قاربوا وسددوا ولن ينجو أحد بعمله | رياض الصالحين (86)

الدرس ٧٥ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:٠٩:٢٦

الْحَمْدُ للَّهِ خَالِقِ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَرَازِقِ كُلِّ مَرْزُوقٍ، كانَ قبلَ الأَشْيَاءِ فَمَا دُونَهُ مَسْبُوقٌ، مُوجِدِ الْمَنْظُورِ وَالْمَلْبُوسِ والمذوق، أَنْشَأَ الآدَمِيَّ بِالْقُدْرَةِ مِنْ مَاءٍ مَدْفُوقٍ، وَرَكَّبَ فِيهِ الْعَقْلَ يَدْعُو إِلَى مُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ. أَحْمَدُهُ عَلَى مَا يَقْضِي وَيَسُوقُ، مِمَّا يَغُمُّ وَمَا يَشُوقُ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ هَاجِرًا يَغُوثَ وَيَعُوقَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وَقَدِ ازْدَحَمَتْ سُوقُ الْبَاطِلِ فِي أَرْوَجِ سُوقٍ، فَدَمَغَ بِحَقِّهِ أَهْلَ الزَّيْغِ وَأَرْبَابَ الْفُسُوقِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مَا هَبَّ الْهَوَاءُ وَلَمَعَتِ الْبُرُوقُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلَى عُمَرَ الْمُلَقَّبِ بِالْفَارُوقِ. وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَرِّ الْمُذُوقِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُطَلِّقِ الدُّنْيَا فَمَا تبع الزُّخْرُفَ والفسوق، وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليما كثيرا، أما بعد: 

الحديث

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعنْ أبي هُريْرة رضي اللَّه عنه: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “قَارِبُوا وسدِّدُوا، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ ينْجُوَ أحدٌ منْكُمْ بعملهِ” قَالوا: وَلا أنْت يَا رسُولَ اللَّه؟ قَالَ:”وَلَا أَنَا إلَّا أنْ يتَغَمَّدنيَ اللَّهُ برَحْمةٍ منْه وَفضْلٍ” رواه مسلم.

وَ”الْمُقارَبةُ”: الْقَصْدُ الَّذي لا غلُوَّ فِيهِ وَلَا تقْصيرَ. وَ”السَّدادُ”: الاسْتقَامةُ وَالإِصابةُ، وَ”يتَغَمَّدني” يُلْبسُني ويَسْتُرني. قالَ الْعُلَمَاءُ: معنَى الاستقَامَةِ: لُزومُ طَاعِة اللَّهِ تَعالى، قالُوا: وَهِي مِنْ جوامِعِ الْكلِم، وهِيَ نِظَامُ الأمُورِ، وباللَّه التَّوفيق.

ترجمة راوي الحديث

أبو هريرة رضي الله عنه، اختُلِفَ على اسمه على ستة وثلاثين قولا، ولكن المشهور بين الحفاظ أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وكان أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ فَوَجَدْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي غِفَارَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِسُورَةِ مَرْيَمَ وفي الثانية ب «ويل لِلْمُطَفِّفِينَ». وَقَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا
عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نجت

قال: وأبق (أي هرب) مني غلام في الطريق فلما قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام [فقال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَأَعْتَقْتُهُ.

 وقال أَبو هُرَيْرَةَ: نَشَأْتُ يَتِيمًا وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وعُقبةِ رجلي. فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إِذَا رَكِبُوا فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا.

 وروي في البخاري عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: تَمَخَّطَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مِنْ كَتَّانٍ مُمْشَقٍ (مطرز بلون أحمر) فَتَمَخَّطَ فِيهِ (: يقول هذا حالي الان!! هكذا امتخط بالكتان !! بَخٍ بَخٍ قال هذا من تعجبه كيف كان في حياة النبي والان يتمخط بالكتان، فان كان هذا حالَ ابي هريرة فهذا يعكس كيف كان حالُ رسول الله وكم كانت العيشة خشنة) .

 لقد رأيتني أَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ. يَجِيءُ الْجَائِي يَرَى أَنَّ بِي جُنُونًا وَمَا بِي إِلا الْجُوعُ.. وَقَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَالنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِخَيْبَرَ فَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ حَتَّى قَدِمَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمَدِينَةِ. وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي فِيهِنَّ. وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قَالَ: وَاللَّهِ لا يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مُؤْمِنَةٌ إِلا أَحَبَّنِي. قَالَ قُلْتُ: وَمَا يُعَلِّمُكَ ذَاكَ؟ قَالَ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. قَالَ فَدَعَوْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا أَكْرَهُ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم – وَأَنَا أَبْكِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. فَفَعَلَ فَجِئْتُ فَإِذَا الْبَابُ مُجَافٌ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا ثُمَّ قَالَتْ: ادْخُلْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَدَخَلْتُ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم – أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ. فَقُلْتُ: أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَكَ. قَدْ هَدَى اللَّهُ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الإِسْلامِ. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّيَ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. [فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَلَيْسَ يَسْمَعُ بِي مُؤْمِنٌ وَلا مؤمنة إلا أحبني. وروي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزهري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَتْ أُمُّهُ لِصُحْبَتِهَا. وجاء عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ» البقرة: 159. قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:. إنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولله المَوْعِدُ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، ألْزَمُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى مِلْءِ بَطْنِي، وكانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ، وكَانَتِ الأنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ علَى أمْوَالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ يَومٍ، وقالَ: مَن يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حتَّى أقْضِيَ مَقالتِي، ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شيئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالحَقِّ ما نَسِيتُ شيئًا سَمِعْتُهُ منه. وَايْمُ اللَّهِ لَوْلا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا. ثُمَّ تَلا: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ». وكان أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يخبرُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ لا تُرْجِعُنِي. قَالَ فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا أَبَا سَلَمَةَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أن تموت فمت. فو الذي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَنٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ. أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يأتي على الناس زمان يأتي الرجل قَبْرَ الْمُسْلِمِ فَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ. وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي شَكْوِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي (يُعَبَّرُ عن الموت بلقاء الله). قَالَ فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ الْقَطَا حَتَّى مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَبَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي مَرَضِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ وَلَكِنِّي أَبْكِي لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي. أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطَةٌ عَلَى جُنَّةٍ وَنَارٍ فَلا أَدْرِي إِلَى أيهما يسلك بي. وروي عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كنت مع ابْنِ عُمَرَ فِي جَنَازَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَهَا وَيُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.اهـ يَروى عنه كما قال البخاري أكثرُ من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، وله خمسة آلاف حديث وثلاثُمائةٍ وأربعةٌ وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين. 

وَهُوَ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَهُوَ صَلَّى عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعِ وَخَمْسِينَ. ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ. فِي آخِرِ خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَكَانَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

الشرح

حديثنا هذا هو الحديث السادس والثمانون من كتاب رياض الصالحين والثاني من باب الاستقامة.

قال الحافظ النووي رحمه الله: وعنْ أبي هُريْرة رضي اللَّه عنه: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “قَارِبُوا وسدِّدُوا (وفي صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا، ‌وَسَدِّدُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ كَفَّارَةٌ لَهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا) وقال ابن الأثير في النهاية: أَيِ اطلُبوا بِأَعْمَالِكُمُ السَّدَادَ والاستقامةَ، وَهُوَ القَصْد فِي الْأَمْرِ والعَدْلُ فِيهِ. وقال القرطبي: أي: قاربوا في أفهامكم وسددوا في أعمالكم، ولا تتقللوا، ولا تشددوا على أنفسكم، بل بشروا واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفك عنها أحد في هذه الدار سببا لكفارة الخطايا والأوزار، حتى يردَ عليه المؤمن يوم القيامة وقد خلصه من تلك الأكدار، وطهره من أذى تلك الأقذار، فضلا من الله ونعمة، ولطفا ورحمة) (وقال ملا علي القاري: (قَارِبُوا) أَيِ: اطْلُبُوا قُرْبَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُونَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: سَدِّدُوا أَيِ: الْزَمُوا السَّدَادَ، وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَقَارِبُوا أَيْ: إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذَ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ.)، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ ينْجُوَ (أي لن ينجو من العذاب وسوء الحال) أحدٌ منْكُمْ (أي أيُّ واحد منكم) بعملهِ” (ليس معناه أن الأعمال لا تكون سببا لدخول الجنة، لا، بل الأعمال الصالحة الموافقة للشريعة سبب لدخول الجنات ، فقد ثبت في الشريعة أن دخول الجنات له أسباب، منها العمل على الطريقة الموافقة للشريعة وأول هذه الأسباب الإيمانُ فهو شرط لدخول الجنات وهو شرط لقبول الأعمال الصالحة، فالسبب الرئيس لدخول الجنة هو الإيمان فمن ليس مؤمنا بالله ورسوله فالجنة حرام عليه لن يدخلها مهما عمل من صور الأعمال الصالحة وأتعب نفسه وأجهدها بذلك.

 فلا إله إلا الله ‌سبب ‌لدخول ‌الجنة والنجاة من النار، ؛ قال الحسن للفرزدق -وهو يدفن امرأته-: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نِعَم العُدة: هذا العمود. فَأَيْنَ ‌الطُّنُبُ (فَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ عَمُودَ الْخَيْمَةِ لَا بد له من  الطُّنُبِ حَتَّى يُمْكِنَ الِانْتِفَاعُ بِالْخَيْمَةِ. والطنب: جمعها أطناب وهو حبل طويل يشد به البيت وقيل: «هو الوتد»)؟ وقيل للحسن: إن ناسًا يَقُولُونَ: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فَقَالَ: من قال: لا إله إلا الله، فأدّى حقها وفرضها دخل الجنة (أي دخلها من غير سابق عذاب) وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاحَ الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلا وله أسنانُ؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتَح لك وهذا الحديث: “إن مفتاح الجنة لا اله إلا الله” خرجه الإمام أحمد عن معاذ قال: “قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله” ويدل عَلَى صحة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رتَّب دخول الجنة عَلَى الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في “الصحيحين” عن أبي أيوب أن رجلاً قال: يا رسول الله! أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ. فَقَالَ: “تَعْبُدُ اللَّهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ” وفي “صحيح مسلم” عن أبي هريرة “أنَّ رَجُلاً قال: يا رسول الله، دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَقَالَ النبي صلّى الله عليه وسلم: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا” 

قَالوا: وَلا أنْت يَا رسُولَ اللَّه؟ قَالَ:”وَلَا أَنَا إلَّا أنْ يتَغَمَّدنيَ اللَّهُ (قال ابن الجوزي: وَقَوله: ((يتغمدني)) قَالَ أَبُو عبيد: أَي يلبسني. قَالَ: وَلَا أَحْسبهُ مأخوذا إِلَّا من غمد السَّيْف، لِأَنَّك إِذا أغمدته فقد ألبسته الغمد. فقولُه – صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يدخُلَ أحدٌ منكُمُ الجنَّة بِعمَلِه» فالمراد أنَّ العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنَّة لولا أنَّ الله جعله – بفضله ورحمته – سبباً لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته) فلا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى «ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون- وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون» ونحوها من الآيات التي تدل على أن الأعمال الصالحة يُدخل بها الجنة، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال والتوفيق للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل وهو مراد الحديث ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والفضل والمنة والله أعلم 

والطائعون يستحقون الثواب من باب الفضل لا من باب اللزوم على الله تعالى، أي أنهم يستأهلون ذلك إذِ الشرعُ أخبرَ بأنَّ الطائعَ يجازى بالنعيم في الآخرة، فتنعيمه يكون إحسانًا من الله لا واجبًا عليه تعالى، كذلك عقاب الله الكفار ليس لازمًا على الله، فلو لم يعاقبهم لم يكن ذلك قبيحًا من الله. لا يجب على الله شىء لا إثابة المؤمنين بالجنة ولا عقاب الكفار بالنار، فلو لم يثب المؤمنين ولم يعاقب الكافرين لم يكن ذلك ظلمًا. فدُخُولُ النَّاسِ من المؤمنين الجَنَّاتِ فَضْلٌ وإحسانٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فلا يلزمه ولا يجب عليه شىء ألبتة. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمُا: “لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ”، فَلَا يَجُوْزُ الاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، فَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَى اللهِ فَقَدْ كَفَرَ وَاتَّبَعَ إِبْلِيْسَ فِيْمَا فَعَلَ، وأنشد بعضهم في ذلك واعظا:

دَعِ الإِعْتِرَاضَ(1) فَمَا الأَمْرُ لَكْ
وَلَا الحُكْمُ فِي حَرَكَاتِ الفَلَكْ

وَلَا تَسْأَلِ اللهَ عَنْ فِعْلِهِ
فَمَنْ خَاضَ لُجَّةَ البَحْرِ هَلَكْ

قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في شرح مسلم اعلم أن مذهب أهل السنة أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان ذلك عدلا منه، وإذا أكرمهم ورحمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه ولو نعم الكافرين، وأدخلهم الجنة كان ذلك له ولكنه سبحانه وتعالى أخبر وخبره صادق أنه لا يفعل هذا بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلا منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال ويوجبون الأصلح في خبط طويل لهم، تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع. 

الوجوب على الله تعالى محال لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئا  وكل عاقل يعلم أن الكافر لا صلاح له في كفره. وقد قال النسفي في العقيدة النسفية: وما هو الأصلح للعبد فليس بواجب على الله، فهذا رد على المعتزلة لأنهم قالوا واجب على الله أن يفعل بالعبد ما هو الأصلح له وأما أهل السنة فقالوا إن الله يفعل ما يشاء ولا يحكمه في فعله حاكم وإلا لَمَا خلق الله الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة، ولما كان له سبحانه منة على العباد واستحقاق شكر في الهداية وإفاضة أنواع الخيرات لكونه إنما يؤدى الواجب.

وقد ذكر تاج الدين السبكي في طبقاته وغيره عن أبي الحسن الأشعري أنه ناظر أبا على الجُبائي فقال له الأشعري ما قولك في ثلاثة مؤمن وكافر وصبي فقال الجبائي المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الهلكات والصبي من أهل النجاة فقال الأشعري فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن فقال الجبائي لا يقال له إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها فقال الأشعري فإن قال أي الصبي التقصير ليس مني فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن قال الجبائي يقول له الله كنتُ أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهى إلى سن التكليف فقال له الأشعري رضي الله عنه فلو قال الكافر يا رب علمتَ حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثلَه فانقطع الجنائي.اهـ

قوله صلى الله عليه وسلم: برَحْمةٍ منْه وَفضْلٍ (فضل الله تعالى علينا عظيم فقد رزقنا أعظم نعمة وهي نعمة الإسلام ونعمة أن كنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونعمة أن ثبَّتنا على دينه في هذا الزمن زمان غربة الإسلام، قال  النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،؟ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: ” الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ. وفي لفظ آخر: قال : ناسٌ صالِحُونَ قَلِيلٌ في ناسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أكثرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ. قال: وَكَانَ يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ غُرَبَاءُ لِكَثْرَةِ الْجُهَّالِ. ومعنى هذا الحديث: أنه لما جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيه غريبا فيهم، مستخفيا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل خائف من الأذى، ثم يعود غريبا؛ لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس؛ لقلتهم وخوفهم على أنفسهم، وقال ابن مسعود: «خط لنا النبي صلى الله عليه وسلم خطا، ثم خط إلى جانبه خطوطا، ثم قال للخط الأول: هذا سبيل الله يدعو إليه، وقال للخطوط: هذه سبل الشيطان، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}».

فالحمد لله على نعمه الحمد لله على الإسلام وعلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الثبات على هذا الدين، فنعمةُ الإيمانِ أفضلُ مِنْ نعمةِ الصحةِ والمالِ، وقدِ اعتادَ أهلُ الشامِ قولَ كلمةٍ حُلوةٍ هيَ: “الحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلامِ وكفَى بها من نعمَةٍ”. ولذلكَ قالوا: “مَنْ أُعطيَ الدنيا ولم يعطَ الإيمانَ فكأنَّمـا ما أُعطيَ شيئًا، ومَنْ أُعطيَ الإيمانَ ولم يُعطَ الدنيا فكأنَّما ما مُنِعَ شيئًا”. 

جاء في الحديث: إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ ثمَّ يقولُ: أتنكرُ من هذا شيئًا ؟ أظلمَكَ كتبتي الحافِظونَ؟ يقولُ: لا يا ربِّ ، فيقولُ : أفلَكَ عذرٌ ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ ، فيقولُ : بلَى ، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً ، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ ، فيخرجُ بطاقةً فيها أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ ، فيقولُ : احضُر وزنَكَ فيقولُ يا ربِّ ، ما هذِهِ البطاقةُ ما هذِهِ السِّجلَّاتِ ؟ فقالَ : فإنَّكَ لا تُظلَمُ ، قالَ : فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ ، والبطاقةُ في كفَّةٍ فطاشتِ السِّجلَّاتُ وثقُلتِ البطاقةُ ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شي شيءٌ”، أي: إنَّ ثِقلَ كلمةِ التَّوحيدِ أكبرُ وأعظمُ من أن يَبلُغَها ويُساوِيَها شيءٌ في الميزانِ، فلا يَرجُحُ ولا يَغلِبُ “مع اسمِ اللهِ شيءٌ”، ولا يُقاوِمُه شيءٌ من المعاصي، بل يتَرجَّحُ ذِكرُ اللهِ تعالى على جميعِ المعاصي.

وقد صدق من قال:

نِعَمُ الإِلَــهِ عَلَـى الْعَبادِ كَـــثِيرَةٌ
وَأَجَلُّــهُنَّ فَــنِعْمَـةُ الإِيـمَانِ

وللهِ درُّ القاضي عياضٍ المالكيِّ حيثُ قالَ: 

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًــا وَتِـيـــهًا
وَكِـدْتُ بِأَخْمَصِـــي أَطَـــأُ الثُّرَيَّـــا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّــــا

فرحمةُ اللهِ بالمؤمنِ عظيمةٌ كبيرةٌ فهو سبحانه الذي أسبَغَ علينا نِعَمَه ظاهرةً وباطنةً، فنحن نحمدُه تعالى حمدًا كثيرًا على إنعاماتِه وهِباتِه وعطيَّاتِه الواصلَةِ إلينا والفائضةِ علينا ونشكرُه عليها ((وما بكم من نعمة فمن الله)) وقالَ جلَّ جلالُه: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) معناهُ نحنُ لا نحصرُها بالعدِّ، فأقسامُ نِعَمِ اللهِ علينا خارجةٌ عنِ التحديدِ والإحصاءِ مِنْ جهتِنا، فلا يقوَى عقلُ الإنسانِ على الوقوفِ عليها بكلِّيَّتِها. وقالَ عزَّ وجلّ: ((وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة))، فَمِنَ النعمِ الظاهرةِ صحةُ الجسدِ والحواسُّ الخمسُ والماءُ الباردُ وغيرُها، وأما الباطنةُ فأعظمُها الإيمانُ باللهِ وما يتبَعُ ذلكَ مِنَ التسليمِ للهِ تعالى ومحبتِه وغيرِ ذلك. وإنما ذَكر اللهُ سبحانه وتعالى النعمةَ الظاهرةَ قبلَ الباطنةِ لأن النعمةَ الظاهرةَ هي التي يعرِفها أكثرُ الناس. 

ومِنْ رحمتِه سبحانَه بالمؤمنِ التقيِّ أَنْ وفَّقَه للطاعاتِ واجتنابِ المنكراتِ قالَ اللهُ تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)).

 والجنةُ وما فيها مِنْ نعيمٍ لا يدخلُها ولا يذوقُ نعيمَها إلا المؤمنونَ قال تعالى: ((سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)) وهيَ حرامٌ على الكافرينَ أيْ مَنْ ماتَ على غيرِ الإسلامِ.

الحاشية

  1. بِهَمْزَةِ القَطْعِ ضَرُوْرَةً لِأَجْلِ الوَزْنِ.