحصيها إلا هو ولا يعلم عددها إلا هو سبحانه وتعالى والمذكور في هذا الحديث شيء من فضل الله علينا. 

وَإِذا قِيلَ: (تبارَكَ الله)، مَعناهُ تَكاثَرَ خَيرُهُ، زادَ فَضْلُهُ، وَ(تعالَى) معناهُ تنَزَّهَ عَنْ صِفاتِ النُّقْصان، منزه عن الجسمية وعن سائر صفات الأجسام، فصفات الأجسام نحوٌ من أربعين، ربنا منزه عنها، لا يوصف بالجسمية ولا بصفات الأجسام.قَالَ رسول الله: “إِنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ“اللهُ تعالَى قَدَّرَ الحَسَنات وَقَدَّرَ السَّيِّئات بِتَقْدِيرِهِ الأَزَلِيّ، فتقديره سبحانه أزلي ليس له بداية كسائر صفاته. واللهُ شاءَ لِكُلِّ إِنْسانٍ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ حَسَنات وَشاءَ لِكُلِّ إِنْسانٍ مَا يَعْمَلُهُ مِنْ سِيِّئات. كُلّ واحِد، الحَسَنات التي يَعْمَلُها اللهُ قَدَّرَها فِى الأَزَل بِتَقْدِيرِهِ الذي لا يَتَغَيَّر. اللهُ تعالَى شاءَ بِمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّة أَنْ يَعْمَلَ فُلان هذه الحَسَنَةَ وَهذه الحَسَنَةَ وهذه الحَسَنَةَ، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}، فَلا بُدّ أَنْ يَعْمَل، وَشاءَ أَنْ يَعْمَلَ فلان هذه السَّيِّئات وهذه السَّيِّئات وهذه السَّيِّئات، فَلا بُدَّ أَنْ يَعْمَل! ما شاءَ اللهُ للإِنْسان أَنْ يَفْعَله لا بُدَّ أَنْ يَفْعَله. الإِنْسانُ لَهُ مَشِيئَة، لا شَكّ، لَهُ اخْتِيار. أَنا إِذا أَرَدْتُ أَنْ أُمْسِكُ هذه أُمْسِكُها وَإِذا أَرَدْت أَن أتْرُكها أَضَعُها، هناكَ فَرق بينَ ارْتِجافِي مِنَ البَرد بِغَيرِ مَشِيئَةٍ مِنِّي وَبينَ تَحْرِيكِ يَدِي بِمَشِيئَتِي. لا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الشّخص أَنَّ الإِنْسانَ لَيسَ لَهُ اخْتِيار! الإِنسان ليسَ كَالرِّيشَة التي هِيَ فِي مَهَبِّ الرِّيح، تَأْخُذُها الرِّياح يَمْنَة وَيَسْرَة مِنْ غَيرِ مَشِيئَةٍ مِنْهُ! لا! الإِنْسان لَهُ اخْتِيار. كُلُّ واحِد يُحِسُّ بِنَفْسِهِ ذلك، لكِن اخْتِيارُ الإِنْسان تَحْتَ مَشِيئَةِ الله. اخْتِيارُهُ بِتَقْدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَبِمَشيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَبِتَخْلِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ. ليسَ الإِنْسان يَخْلُق اخْتِيارَهُ، إِنّما الإِنْسانُ يَخْتار ما شاءَ اللهُ لَهُ أَنْ يَخْتار! {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} كُلُّ شىءٍ بِقَدَر، فَما أَخْتارُهُ أَنا وَما تَخْتارُهُ أَنتَ، هذا تَحْتَ مَشِيئَةِ الله لأَنَّنا نَحْنُ مَخْلُوقون، نَحنُ عَبِيد! فلا نَفْعَلُ إِلّا ما شاءَ رَبُّنا تعالَى. لا يَحصُل مِنّا شيءٌ يُخالِفُ مَشِيئَةَ الله وَتَقْدِيرَهُ. فلا يقال هل الانسان مسير او مخير.

وَإِذا عَمِلَ الإِنْسان الحَسَنات، مُخْلِصًا وَتَتابَعَ مِنْهُ فِعلُ الحَسنات وَاجْتِنابُ السيئات وَثَبَتَ عَلَى ذلِك، هذا علامَةٌ عَلى أَنْ اللهَ شاءَ لَهُ السّعادَة. هذه الأَعْمال لا تَجْعَلُ واجِبًا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنّة! حاشا وَكَلّا! اللهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شىء. إِنّما هذا عَلامَة على أَنَّ اللهَ شاءَ لَهُ السّعادَة وَإِذا تَتَابَعَ مِنْهُ المعاصِي وَالفساد وَتتابَعَ مِنْهُ الكُفُر، هذا علامَةٌ على أَنَّ اللهَ شاءَ لَهُ غَيرَ ذلِك.

كانَ بَعْضُ الأَكابِر وهو أبو الطيب سهلُ بنُ محمد وهذا الإمام ذكر الحاكم في مستدركه عنه أنه مجددُ القرنِ الرابع الهجري بعد عمر بن عبد العزيز والشافعيِ وابنِ سُريج رضي الله عن الجميع  ثم قال في الإمام أبي الطيب سهلِ بنِ محمد:

والرابعُ المشهورُ سهلُ محمدِ … أضحى إمامًا عند كلِ مُوَحِّدِ

هذا الامام كان يَقُول: (أَعمالُنا أَعْلامُ الثّوابِ وَالعِقاب)، أي عَلاماتٌ على ماذا يَكُونُ حالُ الإِنْسان فِى الآخِرَة. عَلَى حَسَبِ أَعْمالِهِ، يعني أعماله تدُلُّ عَلى ماذا يَكُونُ حالُهُ فِى الآخِرَة.

وقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تبارَكَ وَتعالَى كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي قَدَّرَها، كَتَبَها فِى اللَّوْحِ المحْفُوظ (ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ) مَعْناهُ فَصَّلَ ذلِك، إِلَى أَيّ حَدّ تَبْلُغُ الحَسَنَة وإِلَى أَيّ حَدّ تَبْلُغُ السيئَة.

ثُمَّ قال ﷺ: “فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَة، الهَمّ مَعْناهُ التّرَدُّد فِى فِعْلِ الحَسَنَة مَعَ الْمَيْلِ أَكْثَر إِلَى فِعْلِها. “فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ“، يَعْنِى مَن مال قَلْبُهُ إِلَى فِعْلِ الحَسَنَة وَلَوْ لَمْ يَصِل إِلَى حَدِّ الجَزْم، لَمْ يَصِل إِلَى حَدِّ العَزم الْمُصَمِّم عَلَى فِعْلِ هذه الحَسَنَة، لَمْ يَصِل بَعْد لأَنَّهُ إِذا وَصَلَ إِلَى حدّ العَزم عَلى فِعْلِ هذه الحَسَنَة، هذا صارَ شيئا أَقْوَى مِنَ الهَمّ، صارَ عَزمًا. الهَمُّ دُونَ العَزم، أَقَلُّ مِنَ العَزم، الهَمّ مَعناهُ بَعْدُ ما جَزَم لَكِن الميْلُ فِى قَلبِهِ أَقْوَى لِجِهَةِ الفِعْل. اللهُ تعالَى، بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، جَعَلَها للمُسْلِمِ حَسَنَة والنّبِيّ أَكَّدَها بِقَوْلِهِ “كَامِلَةً“، لا يَنْقُصُ مِنْها شيء هذا إِذا هَمَّ بِفِعْلِ الحَسَنَةِ وَلَمْ يَفْعَلها.

قال ﷺ: “وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَات” أَمّا إِنْ هَمَّ بِها ثُمَّ عَمِلَها، أَقَلّ ما يُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنات، كما جاءَ فِى حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: “مَنْ قالَ: السّلامُ عَلَيْكم، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنات، ومَنْ قالَ: السّلامُ عَلَيْكم وَرَحْمَةُ الله، كُتِبَ لَهُ عِشْرُون ومَنْ قالَ: السّلامُ عَلَيْكم وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُه، كُتِبَ لَهُ ثَلاثُون“، وَكُلِّ حَسَنَةٍ تُضاعَفُ إِلَى عَشْرٍ. هذا أَقَلُّ ما تُضاعَفُ إِلَيْهِ الحَسَنَة. 

كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ“، هذا إِشارَةٌ إِلَى الاعْتِناءِ بها، ليسَ مَعناها أَنَّ الله مِثْلِي وَمِثْلُكَ، يكونُ لَهُ جِسْم وَطولٌ وَعَرضٌ، قاعِد فِى مَكان وَالحَسَنَة تَكونُ عِنْدَهُ!! لا، ليسَ هكذا! أَحيانًا يَقُولُ الشخْص: هذا الشىءُ عِنْدِي، أَي تَحْتَ يَدِي وتصرفي ولا يُرِيدُ المكان. وَتُسْتَعمَلُ “عِنْدِي” بِغَيرِ هذا المعنَى أَيضًا. فَــهُنا “عِنْدَهُ“، معناه اللهُ لَهُ اعْتِناءٌ بِهذه الحسنة، {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}، ليسَ مَعْنَى هذا أَنَّ الله يَكُونُ قاعِدًا مَعَ أَهْلِ الجَنّة فِى الجَنَّة وَأَهْلُ الجَنّةِ بِجانِبِهِ، حاشا وَكَلّا!! إِنّما مَعنَى {عِنْدَ} للإِشارَة إِلَى عِنايَةِ اللهِ تعالَى بِهِم وَكذلِكَ فِى هذا الحَدِيث. وَإِلّا فَرَبُّنا هُوَ خَلَقَنا فَلا يُشْبِهُنا. خَلَقَ العالَم فَلا يُشْبِهُهُ، خَلَقَ الضَّوْء فَلا يُشْبِهُ الضَّوْء. خَلَقَ الظّلام فَلا يُشْبِهُ الظّلام، خَلَقَ الرِّيح فَلا يُشْبِهُ الريح، خَلَقَ كُلَّ شىءٍ مِنَ المخْلُوقات فَلا يُشْبِهُ شيئًا مِنَ المخْلُوقات بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوه لأَنَّ خالِقَ الشىءِ لا يُشْبِهُهُ. الشّبيهُ لا يَخلُقُ شبيهَهُ إِنّما رَبُّنا عَزَّ وَجَلّ كما وَصَفَ نَفْسَهُ فِى القُرءان {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} نَزّهَ نَفْسَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المخْلُوقِين. عَنْ مُشابَهَةِ أَيِّ شىءٍ مِنَ الأَشْياء، فَلا يَجُوزُ لَنا أَنْ نَتَصَوَّرَ بِخَيالِنا شيئًا وَنَعتَقِدَ أَنَّهُ هُوَ الله. اللهُ لا يُحِيطُ بِهِ الخَيال. لا يُتَصَوَّرُ بِالذِّهْن. لا يُتَوَهَّمُ بِالوَهْم. كُلّ ما تَتَخَيَّلُهُ بِخَيالِك الله لا يُشْبِهُهُ، ولا يَجُوزُ التَّفَكُّرُ لِمَعْرِفَةِ حَقيقَةِ الله، نَحنُ عاجِزُونَ عَن ذلِك لكِن نقُول: اللهُ تعالَى مَوْجُود، لا يُشْبِهُ الموْجُودات، سبْحانَهُ هُوَ مُسْتَحِقٌ للعِبادَة، الموصُوف بِصِفاتِ الكَمال التي تَلِيقُ بِهِ، هذا الذي تَصِلُ اليه عُقُولُنا! إِلَى هُنا!

وقوله: “كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ“، يَعْنِى وَقَدْ تُضاعَفُ الحَسَنَةُ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، كما رَوَى مُسْلِم أَنَّ رَجُلًا جاءَ إِلَى رَسُولِ الله بِناقَةٍ مَخطومةٍ فقال: “يا رَسُولَ الله، هذه فِى سَبِيلِ الله”. فَقالَ الرّسُولُ: “لك بها يومَ القيامةِ  سبعُمائةِ ناقةٍ كُلُها مخطومةٌ” والخِطَام الزِمام أي ما يوضع على أنف الجمل  ليُقادَ به فَضاعَفَها اللهُ تعالَى إِلَى سَبْعِمِائَةِفَإِذًا، أقل ما تُضاعَفُ الحَسَنَةُ الواحِدَة إِلَى عَشَرٍ وَقَدْ تُضاعَف أَكْثَر إِلَى سبعمائَة.”إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ“، وَقَدْ  تُضاعَفُ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ بَكَثِير بِأَضْعافٍ كَثِيرَة لا يَعْلَمُها إِلّا الله، لا نُحْصِيها نَحنُ، وَقَدْ رَوَى ابنُ حِبّان فِى صَحيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنّهُ لَمّا نَزَلَت هذه الآيَة {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، قالَ: “قالَ رَسُولُ الله: “رَبِّ زِدْ أُمَّتِي“، مِنْ مَحَبَّتِهِ لأُمَّتِهِ وَمَحَبَّةِ الخَيرِ لَهُم، فَأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيَة {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قالَ رَسُولُ الله: “رَبِّ زِدْ أُمَّتِي“، فأَنزَلَ اللهُ تعالَى قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وَالصّبر ليسَ مَعناهُ فقطَ الصّبرَ عَلَى البلاء وَالمصيبة. الصبرُ يَشْمَل الصَّبرَ عَلَى الطّاعَة لأَنَّ الطّاعَة فِيها مَشَقَّة وَالثّبات عَلَى الطّاعَة والصبرُ يَشْمَل الصَّبر عَنِ المَعْصِيَة أَي مَنْعُ النّفسِ عَنِ المعصِية وَهذا فِيه مَشَقَّةٌ أَيضًا وَيَشْمَلُ أَيضًا الصَّبرَ عَلَى الَبلاءِ وَما يَنْزِلُ على الإِنْسانِ مِنَ المصائِب لذلك قالَ الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما أُعْطِيَ العَبْدُ عَطاءً أَوْسَعَ وَلا أفْضَلَ مِنَ الصّبرِ“، وَقَدْ قالَ رَبُّنا تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. الله يجعلُنا مِنهُم. ولِذلكَ اللهُ تعالَى ما بَيَّنَ لَنا إِلَى كَمْ ضِعف تُضاعف الحسنات ترْغيبًا لنا، مِثل ساعَة الإِجابَة يَوم الجُمُعَة. أَليسَ الجُمعة يُوجَدُ ساعَة مَنْ دَعَى اللهَ فِيها أَجابَ اللهُ دُعاءَهُ، وَلمْ يُبَيِّن النبيُّ أَيَّ ساعَة هِيَ، حَتّى يَرْغَبَ الإِنْسانُ فِى الدُّعاءِ كُلَّ يَومِ الجُمُعَة فِى كُلِّ الأَوْقات لَعَلَّهُ يُصادِفُ ذلكَ الوَقت. وكذلِكَ لَيلَة القَدر، أُبْهِمَت فِى شَهْرِ رمضان ليس معروفا أَيُ لَيلَةٍ تَكون لَيلَةُ القَدر، حَتّى يُقْبِلَ الإِنسانُ عَلَى الطّاعات فِى كُلِّ لَيالِي رمضان لَعَلَّهُ يُصادِفُ بِطاعَتِهِ تِلكَ الليلَة. وَكذلِكَ هذه الأَضْعاف أُبْهِمَت حَتّى يُقْبِلَ الإِنْسان على الطّاعَة لأَنَّها قَد تَكونُ شيئًا عَظِيمًا جِدًا جِدًا. اللهُ يُوَفِّقُنا لذلك. وَالذي يَفْعَلُ حَقِيقَةً هذا الأَمْر يَصِيرُ يُحاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى كُلِّ دَقِيقَة ما الذي يمرُّ عليه منْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ فِى طاعَةٍ فيراجعُ نفسه فيَستَفِيدُ مِنها فِى دُنياه.

وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ“، أَيْ إِذا تَرَدَّدَ لِفِعْلِها، أَفْعَل أَوْ لا أَفْعَل، مَعَ الْمَيْل إِلَى الفِعل، لكِن ما عَزَم! ما جَزَمَ فِى قَلْبِهِ أَنَّهُ سيَفْعَل، لَكِن، عِنْدَهُ مَيْل، قَلبُهُ مالَ إِلَى الفِعْل مِنْ غَيرِ جَزْم.

وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا” كانَ عِنْدَهُ هَمٌّ فَتَرَكَ فِعْلَها خَوْفًا مِنَ الله، “كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً” أَكَّدَ النبيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ كامِلَة حَتّى يُعْلَم أَنَّها حَسَنَة ليسَت مَنْقُوصَة. حَسَنَةٌ كامِلَة، مِنْ فَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ لأَنَّهُ لَمْ يفعَلْها، لأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْها لِوَجْهِ الله. لأَجْلِ هذا يَكتُبُ اللهُ تعالَى لَهُ بِها حَسَنَةً كامِلَة اعْتِبارًا لِكَفِّ نَفْسِهِ عَنِ السَّيئَة، كَما جاءَ فِى الحَدِيثِ القُدْسِيّ: “فَإنْ تركَها فاكْتبُوها لَهُ حَسنَةً إِنَّما تَرَكَها من جَرّائِي“، أَي لأَجْلِي. اللهُ تعالَى يَقُولُ: تَرَكَها لأَجْلِي، فَإِذا تَرَكَها لِوَجْهِ الله يَكْتُبُها الحَفَظَةُ حَسَنَةً كامِلَةً لَهُ. أَمّا إِذا عَزَمَ عَلَى المعصِية وَوَطَّنَ نَفسَهُ عليها، هناك أَشياء تَحْصُلُ فِى القُلُوب، هِيَ أَعْمال القُلُوب ليسَت أَعمالَ الجَوارِح. فَإِذا جَزَمَ بِقَلْبِهِ وَأَجْمَعَ قَلْبَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنَ المعاصِي التي هِيَ مِنْ مَعاصِي القَلْب، كُتِبَت عَلَيْهِ مَعْصِيَة. إِذا أَجْمَعَ قَلْبَهُ عَلَى الكُفْرِ وَالعِياذُ بالله كُتِبَ عَلَيْهِ ذَنْبُ الكُفر الذي هُوَ أَعظَم الذُّنوب. إِذا تَرَدَّدَ، شَكَّ، فِى بَعْضِ الأُمُور فِى قَلبِهِ، يُكْتَبُ عَلَيْهِ معصِيَة. شَكَّ مَثلًا، اللهُ تعالَى عالمٌ أَو غَيرُ عالِم؟ يُكْتَبُ عَلَيْهِ معصِيَةُ الكُفر أَعْظَم المعاصِي. هناكَ أَشياء، التّرَدُّدُ فِيها فِى القلب كُفر والعِياذُ باللهِ تعالَى. هناكَ أَشياء جَمْعُ القَلبِ عَلَيْها مَعْصِيَة بِلا تَرَدُّد مِنْ مَعاصِي القُلوب. وَهناكَأَشياء العَزْمُ بِالقَلبِ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَة مِنْ مَعاصِي الجَوارِح. إِذا عَزَمَ بِقَلْبِهِ أَنْ يَضْرِبَ مُسْلِمًا بِغَيرِ حَقّ. هُنا، هَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ ذَنْب أَوْ لا يُكْتَبُ؟ هَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ ذَنْب لأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ ولَوْ لَمْ يُنَفِّذْها أَوْ لا يُكْتَب لأَنَّ هذه الْمَعصِيَة مِنْ مَعاصِي الجَوارِح وَالعَزمُ الذي فِى قَلبِهِ لَمْ يَظْهَر لَهُ أثَرٌ عَلى جَوارِحِهِ؟ بَعْضُهُم قال: لا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، لأَنَّ العَزْمَ الذي فِى قَلْبِهِ لا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى جَوارِحِهِ وَلكِن الذي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلُ العِلْم وَهُوَ القَوْلُ الصّحيح الْمُوافِقُ للأَحادِيث أَنَّهُ إِذا عَزَمَ بِقَلْبِهِ عَلَى المَعصِيَةِ عَزْمًا جازِمًا كُتِبَ عَلَيْهِ الذّنبُ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلَه! لكن الذّنب يَكُونُ أقَلّ مما لَوْ فَعَلَه. يَدُلُّ عَلَى ذلِكَ ما رواهُ عِدَّةٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قال: “إِذا الْتَقَى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما، فَالقاتِلُ وَالمقتُولُ فِى النار“. قِيلَ: “يا رَسُولَ الله، هذا القاتِلُ قَدْ عَرَفْنا، فَما بالُ المقْتُول؟”، فقال: “إِنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صاحِبِهِ“! كانَ عازِمًا فِى قَلبِهِ عَلَى أَنْ يَقْتِلَ صاحِبَهُ فَلأَجْلِ هذا العَزم، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، لكِن لأَجْلِ هذا العَزْم، يَستَحِقُّ عَذابَ نارِ جَهَنَّم.

وَإِنْ هَمَّ بِهَا“، أَيْ هَمَّ بِالسّيِّئَةِ، “فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً“.قَلَّلَها الرّسُولُ ﷺ بِقَولِ: “وَاحِدَة“. أما عِندَ ذِكْرِ الحَسَنَة، أَكَّدَها بِقَوْلِهِ “كَامِلَة“. وَأَمّا ما رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ الذّنبَ يُضاعَفُ فِى مَكَّة، فَهذا ليسَ مَعناهُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ فِى الذّنبِ سيِّئتان، إِنّما مَعناهُ أَنَّ العِقابَ أَشَدُّ عَلى مَا يَفْعلُهُ هُناك وهذا في بعض الذنوب وليس في كل ذنب وليسَ مَعناهُ أَنَّهُ يُكْتَب بِالذَّنْبِ الواحِد سَيِّئَتان! لأَنَّ الله تَعالَى قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} السيئَةُ تُكْتَبُ عَلَيْهِ سيئَةً واحِدَة، لكِنْ أَحْيانًا قَدْ يُزادُ العَذابُ إِذا فَعَلَ الإِنْسانُ السّيئَة فِى مكانٍ ما لا يُزادُ عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَها فِى مكانْ ءاخَر. قَدْ يُزادُ عَلى الإِنْسان العَذابُ إِذا فَعَلَ السيئَة وَكان هُوَ عَلَى رُتْبَة ما لا يُزادُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هذه الرُّتْبَة. زَوْجاتُ النّبِي ﷺ أَلَيسَ أَخْبَر اللهُ فِى القُرءان أَنَّ الواحِدَةَ مِنْهُنَّ هُناكَ أَشياء إِذا فَعَلَتها يُضاعَفُ عَلَيْها العَذابُ؟ لماذا؟ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِنَّ. قالَ الله تعالَى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وَهُناكَ أَيضًا أَشياء ذُكِرَت فِى الأَحادِيث أَنَّهُ فِى زَمانٍ مُعَيَّنٍ تزْدادُ العُقُوبَة إِذا فَعَلَ المعْصِيَة مِثل الأَشْهُر الحُرُم، كَما أَنَّهُ إِذا فَعَل الطّاعَة فِيها، يَزْدادُ ثَوابُهُ. قالَ تعالَى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}، وَظُلْمُ النَّفْس يَعْنِى الوُقُوعَ في المعْصِيَة مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِى كُلِّ الشُّهُور، لَكِنْ هذا إِشارَة أَنَّهُ يَنبَغِي تَجَنُّبُ الوُقُوعِ فِى المعْصِيَة أَكْثَر، يَتَأَكَّد أَكْثَر تَجَنُّبُ الوُقُوع فِى المعْصِيَة فِى هذه الأَشهُر الحُرُم قالَ الله تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، هذا عَنْ حَرَمِ مَكَّة كذلِك وَغَيرُ ذلِك.

إِذًا قَدْ يكُونُ مِثْلُ ذلِك لَكن ليسَ أَنَّ السيِّئَة تُكْتَبُ سَيِّئَتَين!لا! ليسَ أَنَّ السيِّئَة تُكْتَبُ عَشَراً! لا! السيِّئَةُ لا تُكْتَبُ إِلّا سَيِّئَةً واحِدَة، إِنّما الذي يُضاعَفُ الحَسَنات مِنْ فَضلِ اللهِ تعالَى. وَمِنْ فَضْلِهِ تعالَى أَنَّهُ إِنْ هَمَّ المسلِم بِالسيئَة فَلَمْ يَعْمَلْها، طاعَةً للهِ تعالَى، كُتِبَت لَهُ حَسَنَة بِسَبَبِ رُجُوعهِ عَنْها. 

قالَ النّوَوِيُّ، رَحِمَهُ الله بعد أن أورد هذا الحديث في بعض كتبه: (فانْظُر يا أَخِي وَفقَنِي اللهُ وَإِيّاك  إِلَى عِظَمِ لُطْفِ اللهِ تعَالى وَتَأَمّل هذه الأَلْفاظ وَقَوْلُهُ “عِنْدَهُ” إِشارَةٌ إِلَى الاعْتِناءِ بِها وقولُهُ “كاملة” للتَّوْكيد وشِدّةِ الاعْتِناءِ بِها وقالَ في السيئةِ التي همَّ بِها ثمَّ تركَها”كتَبَها اللهُ حَسَنةً كاملة” فأَكَّدَها بـ(كاملة) وإنْ عملها كتبها سيئةً واحدةً فأكدَ تقليلَها بـ(واحدة) ولم يؤكدها بـ(كامِلة) فلله الحَمدُ والمِنَّة سُبحانَه لا نُحصي ثَناءً عَليه وَبِاللهِ التَّوفِيق).

“فانْظُر يا أَخي” يَعْنِى انْظُر، تَفَكَّر بِقَلْبِكَ، أَعْمِل فِكْرَكَ،”فانْظُر يا أَخِي وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيّاكَ “، أَي يَسَّرَ لِي وَلَكَ الطّاعَة. أقْدَرَنا اللهُ عَلَى الطّاعَة، “إِلَى عِظَمِ لُطْفِ اللهِ تعالَى”، اللُّطْفُ إِيصالُ النَّفْعِ إِلَى العَبْدِ، لكِنْ إِيصالُ نَفْعٍ فِيهِ نَوْعُ دِقَّةٍ إِلَى العَبْدِ، مِنَ النَّفْعِ الدّقيقِ إِلَى العَبْدِ، “وَتَأَمَّلْ هذه الأَلْفاظ”، أَيِ الأَلْفاظَ النّبَوِيّة الشّرِيفَة، وَقَوْلُهُ “عِنْدَهُ” إِشارَةٌ إِلَى الاعْتِناءِ بِها وَقَوْلُهُ “كامِلَة” بِتَنْوِينٍ للتَّوْكِيد وَشِدّةِ الاعْتِناءِ وَقالَ فى السّيئةِ التي هَمّ بِها ثم تَركَها “كتَبَها اللهُ حَسَنةً كامِلة” فأَكَّدَها بـ(كامِلة) وَإِنْ عمِلها كتبَها سَيئةً واحدةً فأَكَّدَ تَقْلِيلَها بـ(واحِدَة) ولم يؤَكدْها بـ(كامِلَة) فَللهِ الحَمْدُ والمِنَّة سُبْحانَه” وقوله “لا نُحْصي ثَناءً عَليه”، أَي لا نَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِ صِفاتِهِ وَأَفْعالِهِ وَنِعَمِهِ كُلِّها، مَنْ يسْتطِيعُ أَنْ يُحْصِيَ نِعَمَ اللهِ كُلَّها التي أَنعَمَها اللهُ عَلَيْنا؟ لذلِكَ قالَ: “لا أُحْصِي ثناءً عَلَيْك سُبْحانَك”.

وهذا الحَدِيث حَدِيثٌ عَظِيمٌ شَرِيف، كَبيرُ الفَضل، بَيَّنَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِقْدارَ تَفَضُّلِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ عَلَى خَلْقِهِ، كَمْ أَنَّ فَضْلَ اللهِ واسِعٌ علَيْنا.

وَهَذا مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ اللهِ تعالَى. يَخْتَصُّ اللهُ تبارَكَ وَتعالَى بِفَضْلِهِ مَنْ يشاء فَيَنبَغِي عَلَى الإِنْسان أَنْ يَحْرِصَ عَلى فِعلِ الخَيرات فَإِنَّهُ لا يَدرِي أَيَّةُ حَسَنَةٍ مِنْ هذه تُضاعَف وَيَكُونُ بِها قَدْ يُغْفَرُ لَهُ ذَنْبُهُ وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ غَيرِ سابِقِ عَذاب بِحَسَنَةٍ بَعْضُ الناسِ قَدْ يَجِدُها قليلَة، وَهِيَ عِندَ اللهِ عَظِيمَةٌ. لا يَنبَغِي أَنْ يَتَهاوَنَ الإِنْسان عَنْ فِعلِ أَيَّةِ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَنات يَقْدِرُ عَلَيْها وَلا أَنْ يُؤَجِّلَها، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَتَى يَمُوت! إِنّما الذي يَنبَغِي أَنْ يُبادِرَ فِى الخَيرات. كُلُّ شىءٍ مِنَ الخَير، بادِر فِيهِ!

وَمِثْلُ ذلِكَ يَنبَغِي أَنْ يَنْظُرَ وَيُفَكِّر الإِنْسان فِى العِلم. إِذا تَعَلَّمَ ثُمَّ مَعَ الإِخْلاصِ عَلَّمَ غَيرَهُ ثُمَّ هذا الذي تَعَلَّمَ مِنْهُ، عَلَّمَ غَيرَهُ ثُمَّ هذا الذي تَعَلَّمَ مِنْهُ عَلَّمَ غَيرَهُ مَعَ الإِخْلاص، كَمْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الثّواب؟؟! فَلا يَنبَغِي أَنْ يُضَيِّعَ الإِنْسانُ مِثلَ هذا الثّواب فِيما لا خَيرَ فِيه. كَثِير مِنَ الناس يُضَيِّعُونَ هذا الفَضلَ كُلَّهُ بِتَضْييع الأَوْقات فِيما لا خَيرَ فِيه. فَيُضَيِّعُونَ كُلَّ هذا الثّوابَ العَظِيم. 

والمقصُودُ فى ذِكْرِ هذا أَنْ يَنْظُرَ الإِنْسان أَنَّ اللهَ تعالَى قَدْ يُضاعِفُ لَهُ الحَسَنَةَ إِلَى أَضْعافٍ كَثِيرَةٍ جِدًا جِدًا، فَلا يَنبَغِي أَنْ يُضَيِّعُ الواحِدُ منّا هذه الفُرَص وَيُفَوِّتَها فِيما لا فائدةَ فيه. 

انْظُر يا اخي كَمْ مَرَّة تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ لا إِله إِلا الله فِى الدّقِيقَة، فقل ذلك، مَعناهُ بَدَلَ أَنْ تُضَيِّعَ وَقْتَكَ فِيما لا خَيرَ فِيه، لَوْ قُلْتَ: لا إِله إِلا الله فِى الدّقِيقَةِ الواحِدَة،  تَستَطِيعُ أَنْ تَقُولَ كُلّ هذا المقدار، فَكَيفَ تُفَوِّتُ عَلَيْكَ كُلَّ هذا الخَير؟ وهكذا ينبَغِي للواحِدِ مِنّا أَنْ يَنْظُرَ فِى حالِهِ وَفِى أَيّامِهِ وَفِى عُمُرِهِ، فاللحْظَة التي تَذهَب لا يَرْجِعُ بَدَلَها، فَإِذا ضَيَّعَها فِيما لا خَيرَ فِيه، يَكُونُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ فَضلًا كَبيرًا، جاء في الحديث: “لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلاَّ يُنَادَى فِيهِ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَأَنَا عَلَيْكَ غَداً شَهِيدٌ، فَاعْمَلُ خَيْراً فِيَّ أَشْهَدْ لَكَ غَداً، وَإِني لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَنْ تَرَانِي أَبَداً وَيَقُولُ اللَّيْلُ مِثْلَ ذلِكَ” ولقد احسن من قال:

الْعُمْرُ يَنْقُصُ والذُّنُوبُ تَزيدُ … وتُقالُ عَثْراتُ الفتى فيعودُ

هل يستطِيعُ جُحُودَ ذنبٍ واحِدٍ … رجلٌ جوارِحُه عليهِ شُهودُ

والمرءُ يسأل عن سِنيهِ فيشتهِي … تقلِيلَها وعنِ المماتِ يَحِيدُ

وَاللهُ أَكْرَمُ الأَكْرَمِين وَإِذا فَعَلَ فِيها الخَيرات فَإِنَّ اللهَ قَدْ يُثِيبُهُ عَلَى الطّاعَةِ الواحِدَة الثّوابَ العَظِيم الكَثِير الذي لا يسْتَطِيعُ أَنْ يُحْصِيَه. نَسأَلُ اللهَ تعالَى أَنْ يجْعَلَنا مِنَ الْمُوَفَّقِينَ إِلَى أَبْوابِ الخَير. اللهُمَّ وَفِّقنا إِلَى أَبْوابِ الخَير وَباعِد بيْنَنا وَبَينَ الشَّرّ واجْعَلنا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والعَمَل يا رَبَّ العالَمِين وَالحَمْدُ للهِ رب العالمين وَصَلَّى اللهُ عَلَى سيدِنا محمد رسول الله وَاللهُ تعالَى أَعْلَم.