الصلاة على النبي ﷺ: حديث رد السلام وعرض سلامك على رسول الله

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ اللَّطِيفِ الرَّؤُوفِ الْعَظِيمِ الْمَنَّانِ، الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، الْمَوْجُوْدِ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا جِهَةٍ وَلَا زَمَان.

جَلَّ عَنْ شَرِيكٍ وَوَلَدٍ، وَعَزَّ عَنِ الاحْتِيَاجِ إِلَى أَحَدٍ، وَتَقَدَّسَ عَنْ نَظِيرٍ وَانْفَرَدَ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ وَأَوْجَدَ مَا كَانَ.

أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شبيه ولا ضِدَّ ولا نِدَّ له، مهما تصورّت ببالك فالله بخلاف ذلك.

وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ خَلْقِهِ وَبَرِيَّتِهِ، الَّذِي انْشَقَّ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ الإِيوَانُ. مَنْ بِسِيْرَتِهِ تَتَعَطَّرُ الْمَجَالِسُ، وَتَرْتَاحُ الْقُلُوْبُ وَتُشَنَّفُ الْآذَانُ.

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَفِيقِهِ فِي الْغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ فَتَّاحِ الأَمْصَارِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَكَاشِفِ غَمِّهِ سَيِّدِ الشُّجْعَانِ، وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

أَمَّا بَعْدُ:

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في باب فضل الصلاة على النبي ﷺ، إلى ما رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ».

وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِى الأَرْضِ يُبَلِّغُونِى عَنْ أُمَّتِى السَّلامَ».

الشرح والتعليق على الحديثين

هذا الحديث فيه مسائل كثيرة عظيمة النفع فهو يبيّن فضيلة الصلاة على النبي ، فإنّ صلاتك وسلامك على النبي ﷺ معروضة عليه، وما أعظم هذه الفضيلة أن يُذكر الواحد منا عند رسول الله عليه الصلاة والسلام.

قال ابن الجوزي: “عباد الله تحَصَّنُوا من الْعَذَاب والوبال بإكثار الصَّلَاة على نَبينَا مُحَمَّد فِي النَّهَار وَاللَّيْل”.اهـ

فالصّلاة على محمد ﷺ سببٌ في رفع الكرب ومغفرة الذنوب بإذن الله، وهي علامة على تعلّق القلب بهذا النبي الكريم عليه أتمُ الصّلاة والتسليم، وهذا حالُ المحبين لمحمد ﷺ، وهو دليل على عظيم محبته عليه الصلاة والسلام،

فقد سُئِلَ عَلِيّ بن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ؟ قَالَ: “كَانَ والله أَحَبَّ إِلَيْنَا من أَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا وَآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ المَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَإِ”.

وَعَنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ رضي الله عنه قال: خَرَج عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَيْلَةً يَحْرُسُ النَّاسَ فَرَأى مِصْبَاحًا فِي بَيْتٍ، وَإذَا عَجُوزٌ تنفش صُوفًا، وَتَقُولُ:

عَلى مُحَمَّدٍ صَلَاةُ الأَبْرَارْ *** صَلَّى عَلَيْهِ الطَّيّبُونَ الأخيار

قَدْ كُنْتَ قَوَّامًا بَكّاءً بالْأَسْحَارْ *** يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالمَنَايَا أَطْوَارْ

هَلْ تَجْمَعُنِي وَحَبِيبِي الدّارْ.

تَعْنِي النبي ﷺ، فجلس عُمَرُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَبْكِي. وطلب منها أن تدخله معهم، فقالت: وعمر فاغفر له يا غفار.

ولما أَخْرجَ أَهْلُ مَكَّةَ زَيْدَ بن الدَّثِنَةِ رضي الله عنه مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانُ بن حَرْبٍ: أنْشُدُكَ اللَّه يَا زَيْدُ أتُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآن عندنا مكانك يُضرَب عنقُه وأنّك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أنّ محمدًا الآن فِي مَكانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا.

وَوَقَفَ ابنُ عُمَرَ عَلَى ابن الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بَعْدَ قَتْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، وَقَالَ: كُنْتَ والله مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا تُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.

ولْيُعْلَمْ أَنَّ مَن أَحَبَّ شَيْئًا آثره وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ فالصَّادِقُ فِي حُبَّ النَّبِيّ ﷺ من تَظْهَرُ علامة ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وَأوَّلُهّا:

الاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنّتِهِ وَاتّبَاعُ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرهِهِ، وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (‌قُلۡ ‌إِن ‌كُنتُمۡ ‌تُحِبُّونَ ‌ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ) [سورة آل عمران/ الآية 31]  وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوافَقَةِ شَهْوَتِهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ ‌خَصَاصَةٞۚ) [سورة الحشر/ الآية 9].

قَالَ أَنَسُ بن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ». ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أحْيَا سُنَّتِي فقد أحبني، ومن أحبّنى كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» رواه الترمذي في سننه، فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِذِهِ الصّفَات فَهُوَ كَامِلُ الْمَحَبَّةِ لله وَرسولِهِ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا.

وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيّ ﷺ كَثْرَةُ ذِكرهِ لَهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ، ولذلك قيل:

أَعِدْ ذِكْرَ نَعْمانٍ لَنَا إنَّ ذِكْرَهُ *** هو المِسْكُ مَا كَرَّرتَهُ يَتَضوَّعُ

وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إلى لِقَائِهِ فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِه، وَفِي حَدِيث الأشْعَرِيّينَ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ:

غدًا نَلْقَ الْأَحِبَّهْ *** مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ

وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كثرة ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَإظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالانْكِسَارِ مَعَ سَمَاعِ اسْمهِ، قَالَ إِسْحَاق التُّجِيبِيُّ كَانَ: أَصْحَابُ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ.

وَهَذَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ وَعَبد الله بن عَبَّاسٍ وَابْنُ جَعْفَرِ أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا أنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّه ﷺ.

وَكَانَ ابن عُمَرَ يَلْبَسُ النّعَال السِّبْتِيَّة التي هي من الجلد الذي لا شعر عليه وَيصْبُغُ بالصُّفْرَةِ إِذْ رَأَى النَّبِيّ ﷺ يَفْعَلُ نَحْو ذَلِكَ.

وَمِنْهُا بُغْضُ من أبْغَضَه اللَّهُ وَرَسُولهُ وَمُعَادَاةُ من عَادَاهُ الرسول وَمُجَانَبَةُ من خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ قَالَ الله تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ ‌يُوَآدُّونَ ‌مَنۡ ‌حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ) [سورة المجادلة/ الآية 22]  وَهَؤْلَاءِ أصْحَابُهُ ﷺ قَدْ قَتَلُوا أحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آباءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ لأنهم كانوا كفّارًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّه بنُ عَبْد اللَّه بن أبيِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لَوْ شِئْتَ لأتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ، يَعْنِي أبَاهُ.

ومعنى هذا الحديث الأول الذي نشرح وهو قوله ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» مَعْنَاهُ: وَقَدْ رُدَّتْ رُوحِى قَبْلَ ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا.

فلا يخفى أنّ الأنبياء في قبورهم يصلون، وهذا الحديث: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» ألّف البيهقي فيه كتابًا مستقلًا وهو مطبوع، وهو دليل لأهل السنة أنّ النبي ينفع بإذن الله بعد موته، ولم تنقص مرتبته عند الله بموته، ولم تَقِل درجته ولم تنقطع بركته بإذن الله، وليس كما يقول البعض: إنّ النبي بموته صار جيفة، والعياذ بالله وانقطعت بركته ولا ينفع بعد موته؛ لذلك يحرمون التوسل بالنبي والتبرك بآثاره الشريفة وزيارة قبره الشريف، يقولون السفر لزيارة قبر النبي سفر معصية لا يجوز فيها قصر الصلاة.

سفر المعصية في الشرع لا يجوز فيه قصر الصلاة، أما السفر لزيارة قبر النبي ليس سفر معصية أصلا، لو واحد سافر لأجل أن يشرب الخمر أو سافر ليزني بامرأة، سفره هذا في الشرع يقال له سفر معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة، فهؤلاء من غلظ قلوبهم ومن جفائهم للنبي اعتبروا الذي يسافر لأجل أن يزور رسول الله اعتبروا سفره سفر معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة، اعتبروه كالذي يسافر لأجل أن يشرب الخمر أو يزني بامرأة والعياذ بالله تعالى، ما هذا الجفاء وما هذه القسوة والغلظة الذي هم فيه، نسأل الله العافية.

الذي نعتقده هو أنّ النبي حيّ في قبره كما ثبت في هذا الحديث: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ».

ونعتقد بلا شك أن النبي ينفع في قبره وبركته باقية إلى قيام الساعة بإذن الله، ونفعه مستمر إلى آخر الزمان ويوم القيامة كذلك كما ثبت في حديث الشفاعة، ولأنّ النبي حي في قبره الشريف قال العلماء: إنّ زيارته من أفضل القربات وخيرِ المبرّات، وهي كما قال القاضي عياض وغيره: سُنةٌ من سُنن المسلمين مجمَعٌ على سنِّيَّتها.

ومما استدلّ به العلماء ومنهم الحافظ الإمام السبكي على سنية زيارة قبره الشريف قولُه تعالى: (‌وَلَوۡ ‌أَنَّهُمۡ ‌إِذ ‌ظَّلَمُوٓاْ ‌أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا) [سورة النساء/ الآية 64]، وقال رسول الله ﷺ: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه الدارقطني والبيهقي وصححه الحافظ تقي الدين السبكي.

وهذا الحديث فيه دليل واضح وبرهان ساطع على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ وأنّ زائره ينال خيرًا عظيمًا بثبوت شفاعة النبي له كما ورد في الحديث.

وسُنية زيارة قبر الرسول ﷺ هي من الأمور التي أجمع أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم عليها من السلف والخلف، وممن صرّح باستحبابها وكونها سنة من الشافعية الإمام الرافعي والإمام الغزالي في إحياء علوم الدين والإمام البغوي في التهذيب والشيخ عز الدين بن عبد السلام في مَنْسَكه وأبو عمرو بن الصلاح وأبو زكريا النووي.

ومن الحنابلة الشيخ موفق الدين والإمام أبو الفرج البغدادي.

 ومن الحنفية صاحب المختار عبد الله بن محمود من كبار الحنفية توفي في القرن السابع في شرحه، وعدَّها من أفضل المندوبات والمستحبات.

ومن المالكية القاضي عياض فقد حكى الإجماع في هذه المسألة.

وقال بعض الفقهاء: “وزيارته في المدينة كزيارته حيًّا وهو في حجرته حيّ يردّ على من سلّم عليه وهي من أنجح المساعي وأهم القربات وأفضل الأعمال وأزكى العبادات، وقال هي متأكدة مطلوبة مستحبة.

والزيارة تكون بعد صلاة ركعتي تحية المسجد وتحصل بالسلام عليه عند قبره الشريف، والأدب في ذلك أن يقابل الزائر الجدار متنحيًا نحو أربعة أذرع غاضًّا طرفه مـمتلىء القلب بالإجلال لرسول الله ﷺ فيقول بصوت متوسط: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خِيرة الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين السلام عليك يا خَير الخلق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغرّ المحجلين السلام عليك وعلى ءالك وأهل بيتك وأزواجك وأصحابك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين” اهـ.

ولا ينبغي أن يخلي موقفه ذلك من الصلاة على النبي ﷺ، ومن اقتصر أو اختصر على قوله السلام عليك يا رسول الله ثم تنحَّى إلى اليمين مقدار ذراع فسلّم على الصديق رضي الله عنه ثم تنحَّى قدر ذلك وسلّم على الفاروق رضي الله عنه ثم عاد إلى موقفه الأول فقد أدى السّلام كما ينبغي.

ثم يتوسل بالمصطفى في نفسه ويتشفع به إلى ربه، ثم يستقبل القبلة ولا بأس إن استقبل النبي ودعا كما قال مالك للخليفة المنصور: بل استقبله وادعو. رواه القاضي عياض والسبكي.

ويدعو لنفسه ولمن شاء وإن أوصاه أحد بالسلام فليقل السلام عليك يا رسول الله من فلان أو يقول فلان يسلم عليك يا رسول الله.

وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَيَهْبِطَنَّ ‌عِيسَى ‌ابْنُ ‌مَرْيَمَ ‌حَكَمًا ‌عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ بِنِيِّتِهِمَا وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ وَلَأَرُدَّنَ عَلَيْهِ» صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وليس للمانعين من السفر لزيارة قبره ﷺ متمسّك في حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» رواه البخاري؛ لأنّ هذا الحديث مخصوص بالمساجد؛ أي لا مزية في السفر إلى مسجد للصلاة فيه إلا في السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لأنّ تلك المضاعفة إلى مائة ألف، وألف، وخمسمائة خاصة بها، فمَن سافر للصلاة إلى أحدها حصل على المضاعفة التي لا تحصل في مسجد بلده فلا مزية في السفر إلى ذلك المسجد كما يؤخذ ذلك من رواية الإمام أحمد في مسنده من طريق شهر بن حوشب قال: ذكرت عند أبي سعيد الخدري الصلاة في الطور فقال أبو سعيد: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا ‌يَنْبَغِي ‌لِلْمَطِيِّ أَنْ تُشَدَّ رِحَالُهُ إِلَى مَسْجِدٍ يُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ، غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» فبهذا الحديث يفسر حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» لا بقول المخالفين.

وقال الإمام اللغوي الفيروزءابادي في كتابه الصِّلات والبِشر في الصلاة على خير البَشر: وأمّا زيارة قبره فالإجماع على استحبابها للرجال والنساء، ومنها أنّ الإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وتحصيل المنافع الدنيوية فهذا أولى لأنه من أعظم المصالح الأخروية، ومنها إجماع الناس العملي على زيارته ﷺ وشد الرحال إليه بعد الحج من بعد وفاته إلى زمننا هذا، ومنها الإجماع القولي قال أبو الفضل القاضي: زيارة قبره ﷺ سنة من سنن المسلمين مجمع عليها.

ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال أما ءان لك أن تزورني يا بلال. فانتبه حزينًا وجلًا خائفًا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله في المسجد. فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة. فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله زادت رجتها. فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا أوبعث رسولُ الله؟! فما رؤي يومٌ أكثرَ باكيًا ولا باكية في المدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم. ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال، ومدار هذا الإسناد عليه وليس على الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على ما فعل بلال وهو صحابي ولا سيما في خلافة عمر رضي الله عنه، فسفر بلال في زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة والسلام على رسول الله ﷺ، وقد روى هذا الأثر عن بلال من الحفاظ عدد كبير منهم: الإمام السبكي والقاضي عياض والسمهودي.

قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام» ما نصه: (الباب الثالث) في ما ورد في السفر إلى زيارته ﷺ صريحًا، وبيان أن ذلك لم يزل قديمًا وحديثًا، وممن روي ذلك عنه من الصحابة بلال بن أبي رباح مؤذن رسول الله ﷺ ورضي الله عنه (أي عن بلال) سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره ﷺ، روينا ذلك بإسناد جيد إليه، وهو نص في الباب انتهى.

وقال الإمام الزركشي في كتابه «إعلام الساجد بأحكام المساجد»: ينبغي للزائر الغريب أن يسلم على النبي ﷺ كلما دخل المسجد أو خرج، ثم قال في ردّه على الذين كرِهوا ذلك لمن كان في المدينة: والصواب استحباب دخول القريب والغريب فإنه ﷺ استحب السلام لكلّ واردٍ عليه قريبًا وغريبًا ومن الأدب معاملته بذلك بعد وفاته اهـ.

ولأنّ النبي حي في قبره كما ذكرنا فإن بركته باقية بإذن الله تعالى، أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي هو أحد مشاهير الصحابة وأوّل من نزل الرسول ﷺ عنده لما هاجر من مكة إلى المدينة، جاء ذات يوم إلى قبر رسول الله ﷺ فوضع وجهه على قبر النبي ﷺ تبركًا وشوقًا. روى ذلك الإمام أحمد.

وروى البيهقي بإسناد صحيح عن مالك الدار، وكان خازن عمر، قال: أصاب الناس قحطٌ في زمان عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: إيت عمر فأقرئه السلام مني وأخبره بأنهم يُسقون، وقل له: عليك بالكيس الكيس. فأتي الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما ءالوا إلا ما عجزت ا.هـ. وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني الصحابي. فهذا الصحابي قد قصد قبر النبي ﷺ للتبرّك فلم يُنكر عليه عمر رضي الله عنه ولا غيره.

وقد جرت عادة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم من سلف هذه الأمة وخلفهم على التبرك بآثار النبي ﷺ حيا كان أو ميتا أمامه وعلى مشاهدة منه وفي غيابه وكان لا ينكر ذلك ﷺ، فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم عن بعض الأحاديث التي فيها أن الصحابة كانوا يتبركون بما لامسه النبي ﷺ بعد موته ما نصه: “هَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وما مسه أو لبسه وَهَذَا نَحْوُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ، وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْطَاؤُهُ ﷺ حِقْوَةً أي إزاره لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَجَعْلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ، وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ ﷺ وَتَمَسَّحُوا بِوُضُوئِهِ ﷺ وَدَلَّكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ ﷺ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فى الصحيح وكل ذلك واضح لاشك فِيهِ”.اهـ 

وإليكم بعض ما ورد من ذلك عسى أن تهبّ علينا وعليكم نفحة من السعادة تلحقنا بالصادقين من المحبين، أو تظلنا سحابة رحمة تنهل علينا وعليكم منها إمدادات القبول والجذب إلى منازل العباد المُخلـَصين، وإذا كان العلماء قد قالوا: بذكر الصالحين تتنزل الرحمات، وعواطف النسمات، فما بالكم بذكر سيد الخلق أجمعين، وإمام الأنبياء والأولياء والملائكة والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن ذكره تنشرح له القلوب، وتطيب به الألسنة، وتلين له الأبشار والجلود.

فقد جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوةُ ولدَهُ و وَلـَدَ ولدِه”، وعن أنس رضي الله عنه قال: قالت أمي يا رسول الله! خادمُك أنس ادع الله له، قال : “اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته”، قال أنس: فو الله إن مالي لكثير، وإن ولدي  وولد ولدي ليعادُّون اليوم على نحو مائة – وفي رواية: فما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت –  ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي، لا أقول سَقـْطاً ولا ولدَ  ولدٍ”.

ودعا صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالبركة، قال عبد الرحمن: “فلو رَفعت حجرًا لرجوتُ أن أصيب تحته ذهبًا” (قال ذلك لما استقر لديه من عادة الله معه من التيسير وإفاضة الخير في أي شيء يحاوله أو يناوله، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له)، وفتح الله عليه ومات فأحْضِر الذهب من تركَتِهِ بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدي (أي تنفطت من كثرة العمل) وأخذت كل زوجة من أزواجه ثمانين ألفا، وكن أربعًا وأوصى بخمسين ألفًا. رواه البيهقي

ودعا صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يجيبَ اللهُ دعوته ويُسَدِّد رميته، فما أخطأ في الرمي قطُّ هَدَفـَهُ، وما دعا على أحد إلا استُجيب له.

ودعا صلى الله عليه وسلم بعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر”.

ودعا صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فسُقـُوا، ثم شكوا إليه المطر فدعا فصَحْوا.

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: “أفلح وجهك، اللهم بارك له في شعره وبشره” فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة.

وقال صلى الله عليه وسلم للنابغة – وكان شاعرًا مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة رائية نحو مائة بيت أنشدها بين يديه صلى الله عليه وسلم – فدعا له: “لا يَفْضُضِ الله فاكَ” فما سقطت له سنٌّ، وكان أحسن الناس ثغرًا، إذا سقطت له سن نبتت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل أكثر من هذا.

ودعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: “اللهم فَقـِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل” فسمّي بعدُ (الحَبْرَ وترجمانَ القرآن) لغزارة علمه.

ودعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جعفر: “بالبركة في صفقة يمينه” فما اشترى شيئا إلا ربح فيه.

ودعا صلى الله عليه وسلم بالبركة لعروة بن أبي الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكُناسَة، فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا، وقال البخاري في حديثه عن عروة هذا: فكان لو اشترى التراب ربح فيه.

ودعا صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه أن يُكفـَى الحَرَّ والقـَرَّ، فكان يلبس في الشتاء ثيابَ الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبُه حَرٌّ ولا برد.

ودعا صلى الله عليه وسلم اللهَ لابنته فاطمة أن لا يُجيعها الله، قالت: “فما جعتُ بعْدُ”.

وسأله الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه آية ً لقومه، فقال: “اللهم نَوِّرْ له” فسطع له نورٌ بين عينيه، فقال الطفيل: يا ربّ أخاف أن يقولوا مُثـْلـَة، فتحوّل النور إلى سوطه، فكان يضيء في الليلة المظلمة فسُمِّي ذا النور.

ودعا صلى الله عليه وسلم على مُضَر- من قبائل العرب – فأقـْحِطُوا، حتى استعطفته قريش فدعا لهم فَسُقـُوا.

ودعا صلى الله عليه وسلم على كِسْرى حين مزّق كتابَه “أن يمزّق الله ملكه” فلم يبق له باقية، ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم لعتبة بن أبي لهب: “اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك”  فأكله الأسد.

معاشر المؤمنين، تلك بعض الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم في إجابة الدعاء وهي كثيرة، وإنّما اقتصرنا على ذكر بعض منها مما ذكره القاضي عياض في كتابه (الشفاء).

وأما كراماته صلى الله عليه وسلم وانقلاب الأعيان له فيما لمسه وباشره فكثير أيضًا، ومنه:

أنّه نخس جمل جابر- وكان قد أعيى – فنشط حتى كان ما يملك زمامه.

وصنع مثل ذلك صلى الله عليه وسلم بفرس لجُعيل الأشجعي: خفقها بمخفقة معه وبرّك عليها – مسح عليها – فلم يملك جعيل رأسها نشاطا، وباع من بطنها باثني عشر ألفًا.

وركب صلى الله عليه وسلم حمارًا قطوفًا – أي يبطئ السير – لسعد بن عبادة فردّه هملاجًا لا يُسايَر – سريع السير-.

وكانت شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم في قلنسوة خالد بن الوليد فلم يشهد بها قتالًا إلا ورُزق النصر.

وسكب صلى الله عليه وسلم من فضل وَضوءه في بئر قـُباء فما نزفت بعد – أي فما نقصت-.

وبزق صلى الله عليه وسلم في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة بئرٌ أعذبَ منها.

ومرّ صلى الله عليه وسلم على ماء، فسأل عنه، فقيل له: اسمه بيسان وماؤُهُ مِلحٌ، فقال: “بل هو نَعمان وماؤه طيب” فطاب.

وأُتي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء زمزم فمج فيه، فصار أطيب من المسك.

وأعطى صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين لسانـَهُ فمصَّاهُ، وكانا  يبكيان عطشًا،  فسكتا.

وكان صلى الله عليه وسلم يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزئهم – أي يكفيهم – ريقه صلى الله عليه وسلم إلى الليل.

وأعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بنَ النعمان – وصلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة – عَرجُونا وقال: “انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا ومن خلفك عشرا – أي عشرة أذرع -، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان”، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، ووجد السواد فضربه حتى خرج.

ودفع صلى الله عليه وسلم لعُكاشة جَذلَ حطبٍ حين انكسر سيفـُه يوم بدر وقال له: “اضرب به” فعاد في يده سيفاً صارماً، طويلَ القامة، أبيضَ شديدَ المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استـُشهـِد في قتال أهل الردة، وكان هذا السيف يُسمى العون.

وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ علَى فِرَاشِهَا. فَأُتِيتْ فَقِيلَ لَهَا: هذَا النَّبِيُّ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ علَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا – العَتِيدَةُ: صَندوقٌ تَضَعُ فيه المرأةُ ما يَعِزُّ عليها من طيب وبَخور ومُشْطٍ وغيره – فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ – أي استيقظ – فَقَالَ: «مَا تصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: «أَصَبْتِ». ولم يقل النبي ﷺ لها أشركت فلو كان شركا لنهاها عنه. وقد قال عقبة: قد قدمنا في كتاب الجهاد عند ذكر أم حرام أخت أم سليم أنهما كانتا خالتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم محرمين، إما من الرضاع وإما من النسب فتحلّ له الخلوة بهما.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّة طَيَالِسَةٍ – قيل: جبة صوف سوداء – وَقَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَلْبَسُها فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضى يُسْتَشفَى بِهَا.

وَكَانَ يُوجَدُ لِعُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ طِيبٌ يَغْلِبُ طِيبَ نِسَائِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ مسح بديه عَلَى بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ .

وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ قَيْس بن زَيْدٍ الْجُذَامِيّ وَدَعَا لَهُ فَهَلَكَ وَهُوَ ابن مِائَةِ سَنَةٍ وَرَأْسُهُ أَبْيَضُ وَمَوْضِعُ كَفّ النَّبِيّ ﷺ وَمَا مَرَّتْ يَدُهُ عَلَيْهِ من شَعْرِهِ أَسْوَدُ فَكَانَ يُدْعَى الْأَغَرَّ.

وَمَسَحَ وَجْهَ قَتَادَةَ بن مِلْحَانَ فَكَانَ لِوَجْهِهِ بَرِيقٌ حَتَّى كَانَ يُنْظَرُ فِي وَجْهِه كَمَا يُنْظَرُ فِي الْمِرْآةِ.

وَوَضَعَ يدَهُ عَلَى رَأْسِ حَنْظَلَة بن حِذْيَمٍ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ فَكَانَ حَنْظَلَة يُؤْتَى بِالرَّجُلِ قَدْ وَرِمَ وَجْهُهُ وَالشَّاةِ قَدْ وَرِمَ ضَرْعُهَا فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعِ كَفّ النَّبِيّ ﷺ فَيَذْهَبُ الْوَرَمُ.

وَنَضَحَ فِي وَجْهِ زَيْنَبَ بِنْت أُمّ سَلَمَةَ نَضْحَةً من مَاءٍ فَمَا يُعْرَفُ كَانَ فِي وَجْهِ امْرَأةٍ مِنَ الْجَمَال مَا بِهَا.

وَمَسَحَ عَلَى رأس صبي بِهِ عَاهَةٌ فَبَرَأ وَاسْتَوَى شَعَرُهُ.

وَمَجَّ فِي دلْوٍ من بِئْرٍ ثُمَّ صَبَّ فِيهَا فَفَاحَ مِنْهَا رِيحُ الْمِسْك.

وأخذ قَبْضَةً من تُرَابٍ يَوْمَ حُنَيْنِ وَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ، وَقَالَ شَاهت الْوُجُوهُ فَانْصَرَفُوا يَمْسَحُونَ الْقَذى عَنْ أَعْيُنِهِمْ.

وَشَكَا إليْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النِّسْيَانَ فَأَمَرَهُ بِبَسْطِ ثَوْبِهِ وَغَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِضَمِّهِ فَفَعَلَ فَمَا نَسِيَ شَيْئًا بَعْدُ.

وَضَرَبَ صَدْرَ جَرِيرِ بْنِ عبد الله وَدَعَا لَهُ وَكَانَ ذكر لَهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَصَارَ مِنْ أَفْرَسِ الْعَرَبِ وَأَثْبَتِهِمْ.

وَمَسَحَ رَأْسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَغِيرٌ وكَانَ دَمِيمًا وَدَعَا له بالبركة فَفَرَعَ الرَّجَالَ طُولًا وَتَمَامًا.اهـ

وروى الحافظ النووي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر النبي ﷺ وأظفار من أظفاره، وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني، ففعلوا ذلك.

فانظروا معاشر المؤمنين إلى هذا النبي الكريم الذي أكرمنا الله بالانتماء إليه، وتفكّروا في القدر العظيم الذي لديه.

والله تعالى أعلم وأحكم