الحديث (152) · خاتمة لباب الاقتصاد في العبادة وأحكام النذر في الإسلام

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنشَأَ الآدَمِيَّ وَقَوَّمَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَفَمَهُ، وَكَلَّفَهُ مَا شَاءَ وَأَلزَمَهُ، وَفَرَضَ عَلَيهِ مَا أَرَادَ وَحَتَّمَهُ، وَأَخَّرَهُ إِذَا شَاءَ وَقَدَّمَهُ، أَحمَدُهُ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَنَا بِإِنعَامِهِ عَلَينَا خَيرَ أُمَّةٍ، وَمَنَحَنَا الأَنَفَةَ مِنَ الجَهلِ وَعُلُوَّ الهِمَّةِ، وَرَزَقَنَا حِفظَ القُرآنِ وَالعُلُومِ المُهِمَّةِ، وَشَرَّفَنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ مَا اختَلَفَ ضَوءٌ وَظُلمَةٌ، وَعَلَى الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ فِي الهِجرَةِ وَعَضُدِهِ فِي كُلِّ مُلِمَّةٍ، وَعَلَى عُمَرَ الفَارُوقِ مَن فَتَحَ البِلَادَ وَنَصَرَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ، وَعَلَى عُثمَانَ الحَيِيِّ الَّذِي اشتَرَى الجَنَّةَ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَكَاشِفِ هَمِّهِ الَّذِي فَدَاهُ بِنَفسِهِ وَمَا أَهَمَّهُ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَ طَرِيقَهُ وَأَمَّهُ، أَمَّا بَعدُ:

متن الحديث

وعنِ ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: بينما النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ إِذَا هُوَ برجلٍ قائم فسأل عَنْهُ، فقالوا: أَبُو إسْرَائيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِل، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ: «مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». رواه البخاري.

الشرح

هو الحديث الحادي عشر والأخير من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الثاني والخمسون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: قال الحافظ النووي رحمه الله: وعنِ ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: بينما النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ (قال الفيومي في المصباح المنير: خَاطَبَهُ مُخَاطَبَةً وَخِطَابًا وَهُوَ الْكَلَامُ بَيْنَ مُتَكَلِّمٍ وَسَامِعٍ وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْخُطْبَةِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا بِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْنِ فَيُقَالُ فِي الْمَوْعِظَةِ خَطَبَ الْقَوْمَ وَعَلَيْهِمْ فَهُوَ خَطِيبٌ وَالْجَمْعُ الْخُطَبَاءُ وَهُوَ خَطِيبُ الْقَوْم إذَا كَانَ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ عَنْهُمْ. وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ إلَى الْقَوْمِ إذَا طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ وَاخْتَطَبَهَا وَالِاسْمُ الْخِطْبَةُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ خَاطِبٌ وَخَطَّابٌ مُبَالَغَةٌ) إِذَا هُوَ برجلٍ قائم فسأل عَنْهُ فقالوا: أَبُو إسْرَائيلَ (أبو إسرائيل اسمه قيصر العامري، وليس في جميع الصحابة من كنيته أبو إسرائيل غيره، ولا من اسمه قيصر سواه، ولا له ذكر إلا في هذا الحديث.اهـ قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: أبو إسرائيل الصحابي مذكور فى المهذب فى باب النذر، هكذا صوابه: أبو إسرائيل، ويقع فى كثير من النسخ أو أكثرها ابن إسرائيل، وهو غلط، وهو صحابي أنصاري مدني. قال الخطيب البغدادي فى كتابه الأسماء المبهمة: هو عامري. قال: وقيل: اسمه قيس. قال عبد الغني المصري: ليس فى أصحاب رسول الله ﷺ من كنيته أبو إسرائيل غيره، ولا مَن اسمه قيس غيره، ولا يُعرف إلا في هذا الحديث، وحديثه رواه البخاري فى صحيحه) (أنبه على أمر مهم وهو أن إسرائيل بالأصل اسم لنبي الله يعقوب عليه السلام، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيْلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ]، ‌إسرائيل: ‌هو ‌يعقوب، وهو اسم أعجمي. قال ابن عباس: ومعناه: عبد الله. وقد لفظت به العرب على أوجه، فقالوا: إسرائل، وإسرال، وإسرائيل، وإسرائين.اهـ وقال الرازي: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ ‌إِسْرَائِيلَ ‌هُوَ ‌يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَيَقُولُونَ إِنَّ مَعْنَى إِسْرَائِيلَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَنَّ «إِسْرَا» فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الْعَبْدُ وَ «إِيلُ» هُوَ اللهُ وَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَمِيكَائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ. وبنو إسرائيل بالأصل أي بنو يعقوب عليه السلام، وأشهرهم سيدنا يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين، ويوسف نبي كريم وأخوه بنيامين اختُلِفَ هل صار نبيا أم لا ولا تثبت نبوته فقد ذكرها بعض أهل التواريخ، أما إخوة يوسف الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة من تسفيههم أباهم يعقوب عليه السلام ورميهم أخاهم يوسف بالبئر وغير ذلك من المفاسد فقد وقعوا في الكفر ورجعوا للإسلام وتابوا، ولوقوعهم في تلك الخسائس قال الفقهاء إنه لا يجوز أن يكونوا نُبِّؤوا، فلا يجوز على نبي من الأنبياء أن يصدر منه مثل تلك الأفاعيل، ولو قيل إنه تاب منها بعد ذلك، فهذا لا يليق بأنبياء الله، فلذلك لا تصح النبوة عليهم، الله تعالى قال في إخوة يوسف عليه السلام: ((إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ))، وقال تعالى: ((وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ، قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ))، قال الحافظ المفسر اللغوي النحوي المشهور أبو حيان الأندلسي: في البحر المحيط: عند تفسيره الآية الأولى وَالضَّلَالُ هُنَا هُوَ الْهَوَى قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوِ الْخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أَوِ الْجَوْرُ فِي الْفِعْلِ قَالَهُ ابْنُ كَامِلٍ، أَوِ الْغَلَطُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا. قال أبو حيان في تفسير الآية الأخرى: وَمَعْنَى تُفَنِّدُونِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: تُجَهِّلُونِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وَخَرِفْتَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: تعنفون. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقال أبو عبيد: تُضَلِّلُونِ. وَقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهِيَ رَاجِعَةٌ لِاعْتِقَادِ فَسَادِ رَأْيِ الْمُفَنِّدِ إِمَّا لِجَهْلِهِ، أَوْ لِهَوًى غَالِبٍ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَذِبِهِ، أَوْ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ لِذَهَابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ. ثم قال أبو حيان: وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: تُفَنِّدُونِ، الظَّاهِرُ مِنْ تَنَاسخِ الضَّمَائِرِ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ كَانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ غَيْرِ الَّذِينَ رَاحُوا يَمْتَارُونَ. إِذا كَانَ أَوْلَادُهُ جَمَاعَةً. وَقِيلَ: الْحُبُّ، وَيُطْلَقُ الضَّلَالُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الْجَفَاءِ الَّذِي لَا يَسُوغُ لَهُمْ مُوَاجَهَتُهُ بِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ أي لأنه حتى لو كان تأويل كلامهم المحبة فإنهم قالوا ذلك على وجه اللوم والتخطئة وفساد الرأي لا على وجه التأييد والمدح قال أبو حيان: وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا لِوَالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِوَالِدِهِمْ، وَلَا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.اهـ كلام أبي حيان، فقد وضح من هذا الكلام وحده مع وجود نقول كثيرة أن المفسرين ليسوا مجمعين بالمرة على أن المراد بالضلال هنا المحبة. كما أنهم ليسوا مجمعين على أن القائل له في الآية الثانية هم أولاد أولاده وهم متفقون على أن من قال له ذلك من أولاده لم يقله على وجه التأييد له والرضا بحاله بل على وجه اللوم والمعارضة والتخطئه بل لا يختلف اثنان من العلماء والعامة في هذا.

 ولذلك نقول: إن أولاد سيدنا يعقوب هم الذين واجهوه بقول إنك لفي ضلالك القديم وهو أحد قولي المفسرين وهو الظاهر والذي رجحه أبو حيان رحمه الله وقال إن الضلال المذكور في قوله لأبيهم يراد منه التسفيه والتجهيل ونحوهما وهو الظاهر وما قاله أئمة كثيرون من السلف والخلف فلا نحن خرجنا عن منهج أهل العلم فيما قلنا ولله الحمد والفضل) نَذَرَ أَنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدَ (أي نذر هذا الرجل أن لا يجلس، والقعود والجلوس بمعنى واحد على قول بعض أهل اللغة ويقال لالتصاق جسم بجسم، ولذلك لا يجوز نسبة القعود إلى الله عز وجل فهو من صفات الأجسانم والمخلوقات كالإنسان والبهائم، أما معنى قوله عز وجل: [الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى]، فليس معناه قعد أو جلس والعياذ بالله، لا، كما قالت الكرامية وهي بعض فرق المجسمة، قال أبو منصور البغدادي في أصول الدين: وقد شاهدنا قوما من الكرامية يقولون بأن الله جالس على العرش ويقعد عليه وأن له نهايةً من جهة السفل، فهؤلاء يجب تكفيرهم، وسائر فرق الأمة يكفرونهم.اهـ

نقل الزبيدي في الإتحاف عن تقي الدين السبكي قال: “والقعود ومعناه مفهوم من صفات الأجسام لا يعقل منه في اللغة غير ذلك والله تعالى منزه عنها ومن أطلق القعود، وقال إنه لم يُرد صفات الأجسام قال شيئًا لم تشهد له به اللغة فيكون باطلًا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له فيؤاخذ بإقراره ولا يفيد إنكاره”.

ويقول القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني. 328 هـ 402 هـ المالكي الأشعري ما نصه “ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان” اهـ وقال أيضا ما نصه: “ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالله تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك”.اهـ 

وقال الحافظ الفقيه المفسر أبو الفرج عبد الرحمَـٰن بن الجوزي الحنبلي (المتوفى في بغداد سنة 597 ھ) في كتابه صيد الخاطر قال ما نصَّهُ: “وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر، فإنَّ المجسمةَ دخلوا في ذلك لأنّهم حملوا أوصافه على ما يعقلون”.

وفي تنزيه الله تعالى عن الاستقرار الذي هو من صفات الأجسام قال في كتابه (دفع شُبه التشبيه) ما نصه: “ومن المعلوم أن الاستواء إذا كان بمعنى الاستقرار والقعود لا بُدَّ فيه من المماسة، والمماسة إنّما تقع بين جسمين أو جِرمين، والقائل بهذا شبَّه وجسَّم، وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية، كما أبطل دلالة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}”. وفي كتابه (المدهش)  قال في حق الله تعالى ما نصه: “ما عرفه من كيّفه، ولا وحده من مثّله، ولا عبده من شبّهه، المُشبه والمُعطل أعمى)، وَلَا يَسْتَظِلَّ (ضد كونه في الشمس أي بارزًا لها وصرح بهما تأكيدا)، وَلَا يَتَكَلَّمَ (أي: بغير الذكر)، (أما قوله تعالى عن مريم عليها السلام: [فَقُولِي إِنِّيْ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا]، أي صَمتًا وَإِمسَاكًا عَنِ الكَلَامِ، وَكَانُوا يَصُومُونَ عَنِ الكَلَامِ كَمَا يَصُومُونَ عَنِ الأَكلِ وَالشُّربِ، وَكَانَ صِيَامُهُم فِيهِ الصَّمتَ، وَقَد نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صَومِ الصَّمتِ فَصَارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فِينَا، وَإِنَّمَا أُمِرَت أَن تَنذُرَ السُّكُوتَ لِأَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يَكفِيهَا الكَلَامَ بِمَا يُبَرِّئُ بِهِ سَاحَتَهَا، وَلِئَلَّا تُجَادِلَ السُّفَهَاءَ) وَيَصُومَ (قال ابن الجوزي: وَمن نذر مَا لَا يجوز لَهُ لم يجز لَهُ أَن يفعل مَا نذر) (قال أبو سليمان الخطابي: قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية فأمره النبي ﷺ بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه وليس في شيء منها قربة إلى الله سبحانه، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار [جمع إصر، وقال ابن الأثير: الإصر الْإِثْمُ وَالْعُقُوبَةُ] والأغلال التي كانت على من قبلهم) (في هذا الحديث: دليل على أنَّ من تقرَّب إلى الله تعالى بعمل لم يتعبده الله به، أنه لا يلزمه فعله، وإنْ نذره. ومن نذر عبادة مشروعة لزمه فعلها. وفي الحديث الآخر: «من نذر أنْ يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه») فَقَالَ النَّبيّ ﷺ: «مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ (أمضى رسول الله ﷺ من فعله الصوم خاصة ورد باقي ذلك. قال القرطبي: فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا كَانَ غَيْرَ قُرْبَةٍ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَرِيعَتِهِ، وَصَحَّحَ مَا كَانَ قُرْبَةً مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) (وهذا يدل على أن النذر في المعصية كأن كان فيه أذى للنفس وغير ذلك من المحرمات لا يوفى به، ولا يعمل به، وهذا يوضح ما جاء في حديث أبي داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ (يعني عند رأسك، أي أمام ناظرك) بِالدُّفِّ قَالَ: ‌أَوْفِي ‌بِنَذْرِكِ.اهـ وفي رواية ابن حبان عن بُرَيْدَةَ قَالَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من بعض مغازيه، فجاءت جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنْ نَذَرْتِ فَافْعَلِي، وَإِلَّا فَلَا” قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ. فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ.اهـ وهذا يدل على أن الضرب بالدف ولو للنساء على وجه لا يكون فيه نوع من الحرام يجوز ولا حرمة في ذلك.اهـ قال الخطّابي: ضرب الدفّ ليس ممّا يعدّ في الطامحات التي يتعلّق بها النذر، وأحسن حاله أن يكون في باب المباح، غير أنّه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكان فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين، صار فعله كبعض القُرب التي هي من نوافل الطامحات.اهـ

روى البخاري في صحيحه عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشه رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبيّ ﷺ: “يا عائشه ما كان معكم لهوٌ فإن الأنصار يعجبهم اللهو”.اهـ

وروى الطبراني في المعجم الأوسط: كتاب النكاح: باب إعلان النكاح واللهو عن عروة بن الزبير عن عائشه أن رسول الله ﷺ قال “هل بعثتم معها جاريه تضرب بالدف وتغني؟ قالت عائشه: تقول ماذا؟ قال عليه السلام تقول:

أتيناكم أتيناكم …….. فحيّونا نحييّكم

فلولا الذهب الأحمر ما حلّّت بواديكم

ولولا الحنطة السمرا…ء ما سَمِنَت عذاريكم

في هذا الحديث رخَّص النبيّ عليه السلام للجاريه الغناء عند إهداء العروس إلى زوجها فيستفاد من هذا الحديث أمرين الأول: أن صوت المرأة ليس بعورة، والأمر الثاني جواز استخدام الدف. والحديث واضح فالنبيّ عليه السلام قال “هل بعثتم معها جاريه تضرب على الدف وتغني؟”. 

وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه عن عائشه رضي الله عنها أن النبيّ ﷺ قال “أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف”رواه الترمذي في جامعه.اهـ من هنا يتبين بطلان قول بعضهم بأن من علامات الفرقة الناجية أنها تنهى الناس عن استخدام الدفوف جائز وأن الحكم في الشرع أن مدح رسول الله ﷺ للنساء كما هو للرجال هو من القرب التي نتقرب بها لله تعالى فمدح رسول الله ﷺ مزيل للهموم وضياءٌ للقلوب ومدعاةٌ للسرور وأُنس كبير فيه سعادة لا تعدلها سعادة)

(أما ما رواه مسلمٌ عن عائشةَ رضي الله عنها حيث قالتْ: “دخل علي أبو بكرٍ وعندي جاريتان من جواري الأنصارِ تُغنيان بما تقاولَتْ به الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يومِ عيدٍ، فقال رسول الله ﷺ: “يا أبا بكر، إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدُنا”، [يعني ما أنكر النبي الاستماع للغناء والضرب على الدف يوم العيد وقال له هذا عيدنا جاز لنا ذلك].

ورواه النسائي من حديث الزُّهري عن عروة: “وفيه جاريتان تضربانِ بالدف وتغنِّيان ورسولُ الله ﷺ مسجًّى بثوبِه فكشف عن وجهه فقال: “دعْهما يا أبا بكر إنها أيامُ عيد”، هي أيام منًى ورسولُ الله ﷺ يومَئذٍ بالمدينة، فضربت الجاريتانِ بالدُّف عند رسول الله ﷺ وهو يسمَع”. وقولُه ﷺ: “دعهما يا أبا بكر” من أقوى الأدلة على حل الضرب بالدف)». 

(ولأن هذا الحديث أصل في أحكام النذر والناس يحتاجون إلى هذه الأحكام فسأتكلم بتلخيص لهذا الباب وبيان أحكامه على المذهب الشافعي).

التعريف بالنذر

النَّذرُ لُغَةً: مَا يَلتَزِمُهُ الإِنسَانُ وَيَجعَلُهُ عَلى نَفسِهِ وَاجِبًا، أَوِ الوَعدُ بِخَيرٍ أَو شَرٍّ. وَشَرعًا: التِزَامُ قُربَةٍ غَيرِ لَازِمَةٍ بِأَصلِ الشَّرعِ.

الأصل في النذر

آيَاتٌ مِنهَا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:7]، وَأَخبَارٌ كَخَبَرِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

أركان النذر

أَركَانُهُ ثَلَاثَةٌ:

  1. النَّاذِرُ،
  2. وَالمَنذُورُ،
  3. وَالصِّيغَةُ.

شروط الناذر

شُرِطَ فِي النَّاذِرِ:

  1. إِسلَامٌ فِي نَذرِ التَّبَرُّرِ، لَا اللَّجَاجِ، كَمَا يَأتِي بَيَانُهُ،
  2. وَاختِيَارٌ فَلَا يَصِّحُ مِنَ الْمُكرَهِ،
  3. وَنُفُوذُ تَصَرُّفٍ فِيمَا يَنذِرُهُ -بِكَسرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا-، فَلَا يَصِحُّ مِن صَبِيٍّ، وَمَجنُونٍ، وَمَحجُورٍ عَلَيهِ بِسَفَهٍ فِي القُرَبِ الْمَالِيَّةِ.

 شروط المنذور

شُرِطَ في الْمَنذُورِ أَن يَكُونَ:

  • قُرْبَةً غَيرَ وَاجِبَةٍ وجوبَ عَينٍ، نَفلًا كَانَت أَم فَرضَ كِفَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ وَلَا يَنعَقِدُ نَذرُ وَاجِبٍ عَلى العَينِ كَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَأمَّا الواجبُ على الكِفَايَةِ فَيَنعَقِدُ نَذرُهُ وَيَلزَمُهُ الوَفَاءُ بِهِ.

فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ، وَلا نَذْرُ مُبَاحٍ أَىْ مَا يَسْتَوِى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، فَلا يَلْزَمُ الْفِعْلُ أَىِ الْوَفَاءُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً. وَمِثلُ نَذرِ الْمَعصِيَةِ نَذرُ الْمَكرُوهِ، كَنَذرِ شَخصٍ صَومَ الدَّهرِ وَهُوَ يَخْشَى بِهِ الضَّرَرَ فَلَا يَنعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.

  • أَم خَصلَةً مُعَيَّنَةً مِن خِصَالِ الوَاجِبِ الْمُخَيَّر، كَأَن وَجَبَ عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَكَانَ قَادِرًا عَلى كُلٍّ مِنَ العِتقِ وَالكِسوَةِ وَالإِطعَامِ فَالتَزَمَ العِتقَ بِالنَّذرِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِندَئِذٍ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.

شروط الصيغة

شُرِطَ في الصِّيغَةِ كَونُهَا:

  • لَفظًا يُشْعِرُ بِالالتِزَامِ: كَـ لِلَّهِ علَيَّ كَذَا، أَو عَلَيَّ كَذَا، فَلَو قَالَ بِالعَامِيَّة نَدرًا عَلَيَّ بِالدَّالِ الْمُهمَلَةِ كَمَا جَرَت العَادَةُ فِي بِلَادِ الشَّامِ وَمِصرَ وَقَعَ النَّذرُ.

 فَلَا تَصِحُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَةِ وَلَا بِلَفظٍ لَا يُشعِرُ بِالالتِزَامِ كَأَفعَلُ كَذَا.

أقسام النذر

النَّذرُ ضَربَانِ:

  • ❖أَحَدُهُمَا: نَذرُ اللَّجَاجِ بِفَتحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ التَّمَادِي فِي الخُصُومَةِ، وَهُوَ الخَارِجُ مَخرَجَ اليَمِينِ، لِأَنَّ النَّاذِرَ:
    • ➢ يَقصِدُ مَنعَ نَفسِهِ مِنَ الشَّيءِ، نَحوُ: إِن كَلَّمتُ فُلَانًا فَلِلهِ عَليَّ كَذَا.
    • ➢أَو حَثَّهَا على فِعلِهِ، نَحوُ: إِن لَم أَدخُلِ الدَّارَ فَلِلهِ عليَّ كذا.
    • ➢ أَو تَحقِيقَ خَبرٍ، نَحوُ: إِن لَم يَكُنِ الأَمرُ كَمَا قُلتُ فَلِلهِ علَيَّ كذا.
  • ❖وَالثَّانِي: نَذرُ التَّبَرُّرِ وَهُوَ قُرْبةٌ فَلَا يَصِحُّ مِنَ الكَافِرِ، وَيَكُونُ على نَوعَينِ:
    • ➢ أَحَدُهُمَا: أَن لَا يُعَلِّقَهُ النَّاذِرُ على شَيءٍ مَرغُوبٍ فِيهِ وَمَحبُوبٍ لِلنَّفسِ، نَحوُ: للهِ علَيَّ كَذَا.
    • ➢وَالثَّانِي: نَذرُ الْمُجَازَاةِ أَي الْمُكَافَأَةِ، وَهُوَ أَن يُعَلِّقَهُ النَّاذِرُ عَلَى حُصُولِ مَرْغُوبٍ: كَحُدُوثِ نِعْمَةٍ، أَوْ زَوَالِ نِقْمَةٍ، نَحوُ: إِن شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَللهِ عَليَّ أَن أَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ.

حكم نذر التبرر

النَّذْرُ الَّذِى مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَفَاءَ بِهِ هُوَ النَّذْرُ الَّذِى يَكُونَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ بِشَىْءٍ، قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا نَذْرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَهُوَ فَوْقَ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ. أَمَّا نَذرُ المُجَازَاةِ فَقَد قِيلَ إِنَّهُ مَكرُوهٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَةِ الْمَذْكُورَ عَلَى حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لَهُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بَلْ سَلَكَ فِيهَا مَسْلَكَ الْمُعَاوَضَةِ، وَيُوضِحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْفَ مَرِيضُهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِمَا عَلَّقَهُ عَلَى شِفَائِهِ، وَهَذِهِ حَالَةُ الْبَخِيلِ، فَإِنَّهُ لا يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيدُ عَلَى مَا أَخْرَجَ غَالِبًا.

حكم نذر اللجاج

نَذْرُ اللَّجَاجِ مَكْرُوهٌ لا يُحِبُّه اللهُ.

ماذا يلزم في نذر التبرر؟

يَلزَمُهُ الوَفَاءُ بِهِ سَوَاءٌ مَا كَانَ فِي المُجَازَاةِ أَم فِي غَيرِهِ مِن غَيرِ التَّعلِيقِ.

ماذا يلزم في نذر اللجاج؟

هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.

كفارة اليمين 

هِيَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَينَ وَاحِدَةٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَلَا تَرتِيبَ بَينَهَا، وَهِيَ:

  1. إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ،
  2. أَو كِسوَتُهُم،
  3. أَو تَحرِيرُ رَقَبَةٍ،

 فَإِن عَجَزَ عَن الثَّلَاثَةِ، وَلَم يَستَطِعْ أَن يَفعَلَ وَاحِدًا مِنهَا،

  • فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يُجزِئُ الصِّيَامُ إِلَّا بَعدَ العَجزِ عَن فِعلِ وَاحِدٍ مِنَ الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.

الوفاء بالنذر واجب؟

اعلَم أَنَّ النَّذرَ إِمَّا أَن يَكُونَ:

  • على قُربَةٍ غَيرِ وَاجِبَةٍ، فَهَذَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ نَذرُ التَّبَرُّرِ وَالمُجَازَاةِ.
  • أَو على قُربَةٍ وَاجِبَةٍ، كَأَن يَقُولَ: لله عَلَيَّ أَن أُصَلِىَ الظُّهرَ، لَا يَصِحُّ وَلَا يَنعَقِدُ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصلِ الشَّرعِ.
  • أَو عَلى مُبَاحٍ، كَأَن قَالَ: للهِ عَليَّ أَن آكُل خُبزًا، فَلَا يَنعَقِدُ نَذرُهُ أَيضًا، 
  • أَو على مَكرُوهٍ، كَأَن يَنذُرَ صَومَ الدَّهرِ لِمَن يَخشَى مَعَهُ فَوَاتَ حَقٍّ وَاجِبٍ عليهِ، فَلا يَنعَقِدُ وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ المَكرُوهَ لَا يُتَقَرَّبُ إِلى اللهِ بِهِ.
  • أَو عَلى حَرَامٍ، كَأَن يَنذُرَ شُربَ خَمرٍ أَو قَتلَ شَخصٍ ظُلمًا، فَلَا يَنعَقِدُ وَلَا يَجِبُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ بِمُخَالَفَتِهِ.

هل الوفاء على الفور أو على التراخي؟

إِنَّ تَنْفِيذَ النَّذْرِ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ، إِلَّا أَنْ حَدَّدَ وَقْتًا فَفِي الْوَقْتِ الَّذِى حَدَّدَهُ.

بعض المسائل التي قد تحصل

ما حكم من نذر صلاة من غير أن يعين عدد ركعات؟

مَنْ نَذَرَ صَلاةً فَيَكْفِيهِ أَنْ يُصَلِّىَ رَكْعَةً، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ رَكْعَةُ الْوِتْرِ، فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْعَدَدَ إِنَّمَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّىَ لِلَّهِ نَفْلًا، إِنْ شَاءَ يُصَلِّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.

ما حكم من نذر أن يصوم من غير أن يحدد العدد؟

مَن نَذَرَ أَن يَصُومَ وَلَمْ يُحَدِّدْ فِى نَذْرِهِ يَكْفِى صَوْمُ يَوْمٍ، فَإِنْ حَدَّدَ يَأْتِى بِالْعَدَدِ الَّذِى ذَكَرَهُ.

نذرت أن أذبح خروفا ولم أحدد كم عمر هذا الخروف ماذا أفعل؟

مَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ خَرُوفًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَمْ يُحَدِّدْ كَمْ عُمُرُ هَذَا الْخَرُوفِ يَذْبَحُ خَرُوفًا عُمُرُهُ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهِ، وَلَيْسَ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ نَذْرِهِ الَّذِى نَذَرَهُ وَلا أَنْ يُطْعِمَ أَوْلادَهُ الأَطْفَالَ مِنْهُ. لا يُطْعِمُ إِلَّا الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ.

نذرت أن أذبح خروفا هل آكل منه؟

من نذر أن يذبح خروفا يوزعه كله للفقراء، هو لا يأكل منه.

نذرت أن أفعل شيئا تقربا إلى الله ثم نسيت ما هو ماذا أفعل؟

مَنْ نَذَرَ شَيْئًا تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى ثُمَّ نَسِىَ مَا هُوَ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ.

نذرت وشككت هل نذرت قراءة القرآن أو التهليل ماذا أفعل؟

مَنْ شَكَّ هَلْ نَذَرَ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ أَوْ التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ مَثَلًا يَنْتَظِرُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ.

نذرت أن أصلي عددا معينا ثم شككت فيه ماذا أفعل؟

مَنْ شَكَّ هَلْ نَذَرَ صَلاةَ مِائَةِ رَكْعَةٍ أَوْ أَلْفِ رَكْعَةٍ فَليَفْعَلِ الأَقَلَّ وَلا يَلْزَمُهُ الأَكْثَرُ.

من نذر أن يتصدق ثم مات قبل أن يتصدق ماذا يفعل؟

مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَىْءٍ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، أَهْلُهُ يُخْرِجُونَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيُنَفِّذُونَ هَذَا النَّذْرَ لِأَنَّ هَذَا صَارَ دَيْنَ اللهِ، كَالَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُزَّكِّ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ.

نذرت أن آكل تمرا؟

مَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْكُلَ التَّمْرَ لا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ. 

نذرت أن أشرب الشاي أو أن لا أشربه؟

الَّذِى يَنْذُرُ أَنْ يَشْرَبَ الشَّايَ أَوْ أَنْ لا يَشْرَبَهُ، هَذَا لا يَثْبُتُ، لِأَنَّ شُرْبَ الشَّايِ لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ.

نذرت أن أشرب ماء زمزم؟

مَنْ نَذَرَ شُرْبَ مَاءِ زَمْزَمَ يَثْبُتُ نَذْرُهُ لأن شرب ماء زمزم فيه قربة.

هل يجوز النذر للأولياء من أهل القبور؟

أَمَّا النَّذْرُ لِلأَوْلِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ كَالأَوْزَاعِىِّ وَالسَّيِّدَةِ زَيْنَبَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا النَّذْرُ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ رُوحِ الأَوْزَاعِىِّ مَعَ رَجَاءِ أَنْ يَقْضِيَ اللهُ حَاجَتَهُ بِبَرَكَةِ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِى فَعَلَهُ، فَلا بَأْسَ، فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ خَرُوفًا يَنْوِى أَنَّهُ يُطْعِمُ لَحْمَهُ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ هُنَاكَ أَوِ الْخَادِمِ الَّذِي يَرْعَى الْمَقَامَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ مَعَ نِيَّةِ أَنْ يَقْضِيَ اللهُ حَاجَتَهُ فَإِنَّ هَذَا لا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا تَعْظِيمُ هَذَا الْوَلِيِّ فَلا يَصِحُّ هَذَا النَّذْرُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ نَذْرُهُمْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبَالِهِمُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ رُوحِ هَذَا الْوَلِيِّ إِلَّا تَعْظِيمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ لَهَا خُصُوصِيَّةً فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا النَّذْرُ شَبِيهٌ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَيَكُونُ النَّذْرُ شِرْكًا وَكُفْرًا كَمَا لَوْ نَذَرَ شَخْصٌ لِوَلِىٍّ أَوْ وَلِيَّةٍ تَقَرُّبًا إِلَى ذَلِكَ الْوَلِيِّ أَوْ تِلْكَ الْوَلِيَّةِ لَيْسَ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَلِ النَّذْرُ لَهُمَا بِنِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْوَلِيَّ أَوْ هَذِهِ الْوَلِيَّةَ يَقْضِي الْحَاجَاتِ وَيُفَرِّجُ الْكُرُبَاتِ نَاسِيًا اللهَ تَعَالَى، مَا خَطَرَ بِبَالِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ، فَهَذَا النَّذْرُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ وَكُفْرٌ.

خاتمة هذا الباب ومقدمة للباب الذي بعده من رياض الصالحين

ختم الحافظ النووي رحمه الله هذا الباب وهو باب في الاقتصاد بالعبادة بهذا الحديث الذي يدل على أن العبد المؤمن إذا أراد سلوك طريق الرسول ﷺ في العبادة والطاعة لله وهو عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بأحكام الشريعة وأحوال الناس وتقلبات الأنفس فهو طبيب للنفوس ومداوٍ لها، وهو خير من يقتدى به عليه الصلاة والسلام، فمن أراد سلوك الطريق الأمثل في عبادة ربه عز وجل فليقتصد وليكن سديدا متوسطا، فالأمر ليس إفراطا ولا تفريطا، فالنفس لها مداخل ولها تقلبات، ونحن لم نصل إلى درجة استقامة النفس، بل الأنفس تقبل بقدر معين وتضعف وتقوى، هي كأي عضو بالبدن، والأمر يحتاج إلى رياضة للنفس، ويحتاج إلى ضبط لها وكبح لجماحها، ويحتاج الأمر إلى حكمة وذكاء في التصرف مع هذه النفس، حتى لا تهلك صاحبها من حيث لا يدري ومن حيث يأمن عليها، وقد قال ربنا عز وجل: [وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيْرًا]، فقد يظن بعض الناس أن الأمر أقصد أمر النجاة يوم الدين بكثرة العبادة ظاهرا فيقبل بكثرة فيَمَلّ فتزل نفسه وتترك العبادة التي أقبل عليها، ولكن الأمر يحتاج إلى إقبال بقدر ما تحتمله النفس، فهنا يحصل لها الثبات على الطاعة، وبالثبات هنا يحصل الخير إن شاء الله، فأتبع النووي رحمه الله باب الاقتصاد بالعبادة بباب في المحافظة على الأعمال الصالحة وترك التهاون بها والتساهل فيها.اهـ قال ابن علان: وقد أحسن المصنف في تعقيب هذا الباب لما قبله لأن الحاصل من هذا الباب الترغيب في ملازمة العبادة والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها، لأن التشديد قد يؤدي إلى ترك العبادة المذموم كما تقدم، وقد سبق المصنف لهذا الترتيب الحافظ البخاري، فعقب باب ما يكره من التشديد في العبادة الذي عبر عنه النووي هنا بالاقتصاد فيها بباب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه الذي عبر عنه المصنف هنا بباب المحافظة على الأعمال، فاستحسنه الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري.اهـ فرحمهم الله جميعا ما أدقَّ فكرهم وما أصوبه، وهذا من التوفيق الذي كانوا عليه نسأل الله أن يُلحِقَنَا بهم ويجزيهم الخير عن أمة الإسلام.