المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي بَسَطَ الأَرضَ العَرِيضَةَ الفَسِيحَةَ، وَقَدَّرَ الأَعمَالَ الحَسَنَةَ وَالقَبِيحَةَ، حَرَّمَ المَيتَةَ وَالمُنخَنِقَةَ وَالمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةَ، جَزِيلُ العَطَاءِ فَرُبَّمَا وَهَبَ الجَنَّةَ بَعدَ الإِيمَانِ بِتَسبِيحَةٍ، قَضَى الدُّيُونَ وَفَكَّ الرُّهُونَ فَأَقَرَّ العُيُونَ القَرِيحَةَ، أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَالطَّيرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَد عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسبِيحَهُ. وَأَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ المُنَزَّهُ عَنِ الجِسمِ وَالمَكَانِ وَالشَّبِيهِ وَالمَثِيلِ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضلُ عُمَرَ فَضلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثمَانَ وَكَم لِعُثمَانَ مِن فِعلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحدُ قَدرِ عَلِيٍّ تَغفِيلٌ، وَعَلَى عَمِّهِ العَبَّاسِ المُستَسقَى بِشَيبَتِهِ فَإِذَا السُّحُبُ تَسِيلُ، وَعَلَى الآلِ وَالأَصحَابِ وَالمُقتَفِينَ لِآثَارِهِمْ إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة فيها التذكير بالثبات على طاعة الله بعد رمضان، وقبل البدء بشرح الحديث
خَرَجَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ فِي يَومِ عِيدِ فِطرٍ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ صُمْتُمْ للهِ ثَلَاثِينَ يَومًا وَقُمْتُمْ ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَخَرَجْتُمُ اليَوم تَطلُبُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنكُم.اهـ
وَيَنبَغِي عَلَينَا أَنْ لَا نَنسَى شُكرَ اللهِ تَعَالَى عَلَى النِّعَمِ الَّتِي أَعطَانَا إِيَّاهَا، وَمِن أَعظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ نِعمَةُ إِتمَامِ صِيَامِ شَهرِ رَمَضَانَ، فَلَا يَنبَغِي أَن يُنسِيَنَا فَرَحُنَا بِالعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ شُكرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا أَعنِي الشُّكرَ بِاللِّسَانِ فَقَط، بَل أَعنِي الشُّكرَ بِالِازدِيَادِ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَمِن رَحمَةِ اللهِ بِنَا أَن شَرَعَ لَنَا فِي كُلِّ مَوطِنٍ مِن مَوَاطِنِ حَيَاتِنَا أَعمَالًا مَسنُونَةً فِيهَا الثَّوَابُ العَظِيمُ، وَإِنَّ مِن عَلَامَاتِ تَوفِيقِ العَبدِ أَن يُيَسِّرَ اللهُ لَهُ أَن يَعمَلَ الطَّاعَةَ بَعدَ الطَّاعَةِ، وَمِن عَلَامَاتِ قَبُولِ الحَسَنَةِ أَن يُيَسِّرَ اللهُ لِلعَبدِ أَن يَعمَلَ حَسَنَةً بَعدَهَا.اهـ فَنَسأَلُ اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَا فِيهِ خَيرُ دُنيَانَا وَآخِرَتِنَا وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنكُمْ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ….
وَنَحنُ بِفَضلِ اللهِ وَمَنِّهِ كَمَا كُنَّا فِي رَمَضَانَ ثَابِتُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَعَلَى مَجَالِسِ العِلمِ، صَحِيحٌ أَنَّنَا فِي رَمَضَانَ كُنَّا نَلتَقِي يَومِيًّا لِحُضُورِ الدُّرُوسِ وَكَذَلِكَ بَعدَ رَمَضَانَ رَجَعْنَا وَللهِ الحَمدُ إِلَى مَجَالِسِ تَفسِيرِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجَعنَا إِلَى هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
كُنَّا قَدْ أَنْهَينَا بَابَ الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ، وَالآنَ نَبدَأُ بِشَرحِ بَابٍ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الأَعمَالِ:
مقدمة للربط والعلاقة في الترتيب بين البابين
بَعدَ أَنْ تَكَلَّمَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ وَتُشِيرُ وَتُوصِي بِالاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ وَتَركِ الغُلُوِّ وَتَركِ التَّشَدُّدِ فِي العِبَادَةِ أَتْبَعَهُ بِبَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى الأَعمَالِ، وَهَذَا مِنهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ يُحَافِظَ العَبدُ المُؤمِنُ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَا يَترُكُهَا وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً فَإِنَّ اللهَ يَقبَلُ القَلِيلَ المُستَمِرَّ وَيُحِبُّهُ مِنْ عَبدِهِ المُؤمِنِ، فَالقَلِيلُ مَعَ الوَقتِ يَصِيرُ كَثِيرًا، وَاللهُ تَعَالَى يُنْمِيْهِ لَهُ وَيَقبَلُهُ، فَحَافِظْ عَلَى عَمَلِكَ القَلِيلِ تَجِدْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَثِيرًا إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهُنَاكَ إِشَارَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابنُ عَلَّانَ حَيثُ قَالَ: وَقَدْ أَحْسَنَ المُصَنِّفُ -أَيِ النَّوَوِيُّ- فِي تَعقِيبِ هَذَا البَابِ لِمَا قَبلَهُ لِأَنَّ الحَاصِلَ مِنْ هَذَا البَابِ التَّرغِيبُ فِي مُلَازَمَةِ العِبَادَةِ، وَالطَّرِيقُ المُوصِلُ إِلَى ذَلِكَ الِاقتِصَادُ فِيهَا، لِأَنَّ التَّشدِيدَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَركِ العِبَادَةِ وَهُوَ مَذمُومٌ، وَقَدْ سَبَقَ النَّوَوِيَّ لِهَذَا التَّرتِيبِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ، فَعَقَّبَ بَابَ مَا يُكرَهُ مِنَ التَّشدِيدِ فِي العِبَادَةِ الَّذِي عَبَّرَ عَنهُ النَّوَوِيُّ هُنَا بِالِاقتِصَادِ فِيهَا بِبَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ تَركِ قِيَامِ اللَّيلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ هُنَا بِبَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى الأَعمَالِ، فَاسْتَحْسَنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَمَا أَحْسَنَ مَا عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ هَذَا البَابَ بِالَِّذي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ التَّرْغِيبُ فِي مُلَازَمَةِ الْعِبَادَةِ، وَالطَّرِيقُ الْمُوصِلُ إِلَى ذَلِكَ الِاقْتِصَادِ فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِهَا، وَهُوَ مَذْمُومٌ.اهـ
متن رياض الصالحين
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ المُحَافَظَةِ عَلَى الأَعمَالِ (وَالمَقصُودُ المُحَافَظَةُ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَعَدُمُ تَركُهَا) (المُحَافَظَةُ: يُقَالُ فِي لُغَةِ العَرَبِ: حَافَظ عَلَى الأَمْرِ وَالعَمَلِ وثَابَرَ عَلَيْهِ وَحَارَصَ وَبَارَك إِذَا دَاوَم عَلَيْهِ.اهـ وَالمُرَادُ أَنْ يُدَاوِمَ الشَّخصُ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَا يَنقَطِعُ عَمَّا اعْتَادَهُ مِنهَا وَمَا وَفَّقَهُ اللهُ إِلَيهَا. قَالَ ابنُ مَنْظُورٍ: وَالْحَفِيظُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ لَا يَعْزُب عَنْ حِفْظِهِ الأَشياءَ كلَّها مِثقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرض، وَقَدْ حفِظ عَلَى خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ، وَقَدْ حفِظ السماواتِ والأَرضَ بقدرتِه ولا يؤُوده حَفِظُهُمَا وَهُوَ العليُّ الْعَظِيمُ.اهـ أَي لَا يُتعِبُ اللهَ أَي لَا يَشُقُّ عَلَى اللهِ تَعَالَى حِفظُهُمَا أَي حِفظُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ مَعَ أَنَّهُم أَجرَامٌ كَبِيرَةٌ لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ اللهُ تَعَالَى خَلَقَهُ، فَلَا شَيءَ أَصعَبُ عَلَى اللهِ مِن شَيءٍ بَل كُلُّ الأَشيَاءِ هَيِّنَةٌ عَلَى اللهِ كَمَا أَنَّ خَلقَ الذَّرَّةِ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ فَخَلقُ السَّمَاوَاتِ وَالكُرسِيِّ وَالعَرشِ الَّذِي هُوَ أَعظَمُ المَخلُوقَاتِ حَجمًا بِالنِّسبَةِ إِلَى قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى حَدٍّ سَوَاءَ، قَالَ البَغَوِيُّ: [وَلَا يَؤُودُهُ]، أَي لَا يُثقِلُهُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيهِ، [حِفْظُهُمَا]: أي حِفظُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ.اهـ فَبَانَ وَاتَّضَحَ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ مَا كَانَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَسِمَاتِ الحَوَادِثِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَلحَقُهُ تَعَبٌ أَو مَشَقَّةٌ فِي حِفظِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لَكَانَ عَاجِزًا. فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَلحَقُهُ تَغَيُّرٌ لِأَنَّهُ لَيسَ جِسمًا وَلَيسَ حَجمًا وَلَيسَ جَسَدًا وَلَيسَ صُورَةً وَلَيسَ هَيئَةً وَلَيسَ كَمِّيَّةً وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الإِحسَاسِ وَاللَّذَّةِ وَالأَلَمِ وَالِانزِعَاجِ وَالِانبِسَاطِ وَالشُّعُورِ..
قَالَ الحُسَينُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَنزِيهِ اللهِ: “لَا يُعرَفُ بِالحَوَاسِّ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، نُوَحِّدُهُ وَلَا نُبَعِّضُهُ.اهـ رَوَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ. وَمَعنَى “لَا يُعرَفُ بِالحَوَاسِّ” أَي أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَعضَاءِ وَالجَوَارِحِ وَالشَّمِّ وَالذَّوقِ، وَمَعنى “نُوَحِّدُهُ وَلَا نُبَعِّضُهُ” أَي لَا نَعتَقِدُ أَنَّهُ يَقبَلُ التَجَزُّؤَ وَالقِسمَةَ لِأَنَّهُ لَيسَ جِسمًا فَلَا يَتَجَزَّأُ وَلِأَنَّهُ لَيسَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا كَالإِنسَانِ بَلِ اللهُ: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]، وَقَالَ ابنُهُ زَينُ العَابِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فيما رواهُ الحافظُ الزبيديُّ: “لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ لَستَ بِمَحدُودٍ فَتُحَدُّ، لَا تُحَسُّ وَلَا تُمَسُّ وَلَا تُجَسُّ، لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ لَا يَحوِيكَ مَكَانٌ.اهـ وَمَعنى “لَستَ بِمَحدُودٍ” أَي لَيسَ لَكَ كَمِّيَّةٌ بِالمَرَّةِ لَا صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ..
وَهُوَ سُبحَانَهُ يَحفَظُ العَرشَ بِقُدرَتِهِ مِن أَن يَنفَلِتَ وَيَقَعَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلَو شَاءَ اللهُ لِلعَرشِ أَن يَقَعَ عَلَى مَا تَحتَهُ لَطَحَنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَلَكِنَّهُ مَحفُوظٌ بِقُدرَةِ اللهِ، فَالسَّمَاوَاتُ السَّبعُ وَالأَرَضُونَ السَّبعُ كُلُّهَا مَحفُوظَةٌ بِقُدرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا بِعَمَدٍ مِن تَحتِهَا وَلَا بِسَلَاسِلَ تُمسِكُهَا مِن فَوقِهَا، وَقَد قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا نَصُّهُ: “نُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ عَلَى العَرشِ استَوَى مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَيهِ وَاستِقرَارٌ عَلَيهِ وَهُوَ الحَافِظُ لِلعَرشِ وَغَيرِ العَرشِ مِن غَيرِ احتِيَاجٍ، فَلَو كَانَ مُحتَاجًا لَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَادِ العَالَمِ وَتَدبِيرِهِ، وَلَو كَانَ مُحتَاجًا إِلَى الجُلُوسِ وَالقَرَارِ فَقَبلَ خَلقِ العَرشِ أَينَ كَانَ اللهُ تَعَالَى، تَعَالَى عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.اهـ
وَقال الدَّميريُّ في (حياةِ الحيوانِ): كانَ أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يحيى بنِ أبي الهيثمِ الصَّعْبِيُّ مِن أَصحَابِ الشّافعيِّ إمامًا صالحًا مِن أهلِ اليمنِ مِن أقرانِ صاحبِ البيانِ، وكانَ محافظًا على قراءةِ هذهِ الآياتِ. قالَ: كنتُ خرجتُ يومًا في جماعةٍ فرَأَينَا ذئبًا يُلَاعِبُ شاةً عَجفَاءَ ولَا يَضُرُّهَا شَيئًا فَلَمَّا دَنَونَا منها نَفَرَ منَّا الذئبُ فتقدَّمَنا إلى الشَّاةِ فوَجَدْنَا في عنُقِهَا كتابًا مربوطًا فيهِ هذهِ الآياتِ: “وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ“، “وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً“، “وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ“، “إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ“، “فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ“، “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ“، “إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ“، “وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ“، “وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ“، “وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ“، “وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ“، “وَحِفْظًا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ“، “اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ“، “فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا“، “وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ“، “لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ“، “وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ“، “إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ“، “إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ“. قَالَ بعضُ العلماءِ: مَنْ داوَمَ على قِرَاءَتِها صباحًا ومَساءً حَصَلَ لَهُ حِفظٌ وعِنَايَةٌ وَأَمِنَ مِمَّا يَخَافُ، وَتُقرَأُ عَلَى المَلبُوسِ وَعَلَى مَنْ يَتْبَعُهُ جِنِّيٌّ، وَتُقْرَأُ عَلَى المَرِيضِ، وَإِذَا كُتِبَت وَعُلِّقَتْ عَلَى الصَّبِيِّ المَقرُونِ نَفَعَتْهُ أَو عَلَى المَرأَةِ الحَامِلِ التِي يَأتِيهَا القَرِينُ نَفَعَتْهَا، وَحَمْلُهَا يَنفَعُ مِنْ حَيثُ الإِجمَالُ مِنَ التَّوَابِعِ وَمِنْ شَرِّ الإِنسِ وَالجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالأَمرَاضِ وَغَيرُ ذَلِكَ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَخُصُوصًا إِذَا كُتِبَ قَبلَهَا ءايَةُ الكُرسِيِّ، وَذَكَرَ ذَلِكَ السُّبكِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ):
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَالَ الله تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَا المَوضِعِ تُشِيرُ وَتَحُثُّ عَلَى الخَوْفِ مِنَ اللهِ وَلُزُومِهِ وَالإِقبَالِ عَلَيهِ، وَهَذَا دَأبُ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ خَوفَ اللهِ مَا فَارَقَ قَلبًا إِلَّا خَرِبَ وَمَا كَانَ فِي قَلبٍ إِلَّا أَصلَحَهُ وَحَسُنَ حَالُهُ، وَمَنْ كَانَ مُلَازِمًا الخَوفَ مِنَ اللهِ تَعَالَى كَانَ ثَابِتًا عَلَى طَاعَتِهِ لِذَلِكَ أَورَدَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ أَوَّلًا فِي بِدَايَةِ تَرتِيبِهِ لِهَذَا البَابِ، وَمَنْ كَانَ مُستَحضِرًا أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيهِ لَا يَغِيبُ عَنهُ شَيءٌ كَانَتِ المُرَاقَبَةُ للهِ عِندَهُ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ، وَمَعْنَى المُرَاقَبَةِ استِدَامَةُ خَوفِ اللهِ تَعَالَى بِالقَلبِ بِتَجَنُّبِ مَا حَرَّمَهُ وَالغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ أَي تَجَنُّبِ الغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ، وقد فرضَ اللهُ سبحانَه وتعالَى علَى العبادِ أنْ يخافُوه، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [فَلَا تَخَافُوهُم وَخَافُونِ إِنْ كُنتُمْ مُؤمِنِينَ]، وقالَ تعالَى: [وَإِيَّايَ فارْهَبُونِ]..
وَيُرْوَى مِنْ أَخبَارِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الخَوفِ عَلَى نَفسِهِ، وَكَانَ يَقرَأُ القُرءَانَ فَيَظهَرُ مِن خِلَالِ قِرَاءَتِهِ الحُزنُ وَالوَجدُ وَشِدَّةُ الخَوفِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكرُ الجَنَّةِ سَأَلَ اللهَ الجَنَّةَ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكرُ عَذَابٍ استَعَاذَ بِاللهِ مِنَ النَّارَ ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الصَّلَاةِ كَانَ يُلقَى لَهُ الحَصِيرُ فِي مَسجِدِهِ فَيُصَلِّي مِن أَوَّلِ اللَّيلِ مُدَّةً، ثُمَّ تَغلِبُهُ عَينَاهُ فَيُلقِي عَلَى نَفسِهِ الحَصِيرَ فَيَنَامُ قَلِيلًا ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا غَلَبَهُ النَّومُ نَامَ ثُمَّ يَقُومُ وَهَكَذَا حَتَّى يُصبِحَ فَيَنصَرِفُ مِن عِبَادَةٍ بِاللَّيلِ إِلَى عِبَادَةٍ بِالنَّهَارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) كَانَتْ سَبَبَ تَوْبَةِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ رحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى. فَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ بَدْءِ زُهْدِهِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مَعَ إِخْوَانِي فِي بُسْتَانٍ لَنَا، وَذَلِكَ حِينَ حَمَلَتِ الثِّمَارُ مِنْ أَلْوَانِ الْفَوَاكِهِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا حَتَّى اللَّيْلَ فَنِمْنَا، وَكُنْتُ مُولَعًا بِضَرْبِ الْعُودِ وَالطُّنْبُورِ، فَقُمْتُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَضَرَبْتُ بِصَوْتٍ، وَطَائِرٌ يَصِيحُ فَوْقَ رَأْسِي عَلَى شَجَرَةٍ، وَالْعُودُ بِيَدِي لَا يُجِيبُنِي إِلَى مَا أُرِيدُ، وَإِذَا بِهِ يَنْطِقُ كَمَا يَنْطِقُ الْإِنْسَانُ- يَعْنِي الْعُودَ الَّذِي بِيَدِهِ- وَيَقُولُ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ! وَكَسَرْتُ الْعُودَ، وَصَرَفْتُ مَنْ كَانَ عِنْدِي، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ زُهْدِي وَتَشْمِيرِي.
وَأَمَّا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَوَاعَدَتْهُ لَيْلًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا إِذْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ) فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يَقُولُ: بَلَى وَاللهِ قَدْ آنَ فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الناس، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: إِنَّ فُضَيْلًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. فَقَالَ الْفُضَيْلُ: أَوَّاهُ! أَرَانِي بِاللَّيْلِ أَسْعَى فِي مَعَاصِي اللهِ، قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَخَافُونَنِي! اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي إِلَيْكَ جِوَارَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ.اهـ وَالفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ مِنْ طَبَقَةِ الإِمَامِ مَالِكٍ هُوَ مِنْ مَشَايِخِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى] (فَخَوفُ اللهِ يُوصِلُ العَبدَ إِلَى مَا فِيهِ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ. هَذَا الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ الجِيلَانِيُّ يَقُولُ: عَقَدْتُ أَمرِي مُنذُ طُفُولَتِي عَلَى الصِّدْقِ فَخَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغدَادَ لِطَلَبِ العِلمِ، فَأَعطَتْنِي أُمِّي أَربَعِينَ دِينَارًا لِأَستَعِينَ بِهَا عَلَى مَعِيشَتِي وَعَاهَدَتْنِي عَلَى الصِّدقِ، فَلَمَّا وَصَلْنَا أَرضَ هَمْدَانَ خَرَجَ عَلَيَنا جَمَاعَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ فَأَخَذُوا القَافِلَةَ، وَقَالَ لِي وَاحِدٌ مِنهُمْ: مَا مَعَكَ؟ قُلتُ: أَربَعُونَ دِينَارًا، فَظَنَّ أَنِّي أَهْزَأُ فَتَرَكَنِي، وَسَأَلَنِي ءَاخِرُ فَقُلْتُ: أَربَعُونَ دِينَارًا فَأَخَذَهَا مِنِّي كَبِيرُهُم، فَقَالَ لِي: مَا حَمَلَكَ عَلَى الصِّدقِ؟ فَقُلتُ: عَاهَدَتنِي أُمِّي عَلَى الصِّدقِ وَأَنَا لَا أُخَالِفُ أَمرَهَا، فَأَخَذَتِ الخَشيَةُ رَئِيسَ اللُّصُوصِ فَصَاحَ وَقَالَ: أَنتَ تَخَافُ أَن تُخَالِفَ أَمرَ أُمِّكَ وَأَنَا لَا أَخَافُ أَنْ أَخُونَ عَهدَ اللهِ. ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ مَا أَخَذُوهُ مِنَ القَافِلَةِ وَقَالَ: أَنَا تَائِبٌ عَلَى يَدِكَ، فَقَالَ وَمَنْ مَعَهُ: أَنتَ كَبِيرُنَا فِي قَطعِ الطَّرِيقِ وَأَنْتَ اليَومَ كَبِيرُنَا فِي التَّوبَةِ فَتَابُوا جَمِيعًا بِسَبَبِ الصِّدقِ.
وَسَيِّدُ الخَائِفِينَ وَأَعْظَمُهُمْ خَشيَةً لِرَبِّهُ هُوَ نَبِيُّنَا الأَكْرَمُ ﷺ، فَقَدْ شَابَ بِسَبَبِ بَعضِ مَا نَزَلَ عَلَيهِ مِنَ القُرآنِ مِنْ خَوفِهِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الَّذِي قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيهِ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ! فَقَالَ:” شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا”. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ السَّرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ:” شَيَّبَتْنِي هُودٌ”. فَقَالَ:” نَعَمْ” فَقُلْتُ لَهُ: مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهَا؟ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ؟ فَقَالَ:” لَا وَلَكِنْ قَوْلُهُ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [أي لَا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أُعْطُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَطَالَتِ الْأَزْمَانُ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ مسعودٍ: إنَّ بَنِي إِسرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَاخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمُ اسْتَحَلَّتْهُ أَنْفُسُهُمْ، وَكَانَ الْحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ، حَتَّى نَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.اهـ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهلَ الكِتَابِ آتَاهُمُ اللهُ العِلمَ لَمَّا تَبِعُوا أَنبِيَاءَ اللهِ الذِينَ جَاؤُوهُمْ بِالتَّوحِيدِ وَبِالإِسلَامِ فَتَرَكُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ وَغَيَّرُوا وَبَدَّلُوا فَذَمَّهُمُ القُرْآنُ الكَرِيمُ، بِالأَصْلِ أتْبَاعُ الأَنبِيَاءِ كَانُوا عَلَى الإِسلَامِ لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ لَمْ يَأتُوا بِاليَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصرَانِيَّةِ وَإِنَّمَا جَاؤُوا بِالإِسلَامِ بِالتَّوحِيدِ، فَقَدْ أَخبَرَ اللهُ عَن نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس:72]. وَأَخبَرَ عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [سورة البقرة: 131]. وَأَخبَرَ عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس:84]. وَأَخبَرَ عَن حَوَارِيِّي المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، [سورة المائدة:111]. وَأَخبَرَ عَن مَلِكَةِ سَبَأَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [سورة النمل:44]. وَأَخْبَرَ عَنْ يَعْقُوْبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، [سورة البقرة:132]. فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِهَذَا لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، إِنَّمَا تَخْتَلِفُ الأَحْكَامُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كُلِّ هَذَا مِنْ حَيثُ العَقْلُ: النَّبِيُّ مِنَ الأَنبِيَاءِ هُوَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ، يَنزِلُ عَلَيهِ جِبرِيلُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ لِيُبَلِّغَهُ للنَّاسِ فَيَستَحِيلُ أَن يَتَنَاقَضَ الوَحيُ الذِي هُوَ مِن عِندِ اللهِ وَأَن يُكَذِّبَ بَعضُهُ بَعضًا، فَلَا يَجُوزُ أَن يَنزِلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى نَبِيٍّ بِدِينٍ ثُمَ يَنزِلَ عَلَى نَبِيٍّ آخَرَ بَأَنَّ هَذَا الدِّينَ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ، فَإذًا لَا بُدَّ أَن يَكُونَ الأَنبِيَاءُ قَد جَاؤُوا بِدِينٍ وَاحِدٍ وَهُوَ شَهَادَةُ أَن لَا إله إِِلا اللهُ. لِأَنَّ العَقلَ شَاهِدٌ بَأَنَّ كُلَّ مَا نَاقَضَ لَا إِله إِلَّا اللهُ فَهُوَ بَاطِلٌ مُحَالٌ وَمَا أَدَّى إِلَى المُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ]} [سورة الحديد:16].
وَقالَ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ [عِيسَى نَبِيٌّ رَسُولٌ آخِرُ أَنبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيسَ ابنًا للهِ بَلْ هُوَ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وَقَد رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ السَّيِّدُ الجَلِيلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَصبَحَتِ الأَصنَامُ الَّتِي كَانَت تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ فِي زَمَانِ وِلَادَتِهِ بِكُلِّ أَرضٍ مَقلُوبَةً مُنَكَّسَّةً عَلَى رُؤُوسِهَا، فَفَزِعَتِ الشَّيَاطِينُ وَرَاعَهَا فَلَم يَدرُوا مَا سَبَبُ ذَلِكَ، فَسَارُوا عِندَ ذَلِكَ مُسرِعِينَ حَتَّى جَاؤُوا إِبلِيسَ اللَّعِينَ، فَأَخبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَطَارَ إِبلِيسُ فَمَرَّ بِالمَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا رَأَى المَلَائِكَةَ مُحَدِّقِينَ بِذَلِكَ المَكَانِ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الحَدَثَ بِسَبَبِ وِلَادَةِ ذَلِكَ المَولُودِ، فَأَرَادَ إِبلِيسُ اللَّعِينُ أَن يَأتِيَهُ فَلَم تُمَكِّنهُ المَلَائِكَةُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ.
وقد أَتَتِ السَّيِّدَةُ مَريَمُ عَلَيهَا السَّلَامُ قَومَهَا تَحمِلُ مَولُودَهَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى يَدِهَا فِي بَيتِ لَحمٍ، فَلَمَّا رَءَاهَا قَومُهَا قَالُوا لَهَا: لَقَد فَعَلتِ فِعلَةً مُنكَرَةً عَظِيمَةً، فَإِنَّ أَبَاكِ لَم يَكُن رَجُلَ سُوءٍ وَلَم تَكُن أُمُّكِ زَانِيَةً، وَظَنُّوا بِهَا السُّوءَ، وَصَارُوا يُوَبِّخُونَهَا وَيُؤَنِّبُونَهَا، وَهِيَ سَاكِتَةٌ لَا تُجِيبُ لِأَنَّهَا أَخبَرَتهُم أَنَّهَا نَذَرَت لِلرَّحمَنِ صَومًا، وَلَمَّا ضَاقَ بِهَا الحَالُ أَشَارَت إِلَى عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن كَلِّمُوهُ فَعِندَهُ جَوَابُ مَا تَبغُونَ، عِندَهَا قَالُوا لَهَا مُتَعَجِّبِينَ: كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهدِ صَبِيًّا وَمَا هَذَا مِنكِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِنَا وَالِازدِرَاءِ إِذ لَا تَرُدِّينَ عَلَينَا بِكَلَامٍ.
عِندَ ذَلِكَ أَنطَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقُدرَتِهِ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَربَعِينَ يَومًا، فَقَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللهِ، وَهَذَا اعتِرَافٌ مِنهُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالعُبُودِيَّةِ للهِ تَبَاَرَكَ وَتَعَالَى وَهَذِهِ أَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا عِيسَى وَهُوَ فِي المَهدِ، ثُمَّ قَالَ: آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَهَذَا إِخبَارٌ عَمَّا قَضَى اللهُ تَعَالَى لَهُ وَحَكَمَ لَهُ بِهِ وَمَنَحَهُ إِيَّاهُ مِمَّا سَيَظهَرُ وَيَكُونُ، وَفِي ذَلِكَ تَبرِئَةٌ لِأُمِّهِ مِمَّا نَسَبُوا إِلَيهَا وَاتَّهَمُوهَا بِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعطِيهِ النُّبُوَّةَ لَو كَانَ مِن الزَّنَا كَمَا زَعَمُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى مِن سُوءِ الظَّنِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُم عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ، أَي نَفَّاعًا حَيثُمَا تَوَجَّهتُ مُعَلِّمًا لِلخَيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَدعُو حَيثُ كَانَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحدَهُ وَأَن لَا يُعبَدَ شَيءٌ غَيرُهُ، ثُمَّ قَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَهَذَا أَيضًا إِخبَارٌ عَمَّا قَضَى اللهُ لَهُ وَمَنَحَهُ إِيَّاهُ مِمَّا سَيَظهَرُ وَيَكُونُ، فَكَانَ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يُصَلِّي للهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ، وَيُحسِنُ إِلَى عِبَادِ اللهِ بِالزَّكَاةِ وَبَذلِ الأَموَالِ وَالعَطَايَا لِلمُحتَاجِينَ وَالفُقَرَاءِ، وَلَم يَكُن عَلَيهِ السَّلَامُ فَظًّا وَلَا غَلِيظًا، ثُمَّ قَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، فَلَمَّا كَانَت هَذِهِ المَوَاطِنُ الثَّلَاثَةُ أَشَقُّ مَا يَكُونُ عَلَى ابنِ ءَادَمَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى السَّلَامَةَ عَلَى نَبِيِّهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ المَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، يَومِ وِلَادَتِهِ وَيَومِ مَوتِهِ وَعِندَ البَعثِ يَومَ القِيَامَةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾] وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [المَقصُودُ مَنِ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ وَلَيسَ المُقْصُودُ مَنْ زَعَمُوا اتِّبَاعَهُمْ لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ] رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً [هَذِهِ هِيَ صِفَاتُهُمْ وَهُمْ عَلَى الإِسلَامِ، فَالآيَةُ هُنَا ذَكَرَتْهُمْ لَمَّا كَانُوا عَلَى الإِسلَامِ وَلَيسَ بَعدَ تَحرِيفِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ] ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ [هذِهِ الآيَةُ يُستَدَلُّ بِهَا عَلَى البِدْعَةِ الحسَنَةِ، لأَنَّ مَعناها مَدْحُ الذِّينَ كانوا مِن أُمَّةِ عيسَى الـمُسْلِمِينَ المؤمِنينَ الـمُتَّبِعينَ لَهُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالإيمَانِ والتَّوحيدِ، فَاللهُ تَعالى مَدَحَهُم لأَنهم كانوا أَهلَ رَأفَةٍ ورَحمَةٍ ولأَنهم ابتَدَعوا رَهبانِيَّةً، والرَّهبانِيَّةُ هِيَ الانقِطاعُ عَن الشَّهَواتِ حتى إِنهم انقَطَعوا عَنِ الزِّواجِ رَغبَةً في تجَرُّدِهِمْ لِلْعِبَادَةِ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعالى: [مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ] أَيْ نَحنُ مَا فَرَضْنَاهَا عَلَيهِم إِنَّما هُمْ أَرَادُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ، فَاللهُ تَعالَى مَدَحَهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعوا مِمَّا لَمْ يُنَصَّ لَهُمْ عَلَيهِ فِي الإنْجِيلِ وَلَا قَالَ لَهُمُ الـمَسِيحُ بِنَصٍّ مِنهُ، إِنَّمَا هُمْ أَرَادُوا الـمُبالَغَةَ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعالَى وَالتَّجَرُّدَ بِتَركِ الانْشِغالِ بِالزّوَاجِ وَنَفَقَةِ الزَّوجَةِ وَالأَهْلِ، فَكَانُوا يَبْنُونَ الصَّوَامِعَ أَي بُيوتًا خَفيفَةً مِن طينٍ أَو مِن غَيرِ ذَلِكَ على المواضِعِ الـمُنعَزِلَةِ عَنِ الْبَلَدِ لَيَتَجَرَّدُوا لِلعِبَادَةِ.
والبِدعَةُ تَنقَسِمُ إِلى قِسْمَينِ: بِدعَةِ ضَلالَةٍ: وهِيَ المحدَثَةُ المخالِفَةُ للقُرءانِ والسُنَّةِ. وبِدْعَةِ هُدًى: وَهِيَ المحدَثَةُ الموافِقَةُ للقُرءانِ والسُنَّةِ. أَخرَجَ البُخارِيُّ في صَحيحِهِ عَن رِفَاعَةَ بنِ رافِعٍ الزَّرْقِيِّ قالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه» قالَ رَجُلٌ وراءَهُ: رَبَّنا ولَكَ الحمدُ حَمدًا كَثيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيهِ. فَلَمَّا انصَرَفَ قالَ: «مَن الْمُتَكَلِّمُ؟» قالَ: أَنا، قالَ ﷺ: «رَأَيتُ بِضعَةً وثَلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرُونَهَا أَيُّهُم يَكتُبُها أَوَّلَ». قالَ ابنُ حَجَرٍ في الفَتحِ في شَرحِ هذا الحديثِ: «واستُدِلَّ بِهِ على جوازِ إِحداثِ ذِكرٍ في الصَّلاةِ غَيْرِ مَأثورٍ إِذا كانَ غَيرَ مخالِفٍ للمَأثورِ». ورَوى أَبو داودَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ كانَ يَزيدُ في التَّشَهُّدِ «وَحدَهُ لَا شَريكَ لَهُ» ويَقولُ أَنا زِدْتُها».اهـ] فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [بَعضُهُمْ لَمْ يَرْعَهَا حَقَّ الرِّعَايَةَ فَهَؤُلَاءِ مَذمُومُونَ]} [الحديد: 27].
وَقالَ تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا (نَهَى الشَّرْعُ الحَنِيفُ عَنِ العَودَةِ لِلخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَخُصُوصًا بَعدَ التَّعَرُّضِ لِلخَيرَاتِ وَالنَّفَحَاتِ وَالبَرَكَاتِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ((وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا))، قَالَ أَهْلُ التَّفسِيرِ: المَقصُودُ بِالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هِيَ امْرَأَةٌ عَاشَتْ فِي زَمَنِ مَا قَبلَ الإِسلَامِ (الجَاهِلِيَّةِ)، وَاسْمُهَا رَابِطَةُ أَوْ رَايِطَةُ أَوْ رَيْطَةُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً تُلَقَّبُ بِالجَعْرَاءِ أَوِ الجِعِرَّانَةِ، وَإِلَيهَا يَنْتَسِبُ المَوضِعُ المُسَمَّى بِالجِعِرَّانَةِ بَينَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَالطَّائِفِ، وَهُوَ مِيقَاتٌ لِلْإِحْرَامِ، وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى بِخَرقَاءِ مَكَّةَ، وَيُضْرَبُ بِهَا المَثَلُ فِي الحُمقِ، فَمَا قِصَّةُ حُمْقِهَا؟ لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ تَجتَمِعُ كُلَّ يَومٍ، هِيَ وَمَجمُوعَةٌ مِنَ الجَوَارِي وَالعَامِلَاتِ لَدَيهَا، فَتَأْمُرُهُنَّ بِالعَمَلِ عَلَى غَزْلِ وَنَسْجِ الصُّوفِ وَالشَّعَرِ وَنَحوِهِمَا، ثُمَّ إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَانتَهَينَ مِنْ أَدَاءِ عَمَلِهِنَّ فِي الغَزْلِ أَمَرَتْهُنَّ بِنَقضِهِ، أَيْ إِفْسَادِ مَا غَزَلْنَهُ، عَلَى أَنْ يَقُمْنَ بِغَزْلِهِ مُجَدَّدًا فِي اليَومِ التَّالِي، وَهَكَذَا، تُجهِدُ هَذِهِ المَرأَةُ نَفْسَهَا وَعَامِلاتِهَا بِالعَمَلِ ثُمَّ تُفسِدُهُ بِحُمْقِهَا وَخَرَاقَتِهَا.اهـ) (فِي هَذِهِ الآيَةِ التَّحذِيرُ مِنَ الِانْتِكَاسَةِ، وَقَدْ كَانَ الصَّالِحُونَ يَخَافُونَ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ وَيَتَّهِمُونَ أَنفُسَهُمْ بِالتَّقصِيرِ وَاتِّهَامُهُمْ لِنَفْسِهِمْ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ يَجعَلُ النَّفْسَ دَائِمًا تَسْتَعِدُّ وَتَعمَلُ وَلَا تَنْغَمِسُ فِي المُحَرَّمَاتِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، لِذَلِكَ يَبْقَونَ عَلَى الِازْدِيَادِ بِالطَّاعَاتِ لِآخِرِ العُمُرِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ أَنَّ الشَّيطَانَ يُحَاوِلُ إِغْوَاءَ النَّاسِ وَإِيقَاعَهُمْ بِالمَفَاسِدِ وَالمُحَرَّمَاتِ…
قَالَ القُرطُبِيُّ: «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ العَبدَ إِذَا كَانَ عِندَ المَوتِ قَعَدَ عِندَهُ شَيْطَانَانِ الوَاحِدُ عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَالَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى صِفَةِ أَبِيهِ أَيْ عَلَى هَيْئَةِ أَبِيهِ، يَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي كُنْتُ عَلَيكَ شَفِيقًا وَلَكَ مُحِبًّا، وَلَكِنْ مُتْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى، وَالَّذِي عَلَى شِمَالِهِ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ، تَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ كَانَ بَطنِي لَكَ وِعَاءً، وَثَديِي لَكَ سِقَاءً، وَفَخِذِي لَكَ وِطَاءً، وَلَكِنْ مُتْ عَلَى دِينِ اليَهُودِ» كُلٌّ مِنهُمَا يَجُرُّهُ إِلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَإِنَّهُ عِندَ اسْتِقْرَارِ النَّفسِ فِي التَّرَاقِي وَالاِرْتِفَاعِ تُعْرَضُ عَلَيهِ الفِتَنُ وَذَلِكَ أَنَّ إِبلِيسَ قَدْ أَنْفَذَ أَعْوَانَهُ إِلَى هَذَا الإِنسَانِ خَاصَّةً وَاسْتَعْمَلَهُمْ عَلَيهِ وَوَكَّلَهُمْ بِهِ، فَيَأْتُونَ المَرءَ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ فَيَتَمَثَّلُونَ لَهُ فِي صُورَةٍ مِنْ سَلَفٍ مِنَ الأَحْبَابِ المَيِّتِينَ البَاغِينَ لَهُ النُّصْحَ بِزَعمِهِمْ فِي دَارِ الدُّنيَا، كَالأَبِ وَالأُمِّ وَالأَخِ وَالأُختِ وَالصَّدِيقِ الحَمِيمِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ تَمُوتُ يَا فُلَانُ وَنَحْنُ قَدْ سَبَقْنَاكَ فِي هَذَا الشَّأنِ فَمُتْ يَهُوْدِيًّا فَهُوَ الدِّينُ المَقبُولُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنِ انْصَرَمَ عَنْهُمْ وَأَبَى، جَاءَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا لَهُ: مُتْ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ دِينُ المَسِيحِ وَقَدْ نَسَخَ اللهُ بِهِ دِينَ مُوسَى وَيَذكُرُونَ لَهُ عَقَائِدَ كُلِّ مِلَّةٍ، فَعِندَ ذَلِكَ يُزيغ اللهُ مَنْ يُرِيدُ زَيغَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَولِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أَيْ لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا عِندَ المَوتِ وَقَدْ هَدَيتَنَا مِن قَبلِ هَذَا زَمَانًا، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ هِدَايَةً وَتَثبِيتًا جَاءَتْهُ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَيَطْرُدُ عَنهُ الشَّيَاطِينَ وَيَمْسَحُ الشُّحُوبَ عَنْ وَجهِهِ فَيَبتَسِمُ المَيِّتُ…
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يُرَى مُتَبَسِّمًا فِي هَذَا المَقَامِ فَرَحًا بِالبَشِيرِ الَّذِي جَاءَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا جِبرِيلُ وَهَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ مُتْ عَلَى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الجَلِيلَةِ فَمَا شَيءٌ أَحَبُّ إِلَى الإِنسَانِ وَأَفرَحُ مِنهُ بِذَلِكَ المَلَكِ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} ثُمَّ يُقْبَضُ.
وَفِي مِثلِ هَذَا قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: حَضَرْتُ وَفَاةَ أَبِي الإِمَامِ أَحمَدَ، وَبِيَدِي الخِرقَةُ لِأَشُدَّ لَحيَيهِ، فَكَانَ يَغرَقُ أَيْ يُغْمَى عَلَيهِ ثُمَّ يَفِيقُ وَيَقُولُ بِيَدِه: لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ. فَعَلَّ هَذَا مِرَارًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ أَيُّ شَيْءٍ مَا يَبْدُو مِنْكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيطَانَ قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحْمَدُ فُتَّنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا بَعدُ حَتَّى أَمُوتَ…
قَالَ القُّرْطُبِيُّ: وَقَدْ سَمِعْتُ شَيخَنَا الإِمَامَ أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنَ عُمَرَ القُرْطُبِيَّ بِثَغْرِ الإِسكَندَرِيَّةِ يَقُولُ: حَضَرْتُ أَخَا شَيخِنَا أَبِي جَعفَرٍ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ القُرطُبِيُّ بِقُرْطُبَةَ وَقَدِ احْتَضَرَ فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَانَ يَقُولُ: لَا لَا، فَلَمَّا أَفَاقَ ذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَانِي شَيطَانَانِ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي يَقُولُ أَحَدُهُمَا: مُتْ يَهُودِيًّا فَإِنَّهُ خَيرُ الأَديَانِ، وَالآخَرُ يَقُولُ: مُتْ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ خَيرُ الأَديَانِ فَكُنتُ أَقُولُ لَهُمَا: لَا لَا إِلَيَّ تَقُولَانِ هَذَا؟ وَقَدْ كَتَبْتُ بِيَدِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَأتِي أَحَدَكُم عِنْدَ مَوتِهِ فَيقُولُ: مُتْ يَهُودِيًّا مُتْ نَصْرَانِيًّا» فَكَانَ الجَوَابُ لَهُمَا لَا لَكُمَا.
قَالَ القُرطُبِيُّ: وَمِثلُ هَذَا عَنِ الصَّالِحِينَ كَثِيرٌ يَكُونُ الجَوَابُ لِلشَّيطَانِ لَا لِمَنْ يُلَقِّنُهُ الشَّهَادَةَ. وَرَوَى ابنُ المُبَارَكِ وَسُفيَانُ عَنْ لَيثٍ عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا مِن مَيِّتٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَيهِ أَهلُ مَجَالِسِهِ الَّذِينَ كَانَ يُجَالِسُ، إِنْ كَانُوا أَهْلَ لَهْوٍ فَأَهلُ لَهْوٍ، وَإِنْ كَانُوا أَهلَ ذِكرٍ فَأَهْلُ ذِكْرٍ)} [النحل: 92].
وَقالَ تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ))، مَعْنَاهُ لَا تُفَارِقْ هَذَا حَتَّى تَمُوتَ، وَسُمِّيَ الْمَوْتُ بِالْيَقِينِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَيَقِّنٌ، والْمُرَادُ مِنْهُ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ فِي زَمَانِ حَيَاتِكَ وَلَا تَخْلُ لَحْظَةٌ مِنْ لَحَظَاتِ الْحَيَاةِ عَنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ الْعِبَادَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحِ عيسى بنُ مريم عليه السلام: ((وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا))، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ النَّاسِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ، يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ)…
(هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيهَا الأَمرُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى المَمَاتِ وَهَذَا بِسَبَبِ الخَوفِ مِنَ اللهِ بِحَيثُ لَا يَنفَتِنُ العَبدُ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يُجَنِّبَنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، فَلَا يَأمَنَنَّ أَحَدٌ انْقِلَابَ الحَالِ مِنْ طَاعَةٍ إِلَى مَعصِيَةٍ، يُروَى أَنَّ رَجُلًا أَسِيرًا مُسلِمًا، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، وَضَعُوهُ لِخِدْمَةِ رَاهِبَينِ بِأَعمَالٍ دُنيَوِيَّةٍ، فَحَفِظَا مِنهُ آيَاتٍ كَثِيرَةً؛ لِكَثرَةِ تِلَاوَتِهِ، فَأَسلَمَ الرَّاهِبَانِ وَتَنَصَّرَ هَذَا الَّذِي كَانَ مُسلِمًا..
وَلِذَلِكَ رَوَى البَيهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو وَيَقُولُ: ”اللهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي إِلَى الْإِسْلَامِ أَلَّا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ“.
نَسْأَلُ اللهَ حُسْنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ. هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَبَدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ حَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً فِي الإِسلَامِ وَاعْتَمَرَ أَلفَ عُمْرَةٍ يَقِفُ فِي النُّسُكِ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا يَنْظُرُ إِلَى الكَعبَةِ وَيَتَوَجَّهُ إِلَيهَا يَدعُو اللهَ بِهَذَا الدُّعَاءِ الذِي فِيهِ سُؤَالُ اللهِ الثَّبَاتَ عَلَى الإِسْلَامِ، مَاذَا نَقُولُ نَحْنُ؟)} [الحجر: 99].
خاتمة: (وَفِي الخِتَامِ اليَومَ وَفِي أَوَّلِ دَرسٍ لَنَا بَعدَ شَهرِ رَمَضَانَ أَقُولُ لَكُمْ: اثْبُتُوا عَلَى الإِيمَانِ، وَاثْبُتُوا عَلَى التَّوحِيدِ وَاثْبُتُوا عَلَى مَجَالِسِ العِلمِ، فَقَدْ قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: وَقَدْ خُذِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عِنْدَ المَوْتِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَتَاهُ الْخِذْلانُ مِنْ أَوَّلِ مَرَضِهِ فَلَمْ يَسْتَدْرِكْ قَبِيحًا مَضَى وَرُبَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِ جورا فِي وَصِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَاجَأَهُ الْخِذْلانُ فِي سَاعَةِ اشْتِدَادِ الأَمْرِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَضَ وَتَسَخَّطَ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلانِ. وَهَذَا مَعْنَى سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْقَلْبِ عِنْدَ الْمَوْتِ الشَّكُّ أَوِ الْجُحُودُ فَتُقْبَضُ النَّفْسُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ.
وقد قِيلَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ قَلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَالَ أنا كَافِرٌ بِهَا.
قَالَ الْقُرَشِيُّ وَذَكَرَ هَاشِمُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ بِالضَّيْعَةِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقُلْتُ قَلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ هَيْهَاتَ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنُهَا).