الحديث السادس والحديث السابع

الدرس ٣ من ٧ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٣:٥٥

الحديث السادس

وَعَنْ أبي إِسْحَاقَ سعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ مَالكِ بنِ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهرةَ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كعْبِ بنِ لُؤىٍّ الْقُرشِيِّ الزُّهَرِيِّ رضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَحدِ الْعَشرة الْمَشْهودِ لَهمْ بِالْجَنَّة، رضِي اللَّهُ عَنْهُم قَالَ: “جَاءَنِي رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّة الْوَداعِ مِنْ وَجعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ بلغَ بِي مِن الْوجعِ مَا تَرى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرثُنِي إِلاَّ ابْنةٌ لِي، أَفأَتصَدَّق بثُلُثَىْ مالِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فالشَّطُر يَارسوُلَ اللهِ؟ فقالَ: لا، قُلْتُ فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: الثُّلثُ والثُّلُثُ كثِيرٌ -أَوْ كَبِيرٌ – إِنَّكَ إِنْ تَذرَ وَرثتك أغنِياءَ خَيْرٌ مِن أَنْ تذرهُمْ عالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاس، وَإِنَّكَ لَنْ تُنفِق نَفَقةً تبْتغِي بِهَا وجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى ما تَجْعلُ في فِيِّ امْرَأَتِكَ قَال: فَقلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَال: إِنَّك لَنْ تُخَلَّفَ فتعْمَل عَمَلاً تَبْتغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ إلاَّ ازْددْتَ بِهِ دَرجةً ورِفعةً ولعَلَّك أَنْ تُخلَّف حَتَى ينْتفعَ بكَ أَقَوامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأِصْحابي هجْرتَهُم، وَلاَ ترُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهم، لَكن الْبائسُ سعْدُ بْنُ خوْلَةَ”يرْثِي لَهُ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم”أَن مَاتَ بمكَّةَ” متفقٌ عليهِ.

هو سَعْدُ بْنُ أَبِي وقاص واسم أبي وقاص مَالِكِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كلاب بْن مُرَّة ويكنى أَبَا إِسْحَاق. وأمه حمنة بِنْت سُفْيَان بْن أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بن قصي.

وروي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: [أَقْبَلَ سَعْدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَ: هَذَا خَالِي فَلْيُرِني امْرِىٌ خَالَهُ]

  قال سعد بن ابي وقاص: وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ يَوْمٌ وَإِنِّي لَثالث الإِسْلامِ. وَقَالَ: لَقَدْ أَسْلَمْتُ يَوْمَ أَسْلَمْتُ وَمَا فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَوَاتَ، وَأَسْلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وروي عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الإِسْلامِ بِسَهْمٍ. وفي البخاري قَالَ سَعْدٌ إِنِّى لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ اهـ.

وروي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلا سَعْدًا فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

وروي أن سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ:

أَلا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي … حَمَيْتُ صِحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي

أَذُودُ بِهَا عَدُوَّهُمُ ذِيَادًا … بِكُلِّ حُزُونَةٍ وَبِكُلِّ سَهْلِ

فَمَا يُعْتَدُّ رَامٍ مِنْ مَعَدٍّ … بِسَهْمٍ مَعْ رَسُولِ اللَّهِ قَبْلِي

وثبت أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَهُ إِذَا دَعَاكَ.

وَشَهِدَ سَعْدُ بَدْرًا وأحدا وثبت يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ولى الناس. وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَفَتِحَ مَكَّةَ. وَكَانَتْ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى رَايَاتِ الْمُهَاجِرِينَ الثَّلاثُ. وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وروى ابن سعد في الطبقات أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى.

وجاء عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَقْضِي. قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ أَيْ بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ. قَالَ: فَلا تَبْكِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (لبشارة النبي له بالجنة). ثم إِنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مَاتَ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِهَا 

وروي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: مَاتَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ. وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

وقالت عائشة بنتُ سعدٍ: أَرْسَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِزَكَاةِ عَيْنِ مَالِهِ خَمْسَةَآلافِ دِرْهَمٍ. وَتَرَكَ سَعْدٌ يَوْمَ مَاتَ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ اهـ.

وأخباره في الشجاعة والشدة في دين الله واتباع السنة والزهد والورع وإجابة الدعوة والصدق والتواضع شهيرة.

قال ابن الجوزي: له مائتان وإحدى وسبعون حديثًا. اهـ. اتفق الشيخان على خمسة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بثمانية عشر. وكان آخر المهاجرين موتاً بالمدينة ولما حضرته الوفاة دعا بجبة خلقه له فقال: كفنوني فيها، فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبَؤها لهذا اليوم.

شرح عام على الحديث

بعد أن حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حجَّةَ الوداع وكان معه سعدُ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه مرض سعد رضي الله عنه وظن أنه سيموت من مرضه ذلك في البلد التي هاجر منها وهي مكة، فزاره النبي صلى الله عليه وسلم وقال للنبي أنه ليس عنده من الولد إلا ابنة له صغيرة وله مال كثير هل يوصي به للمسلمين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الثلث والثلث كثير، وجرى بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حوارٌ وفيه، أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام هل أموت في مكة وهي البلد التي هاجرت منها نصرة للدين ولرسول الله، وكان هو يريد أن يكون من الفاتحين والمجاهدين في البلاد، لا أن يموت في نفس بلده التي خرج منها لهذه الغاية، فقال له النبي أنه لن يموت في مرضه هذا وبشَّره بأنك ستعيش حتى ينتفع بك أقوام (وهم المسلمون الذين ستقودهم لفتح بلاد فارس، وسينضرُّ بك آخرون وهم الفُرْسُ فإنك ستكون سببا في إزالة ملكهم) ورثى النبي أي ذكر سعدَ بنَ خولةَ مُتَحَزِّنًا عليه أنه مات في البلد التي هاجر منها ولم يشهد انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يشهد كثيرًا من المواطن الصالحة التي انتشر بسببها الدين وعَزَّ وصار إلى بلاد كثيرة في الشرق والغرب. 

حل لفظ الحديث والتعليق عليه

هذا الحديث أخرجه البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع. وأخرجه غيرُه.

 (قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني) أي يزورني وهذا من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يزور أتباعه ويتفقد أحوالهم، وهذا يُظهِر ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع ولين الجانب (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأنه ودعهم فيها، وتسمى بحجة البلاغ، لأنه قال لهم فيها: “هل بغلت” وبحجة الإسلام، لأنها الحجة التي حجّ فيها المسلمون (من وجع اشتد بي) وفي رواية لهما “أشفيت منه على الموت” أي: قاربته وأشرفت عليه (فقلت، يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من نحو مداواة أو دعاء صالح أو وصية أو استفتاء عن حالة (وأنا ذو مال) فيه دليل إباحة جمع المال من وجه ممدوح، لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلا لمال كثير (ولا يرثني) من الولد أو خواصّ الورثة وإلا فقد كان له عصبة (إلا ابنة لي) اسمها عائشة ولم يكن إذ ذاك سواها، ثم جاء له بعد ذلك أولاد كُثُر وابنته عائشة كانت من الفقيهات. وقال الخليل: لم يروِ مالك عن امرأة غيرها اهـ. (أفأتصدق بثلثي مالي) أراد بالصدقة الوصية، وعند العلماء لا ينفذ منهما ما زاد على ثلث التركة إلا برضى الوارث لهذا الحديث (قال: لا، قلت: فالشطر) أي: فالنصف؟ (قال: لا، قلت فالثلث قال: الثلث) بالرفع: أي يكفيك الثلث (والثلث كثير أو كبير) روايتان وكلاهما صحيح. قال في «فتح الباري»: المحفوظ في أكثر رواياته بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه (إنك أن تذر ورثتك أغنياء) بفتح همزة أن: أي لأن تذر (خير من أن تذرهم) أي: تتركهم (عالَة) فقراء (يتكففون الناس) أي: يسألونهم ما في أكفهم، ففي الحديث حثّ على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب والشفقة على الورثة، وأنّ صلة القريب الأقرب أفضل من الأبعد، ومما ينفع في هذا الباب ما رُوي عَنِ ابْنِ مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ” (أي فقر وحاجة) أبدًا، فكان ابن مسعود رضي الله عنه يَأْمُرُ بَنَاتَهَ بِقِرَاءَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ.

 (وإنك لن تنفق نفقة) معطوف على قوله: “إنك أن تذر” إلى آخره، وهما علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث كأنه قال: لا تفعل لأنك إن متّ تركت ورثتك أغنياء وهو خير لك، وإن عشت تصدقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين، وقال ابن أبي جمرة: نبه بالنفقة على ما سواها من عمل البرّ (تبتغي بها وجه الله) أي: ذاته وحده، فإن كلمة الوجه تطلق على معانٍ عدةٍ ولكن لا يجوز حملُها على معنى الجارحة في حق الله تعالى فلا يجوز اعتبار معنى الوجه هنا العضوَ الجارح كما في الإنسان وغيره فإن هذا مستحيل على الخالق عز وجل ومن حمله على معنى الجارحة فهذا كذب القرآن فقد نص القرآن الكريم على تنزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات فقال عز وجل: {ليس كمثله شيء} وهذا الحال مع آيات الصفات فإنها لا تحمل على معنى الجارحة، وقد قال الحافظ البيهقي: وَفِي الْجُمْلَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اسْتِوَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ بِاسْتِوَاءِ اعْتِدَالٍ عَنِ اعْوِجَاجٍ وَلَا اسْتِقْرَارٍ فِي مَكَانٍ، وَلَا مُمَّاسَّةٍ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَكِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِلَا كَيْفٍ بِلَا أَيْنَ، بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَأَنَّ إِتْيَانَهُ لَيْسَ بِإِتْيَانٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّ مَجِيئَهُ لَيْسَ بِحَرَكَةٍ، وَأَنَّ نُزُولَهُ لَيْسَ بِنَقْلَةٍ، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَأَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِصُورَةٍ، وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بجَارِحَةٍ، وَأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَتْ بِحَدَقَةٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَوْصَافٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، فَقُلْنَا بِهَا وَنَفَيْنَا عَنْهَا التَّكْيِيفَ، فَقَدْ قَالَ: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، وقال: {قل هو الله أحد}، وقال: {هل تعلم له سميًّا}، وعلى هذا يُحمَلُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: “فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إله إِلَّا اللهُ يَبْتَغِيْ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ”. وقوله تعالى: {كل شىء هالك إلا وجهَه}، فقد فسَّرَهُ الإمام البخاري بقوله إلا ملكه ويقال إلا ما أريد به وجهه. وكذلك قال سفيان الثوري ما أريد به وجهه.

 (إلا أُجِرْتَ) أي آجَرَكَ الله (عليها) وفي نسخة “بها” لأنه من العمل الصالح (حتى ما تجعل في في امرأتك) أي إلا أُجِرْتَ بالنفقة التي تبتغي بها وجه الله حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك. وهذا يبيِّنُ أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد وجه الله تعالى به. وفيه أن المباح إذا قُصِدَ به وجهُ الله صار طاعةً ويثابُ عليه، فقد أخبر الشارع بأن ذلك يؤجر عليه بالقصد الجميل. ويؤخذ منه أن الإنسان إذا فعل مباحاً من أكل أو شرب وقَصَدَ به وجهَ الله كالاستعانة بذلك على الطاعة وبالنوم على قيام الليل يُثابُ عليه. والمعنى كأنه يقول له لا تستقل الثلث، فإنك إذا أخرجته أثبت الثواب العظيم. وأبقيت لورثتك ما يصونون به وجوههم عن ذلّ السؤال، ومع ذلك تكون قد تداركت به ما فرطت، ويؤيد هذا ما روى البخاري عن حَكيمِ بن حِزامٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قال: “اليدُ العُليا خيرٌ منَ اليدِ السُّفلى، وابدأْ بِمَنْ تَعولُ. وخَيرُ الصدَقةِ عن ظهرِ غنى، ومَن يَستعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَن يَسْتغنِ يُغنِهِ اللهُ”. (قال فقلت يا رسول الله أُخَلَّفُ) أي أخلف في مكة (بعد أصحابي) أي: بعد انصرافهم معك. كأنه خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي وأصحابه إلى المدينة وتخلُفِه عنهم بسبب المرض. (قال إنك لن تخلف) أي: بأن يطول عُمُرُك وبقاؤك في الحياة بعد جماعات من أصحابك (فتعمل عملًا تبتغي) تقصد (به وجه الله) وحده: أي: ذاته (إلا ازددت به درجة) في الجنة (ورِفعَةً) بكسر الراء، ففي هذا فضيلةُ طول العمر للازدياد من العمل الصالح، والحثّ على إرادة وجهِ الله تعالى بالأعمال.

 وجاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ: “أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ الله: مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ”. (ولعلك أن تخلف) بأن يطول عمرك (حتى ينتفعَ بك أقوام) في دينهم ودنياهم وهم المسلمون الذين يفتحون بلاد فارس (وَيُضَرَّ بِكَ آخرون) هذا من جملة إخباره بما سيكون بعده صلى الله عليه وسلم، فإن سعدا عاش حتى فتح العراق وغيره من البلاد، وانتفع به قوم في دينهم ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا إلى جهنم ، وغُنِمَت أموالُهم وديارهُم، وَوَلِيَ العراقَ فاهتدى على يديه خلائق بإقامة الحق فيهم (اللهم) أصله يا الله، وهو الاسم الأعظم لله تعالى، ولفظ الجلالة أعظم وأحلى كلمة في العربية  التي هي أشرف اللغات (أَمْضِ) أي أتمم (لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) دعا لهم دعاء عامًا.

 وفي رواية عن عَنْ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَنِيَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا! (لَكِنِ البَائِسُ) أي الذي آثر البؤس، أي شدة الفقر والقلة (سعدُ بنُ خولة) بفتح الخاء المعجمة، وهو سعد بن خولة القرشي العامري من بني مالك بن عامر بن لؤيّ، وقيل من حلفائهم، وقيل من مواليهم. 

قال ابن هشام: هو فارسي من اليمن حالف بني عامر. ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما في البدريّين، وله ذكر في الصّحيحين.اهـ (يرثى له) أي: يرق له ويترحم له، (رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن) بفتح الهمزة: أي: لأنه (مات بمكة) وهي الأرض التي هاجر منها، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا لا يريدون الْإِقَامَةَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبِّهِمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَمِنْ ثَمَّ خَشِيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَمُوتَ بِهَا وَتَوَجَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِهَا. واختلف في قصة سعدبن خولة: فقيل: إنه هاجر وشهد بدراً ثم انصرف إلى مكة ومات بها، وقيل: توفي بمكة سنة سبع في الهدنة، خرج مختارا من المدينة إلى مكة. فعلى هذا سبب بؤسه لما فاته من الأجر الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه الذي هَجَرَه لله تعالى.

 قال النووي: وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا جَوَازُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. والآية التي في القرآن وهي عامة قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، فهي عامة وظاهرها يدل على جواز الوصية بكل المال أو ببعضه والتخصيص بقوله عليه السلام: “وَالثلثُ كثير”. 

الحديث السابع

وَعَنْ أبي هُريْرة عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ صخْرٍ رضي الله عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ “رواه مسلم.

الشرح والتعليق على هذا الحديث: أبو هريرة رضي الله عنه، اختُلِفَ على اسمه على ستةٍ وثلاثين قولا، ولكن المشهور بين الحفاظ أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وكان أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ فَوَجَدْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي غِفَارَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِسُورَةِ مَرْيَمَ وفي الثانية ب {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ}. وَقَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نجت

قال: وأبق (أي هرب) مني غلام في الطريق فلما قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام [فقال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَأَعْتَقْتُهُ. 

وقال أَبو هُرَيْرَةَ: نَشَأْتُ يَتِيمًا وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ (وهي أخت عقبة بن غزوان الصحابي وكان امير البصرة استاجرته في العهد النبوي ثم تزوجها بعد ذلك لما كان مروان بن الحكم يستخلفه في إمرَة المدينة) بِطَعَامِ بَطْنِي وعٌقبَة رجلي. (أي النوبة من الركوب استراحة لرجلي) فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو (أي أحث الإبل على السير) إِذَا رَكِبُوا فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا. 

وروي في البخاري عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: تَمَخَّطَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مِنْ كَتَّانٍ مُمْشَقٍ (مطرز بلون أحمر) فَتَمَخَّطَ فِيهِ (أي استنثر وطهر أنفه، ومنه المخاط ماء يسيل من الأنف، وتمخطه: إما لحاجته إلى ذلك، أو ازدراء بهذين الثوبين اللذين حصل عليهما بعد مفارقة الحبيب صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ (بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ، وَكَرَّرَ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ مِنَ الشَّيْءِ، وَتُقَالُ عِنْدَ الْمَدْحِ وَالرِّضَا بِالشَّىءِ) يَتَمَخَّطُ أبو هريرة في الكتان. لقد رأيتني أَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ. يَجِيءُ الْجَائِي يَرَى أَنَّ بِي جُنُونًا وَمَا بِي إِلا الْجُوعُ. (يقول هذا حالي الان!! هكذا امتخط بالكتان!! بَخٍ بَخٍ قال هذا من تعجبه كيف كان في حياة النبي من حيث العيشة خشنة والان يتمخط بالكتان،)

 وَقَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ فَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ حَتَّى قَدِمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

 وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي فِيهِنَّ. 

وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قَالَ: وَاللَّهِ لا يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلا أَحَبَّنِي. قَالَ قُلْتُ: وَمَا يُعَلِّمُكَ ذَاكَ؟ قَالَ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. قَالَ فَدَعَوْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَأَنَا أَبْكِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. فَفَعَلَ فَجِئْتُ فَإِذَا الْبَابُ مُجَافٌ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا ثُمَّ قَالَتْ: ادْخُلْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَدَخَلْتُ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ. فَقُلْتُ: أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَكَ. قَدْ هَدَى اللَّهُ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّيَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَإِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. فَقَالَ: “اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَلَيْسَ يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مؤمنة إلا أحبني”.

 وروي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزهري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ لِصُحْبَتِهَا.  نذكر مروره على بيتها كل يوم والدعاء لها.

وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: “لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. إِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مخلصا من قِبَلِ نفسه”. وجاء عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ} [البقرة: 159]. قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلَّهِ الْمَوْعِدُ. وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ. وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ صَفَقَاتُهُمْ بِالسُّوقِ. وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا. وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسَوْا. وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا يَوْمًا فَقَالَ: “مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ حَتَّى أُفْرِغَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ إِلَيْهِ فَلا يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي أَبَدًا؟ فَبَسَطْتُ ثَوْبِي. أَوْ قَالَ: نَمِرَتِي” فَحَدَّثَنِي ثم قبضه إلي. فو الله مَا كُنْتُ نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ. وَايْمُ اللَّهِ لَوْلا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا. ثُمَّ تَلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.

 وكان أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يخبرُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ لا تُرْجِعُنِي. قَالَ فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا أَبَا سَلَمَةَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أن تموت فمت. فو الذي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَنٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ. أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يأتي على الناس زمان يأتي الرجلُ قَبْرَ الْمُسْلِمِ فَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ. 

 وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي شَكْوِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي (يُعَبَّرُ عن الموت بلقاء الله). قَالَ فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ الْقَطَا حَتَّى مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ.

 وَبَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي مَرَضِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ وَلَكِنِّي أَبْكِي لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي. أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطَةٌ عَلَى جُنَّةٍ وَنَارٍ فَلا أَدْرِي إِلَى أيهما يُسلَكُ بي.

 وروي عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كنت مع ابْنِ عُمَرَ فِي جَنَازَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَهَا وَيُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ. 

يَروى عنه كما قال البخاري أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، وله خمسةُ آلاف حديث وثلاثُمَائة وأربعةٌ وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين. 

وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَكَانَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَهُوَ صَلَّى عَلَى عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَهُوَ صَلَّى عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعِ وَخَمْسِينَ ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ.

التعليق والشرح على الحديث: وَعَنْ أبي هُريْرة عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ صخْرٍ رضي الله عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ “رواه مسلم.

قوله: “إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم” أي: لا يثيبكم عليها ولا يقربكم منه ذلك كما قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}،

 ومعنى نظر الله هُنَا مُجَازَاتُهُ وَمُحَاسَبَتُهُ أَيْ إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ على مافي الْقَلْبِ دُونَ الصُّوَرِ الظَّاهِرَةِ. (“يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ”) أَيْ: إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْيَقِينِ، وَالصِّدْقِ، وَالْإِخْلَاصِ، او وَقَصْدِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الرَّضِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الرَّدِيَّةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: مَعْنَى النَّظَرِ هَا هُنَا: الِاجْتِبَاءُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالْعَطْفُ. 

والحاصل أن الإثابة والتقريب ليسا باعتبار الاجسام وإنما هي باعتبار ما في القلب، وروى الواحدي والنسفي وغيرهما أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِبَعْضِ الْأَسْوَاقِ بِالْمَدِينَةِ وَإِذَا غُلَامٌ أَسْوَدُ قَائِمٌ يُنَادِي عَلَيْهِ بَيَّاعٌ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَكَانَ الْغُلَامُ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرَانِي فَعَلَى شَرْطٍ، قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: لَا يَمْنَعُنِي مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَكَانَ يَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَفَقَدَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: “أَيْنَ الْغُلَامُ؟” فَقَالَ: مَحْمُومٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: “قُومُوا بِنَا نَعُودُهُ”، فَقَامُوا مَعَهُ فَعَادُوهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ لِصَاحِبِهِ: “مَا حَالُ الْغُلَامِ؟” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْغُلَامَ قُبِضَ وهو يتجهز للصلاة عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ، فَدَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، واستغربوا حتى قال بعضهم: آثَرَ عَلَيْنَا عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} يَعْنِي أَنَّكُمْ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَرَاهُمْ فَضْلَ التَّقْوَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.اهـ فليست العبرة بالدنيا ولا بزينتها وإنما بتقوى الله، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللّه، من أكرم النّاس؟ قال: “أتقاهم”.

وأنشد البعض:

ولستُ أرى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ
ولكنَّ التَّقِيَّ هو السَّعيدُ
وتَقْوَى اللّه خيرُ الزَّاد ذُخرًا
وعنْدَ اللّه للأتقى مَزيدُ

وقد قيل: لا عبرة بالأجسام العريضة، ولا بالألسن الفصيحة، إنما العبرة بالقلوب المطهرة، والسرائر المنورة. و”رُبَّ أشعثَ أغبر، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسمَ على الله لأبَرَّه في قسمه” وقد قيل:

وَمَا الحُسْنُ في وَجْهِ الفتى شَرَفًا لَهُ *** إذا لم يكُنْ في فِعْلِهِ وَالخَلائِقِ. 

وفي هذا الحديث إشارة إلى ترك التكبر ولزوم التذلل والانكسار، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن علي رضي الله عنه أنه قال: “مَا بَالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ذَلِكَ وِعَاءٌ لِقَذَرِهِ أَنْ يَفْخَرَ”. وكان علي ينشد: 

النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ *** أَبُوْهُمُ آدَمُ والأُمُّ حَوَّاءُ

نَفْسٌ كَنَفْسٍ وأرواحٌ مُشاكلَةٌ *** وأَعْظُمٌ خُلِقَتْ فيها وأعضاءُ 

وإِنَّما أُمَّهاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ *** مُسْتَودعاتٌ وللأَحْسَابِ آباءُ

فإنْ يَكُنْ لـهُمُ مِنْ أَصْلِهم شَرَفٌ *** يُفاخِرونَ بهِ فالطِّيْنُ والماءُ

ما الفَضْلُ إلَّا لأَهْلِ العِلْمِ إنَّهُمُ *** عَلَى الـهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلاَّءُ

وقِيمةُ المرْءِ مَا قَدْ كان يُحْسِنُه *** وللرِجَالِ على الأفعالِ أَسْماءُ

وضدُّ كلِّ امرئ ما كَانَ يَجْهَلُه *** والجَاهِلونَ لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ

ففُزْ بِعِلْمٍ ولاَ تَطْلُبْ بهِ بَدلا *** فالناسُ مَوْتى وأَهْلُ العِلْمِ أَحْياءُ

وفي الحديث الاعتناء بحال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن كل وصف مذموم وتحليته بكل نعت محمود، فإنه لما كان القلب محلَّ نظر الربّ حُقَ على العالِم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحواله لإمكان أن يكون فيه وصف مذموم يمقته الله بسببه. 

وفيه أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على عمل الجوارح، لأن عمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية، إذا لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثم لا يكمل إلا بمراقبته تعالى فيه المعبر عنها بالإحسان، ومعنى نظر الله هنا مجازاته وإثباته، البَصَرُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى القَائِمَةِ بِذَاتِهِ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا ، فهُوَ تَعَالَى يَرَى كُلَّ الْمُبْصَرَاتِ بِبَصَرِهِ الأَزَلِيِّ، وَإِبْصَارُهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقَدَّسٌ عَنْ أَنْ يَكُوْنُ بِحَدَقَةٍ وَأَجْفَانٍ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُوْنَ بَصَرُهُ عَنْ سَبَبِ انْطِبَاعِ أَلْوَانٍ وَصُوَرٍ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْطَبِعُ ذَلِكَ فِي حَدَقَتِهِ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُوْنَ بِشَرْطِ قُرْبٍ أو بُعْدٍ أوْ جِهَةٍ، أما ما جاء في الحديث الآخر: “ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِم” فَمَعْنَى “ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم” أَنَّهُ لَا يُكْرِمُهُم بَل يُهِيْنُهُم، وَمَعْنَى “لَا يُكَلِّمُهُم” أَنَّهُم لَا يَفْرَحُوْنَ حِيْنَ يَسْمَعُوْنَ كَلَامَ اللهِ كَمَا يَفْرَحُ الأَتْقِيَاءُ، أَمَّا سَمَاعُهُم كَلَامَهُ تَعَالَى فَهُوَ حَاصِلٌ لَهُم أَيْ لِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ وَلِغَيْرِهِم مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالكَافِرِيْنَ. 

تنبيه مهم: قال البيهقي بعد أن ساق رواية هذا الحديث: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَحْفُوظُ فِيمَا بَيْنَ الْحُفَّاظِ، وَأَمَّا الَّذِي جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَعْمَالِكُمْ، (هذا اللفظ لم يرد لأن الأعمال سبب لدخول الجنة كما ثبت في غيره من الأحاديث) وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ” فَهَذَا لَمْ يَبْلُغْنَا مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُ مِثْلَهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَالثَّابِتُ فِي الرِّوَايَةِ أَوْلَى بِنَا وَبِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَخَاصَّةً بِمَنْ صَارَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ يُقْتَدَى بِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ.