الحديث الثامن إلى الحديث العاشر

الدرس ٤ من ٧ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥١:٤٦

الحديث الثامن

وعَنْ أبي مُوسَى عبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الأَشعرِيِّ رضِي الله عنه قالَ: سُئِلَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ” مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

راوي الحديث هو الصحابي الجليل: عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ بنِ حَضَّارِ بنِ حَرْبٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو مُوْسَى الأَشْعَرِيُّ، الفَقِيْهُ، المُقْرِئُ. أُمُّهُ ظَبْيَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، كَانَتْ أَسْلَمَتْ، وَمَاتَتْ بِالمَدِيْنَةِ. وينسب إلى الجُماهر بن الأشعر، والأشعر من أولاد سبأ الذين كانوا باليمن، وسمي بذلك لأنه ولد وعليه الشعر، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَسْلَمَ أَبُو مُوْسَى بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ. وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِيْمَنْ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورافق النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَمَلَ عَنْهُ عِلْمًا كَثِيْرًا. وَوَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ لِعُمَرَ، وَإِمْرَةَ البَصْرَةِ، وأَقْرَأَ أَهْلَ البَصْرَةِ، وَفَقَّهَهُمْ فِي الدِّيْنِ. وَهُوَ فَتَحَ مدينة تُسْتَرَ، (واسمها حاليا شوشتر في جنوب إيران)، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوْسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ اليَمَنِ فِي بضْعٍ وَخَمْسِيْنَ مِنْ قَوْمِي، وَنَحْنُ ثَلاَثَةُ إِخْوَةٍ: أَنَا، وَأَبُو رُهْمٍ، وَأَبُو عَامِرٍ، فَأَخْرَجَتْنَا سَفِيْنَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَعِنْدَهُ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ، فَأَقْبَلْنَا حِيْنَ افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ. فَقَالَ رَسُوْل اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَكُمُ الهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ“. وفِي الصَّحِيْحَيْنِ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوْسَى، عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيْمًا“. وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، هُمْ أَرَقُّ قُلُوْبًا لِلإِسْلاَمِ مِنْكُمْ“. فَقَدِمَ الأَشْعَرِيُّوْنَ، فَلَمَّا دَنَوْا، جَعَلُوا يَرْتَجِزُوْنَ: غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ، فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا، تَصَافَحُوا. فَكَانُوا هم أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ المُصَافَحَةَ.

 رواه الإمام أحمد في مسنده. وأخرج الحافظ ابن عساكر فى تبيين كذب المفترى والحاكم فى المستدرك لَمَا نَزَلَتْ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المَائِدَةُ: 57]؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هُمْ قَوْمُكَ يَا أَبَا مُوْسَى“، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال القشيرى: فأتباع أبى الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع، قاله القرطبي فى تفسيره.

 وقال البيهقى: وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبى الحسن الأشعري رضى الله عنه فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة اهـ. ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري. 

وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ لَهُ: “أَبْشِرْ” فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: “رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلا أَنْتُمَا” قَالا: قَبِلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ (صب ما تناوله من الماء بفمه في الإناء) ثُمَّ قَالَ: “اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا (جمع نحر، وهو موضع القلادة من الصدر) وَأَبْشِرَا“، فَأَخَذَا الْقَدَحَ (ما يُشرب فيه) فَفَعَلا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلا لأُمِّكُمَا، فَأَفْضَلا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً (أي بقية). رواه البخاري ومسلم. والغرض بذلك إيجاد البركة بريقه المبارك. وفي الحديث: فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة -رضي الله عنهم-. وفيه: استحباب البشارة واستحباب الازدحام فيما يتبرك به وطلبه ممن هو معه والمشاركة فيه.

 وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ قَائِمٌ، وَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لِي: “يَا بُرَيْدَةَ، أَتَرَاهُ يُرَائِي؟“.قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: “بَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ مُنِيْبٌ، لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ“. فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ أَبُو مُوْسَى فَأَخْبَرْتُهُ. قال العلماء: المراد بالمزمار هنا: الصَّوت الحسن. وآلُ داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق عَلَى نفسه، وكان داود صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حسن الصَّوت جدًّا. 

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ سِتَّةٍ: عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَزَيْدٍ، يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ عَلِيٌّ، وَأُبَيٌّ، وَأَبُو مُوْسَى يُشْبِهُ عِلْمُهُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

رحم الله أبا موسى الأشعري، لقَدْ كَانَ صَوَّامًا، قَوَّامًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، مِمَّنْ جَمَعَ العِلْمَ وَالعَمَلَ وَسَلاَمَةَ الصَّدْرِ، لَمْ تُغَيِّرْهُ الإِمَارَةُ، وَلاَ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا. مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ.

روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاثمائة وستون حديثاً اتفقا (أي البخاري ومسلم) منها على تسعة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة عشر. 

ومن نسل أبي موسى الأشعري كان إمامُ أهل السنة والجماعة في الاعتقاد أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، الذي جمع هو والماتريدي عقائد أهل السنة وأثبتها بالعقل والنقل حتى برعا وصارا إمامين مقدمين ينهل من علمهما كل من جاء بعدهما من علماء المسلمين، حتى صار أهل السنة يقال عنهم أشاعرة وماتريدية كما قال الزبيدي وغيره، وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينشئ مذهبًا، إنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ذلك، السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريًا).اهـ.

 وقد أفرد الإمام حافظ الشام ابن عساكر الدمشقي مؤلفا للدفاع عن أبي الحسن الأشعري سماه تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري. أما الشيخ محمد العربي التَبان شيخ المالكية في الحرم المكي فيقول (فحول المحدثين من بعد أبي الحسن إلى عصرنا هذا أشاعرة وكتب التاريخ والطبقات ناطقة بذلك). اهـ 

وكان الخُلفاء والسلاطين على مذهبِ أهلِ السنة ومنهُم السلطان صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة تسعين وخمسمائة من تاريخ الهجرة النبوية كان رضي اللهُ عنهُ سُلطاناً عادلاً وكانَ حافظاً للقُرءان و كانَ حافظاً لِكِتاب التنبيه في فقهِ المذهبِ الشّافعي وكان حافظاً لكِتاب الحماسة تَلقى العلم من أهلِ المعرفةِ وكانَ يحضُر مَجالس المُحدثين على العادة القديمة عند عُلماء الحديث وكانَ رضي اللهُ عنهُ اشعريَ العقيدة. وقد روى الإمام أحمد  حديث “لتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطِينِيَة فلنعمُ الأميرُ أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش” وهذا الأمير هو السلطان محمد الفاتح رضي الله عنه الذي فتح القسطنطينية وكان ماتريدياً فيكونُ معنى الحديث أن الرسول يثني على الماتريدية وعلى إمامهم أبي منصور فمن طعن فيهم يكون معارضاً للرسول ومن يعارض الرسول إلا الضال؟ واعلم أن الماتريدية والأشاعرة شئ واحد. 

 ومن جملة اعتقاد الأشعري الذي هو اعتقاد أهل السنة والجماعة: اعلم أرشدَنا الله وإيّاكَ أنه يجبُ على كلّ مكلَّف أن يعلمَ أن الله عزَّ وجلَّ واحدٌ فـي مُلكِه، خلقَ العالمَ بأسرِهِ العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهما، جميعُ الخلائقِ مقهورونَ بقدرَتِهِ، لا تتحركُ ذرةٌ إلا بـإذنِهِ، ليسَ معهُ مُدبّرٌ في الخَلقِ ولا شريكٌ في المُلكِ، حيٌّ قيومٌ لا تأخذُهُ سِنةٌ ولا نومٌ، عالمُ الغيب والشهادةِ، لا يَخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، يعلمُ ما في البرّ، والبحرِ وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُهَا، ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين. ومنها: موجودٌ قبل الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يَمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ، ولا بعضٌ، ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكوانَ ودبَّر الزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأن، ولا يلحقُهُ وهمٌ، ولا يكتَنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ، ولا يتمثلُ في النفسِ، ولا يُتصورُ في الوهمِ، ولا يُتكيَّفُ في العقلِ، لا تَلحقُهُ الأوهامُ والأفكارُ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. اهـ

الكلام على شرح الحديث والتعليق عليه

قالَ: سُئِلَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً، ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ” مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قوله (قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم): قيل: إِن هَذَا الْأَعرَابِي يصلح أَن يُفَسر بلاحق بن ضُمَيرَة، وَحَدِيثه عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي الصَّحَابَة من طَرِيق عُفير بنِ مَعْدَان: سَمِعت لَاحق ابْن ضميرَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وفَدْتُ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلته عَن الرجل يلْتَمس الْأجر وَالذكر؟ فَقَالَ: “لَا شَيْء لَهُ” الحَدِيث. قوله (عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً) الشجاعة في الحرب وهي الجراءة والحماسة، قوله (ويُقاتِلُ حَمِيَّةً) أي: أنفة وغَيرَه ومحاماة عن عشيرته. قوله (ويقاتِلُ رِياءً) أي: ليرى الناس قتاله ومثله القتال سمعة أي ليسمع الناس، قوله (أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ) أي فمن المقاتل في سبيل الله أي عيِّنهُ لنا نعرفه فنقاتل فيه، وسبيل الله أي في طاعة الله بالنفس والمال، قوله (فَقَالَ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ) أي: دين الإسلام، وقيل: المراد من كلمة الله دعوته إلى الإسلام، وقيل: كلمة الله أي كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله قال ابن حجر: وَالْمُرَادُ هُنَا بِقَوْلِهِ “كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا” كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ أَيْ كَلِمَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الْآيَةَ اهـ. ومعناها لا خالق لشيء من الأجسام والأعمال إلا الله تعالى. قوله “فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ” يدخل في الحديث من قاتل لطلب ثواب الآخرة أو رِضَى الله لأنه من إعلاء كلمة الله. وحاصل الجواب أن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوّة العقلية لا القوة الغضبية أو الشهوانية، قال المصنف: في الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الوارد في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله.

وقد جاء في بعض الروايات: “والله أعلم بمن يجاهد في سبيله” أي والله أعلم بخلوص نيته في كونه يقاتل لإعلاء كلمة الله فإن كان عقدُ نيته صحيحا فذلك المجاهد في سبيله وإن كان في نيته حبُ المال والدنيا واكتساب الذكر فقد أشرك مع سبيل الله الدنيا، أي كان مرائيا.

الحديث التاسع

وعن أبي بَكْرَة نُفيْعِ بْنِ الْحارِثِ الثَّقفِي رَضِي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِذَا الْتقَى الْمُسْلِمَانِ بسيْفيْهِمَا فالْقاتِلُ والمقْتُولُ في النَّارِ” قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فمَا بَالُ الْمقْتُولِ؟ قَال: “إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ” متفقٌ عليه.

راوي الحديث هو الصحابي: أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ الطَّائِفِيُّ نُفَيْعُ بنُ الحَارِثِ مَوْلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اسْمُهُ: نُفَيْعُ بنُ الحَارِثِ. وَقِيْلَ: نُفَيْعُ بنُ مَسْرُوْحٍ. تَدَلَّى فِي حِصَارِ الطَّائِفِ بِبَكْرَةٍ، وَفَرَّ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَأَعْتَقَهُ. رَوَى: جُمْلَةَ أَحَادِيْثَ. سَكَنَ البَصْرَةَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكانَ يَقُوْلُ: أَنَا أَبُو بَكْرَةَ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنْ أَبَى النَّاسُ إِلاَّ أَنْ يَنْسُبُوْنِي، فَأَنَا نُفَيْعُ بنُ مَسْرُوْحٍ. لَمَّا اشْتَكَى أَبُو بَكْرَةَ، عَرَضَ عَلَيْهِ بَنُوْهُ أَنْ يَأْتُوْهُ بِطَبِيْبٍ، فَأَبَى، فَلَمَّا نَزل بِهِ المَوْتُ، قَالَ: أَيْنَ طَبِيْبُكُم؟ لِيَرُدَّهَا إِنْ كَانَ صَادِقاً! وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرَةَ أَوْصَى، فَكَتَبَ فِي وَصَيَّتِهِ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ نُفَيْعٌ الحَبَشِيُّ … ، وَسَاقَ الوَصِيَّةَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ أَبُو بَكْرَةَ فِي خِلاَفَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ، بِالبَصْرَةِ. فَقِيْلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ. وَقِيْلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ: أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ الصَّحَابِيُّ. رُوِيَ له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مائة واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا (أي البخاري ومسلم) على ثمانية منها، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بواحد.

التعليق والشرح لهذا الحديث

قوله “إِذَا الْتقَى الْمُسْلِمَانِ بسيْفيْهِمَا” قاصدا كلُّ واحد منهما إتلافَ صاحبه، وَالْمَعْنَى إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَامِلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ السِّلَاحَ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ لِيُطَابِقَ الشَّرْطُ الْجَزَاءَ، قوله “فالْقاتِلُ” بسبب مباشرته قتل صاحبه، قوله “والمقْتُولُ” لحرصه على ذلك ، قوله “في النَّارِ” أي هما كائنان في النار أي إن لم يعفُ الله عنهما. قوله (قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ) أي: حكمةُ دخوله النار إن لم يعف الله عنه ظاهرةٌ لأنه ظلم أخاه، قوله (فمَا بَالُ الْمقْتُولِ؟) أي المظلوم، قوله “إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ” فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم للثاني المعصيةَ بعزمه على قتل صاحبه، وليس العزم كالخاطر الذي يَرِدُ على القلب بلا إرادة، وليس هو كذلك كالهمِّ، كما سيأتي في حديث آخر. وَقَالَ بعضُ الفقهاء: فِيهِ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهِ.

تنبيه:

وليس معنى الحديث أن أيَّ قتال يحصل بين اثنين مسلمين يكونان في النار بل إن القتال أحيانا يكون بحق وهذا وارد في القرآن الكريم فقد قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ }، فقد قاتل علي رضي الله عنه من نكثوا بيعته في معركة الجمل وقاتل من بغى عليه في معركة صفين وقاتل الخوارج في النهروان، ولا نقول إلا أنه كان مصيبا وليس أنه في النار. بل قتاله لكل هؤلاء بحق.

وَمَعرُوفٌ مَعلُوم أَنَّ هذا الحَدِيث، إِذا كانَ القِتالُ بيْنَ المسْلِمَين لأَجْلِ الدُّنْيا. فِى بَعْضِ الرّوايات، كَما عِنْدَ البَزّار: “إِذا الْتَقَى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما للدُّنْيا، فَالقاتِلُ وَالمَقتُولُ فِى النار“، وَإِلّا فَإِذا كانَ أَحَدُهُما ظالِمًا مُتَعَدِّيًا والآخَرُ مَظْلُومًا مُدافِعًا، لا يَكُونُ المظْلُومُ المدافِعُ فِى النّار، لا يسْتَحِقُّ عَذابَ النار، عَلَى ما فَصَّلَهُ الفقَهاء وَبَيَّنُوهُ فِى كُتُبِهِم.

وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الْوَعيد إِذا لم يَكُونَا يتقاتلان على تَأْوِيل، وَإِنَّمَا يتقاتلان على عَدَاوَة أَو طلب دنيا وَنَحْوه، وَأما من قَاتل أهل الْبَغي أَو دفع الصَّائِل فَقتل فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْقِتَالِ للذب عَن نَفسه غير قَاصد بِهِ قتل صَاحبه.

الحديث العاشر

وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “صَلاَةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ عَلَى صَلاَتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بضْعاً وعِشْرينَ دَرَجَةً، وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ، لا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلاَةَ، لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كانَ في الصَّلاَةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تحبِسُهُ، وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ مَا دَامَ في مَجْلِسهِ الَّذي صَلَّى فِيهِ، يقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مالَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ” متفقٌ عليه، وهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ. وَقَوْلُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “ينْهَزُهُ” هُوَ بِفتحِ الْياءِ وَالْهاءِ وَبالزَّاي: أَي يُخْرِجُهُ ويُنْهِضُهُ.

التعليق والشرح لهذا الحديث

قد تكلمنا في ترجمة لأبي هريرة قبل هذا.

قوله “صَلاَةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ” أي في المسجد، قوله “تزيدُ عَلَى صَلاَتِهِ في سُوقِهِ” سميت بذلك لأن الناس يسوقون إليها بضائعهم. أو لأنهم يقفون فيها على ساق، “وَبَيْتِهِ” منفردًا، والتضعيف المذكور يختص بالجماعة في المسجد، قوله “بِضْعًا” بكسر الباء وفتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة. والمراد منه خمس أو ست أو سبع. قوله “وعِشْرينَ دَرَجَةً” أي: يزيد ثواب الصلاة في الجماعة في المسجد على الصلاة في البيت والسوق هذا القدر، فيحصل له بالصلاة في المسجد ثوابٌ أزيد من ثواب ما لو صلى تلك الصلاة بعينها منفرداً فيها بضعاً وعشرين درجة، قال ابن الأثير: إنما قال درجة لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع وأن تلك فوق هذه بكذا درجة لأن الدرجات إلى جهة فوق، قوله “وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ” أي الواحد من الرجال، فإنها واجبة على الذكور الأحرار المقيمين البالغين وجوبًا كفائيا، قوله “إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ” بضم الواو: أي: أسبغه وأتى بسننه وآدابه، أما الوضوء بفتح الواو فهو الماء الذي يتوضأ منه وقيل: بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ. قوله “ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد” وهو المكان الموقوف للصلاة، أي أتاه وهو يريد الصلاة، قوله “لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ” قال النووي: هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ بَيْنَهُمَا وَمَعْنَاهُ لَا يَدْفَعُهُ وَيَنْهَضُهُ وَيُحَرِّكُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ نَهَزْتُ الرَّجُلَ أَنْهَزُهُ إِذَا دَفَعْتُهُ وَنَهَزَ رأسه أى حركه وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الطَّاعَاتِ وَأَنْ تَكُونَ مُتَمَحِّضَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله “لا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ” يعني يريد ثواب الصلاة، وفي الحديث إشارة إلى اعتبار الإخلاص، وقيل: أَيْ: قَصَدَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ لَا شُغْلا آخَر، فصَلَاة الرَّجُلِ الْكَامِلِ الَّذِي لَا يُلْهِيهِ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي بَيْتِ اللَّهِ تُضَعَّفُ أَضْعَافًا، لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَصِّرُ فِي شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَآدَابِهَا، فَإِذَا تَوَضَّأَ أَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِمَّا يُكَدِّرُهُ، وَإِذَا صَلَّى لَمْ يَتَعَجَّلْ لِلْخُرُوجِ، وَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ فَجَدِيرٌ بِأَنْ يُضَاعَفَ ثَوَابُ صَلَاتِهِ، قوله “لَمْ يَخْطُ” قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءَ، وَقَوْلُهُ “خُطْوَةً” بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ، قوله “إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ” أي بسببها والدرجة بفتح الدال المرتبة والمنزلة، ثم يحتمل أن تكون حسية في الجنة، وأن تكون معنوية بمعنى ارتفاع رتبته، قوله “وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ” أي وضع عنه ذنب، قوله “حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ” أي يستمر هذا إلى أن يدخل المسجد، قوله “فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ” أي وكان منتظرا للصلاة، قوله “كانَ في الصَّلاَةِ” أي كان في ثواب الصلاة، قوله “مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تحبِسُهُ” أي ما لم يصرف جلوسه في مصلاه لغرض آخر، وقال ملا علي القاري: أَيْ: لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ، قوله “وَالْمَلائِكَةُ” وهم أجسام لطيفة مخلوقة من نور لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ليسوا ذكورا ولا إناثا وإنما يتشكلون بصورة الذكور بلا آلة الذكورية، خُلِقوا لعبادة الله عز وجل، كلهم أولياء لله لم يقع من أحدهم معصية لا صغيرة ولا كبيرة، وهم أكثر مخلوقات الله عددا يسكنون السماء، وينزلون بأمر الله، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون، لا يجوز سبهم بل إن سبَّهم خروج من الدين كما نص على ذلك علماء المسلمين، والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}، قوله “يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ” أي يدعون له، فالصلاة في اللغة معناها الدعاء بخير، وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة ويجوز أن يكونوا غيرهم، قوله “مَا دَامَ في مَجْلِسهِ” أي مدة دوامه في ذلك المجلس، قوله “الَّذي صَلَّى فِيهِ” أي صلى فيه صلاة تامة، قوله “يقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ” وهذا يبين أن المراد بصلاة الملائكة هنا الدعاء بخير على معنى الصلاة في اللغة، ومعنى قوله “اللهم تب عليه” أَيْ: وَفِّقْهُ لِلتَّوْبَةِ أَوِ اقْبَلْهَا مِنْهُ أَوْ ثَبِّتْهُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ دَاعِينَ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ أَوْ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ. قوله “ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ” أَيْ: ما لم يؤذ فيه أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ، أي يقع بما فيه أذية لغيره من المسلمين، وتأول أكثر العلماء الأذى بالغيبة والضرب فإن ذلك أعظم من أذى الحدث، قوله “مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ” والحدث المقصود هنا هو الريح، ويؤخذ منه أن الحدث يقطع ذلك ولو استمر جالساً في مصلاه. قال ملا علي القاري: أَيْ: حَدَثًا حَقِيقِيًّا، وَهُوَ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِّ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: مَا لَمْ يَبْطُلْ وُضُوؤُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: وَمَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. ، وَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ سَبَبَ الِاسْتِفْسَارِ إِطْلَاقُ الْحَدَثِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، قوله (متفقٌ عليه، وهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ) أي رواه البخاري ومسلم مع اختلاف في الألفاظ.

فائدة: يؤخذ من هذا الحديث فضيلةُ الصلاة وخصوصا صلاة الجماعة والحث عليها، فقد جاءت أحاديثُ عديدةٌ فيها بيان فضيلة الصَّلاةِ الَّتِي جَعَلَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَحَدَ أَعْظَمِ أُمُورِ الإِسْلامِ الخَمْسَةِ حَيْثُ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ “بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ” وَعَدَّ مِنْها شَهادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأَنَّ محمَّدًا رَسُولُ اللهِ ثُمَّ إِقامِ الصَّلاةِ فَجاءَتِ الصَّلاةُ في الْمَرْتَبَةِ الثانِيَةِ بَعْدَ الشَّهادَتَيْن. وقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَيْضًا “رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وعَمُودُهُ الصَّلاةُ” فَهِيَ مِنْ أَظْهَرِ مَعالِمِهِ وأَعْظَمِ شَعائِرِهِ وأَنْفَعِ ذَخائِرِهِ وهِيَ بَعْدَ الشَّهادَتَيْنِ ءاكَدُ مَفْرُوضٍ وأَعْظَمُ مَعْرُوضٍ وأَجَلُّ طاعَةٍ وأَرْجَى بِضاعَةٍ، خُضُوعٌ وخُشُوعٌ، وٱفْتِقارٌ وٱضْطِرارٌ، ودُعاءٌ وثَناءٌ، وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ، وتَذَلُّلٌ للهِ العَلِيِّ الْمَجِيد.

وهي عِبادَةٌ تُشْرِقُ بِالأَمَلِ في لُجَّةِ الظُّلُماتِ وتُنْقِذُ الْمُتَرَدِّي في دَرْبِ الْمَظْلِماتِ وتَأْخُذُ بِيَدِ البائِسِ مِنْ قَعْرِ بُؤْسِهِ واليائِسِ مِنْ دَرَكِ يَأْسِهِ إِلى طَرِيقِ النَّجاةِ ولِهَذا عُنِيَ الإِسْلامُ عِنايَةً بالِغَةً بِالصَّلاةِ فَجاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى الأَمْرُ بِإِقامَتِها والْمُحافَظَةِ عَلَيْها حَيْثُ قالَ تَعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فَمَنْ حَفِظَها وحافَظَ عَلَيْها بِتَعَلُّمِ أَحْكامِها وأَدّاها عَلى ما يُوافِقُ شَرْعَ اللهِ فَقَدْ فازَ ونَجا ومَنْ ضَيَّعَها فَقَدْ خابَ وخَسِرَ وكانَ لِما سِواها أَضْيَعَ، فَعَلَيْنا أَنْ نُحافِظَ عَلَيْها في حالِ الصِّحَّةِ والْمَرَضِ والضِّيقِ والسَّعَةِ وحالِ الأَمْنِ والْخَوْفِ. فَالصَّلاةُ سِرُّ النَّجاحِ وأَصْلُ الفَلاحِ وأَوَّلُ ما يُحاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وأَنْجَحَ وإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خابَ وخَسِر. والْمُحافَظَةُ عَلَيْها عُنْوانُ الصِّدْقِ والإِيمان، والتَّهاوُنُ بِها عَلامَةُ الخِزْيِ والخُسْران. خَمْسُ صَلَواتٍ مَنْ حافَظَ عَلَيْهِنَّ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وسُجُودَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وكانَتْ لَهُ نُوراً وبُرْهاناً ونَجاةً يَوْمَ القِيامَةِ ومَنْ لَمْ يُحافِظْ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ نُورٌ ولا بُرْهانٌ وَحَشَرَهُ اللهُ مَعَ أَهْلِ الخَيْبَةِ والخُسْران. وَإِنَّ فَرِيضَةَ الصَّلاةِ مِنْ أَهَمِّ فَرائِضِ الدِّينِ الَّتِي أَكَّدَ اللهُ أَمْرَها في جَمِيعِ الشَّرائِعِ وإِنَّ مِنْ أَبْرَزِ أَسْرارِ هَذِهِ العِبادَةِ الجَلِيلَةِ ومَعانِيها السامِيَةِ أَنَّها بِأَفْعالِها وقِراءَتِها ودُعائِها خُشُوعٌ وخُضُوعٌ للهِ رَبِّ العالَمِينَ وتَحْقِيقٌ لِقُرْبِ العَبْدِ مِنْ رَبِّهِ القُرْبَ الْمَعْنَوِيَّ قالَ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ العَلَقِ مُخاطِبًا رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩}، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ. وهِيَ إِيقاظٌ مُتَكَرِّرٌ لِلإِنْسانِ مِنْ غَفْلَتِهِ عَنْ طاعَةِ الله، وتَحْرِيضٌ لَهُ عَلى كَثْرَةِ الأَوْبَةِ والإِنابَةِ إِلى اللهِ سُبْحانَه. وهِيَ في الوَقْتِ نَفْسِهِ تَطْهِيرٌ لِلْقَلْبِ وتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ وتَنْقِيَةٌ لِلرُّوحِ وتَنْظِيفٌ لِلْجَوارِحِ مِنْ لَوْثاتِ الشُّرُورِ والآثام. وحَسْبُنا دَلِيلاً عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ “أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَراً بِبابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَىْءٌ” قالُوا لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَىْءٌ قالَ “فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطايا” (أَيِ الذُّنُوبَ الصَّغِيرَةَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ونَظَرًا لأَهَمِّيَّةِ الصَّلاةِ وأَثَرِها البالِغِ في عاجِلِ أَمْرِ الـمُؤْمِنِ وءاجِلِهِ تَوَعَّدَ اللهُ جاحِدَها بِالعَذابِ الأَلِيمِ حَيْثُ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ جَوابِ الكُفّارِ حِينَ يُسْأَلُونَ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} وتَوَعَّدَ مَنْ يُؤَخِّرُها عَنْ وَقْتِها لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقالَ عَزَّ مِنْ قائِلٍ {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. فَالإِعْراضُ عَنِ الصَّلاةِ وإِهْمالُها إِعْراضٌ عَنْ طاعَةِ اللهِ ولا يَخْسَرُ الإِنْسانُ ويَشْقَى في دُنْياهُ ويَخِيبُ ويَهْلِكُ في أُخْراهُ إِلاَّ بِالإِعْراضِ عَنْ طاعَةِ مَوْلاهُ سُبْحانَهُ فَإِنَّ تَرْكَ أَداءِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ كَسَلاً ذَنْبٌ كَبِيرٌ يَسْتَحِقُّ مُقْتَرِفُهُ العِقابَ الشَّدِيدَ عَلَيْهِ وقَدْ يُوصِلُهُ إِلى الكُفْرِ لأَنَّ تَرْكَها يُؤَثِّرُ في القَلْبِ فَيَضْعُفُ أَمامَ الشَّياطِينِ والْمُيُولِ الخَبِيثَةِ ومَنْ ضَعُفَ قَدْ يَصِلُ بِهِ ضَعْفُهُ إِلى الكُفْرِ والعِياذُ بِاللهِ وأَمّا مَنْ ثابَرَ عَلَيْها وأَدّاها كَما يَنْبَغِي فَيُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ تَحَسُّناً في حالِهِ وبُعْداً عَنِ الْمَساوِئِ فَقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ }. فحافِظُوا عَلى أَداءِ الْمَكْتُوباتِ جَماعَةً فَإِنَّ في أَدائِها جَماعَةً سِرًّا وثَوابًا أَكْبَرَ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ “صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً” وصَلاةُ الْمَرْءِ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ أَكْبَرُ ثَواباً لِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ “مَنْ صَلَّى العِشاءَ في جَماعَةٍ فَكَأَنَّما قامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ومَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَماعَةٍ فَكَأَنَّما صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ” فَبادِرُوا إِلى أَدائِها في أَوْقاتِها جَماعَةً مُخْلِصِينَ للهِ تَعالى وحَقِّقُوا كامِلَ خُشُوعِها لأَنَّكُمْ تَسْتَمِدُّونَ بِها قُوَّةً وعَزِيمَةً مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الثَّباتِ أَمامَ الْمِحَنِ مَهْما اشْتَدَّتْ وفي مُعْتَرَكِ أَزَماتِ العَيْشِ مَهْما اسْتَعْسَرَتْ وتَطْرُدُونَ بِها عَنْ قُلُوبِكُمُ الأَمْراضَ وتَسْتَجْلِبُونَ الرّاحَةَ لِضَمائِرِكُمْ والطُّمَأْنِينَةَ لأَفْئِدَتِكُمْ والاِسْتِقامَةَ لِجَوَارِحِكُمْ وهَذا ما فَسَّرَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “أَرِحْنا بِهَا يَا بِلاَلُ” أَيْ أَرِحْنا بِالصَّلاةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنَ الْمُصَلِّينَ وثَبِّتْنا عَلى هَدْيِ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ.