باب اليقين والتوكل

الحمدُ لله الَّذي لا مانعَ لما وَهَب، ولا مُعْطيَ لما سَلَب، طاعةُ العامِلِينَ لَهُ أفْضلُ مُكْتَسب، وتَقْوى المتقين من أعْلَى ما وهب، هَيَّأ قلوبَ أوْلِيائِهِ للإِيْمانِ وكَتب، وسهَّلَ لهم في جانبِ طاعته كُلَّ نَصَب، أحمدهُ على ما مَنَحَنَا من فضْله وَوَهَب، وأشهَدُ أن لا إِله إلَّا الله وَحْدهُ لا شريكَ لَهُ هزَمَ الأحْزَابَ وحده وَغَلَب، وأشْهَدُ أن محمدًا عبدهُ وَرَسُولهُ الَّذي اصْطَفاه وانتَخَبَ، صلَّى الله عَلَيْهِ وعلى صَاحِبه أبي بكر الْفائِقِ في الفَضَائِلِ والرُّتَب، وعلى عُمَرَ الَّذي فرَّ الشيطانُ منهُ وهَرَب، وعَلَى عُثْمان ذي النُّوُريَنِ التَّقيِّ النَّقِّي الْحسَب، وَعَلى عَليٍّ صهرهِ وابنِ عمه في النَّسب، وعلى بقِيَّةِ أصحابه الذينَ اكْتَسَوا في الدِّيْنِ أعْلَى فَخْرٍ ومُكْتسَب، وعلى التَّابِعين لهم بإحْسَانٍ ما أشرق النجم وغرب، وسلَّم تسليمًا كثيرا. أما بعد: 

فقد أنهى الحافظ النووي من هذا الكتاب المبارك بابَ التقوى وبدأ في باب اليقين والتوكل، فإنه لما كان من ثمرات التقوى العرفانُ الذي به تنجلي الأمور، والنور الذي تنشرح به الصدور، ومن انشرح صدره واستنار قلبه بشهود التوحيد وأنه لا شريك لله في ملكه ولا في شيء من أفعاله، تيقن أن لا حول للعبد ولا قوّة إلا بالله، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضُرًّا، فخرج عما في نفسه من التدابير، وألقى نفسه مع جري المقادير، ففاز كما جاء في الحديث الشريف «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» وظهر بهذا أن التوكل واليقين من ثمرات التقوى فلذا عقبها بهما فقال: باب في اليقين والتوكل: ومعنى اليقين والتوكل وماذا يراد بهما عند علماء الشريعة والطريقة هذا ما سأبينه بإذن الله تعالى، فاليقين والتوكل: كلمتان عظيمتا المعنى والدلالة، ولو أردت بسط الكلام بهما لطال المجلس لكن نقول:

قال الفيروزأبادي: اليَقِينُ من صِفة العِلْم فوق المعرفة والدِّراية وأَخواتهما، يقال: عِلْمُ يَقِين، ولا يُقال: معرفةُ يَقِينِ؛ قال المحقِّقون: اليَقين من الإِيمان بمنزلة الرّوح من الجسد، وفيه تفاضَلَ العارِفون وتنافَسَ المتنافِسون، وإِليه شَمَّرَ العاملون، وعَمَلُ القومِ إِنَّما كان عليه، وإِشارتُهم كلُّها إِليه. وإِذا كان الصبرُ ملازما لليقين حَصَلَ بينهما الأَمانةُ في الدِّين، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، وخَصّ اللهُ تعالى أَهلَ اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، قال وهو أَصدق القائلين {وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}، وخصّ أَهلَ اليقين بالهُدَى والفَلاح من بين العالمين فقال: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ * أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} وأَخبر عن أَهل النارِ بأَنهم لم يكونوا من أَهل اليقين، فقال: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعةُ إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}. فاليقين جوهر أَعمال القُلوب الَّتي هي جواهر أَعمال الجَوارح، وهو حقيقة الصِدّيقيّة، وقُطْبُ رَحَى هذا الشأْن الَّذى عليه مَدارُه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم فيما رواه الطبراني: “لا تُرْضِيَنَ أَحَداً بسخط اللهِ، ولا تَحْمَدَنّ أَحداً على فَضْلِ الله، ولا تَذُمَّنَّ أَحداً على ما لم يُؤتِكَ اللهُ، فإِنَّ رِزْقَ الله لا يَسُوقُه حِرْصَ حِرْيصِ، ولا يَرُدُّه عنك كَراهِيَةُ كارِه، فإِنَّ الله بَعْدِله وقِسْطِه جعل الرَّوْح والفَرَح في الرّضَا واليَقِين، وجعل الهَمَّ والحُزْنَ في الشَكِّ والسّخط“. واليَقِينُ قَرِينُ التوكّل، ولهذا فُسِّر التوكُّل بقوّة اليقين. والصّواب أَنَّ التوكُّلَ ثمرةُ اليقين ونتيجتُه، ولهذا حَسُنَ اقْتِران الهُدَى به، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} فالحقُّ هو اليَقِين. وقالت رسل الله: {وَمَا لَنَا أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}، ومتى وَصَل اليقينُ إِلى القلب امتلأَ نوراً وإِشراقاً، وانتفَى عنه كلُّ رَيْبٍ وشَكٍّ وسُخْط وغَمٍّ وهَمٍّ، وامتلأَ محبّةَ اللهِ وخَوْفاً منه ورِضاً به، وشُكراً له، وتوكُّلاً عليه، وإِنابةً إِليه، فهو مادَّة جميع المقامات، والحامل له.

 وقال سَهْلٌ: اليقين من زِيادة الإِيمان، وقال أَبو بَكْرِ بنُ طاهِر: العلمُ يعارضه الشُّكوك، واليقين لا شَكَّ فيه. قال ذُو النُّون: اليقين يدعُو إِلى قَصْرِ الأَمَل، وقَصْرُ الأَملِ يدعُو إِلى الزُّهْد، والزُّهْدُ يُورِثُ الحكمةَ، وهي تُورث النَظَر في العَواقِب. وثلاثةٌ من أَعْلام اليقين: قِلَّةُ مُخالطة الناس في العِشْرَة؛ وتَرْكُ المدحِ لهم في العطيَّة؛ والتَنَزُّه عن ذَمِّهم عند المنع. وثلاثةٌ من أَعلامه أَيضاً: النَّظر إِليه في كل شيءٍ؛ والرّجوع إِليه في كلّ أَمر؛ والاستعانة به في كلّ حال. وقال الجُنيْد رحمه الله: اليقينُ هو استقرارُ العِلْم الذي لا يَحُول ولا ينقلب ولا يتغيَّرُ في القَلْب. وقال ابن عطاءٍ رحمه الله: على قَدْرِ قُرْبهم من التَّقْوَى أَدْرَكُوا من اليقين. وقال السّريُّ: اليقين سُكُونُك عند جَوَلان الموارِد في صَدْرك، لِيَقِينِك أَن حَرْكَتَك فيها لا تَنْفعك ولا تردّ عنك مَقْضِيّاً. وقال أَبو بكرٍ الورّاق: اليقين مِلاكُ القَلْب، وبه كمالُ الإِيمان. وقال الجُنَيْد رحمه الله: قد مَشَى رجالٌ باليَقين على الماء)

(وَقَالَ الجنيد: سئل بَعْض الْعُلَمَاء عَنِ التوحيد فَقَالَ: هُوَ ‌اليقين، فَقَالَ السائل: بَيْنَ لي مَا هُوَ فَقَالَ: هُوَ معرفتك أَن حركات الخلق وسكونَهم فعلُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وحده لا شريك لَهُ فَإِذَا فعلت ذَلِكَ فَقَدْ وحدته.اهـ وهذا يدل على أن قوة اليقين هي جوهر التوحيد، وهذا معناه: قوة اليقين هي شدة اعتقاد المؤمن بأن الله موجود لا يشبه الموجودات وأنه موجود بلا كيفية ولا مكان وأنه عز وجل خالق كل شيء لا يحصل شيء إلا بمشيئته سبحانه، فقوة اليقين بهذا التوحيد تجعل العبد مُسَلِّمًا لله عز وجل لا يعصيه في خلوته ولا بين الناس، بل إنه عندها يُتْقِنُ العبادة ويخشع بها ويعبد الله عبادة من يخاف عقابه الذي هو موقنٌ به ويعبد الله عبادة من يرجو ثوابه الذي هو موقن به حق اليقين، فمن فضائل اليقين شهود العبادة واتقانها، وقوة اليقين بالتوحيد توجه القلب إلى أن يُعَظِّمَ خالقه ويعتقد أنه منزه عن مشابهة المخلوقات، ولذا قال الرفاعي: التوحيد (أي توحيد الله) وُجدان تعظيم في القلب، يمنع من التعطيل والتشبيه.اهـ أي من قوة اليقين الذي في قلبه يمتنع عن الوقوع في التشبيه والتعطيل. يعني كلام سيدنا الرفاعي أن توحيد الله يكون بإثبات ذات أزلي أبدي متصف بما يليق به تعالى من صفات الجلال والكمال، منزه عن صفات النقصان والاحتياج كالزمان والجهة والمكان. والتعطيل معناه إنكار وجود الله أو إنكار قدرته أو علمه أو غير ذلك من الصفات الواجبة لله إجماعا. والتشبيه يكون بوصف الله بصفة من صفات المخلوقات كالجلوس والاستقرار والحركة والسكون والحجم والكيف والهيئة والصورة. فقوة اليقين في قلبه تمنعه عن الوقوع في التشبيه والتعطيل، بقدر ما يكون موقنا بالله عز وجل يكون قوة إيمانه ويكون مُعَظِّمًا لله عز وجل ولا يقع بما ينسُب النقائص لله تعالى، ومن كان هذا حالَه يعبد الله حق العبادة وكل هذا علامة خير وَتَرَقٍّ في المقامات والدرجات. 

ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الترمذي : “اللهم اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا اللهم متعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا.اهـ 

ومما ورد عن سلفنا الصالح مما يدل على قوة اليقين ما رواه مسلم في صحيحه حينما انطلق رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بَخٍ. بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ. بَخٍ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: «لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ».اهـ 

وروي عن بعض الصالحين واسمه حيوة التجيبي قصة تدل على قوة اليقين حيث قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: كَانَ حَيْوَةُ يَأْخُذُ عَطَاءهُ فِي السَّنَةِ سِتِّيْنَ دِيْنَاراً، فَلَمْ يَطْلُعْ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهَا، ثُمَّ يَجِيْءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَجِدَهَا تَحْتَ فِرَاشِه. وَبَلغَ ذَلِكَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَأَخَذَ عَطَاءهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهِ، وَجَاءَ إِلَى تَحْتِ فِرَاشِه، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً. فَشَكَا إِلَى حَيْوَةَ، فَقَالَ: أَنَا أَعْطَيْتُ رَبِّي بِيَقِيْنٍ، وَأَنْتَ ‌أَعْطَيْتَه ‌تَجرِبَةً.اهـ

ولما نزل خالد بن الوليد الحيرة جاءه واحد من أشياخ أهل العراق كبير في السن واسمه عبد المسيح قَالَ له خَالِدٌ: إِنِّي أَرَى يَدَكَ مَضْمُومَةً عَلَى شَيْءٍ، فَخَبِّرْنِي مَا فِي يَدِكَ، قَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ: فِي يَدِي سُمُّ سَاعَةٍ، قَالَ خَالِدٌ: مَا تَصْنَعُ بِهِ، قَالَ: جِئْتُ بِهِ مَعِي، فَإِنْ كَانَ مِنْكَ إِلَيْنَا مَا يُوَافِقُ قَوْمِي فَذَلِكَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى شَرِبْتُ هَذَا السُّمَّ وَاسْتَرَحْتُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، فَقَدْ طَالَ عُمْرِي فِيهَا، فَقَالَ خَالِدٌ: أَرِنِي هَذَا السُّمَّ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْ رَاحَتِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الأَسْمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ خَلِيقَتَهُ مِنَ الْمَاءِ، وَأَهْوَى إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ ; لِيَمْنَعُوهُ مِنْهُ فَبَادَرَهُمْ فَأَلْقَى السُّمَّ فِي فِيهِ وَبَلَعَهُ، فَجَعَلَ يَرْشَحُ عَرَقًا وَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ بُقَيْلَةَ قَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَتَمْلِكُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ مِنْكُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ أَقْبَلَ خالدٌ عَلَى عَبْدِ الْمَسِيحِ فَقَالَ: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُكُمْ وَمَعَادُكُمْ وَادْخُلُوا فِي دِينِ الإِسْلامِ، فَإِنَّكُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ بِقَوْمٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ: ارْقُبْ عَلَيَّ قَلِيلا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي وَأُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ.

وإنَّ خالدًا رضي الله عنه عندمَا أقدَمَ على شُربِ السُّمِّ، كانَ فِي قمةِ اليقينِ والإيمانِ بأنَّ اللهَ تعالى هو الذي خلقَ كلَّ شيءٍ وأودَعَ فِي كلِّ شيءٍ خصائصَه، وأنَّه القادرُ على أنْ يلغِي مفعولَ هذهِ الخصائصِ إذا أرادَ لحكمةٍ عاليةٍ وهدفٍ عظيمٍ، كمَا أذهبَ فعاليةَ النارِ حينَما ألقِيَ فيها إبراهيمُ عليه السلام وجعَلَها عليهِ بردًا وسلامًا، وقدْ حصلَ ذلكَ لغيرِ الأنبياءِ عليهمُ السلام؛ كمَا حصلَ لأبي مسلمٍ الخولانيِّ لَمَّا رفضَ أنْ يُقِرَّ بنبوةِ الأسودِ العنسيِّ الكذابِ؛ فألقاهُ في النارِ فوجدُوه فيها قائمًا يصلي ولم تضرَّه. كمَا أنَّ خالدًا حينَما قدِمَ على ذلكَ لم يخَالِجْ قلبَه ذرةٌ مِنْ إرادةِ حظِّ النفسِ وكسبِ السمعةِ والجاهِ؛ لأنَّه لو نوَى شيئًا مِن ذلكَ لَمَا حصلَ لهُ ذلكَ، فإنَّهُ لَا حولَ لَهُ ولَا قوةَ علَى انتزاعِ أثرِ السمِّ الضارِّ، وهذهِ تجربةٌ فذَّةٌ لا يُطْلَبُ مِنْ أيِّ مسلمٍ أنْ يَخُوضَهَا، ولوْ كانَ هدَفُه نفسَ الهدفِ الذِي رَمَى إليهِ خالدٌ؛ لأنَّهُ يندُرُ أنْ يوجَدَ مَنْ يَبْلُغُ إيمانَه وثقَتَه باللهِ تعالى إلى المستوى الذِي بلغَ إليهِ خالدٌ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضَاهُ. قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ فِي شرحِ صحيحِ البخاريِّ: هذَا كرامةٌ لخالدِ بنِ الوليدِ، فَلا يُتأسَّى بهِ فِي ذلكَ لئلَّا يُفْضِي إلَى قتلِ المرءِ نفسَهِ.اهـ

ومما يدل على قوة اليقين أن من الناس من لو أقسم على الله لأبره ولأنفذ الله قسمه فقد روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: ” كُنْتُ بِمَكَّةَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ، فَخَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا وَإِلَى جَانِبِي أَسْوَدُ مَنْهُوكٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ قَدْ دَعَوْكَ فَلَمْ تُجِبْهُمْ إِنِّي ‌أُقْسِمُ ‌عَلَيْكَ ‌أَنْ ‌تَسْقِيَنَا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا أَنْ سُقِينَا، قَالَ: فَانْصَرَفَ الْأَسْوَدُ وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ دَارًا فِي الْحَنَّاطِينَ فَعَلِمْتُهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ دَنَانِيرَ، وَأَتَيْتُ الدَّارَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ رَبَّ هَذِهِ الدَّارِ قَالَ: أَنَا ، قُلْتُ: مَمْلُوكٌ لَكَ أَرَدْتُ شِرَاءَهُ، فَقَالَ لِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَمْلُوكًا أُخْرِجُهُمْ إِلَيْكَ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فَقُلْتُ لَهُ: بَقِيَ شَيْءٌ فَقَالَ لِي: غُلَامٌ مَرِيضٌ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ الْأَسْوَدُ فَقُلْتُ: بِعْنِيهِ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَيْتُهُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَأَخَذْتُ الْمَمْلُوكَ، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ: يَا مَوْلَايَ أَيُّ شَيْءٍ تَصْنَعُ بِي وَأَنَا مَرِيضٌ؟ فَقُلْتُ لَهُ مَا رَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ أَمْسِ قَالَ: فَاتَّكَأَ عَلَى الْحَائِطِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُشَهِّرْ بِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَخَرَّ مَيِّتًا فَانْحَشَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ “. 

ومن اليقين ما روي في كتاب الله وعلى لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء السابقين، ولقد ضرب أنبياء الله ورسله الكرام المثل في اليقين وحسن الثقة بالله تعالى ,

 فها هوكليم الله موسى عليه السلام يقول لأصحابه حينما أدركهم فرعون فوجدوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم : ” فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) سورة الشعراء . 

وهذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار وقد أحدقت بهما الإخطار ” ما ظنك باثنين الله ثالثهما , لا تحزن إن الله معنا” قال سبحانه : ” إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) سورة التوبة .

ومما يدل على قوة اليقين ما روي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَمْشِي إِذَا اسْتَقْبَلَهُ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ ‌أَصْبَحْتَ ‌يَا ‌حَارِثَةُ؟» ، فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا ، قَالَ: «انْظُرْ مَا تَقُولُ» ، فان: «لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةٌ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، فَأَسْهَرْتُ لِيَلِي ، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ، كَيْفَ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ ، كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ ، فَقَالَ: «أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ». 

(أما التوكل، فقد قال الفيروزأبادي: وهو يقال على وجهين: يقال: توكَّلت لفلان بمعنى تولَّيت له. يقال: وكَّلته توكيلاً، فتوكَّل لي. وتوكَّلت عليه بمعنى اعتمدته. وقد أَمر الله تعالى بالتَّوكُّل في خمسة عشر موضعاً من القرآن: الأَوّل: إِن طلبتم النَّصر والفرج فتوكَّلوا علىّ: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}، وقال: {وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. الثاني: إِذا أَعرضتَ عن أَعداء الله فليكن رفيقُك التَّوكُّلَ: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله}. الثَّالث: إِذا أَعرض عنك الخلْقُ اعْتَمِدْ على التَّوكُّل: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إله إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}. الرابع: إِذا تُلِيَ القرآن عليك، أَو تلوته، فاستَنِدْ على التوكُّل: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. الخامس: إِذا طلبت الصّلح والإِصلاح بين قومٍ لا تتوسّل إِلى ذلك إِلَّا بالتَّوكُّل: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} السّادس: إِذا وصلت قوافل القضاءِ استقبِلْها بالتَّوكُّل: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} الآية. السّابع: إِذا نَصبتِ الأَعداءُ حِبال المكر ادخُلْ أَنت في أَرض التوكُّل {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} إِلى قوله: {فَعَلَى اللهِ توكَّلْتُ}. الثامن: وإِذا عرفت أَنَّ مرجع الكلّ إِلينا، وتقدير الكلّ منَّا، وطِّنْ نفسك على فَرْش التوكُّل: {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}. التاسع: إِذا علمت أَن الله هو الواحدُ على الحقيقة، فلا يكن اتِّكالك إِلَاّ عليه: {قُلْ هُوَ رَبِّي لا إله إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}. العاشر: إِذا عرفت أَنَّ هذه الهداية من عندي، لاقِها بالشُّكر، والتَّوكُّل: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} إِلى قوله: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون}. الحادي عشر: إِذا خشِيت بأْس أَعداءِ الله، والشيطان الغدّار، لا تلتجئ إِلَّا إِلى بابنا: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. الثاني عشر: إِن أَردتَ أَن أَكون أَنا وكيلك في كلّ حال، فتمسّك بالتَّوكُّل في كلّ حالٍ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً} الثالث عشر: إِن أَردتَ أَن يكون الفردوس الأَعلى منزلك انزل في مقام التوكُّل: {الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. الرابع عشر: إِن شئت النزول محلّ المحبّة اقصد أَولاً طريق التوكُّل: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين}. الخامس عشر: إِن أَردتَ أَن تكفى كل شيء فاستقرَّ على تَخْت التوكُّل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ}، {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين}، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ.

نسأل الله أن يجعلنا من الموقنين بالحق المتوكلين عليه سبحانه والحمد لله رب العالمين .

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا وَاضِعَ لِمَا رَفَعَ، وَلا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ وَلا مُفَرِّقَ لِمَا جَمَعَ، سُبْحَانَهُ مِنْ مُقَدِّرِ ضُرٍّ وَنَفْعٍ، وَحَكَمَ فَالْكُلُّ حُكْمُهُ كَيْفَ وَقَعَ، وَوَهَبَ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ قَطَعَ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ قَنِعَ، وَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بِالكُفْرِ وَقَعَ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَعْطَى وَمَنَعَ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحْكَمَ مَا صَنَعَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ جَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَعَلَا نُوْرُ دَعْوَتِهِ وَسَطَعَ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِنَهْجِهِ اتَّبَعَ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ وَعَلَا صَوْتُهُ وَارْتَفَعَ، أما بعد:

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] وَقالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173،174] وَقالَ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] وَقالَ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 11] وَقالَ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] والآياتُ في الأمرِ بالتوكلِ كثيرةٌ معلومةٌ. وَقالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] أي: كافِيهِ. وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة)

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ (قال القرطبي: روي أنه خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ ذُكِرَتِ الْأَحْزَابُ فَقَالَ: (أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا- يَعْنِي عَلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَمَدَائِنِ كِسْرَى- فَأَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ) فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدُ صَادِقٍ، إِذْ وَعَدَنَا بِالنَّصْرِ بَعْدَ الْحَصْرِ. فَطَلَعَتِ الْأَحْزَابُ فقال المؤمنون:” هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ”) قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ (من الابتلاء والنصر) وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (في الوعد) وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (مَا زَادَهُمُ الرُّؤْيَةُ إِلَّا إِيمَانًا بِالرَّبِّ وتسليما للقضاء)} (روي أنه لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَطَالَ الْمُقَامُ فِي الْخَنْدَقِ، قَامَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى التَّلِّ الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِدُ الْفَتْحِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَتَوَقَّعَ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ وَقَالَ: (مَنْ يَذْهَبُ لِيَأْتِيَنَا بِخَبَرِهِمْ وَلَهُ الْجَنَّةُ) فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. وَقَالَ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَظَرَ إِلَى جَانِبِهِ وَقَالَ: (مَنْ هَذَا)؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ. فَقَالَ: (أَلَمْ تَسْمَعْ كَلَامِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ)؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنَعَنِي أَنْ أُجِيبَكَ الضُّرُّ وَالْقُرُّ. قَالَ: (انْطَلِقْ حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْقَوْمِ فَتَسْمَعَ كَلَامَهُمْ وَتَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ. اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى تَرُدَّهُ إِلَيَّ، انْطَلِقْ وَلَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي (فَانْطَلَقَ حُذَيْفَةُ بِسِلَاحِهِ، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ يَقُولُ:) يَا مُجِيبَ الْمُضْطَرِّينَ اكْشِفْ هَمِّي وَغَمِّي وَكَرْبِي فَقَدْ تَرَى حَالِي وَحَالَ أَصْحَابِي) فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ دَعْوَتَكَ وَكَفَاكَ هَوْلَ عَدُوِّكَ) فَخَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَبَسَطَ يَدَيْهِ وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: (شُكْرًا شُكْرًا كَمَا رَحِمْتَنِي وَرَحِمْتَ أَصْحَابِي). وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُرْسِلٌ عَلَيْهِمْ رِيحًا، فَبَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) (قوله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزاب. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانًا وتسليمًا، ويقينًا وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسَلين. قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. الآية. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا قَالَ حُذَيْفَةُ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا نِيرَانُهُمْ تَتَّقِدُ، فَأَقْبَلَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فِيهَا حَصْبَاءُ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ نَارًا إِلَّا أَطْفَأَتْهَا وَلَا بِنَاءً إِلَّا طَرَحَتْهُ، وَجَعَلُوا يَتَتَرَّسُونَ مِنَ الْحَصْبَاءِ. وَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَصَاحَ فِي قُرَيْشٍ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! وَتَفَرَّقَتِ الْأَحْزَابُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبِهِ مِنَ الشَّعَثِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَتْهُ فَاطِمَةُ بغسول فَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: (وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَلَمْ تَضَعْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، مَا زِلْتُ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى جَاوَزْتُ بِهِمُ الرَّوْحَاءَ- ثُمَّ قَالَ- انْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ (وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ قَعْقَعَةَ السِّلَاحِ حَتَّى جَاوَزْتُ الروحاء) (قال القشيري: كما أنّ المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين ازدادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما، ومن الله قوة) (وهذا من أعظم أحوالهم رضي الله عنهم أن الناس يهددونهم ويُخَوِّفُونهم بالناس وبسلاح الناس وهذا يزيدهم إيمانا وتصديقا، وأن إيمانهم لم يتزحزح لثبوته ولقوة اليقين، فهم على ثقة عظيمة بموعود الله ورسوله أنه حق ولا يتخلف مهما حصل من الحوادث والعوارض الدنيوية، أن يثبت القلب ويزداد يقينا عند ورود الآفات، هذا من أعظم الثبات، نسأل الله أن يثبت قلوبنا على الحق كما ثبت قلوب الصحابة في غزوة الأحزاب ويُنْعِمَ علينا كما أنعم عليهم بزيادة اليقين وقوته) وَقالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ (أي نعيم بن مسعود الأشجعي) إِنَّ النَّاسَ (أي أبا سفيان وأصحابَه) قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (الجموع الكثيرة ليستأصلوكم) فَاخْشَوْهُمْ (أي ولا تخرجوا إليهم) فَزَادَهُمْ (ذلك القول الذي قيل لهم) إِيمَانًا (تصديقا ويقينا بنصر الله وإنفاذ وعده) وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ (أي الله يكفينا) وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (أي وهو نعم الموكول إليه أمورنا) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (قال ابن عاشور: سبب نزول هذه الآية الكريمة هو: أن اللهَ كَفَى المسلمين بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعَامٍ، إِنْجَازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ قَالَ أبو سفيان: مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ كَرِهَ الْخُرُوجَ إِلَى لِقَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَكَادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إِخْلَافَ الْوَعْدِ مِنْهُمْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْإِرْجَافِ بَيْنَ الْعَرَبِ بِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَاعَلَ رَكْبًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مَارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قُرْبَ مَكَّةَ قَاصِدِينَ الْمَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهُمْ جَيْشًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، فَأَخْبَرَ نُعَيْمٌ وَمَنْ مَعَهُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزَادَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِعْدَادًا وَحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمَوْعِدِ وَهُوَ بَدْرٌ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمُشْرِكِينَ وانتظروهم هُنَالك، وَكَانَتْ هُنَالِكَ سُوقٌ فَاتَّجَرُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أَيِ الرَّكْبُ الذين هم من عبد قيس إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ أَيْ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. وَحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أَيْ جَمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَدَدَهُمْ وَأَحْلَافَهُمْ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: فَزادَهُمْ إِيماناً أَيْ زَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ، ولمّا كَانَ ذَاك الْقَوْلُ مُرَادًا بِهِ تَخْوِيفُ الْمُسْلِمِينَ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وَحَصَلَ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، جَعَلَ مَا حَصَلَ بِهِ زَائِدًا فِي إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيمَانَ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْعَمَلِ، أَيِ الْعَزْمِ عَلَى النَّصْرِ وَالْجِهَادِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَقَوْلُهُمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ كَلِمَةٌ لَعَلَّهُمْ أُلْهَمُوهَا أَوْ تَلَقَّوْهَا عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَسْبُ أَيْ كَافٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قَالُوا: وَمِنْهُ اسْمُهُ تَعَالَى الْحَسِيبُ، وَجُمْلَةُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبُنَا اللَّهُ فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، والْوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَوْكُولٍ إِلَيْهِ. يُقَالُ: وَكَلَ حَاجَتَهُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قَضَائِهَا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ تَحْصِيلَهَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْقيام بشؤونه بِنَفْسِهِ رَجُلٌ وَكَلٌ- بِفَتْحَتَيْنِ- أَيْ كَثِيرُ الِاعْتِمَادِ عَلَى غَيْرِهِ، فَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَائِمُ بِشَأْنِ مَنْ وَكَّلَهُ، وَهَذَا الْقِيَامُ بِشَأْنِ الْمُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، وَبِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَكِيلُ، وَإِنْ كَانَ فِي شؤون الْحَيَاةِ فَالْوَكِيلُ الْكَافِلُ وَالْكَافِي مِنْهُ) وَقالَ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} (وَالتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمَادُ وَإِسْلَامُ الْأُمُورِ إِلَى الْمُتَوَكَّلِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، أَيْ الْمُتَوَلِّي مُهِمَّاتِ غَيْرِهِ، وَهُوَ شَأْنُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَالتَّوَكُّلُ انْفِعَالٌ قَلْبِيٌّ عَقْلِيٌّ يَتَوَجَّهُ بِهِ الْفَاعِلُ إِلَى اللَّهِ رَاجِيًا الْإِعَانَةَ وَمُسْتَعِيذًا مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْعَوَائِقِ، وَرُبَّمَا رَافَقَهُ قَوْلٌ لِسَانِيٌّ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ. وقد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَامَةُ صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ مُلَاحَظَةُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَاعْتِقَادُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَعَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَهَذَا أَدَبٌ عَظِيمٌ مَعَ الْخَالِقِ يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَلِذَلِكَ أحبّه الله.اهـ قال ابن عاشور: والْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَدَلَ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ مِنْ تَعْلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الدَّائِمُ فَيُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنَى حَصْرِ التَّوَكُّلِ فِي الْكَوْنِ عَلَيْهِ، فَالتَّعْرِيفُ فِي الْحَيِّ لِلْكَامِلِ، أَيْ الْكَامِلِ حَيَاتُهُ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَحَيَاةُ غَيْرِهِ مُعَرِّضَةٌ لِلزَّوَالِ بِالْمَوْتِ وَمُعَرَّضَةٌ لِاخْتِلَالِ أَثَرِهَا بِالذُّهُولِ كَالنَّوْمِ وَنَحْوِهُ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَوْتِ، فَالتَّوَكُّلُ عَلَى غَيْرِهِ مُعَرَّضٌ لِلِاخْتِلَالِ وَلِلِانْخِرَامِ. وَفِي ذِكْرِ الْوَصْفَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ نَاطُوا آمَالَهُمْ بِالْأَصْنَامِ وَهِيَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ الْكَامِلَ لَا يَثِقُ إِلَّا بِاللَّهِ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى الْأَحْيَاءِ الْمُعَرَّضِينَ لِلْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفِيدُ أَحْيَانًا لَكِنَّهُ لَا يَدُومُ. وفي هذه الآية ذِكْرُ صفة من صفات الله الواجبة الثابتة له إجماعا وهو كونه حيا سبحانه، وَاللهُ تعالَى حَيٌّ بحياةٍ أزليّة لا بداية لها أبديّة لا نهاية لها، ليس كحياتنا بوجهٍ من الوجوه، فحياتنا بسبب روحٍ في جسدٍ من مُخٍّ وعظمٍ وعصبٍ ولحمٍ وغير ذلك، وأما حياة الله فليست مشابهة لحياة غيره، فهي حياة لا بروحٍ ولا بعظمٍ ولا بعصبٍ ولا بلحمٍ ولا بغيرها من لوازم الحدوث. ومعنَى “لوازم الحدوث” أي ما لا يستغني عنها الحادث في وجوده، كتحيُّز الجِسم وكونه إمّا ساكِن وإمّا متحرِّك، وغير ذلك. والدليل على أنّ حياة الله تعالَى ليست كحياتِنا قوله تعالَى: ((ليس كمثله شيء))، وأمّا قوله تعالَى: ((فإذا سويته ونفخت فيه من روحي))، وقوله: ((فنفخنا فيها من روحنا))، وأمثال ذلك فليس معناه أنّ لله رُوحًا يحيَى بها، حاشا لله، بل الرُّوح هنا في الآيات الكريمة مضافة إلى الضمير العائد إلى الله عَزّ وجلّ وهي إضافة على سبيل التشريف والتكريم لِرُوح ءادَم وعيسى عليهما السلام عند الله، كما يقال عن المسجد “بيت الله” وعن ناقة نبيّ الله صالِحٍ عليه السلام “ناقةُ الله”، والرُّوح جِسم لطيف يَحْيَا به ذُو الرُّوح وهو الإنسان والجِنّ والملائكة والبهائم، وهي قسمان: أرواح مُشَرَّفة، وأرواح خبيثة. فأمّا أرواح الأنبياء فَمِن القِسم الأول، وأمّا أرواح الكافرين فمن القِسم الثاني، وكذب الدين من يعتقد أن الله تعالى رُوح أو أنّ له روحًا، وكذلك كذب الدين من يُسَمِّيه “الرُّوح”. وأمّا تسمية جبريل عليه السلام “الرُّوح القُدس” في النُّصوص الشرعية نحو قوله تعالى: ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق))، والقُدس وهو الطُّهر، ومعناه الرُّوح المقَدَّس أي الْمُطَهَّر مِن المآثِم.

الإضافة إلى اسم الله أو ضمير عائد إليه
إضافة حقيقةإضافة مجاز
للتشريفللمِلْك
نحو: ((وبكلامي)) أي كلام الله الذاتيّ الذي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا يشبه كلام أحدٍ من العالَمِين بوجهٍ من الوجوهنحو: ((طهرا بيتي)) أي البيت المشرَّف عند الله وهو البيت الحرم حيث الكعبةنحو: ((إن أرضي واسعة)) أي الأرض التي خلقها الله وهو مالِكُها على الحقيقة

وأمّا الدليل من النصوص الشرعية على حياة الله الأزلية الأبديّة وأنّها ليست كحياتنا فكثيرة جِدًّا، منها: 

من القرءان: ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم))، والآية: ((وتوكل على الحي الذي لا يموت))، وقوله تعالى: ((هو الحي لا إله إلا هو)) ، وهذه الآية الأخيرة قد نُصّ فيها على حياة الله بلفظ ((هو الحي)) فالمبتدأ معرفة لأنه ضمير والخبر معرفة وهذا يفيد الحصر وأنْ لا حَيّ بحياة كحياته إلا هو عزّ وجلّ، فذلك وَجَب أن يحمل ذلك على الحَيِّ الذي يستحيل أن يموت وأنّ حياته لا بداية لها، ولا حيّ بحياة ذاتيّة أزليّة أبديّة إلا هو، وأمّا الحياة الأبديّة التي تكون للمؤمنين في الجنّة وللكافرين في النّار فتلك حياة غير ذاتيّة أي ليسوا هم مَن خصّوا أنفسهم بها وإنّما تلك تكون بتخصيص من الله لهم وهي أبديّة بمعنَى أنّها لا تنقضي لكن لا شكّ أنّ لها بداية. ومن الحديث: ما رواه ابن ماجه والترمذي في السنن وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا” ثم ذكر منها: “الْحَيّ”. وكذلك ما رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي في السنن وغيرهما من حديث بلال بن يسار بن زيدٍ مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت أبي يُحَدِّثُنِيه عن جدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ”-والإجماع: نقله الشَهرستاني في “الملل والنحل” فقال: “ومما أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولُهم: البارئ تعالى عالم بعلمٍ، قادر بقدرةٍ، حَيٌّ بحياةٍ” اهـ، وكذا نَقَلَهُ الباقِلّاني في “الإنصاف” والآمدي في “أبكار الأفكار”) وَقالَ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (قال القرطبي: وَالتَّوَكُّلُ فِي اللُّغَةِ إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَوَاكَلَ فُلَانٌ إِذَا ضَيَّعَ أَمْرَهُ مُتَّكِلًا عَلَى غَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ، قَالَ قَوْمٌ: التَّوَكُّلُ تَرْكُ الْأَسْبَابِ وَالرُّكُونُ إِلَى مُسَبَّبِ الْأَسْبَابِ، وَقَال اخرون: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ هُوَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ وَالْإِيقَانُ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعُ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السعي فيما لأبد مِنْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ وَتَحَرُّزٍ مِنْ عَدُوٍّ وَإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ وَاسْتِعْمَالِ مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعْتَادَةُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ التَّوَكُّلِ عِنْدَهُمْ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا بِالْقُلُوبِ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضُرًّا، بَلِ السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكُلُّ مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ،) وَقالَ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (قَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، لَا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ. وَالْعَزْمُ قَصْدُ الْإِمْضَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:” وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ”. فَالْمُشَاوَرَةُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا هُوَ الْحَزْمُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أَحْزُمُ لَوْ أَعْزِمُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) فيه الحث على التَّوَكُّلِ: وهو الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ مَعَ إِظْهَارِ الْعَجْزِ، وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ. يُقَالُ مِنْهُ: اتَّكَلْتُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي، وَأَصْلُهُ:” اوْتَكَلْتُ” قُلِبَتِ الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبد لت مِنْهَا التَّاءُ وَأُدْغِمَتْ فِي تَاءِ الِافْتِعَالِ. وَيُقَالُ: وَكَّلْتُهُ بِأَمْرِي تَوْكِيلًا، وَالِاسْمُ الْوِكَالَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا.) والآياتُ في الأمرِ بالتوكلِ كثيرةٌ معلومةٌ. وَقالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كافِيهِ. (أَيْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ كَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ. وَقِيلَ: أَيْ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَجَانَبَ الْمَعَاصِي وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَلَهُ فِيمَا يُعْطِيهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِهِ كِفَايَةٌ. وَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قَدْ يُصَابُ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُقْتَلُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ جَازَاهُ، وَمَنْ وَثِقَ بِهِ نَجَّاهُ، وَمَنْ دَعَاهُ أَجَابَ لَهُ. وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ) وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (وَالْوَجَلُ: الْخَوْفُ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ:” الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ” قَالَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَظْلِمَ مَظْلِمَةً قِيلَ لَهُ: اتق الله، وَوَجِلَ قَلْبُهُ. وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْخَوْفِ وَالْوَجَلِ عِنْدَ ذِكْرِهِ. وَذَلِكَ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ وَمُرَاعَاتهمْ لِرَبِّهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ” وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ”. وَقَالَ” وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ”. فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ وَثِقَةِ الْقَلْبِ. وَالْوَجَلُ: الْفَزَعُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) أَيْ تَصْدِيقًا.. وَقِيلَ: هُوَ زِيَادَةُ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِكَثْرَةِ الْآيَاتِ وَالْأَدِلَّةِ”) والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة) (قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه والثقة به) وقدْ روَى الحافظُ أبو نُعَيمٍ أنَّ رجلًا سألَ بعضَ الزهادِ مِنَ السلفِ: علَى أيِّ شيءٍ بَنَيْتَ أمرَكَ فِي التوكلِ فقالَ: علَى أربعِ خصالٍ: عَلِمْتُ أنَّ رِزْقِي لَا يَأْكُلُهُ غَيْرِي فَاطْمَأَنَّتْ بهِ نَفْسِي، وعَلِمْتُ أنَّ عَمَلِي لَا يَعْمَلُهُ غَيْرِي فَأَنَا مَشْغُوْلٌ بِهِ، وَعَلِمْتُ أَنَّ الموتَ يَأْتِي بَغْتَةً فَأَنَا أُبَادِرُهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَرَانِي فَأَنَا مُسْتَحٍ مِنْهُ، وإنَّ لنَا قدوةً عظيمةً بِأنبياءِ اللهِ تعالَى فَهُمْ مَنْ نَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ التوكلَ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ وخصوصًا مِنْ سيدِنَا محمدٍ ﷺ فقدْ دَعَى إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ مَعَ تكالُبِ المشركينَ عليهِ وَنَصَرَهُ اللهُ وأَعْلَى ذِكْرَهُ وَرَفَعَ مَقَامَهُ، وكذَلكَ خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليهِ السلامُ فقدْ صَنَعُوْا لَهُ الْمَنْجَنِيْقَ لِيَرْمُوهُ مِنْ مكانٍ بعيدٍ، فَأَخَذُوا يُقَيِّدُوْنَهُ وهوَ متوكلٌ علَى اللهِ حقَّ توكلِهِ، فَلَمَّا وَضَعُوْهُ فِي كَفَّةِ هذَا الْمَنْجَنِيْقِ مُقَيَّدًا كانَ يَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الْمُلْكُ لَا شَرِيكَ لَكَ» فَلَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ قَالَ بِلِسَانِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل» أيْ نِعْمَ الموكولُ إليهِ أمرُنَا. فَلَمَّا أُلْقِيَ لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ وَلَمْ تُصِبْهُ بِأَذًى وَلَا ثَيَابَهُ، لأنَّ النَّارَ لَا تُحْرِقُ بِذَاتِهَا وَطَبْعِهَا وَإِنَّمَا اللهُ يَخْلُقُ الإِحْرَاقَ فِيْهَا). فمَنْ توكَّل علَى اللهِ كفَاهُ، ومَنْ آمنَ بِهِ هدَاهُ، ومَنْ عَمِلَ جازَاهُ، ومَنْ وثِقَ بِهِ نَجّاهُ، ومَنْ دَعَاهُ أجَابَ دُعَاهُ، فَهُوَ الذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، وَيُعْطِي الذِي سَأَلَهُ مَا تَمَنَّاهُ).

نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه سبحانه والحمد لله رب العالمين.