المقدمة
الْحَمْدُ للهِ الذِيْ أَحْيَا عُلُوْمَ الدِّيْنِ فَأَيْنَعَتْ أَزْهَارُهَا، وَأَعْيَا فُهُوْمَ الْمُلْحِدِيْنَ عَنْ دَرَكِهَا فَرَجَعَتْ بِعَجْزِهَا، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَكِيْنُ لَهُ مِنْ مَظَالِمَ انْقَضَتِ الظُّهُوْرُ بِأَثْقَالِهَا، وَأَعْبُدُهُ وَأَسْتَعِيْنُ بِهِ لِصِعَابِ الْأُمْوْرِ وَشِدَادِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ شَهَادَةً وَافِيَةً بِحُصُوْلِ الدَّرَجَاتِ وَظِلَالِهَا، وَاقِيَةً مِنْ حُلُوْلِ الدَّرَكَاتِ وَأَهْوَالِهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الذِيْ أَطْلَعَ بِهِ فَجْرَ الْإِيْمَانِ مِنْ ظُلْمَةِ الْقُلُوْبِ وَضَلَالِهَا، وَأَسْمَعَ بِهِ وَقْرَ الْآذَانِ وَأَنَارَ بِهِ ظُلْمَةَ الْقُلُوْبِ بِجَلَائِهَا، صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً لَا قَاطِعَ لِاتِّصَالِهَا، أَمَّا بَعْدُ:
الحديث
فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين في هذا الكتابِ المبارك إلى باب الحث على الازدياد من الخيرات في أواخر العمر ووصلنا إلى الحديث الأول منه حيث يقول الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث: فالأول: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً». رواه البخاري. قَالَ العلماء: معناه لَمْ يَتْرُكْ لَهُ عُذرًا إِذْ أمْهَلَهُ هذِهِ المُدَّةَ. يقال: أعْذَرَ الرجُلُ إِذَا بَلَغَ الغايَةَ في العُذْرِ.
الشرح
فالأول (أي الأول من باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر وهو الحديث الثاني عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «أعْذَرَ الله (قال ابن الجوزي: أعذر: أَي أَقَامَ الْعذر فِي تَطْوِيل التَّعْمِير. وقال ابن الأثير: أَيْ لَمْ يُبْقِ فيه موضعا للاعْتِذَار حيث أمهله طول هذه المُدَّة وَلَمْ يَعْتَذِر. يُقَالُ: أَعْذَرَ الرَّجُل إِذَا بَلَغ أقْصَى الغَايَة مِنَ العُذْر. وَقَدْ يكونُ أَعْذَرَ بِمَعْنَى عَذَرَ. وقال ابن الملقن: أي: أعذر الله إليه غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده، أي: أقام العذر في تطويل العمر، وأبانه له، فلم يبق له عذر، ولا حجة، إذ الستين قريب من معترك المنايا) إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ (أي أحياه إلى هذا العمر ولم يُمِتْهُ قبل ذلك، وإلا فالعمر واحد لا يزيد ولا ينقص، ما قدَّره الله من عمرك لا بد أن يأتيك بلا زيادة ولا نقصان، وهذا الموافق لقوله عز وجل: [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ]، وقد جاء في حديث البخاري ومسلم عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمٰنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: “إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيد؛ فَوَ اَللَّهِ الَّذِي لَا إلٰهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا”. فإنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرَهُ لا يَتَغَيَّرَانِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ إِذْ هُوَ عَلامَةُ الْحُدُوثِ وَالِاحْتِيَاجِ فَلا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَه لا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَىْءٌ إِلَّا الدُّعَاءُ فَهَذَا لا يُرَادُ بِهِ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ وَمَشِيئَتَهُ الأَزَلِيَّةَ يَتَغَيَّرَانِ بِالدُّعَاءِ بَلْ هَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ لَيْسَ إِلَى الْقَدَرِ الْمُبْرَمِ. قال ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري: في شرحه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ]، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ – تَعَالَى -: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ. ثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ، فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ – تَعَالَى -: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ، وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ، وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ. إذًا فيجب أن يعتقد أن تقدير الله كباقي صفاته لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص، الأجسام هي التي تتغير والله تعالى ليس جسما فلا يتغير، خلق كل شيء كان قبل المكان والزمان بلا مكان ولا زمان وبعد خلقهم لم يتغير فهو موجود بلا مكان ولا يجري عليه زمان)
حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» (قال ملا علي القاري: أَيْ: وَلَمْ يَتُبْ عَنْ ذُنُوبِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِهِ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ لَمْ يُبْقِ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ، وَفِيمَا ضَيَّعَ عُمْرَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ) (قال ابن الجوزي: وَاعْلَم أَن الْأَسْنَان أي الأعمار أَرْبَعَة: سنّ الصَّبِي، وَسن الشَّبَاب، وَسن الكهولة، وَسن الشيخوخة. فسن الصَّبِي هُوَ الَّذِي يكون فِيهِ الْبدن دَائِمَ النشوء والنمو، وَهُوَ إِلَى خمسَ عشرَة سنة. وَسن الشَّبَاب هُوَ الَّذِي يتكامل فِيهِ النمو ويبتدئ عَقِيبه بالانحطاط، ومنتهاه فِي غَالب الْأَحْوَال خمس وَثَلَاثُونَ سنة، وَقد يبلغ أَرْبَعِينَ. وَبَعْضهمْ يُسمي مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين سنّ الْوُقُوف، كَأَن الْقُوَّة وقفت فِيهِ. ثمَّ من الْأَرْبَعين يَأْخُذ فِي النَّقْص، وَسن الكهول الَّذِي قد تبين فِيهِ الانحطاط وَالنُّقْصَان مَعَ بَقَاءٍ من الْقُوَّة، ومنتهاه فِي أَكثر الْأَحْوَال سِتُّونَ سنة، فَمن بلغ السِّتين فقد انْتهى وَأثر فِيهِ ضعف الْقُوَّة وجاءته نذر الْمَوْت وَدخل فِي سنّ الْمَشَايِخ، وَفِي ذَلِك الزَّمَان يزِيد انحطاط الْقُوَّة ويقوى ظُهُور الضعْف إِلَى آخر الْعُمر) (وينبغي لمن فهم معنى هذا الحديث الشريف أن يكون مستعدا للموت دائما في كل سنين عمره، قال بعض الوعاظ: ما أَبْلَهَ [أي ما أشد حمقه] من لا يعلم متى يأتيه الموت، ومع ذلك لا يستعد للقائه! وأشد الناس بَلهًا وتغفيلًا من قد عبر الستين، وقارب السبعين -فإن ما بينهما هو معترك المنايا، ومن نازل المعترك، استعد- وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد.
قال الشباب: لعلنا في شيبنَا … ندع الذنوبَ، فما يَقُوْلُ الأَشْيَبُ.
والله، إن تعرضَ الشيخ الكبير للدنيا -وقد دفعته عنها- يُضعف القوى، ويُضعف الرأي. وهل بقي لابن ستين منزلٌ إلا القبر. فإن طمع في السبعين؛ فإنما يرتقي إليها بعناء شديد: إن قام، دفع الأرض، وإن مشى، لهث، وإن قعد، تنفس، ويرى شهوات الدنيا، ولا يقدر على تناولها، فإن أكل، أتعب المعدة، واستصعب الهضم، فهو يعيش عيش الأسير. فإن طمع في الثمانين، فهو يزحف إليها زحف الصغير. فالعاقل من فهم مقادير الزمان؛ فإنه فيما قبل البلوغ صبي، ليس على عمره وزن ولا كيل، إلا أن يرزق فطنة، ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب المكارم والعلوم. فإذا بلغ، فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد، فهو زمان الكسب للمعاملة، فإذا بلغ الأربعين، انتهى تمامه، وقضى مناسك الأجل، ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن. فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة، ويأخذ في الاستعداد للرحيل،. فإذا بلغ الستين؛ فقد أعذر الله إليه في الأجل، ومضى من العمر أكثره، فليقبل بكليته على جمع زاده، وتهيئة آلات السفر، وليعتقد أن كل يومٍ يحيا فيه غنيمة لم يحسب لها حسابا، خصوصًا إذا قوي عليه الضعف وزاد، فإنه لا محرك له كالضعف. وكلما علت سنه، فينبغي أن يزيد اجتهاده. فإذا دخل في عَشر الثمانين، ليس إلا الوداع، وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط، أو تعبدٌ على ضعف.
نسأل الله عز وجل يقظة تامة، تصرف عنا رُقاد الغفلات، وعملًا صالحًا نأمن معه من الندم يوم الانتقال) (أحبابي: كم ممن يجلس معنا الآن أو يسمعنا وصل الستين أو أقل من ذلك وكل منا معرض للموت في كل لحظة تتناوله البلايا والأسباب أسباب الموت وكثير غافلون، لقد قيل: من علم قرب الرحيل عن مكة، استكثر من الطواف خصوصًا إن كان لا يؤمل العود، لكبر سنه، وضعفِ قوته. فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات، وينتظر الموت بما يَصلح له، فقد كان في قوس الأجل سهم زمان الشباب، واسترخى الوتَر في المشيب عن طرفي القوس، فضعفت القوى، وما بقي إلا الاستسلام للموت. فالبِدارَ البدارَ إلى التنظيف، ليكون القدوم على طهارة. وأي عيش في الدنيا يطيب لمن أيامه السليمة تقربه إلى الهلاك، وصعود عمره نزول عن الحياة، وطول بقائه نقص مدى المدة. فليتفكر فيما بين يديه) (واعلموا أن طول العمر وطلوع الشيب وضعف البدن علامة وليس شرطا للموت وقربه فقد يموت ابن العشرين بقوته وشدته ويعيش طويلا ابن الثمانين بضعفه ومرضه، قال القرطبي: ورد في الخبر: أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لملك الموت عليه السلام: أمالك رسول تقدمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدم إليك رسولاً بعد رسول ونذيراً بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير. ما من شمس تغرب إلا وملك الموت ينادي: يا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد
يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد. يا أبناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير قال الشاعر:
ثَلَاثٌ وسِتُّونَ قَدْ جُزْتَها … فماذا تُؤَمِّل أو تَنْتَظِرْ
وحلَّ عليكَ نذيرُ المَشِيبِ … فما ترعوي أو فما تَزْدَجِرْ
تمرّ لياليكَ مَرَّاً حَثِيثَاً … وأَنْتَ على ما أرى مُسْتَمِرْ
فما لك لا تستعدُّ إذًا … لدارِ المُقَام ودار المقرْ
أترغب عن فَجْأةٍ للِمَنُونِ … وتَعْلمُ أنْ ليس منها مَفَرْ
فإمّا إلى جنّة أُزْلِفَتْ … وإمّا إلى سَقَرٍ تَسْتَعِرْ
حكي عن بعض العلماء أنه كان يميل إلى الراحات وكثيرًا كان يخلو في بستان له بأصحابه فلا يأذن لأحد سواهم فبينما هو في البستان إذ رأى رجلاً يتخلل الشجر فغضب وقال: من أذن لهذا وجاء الرجل فجلس أمامه، وقال: ما ترى في رجل ثبت عليه الحق فزعم أن له مدافعة تدفعه عنه؟ فقال ينظره الحاكم بقدر ما يرى قال السائل: قد ضرب له الحاكم أجلاً فلم يأت بمنفعة ولا أقلع عن المدافعة: قال يقضي عليه قال فإن الحاكم رفق به وأمهله أكثر من خمسين سنة فأطرق الفقيه وتحدر عرق وجهه وذهب السائل، ثم إن العالم أفاق من فكرته فسأل عن السائل فقال البواب: ما دخل أحد عليكم ولا خرج من عندكم أحد: فقال لأصحابه انصرفوا فما كان يُرى بعد ذلك إلا في مجلس يذكر فيه العلم) (حكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج، فسئل عن السبب فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غرامًا بها فقلبت شعرها يوماً فإذا فيه شعرتان بيضاوان فأخبرتها فارتاعت: وقالت أرني فأريتها: فقالت {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ثم نظرت إلي وقالت: أعلم أنه لو لم تُفترض علي طاعتك لما أويت إليك فدع لي ليلي أو نهاري لأتزود فيه لآخرتي، فقلت لا. فغضبت وقالت: أتحول بيني وبين عبادة ربي وقد آذنني بلقائه؟ اللهم بدل حبه لي بغضًا قال: فبت وما شيء أحبَّ إلي من بُعدها عني وعرضتها للبيع فأتاني من أعطاني فيها ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت فقلتُ أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئاً من الدنيا هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني؟ قلت: وما هو قالت: تُعتقني لله عز وجل، فقلتُ: قد فعلت. فقالت: أمضى الله صفقتك وبلغك أضعاف أملك قال فزهدت وبغضت إلى الدنيا ونعيمها) (وقال عبد الله بن أبي نوح: رأيت كهلًا بمسجد رسول الله ﷺ لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه فسألت عنه فقيل إنه من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأن له أولادًا وموالي ونعمة موفورة، وأنه اطلع في مرأته فصرخ وجن ولزم المسجد كما ترى وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونه هرب منهم وعاذ بالقبر المكرم قبر رسول الله فتركوه، فراقبته نهارًا فلم أر منه اختلالا، وراقبته ليلًا فلما ذهب جنح من الليل خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع، فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر، فجلس يدعو وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها فقامت عنده وتفاجت أي فتحت رجليها فالتقم ضرعها فشرب ثم مسح ظهرها وقال: اذهبي بارك الله فيك فولت تهرع فانسللت فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي وسمعته يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت إلي رزقا فإن كنت قد رضيت عني فائذن لي (أي أمتني وأنت راضٍ عني) وإن لم ترض عني فوفقني لما يرضيك قال: فلما حان رحيلي أتيته مودعًا فتهجمني فقلت: أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع أصلي بصلاتك وأؤمن على دعائك قال: هل اطلعت على ذلك أحداً؟ قلت: لا قال: انصرف راشدًا قلت: ما الرسول الذي أرسل إليك؟ قال: اطلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي فعلمت أنها رسول الله إلي فقلت: ادع لي قال: ما أنا أهل لذلك، ولكن تعال نتوسل إلى الله برسوله فقمت معه تجاه القبر المكرم فقال ما حاجتك؟ قلت: العفو فدعا دعاء خفيفاً فأمَّنت، ثم مال على جدار القبر فإذا هو ميت فتنحيت عنه حتى فطن الناس له، وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه وجهزوه وصليت عليه فيمن صلى) (من عرف معنى هذا الحديث وسمعه وأخذه تلقيا كما أخذناه ينبغي أن لا يغفل ولا ينسى أنه سيقف موقفا عظيما، وليتذكر اسم الباب الذي وضعه الحافظ النووي رحمه الله: باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر، وذكر فيه أولَ ما ذكر هذا الحديث، «أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً». ولهذا كان الصالحون يخافون من سوء الخاتمة يخاف أن ينقضي عمره على حال سيئة ويتهمون أنفسهم بالتقصير واتهامهم لنفسهم على هذا المنوال يجعل النفس دائما تستعد وتعمل ولا تنغمس في المحرمات صغيرِها وكبيرها، لذلك يبقون على الازدياد بالطاعات لآخر العمر، ولا سيما مع معرفتهم أن الشيطان يحاول إغواء الناس وإيقاعهم بالمفاسد والمحرمات، قال القرطبي: «روي عن النبي ﷺ أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه أي على هيئة أبيه، يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقًا ولك محبًّا، ولكن مت على دين النصارى، والذي على شماله على صفة أمه، تقول له: يا بني إنه كان بطني لك وعاء، وثديي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود» كل منهما يجره إلى الكفر بالله، وإنه عند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن وذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة واستعملهم عليه ووكلهم به، فيأتون المرء وهو على تلك الحال فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباب الميتين الباغين له النصح بزعمهم في دار الدنيا، كالأب والأم والأخ والأخت والصديق الحميم، فيقولون له: أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت يهوديًّا فهو الدين المقبول عند الله تعالى، فإن انصرم عنهم وأبى، جاءه آخرون وقالوا له: مت نصرانيًّا فإنه دين المسيح وقد نسخ الله به دين موسى ويذكرون له عقائد كل ملة، فعند ذلك يُزيغ الله من يريد زيغه وهو معنى قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا زمانًا، فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتًا جاءته الرحمة، وقيل: هو جبريل عليه السلام فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيبتسم الميت لا محالة، وكثير من يرى متبسمًا في هذا المقام فرحًا بالبشير الذي جاءه من الله تعالى فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة الجليلة فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك، وهو قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} ثم يقبض. وفي مثل هذا قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي الإمام أحمد، وبيدي الخرقة لأشد لحييه، فكان يغرق أي يغمى عليه ثم يفيق ويقول بيده: لا بعد لا بعد. فعل هذا مراراً فقلت له: يا أبت أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: يا أحمد فتني وأنا أقول لا بعد حتى أموت. قال القرطبي: وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتضر فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا لا، فلما أفاق ذكرنا له ذلك فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيًّا فإنه خير الأديان فكنت أقول لهما: لا لا إليَّ تقولان هذا؟ وقد كتبت بيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديًّا مت نصرانيًّا» فكان الجواب لهما لا لكما قال القرطبي: ومثل هذا عن الصالحين كثير يكون الجواب للشيطان لا لمن يلقنه الشهادة. وروى ابن المبارك وسفيان عن ليث عن مجاهد قال: ما من ميت إلا تعرض عليه أهل مجالسُه الذين كان يجالس، إن كان أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر. وقال الربيع بن شبرة وكان عابداً بالبصرة: أدركت الناس بالشام وقيل لرجل: يا فلان قل: لا إله إلا الله قال: اشرب واسقني، وقيل لرجل بالأهواز يا فلان قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: عشرة، أحد عشرة، اثنا عشر كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان. قال الربيع: وقيل لرجل ها هنا بالبصرة يا فلان قل: لا إله إلا الله فجعل يقول:
يا رب قائلة يومًا وقد تعبت … أين الطريق إلى حمام مَنجَاب
قال الفقيه أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن النجاد: هذا رجل قد استدلته امرأة إلى الحمام، فدلها إلى منزله فقاله عند الموت. وذكر أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية، في كتاب العاقبة له فقال: وهذا الكلام له قصة، وذلك أن رجلًا كان واقفًا بإزاء داره، وكان بابه يشبه باب حمام فمرت به جارية لها منظر حسن وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال لها: هذا حمام منجاب وأشار إلى داره فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما علمت أنه خدعها أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة وفي تلك الدار وقالت له: اجلب لنا ما نتلذذ به فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وبكل ما تشتهين، فخرج وتركها في الدار ولم يقفلها، وتركها محلولة على حالها ومضى، فأخذ ما يصلح لهما ورجع، ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت ولم يجد لها أثراً، فهام الرجل بها وأكثر الذكر لها والجزع عليها وجعل يمشي في الطرق والأزقة وهو يقول:
يا رب قائلة يومًا وقد تعبت … أين الطريق إلى حمام منجابِ
وإذا بجارية تجاوبه من طاق وهي تقول:
هلا جعلت لها لما ظفرت بها … حرزًا على الدار أو قفلًا على الباب
أن ينفدُ الرزقُ فالرزاق يَخْلِفُه والعرض أن نافدٌ من أين يُنجابُ
فزاد هيمانه واشتد هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر. فنعوذ بالله من المحن والفتن.
قال القرطبي: ومثل هذا في الناس كثير ممن غلب عليه الاشتغال بالدنيا حتى لقد حكي لنا أن بعض السماسرة جاء عنده الموت فقيل له: قل: لا إله إلا الله. فجعل يقول: ثلاثة ونصف أربعة ونصف. غلبت عليه السمسرة.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان الفلاني اعملوا فيها كذا. نسأل الله السلامة والممات على الشهادة بمنه وكرمه).
(فلا يأمنن أحد انقلاب الحال من طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى طاعة، فكلا الحالين متوقعة، “يروى أن رجلًا أسيرًا مسلمًا، وكان حافظًا للقرآن، وضعوه لخدمة راهبين بأعمال دنيوية، فحفظا منه آياتٍ كثيرة؛ لكثرة تلاوته، فأسلم الراهبان وتنصر هذا الذي كان مسلما، وقيل له: ارجع إلى دينك؛ فلا حاجة لنا فيمن لم يحافظ على دينه، فقال: لا أرجع إليه أبداً، فأخبرا عنه القاضي المسلم فقُتل”). ولذلك روى البيهقي في سننه بسند صحيح: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو وَيَقُولُ: ” اللهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي إِلَى الْإِسْلَامِ أَلَّا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ “، فسأل الله أعزَ مسألة.
نسأل الله حسن الختام والموت على دين الإسلام.