الحديث (153) – الثبات على الطاعات والمداومة على الأعمال الصالحة

الدرس ١٤٨ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٢:٥٦

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي يُجِيبُ سَائِلَهُ وَلَا يَخِيبُ، وَيُثِيبُ مُعَامِلَهُ حِينَ يُنِيبُ، وَيُغِيثُ بِالصَّلَاحِ مَن يَعِيثُ وَلَا يَغِيبُ، وَيُطنِبُ ذَاكِرَهُ وَذِكرُهُ يَطِيبُ، يَسمَعُ حَنِينَ النُّوقِ إِذَا تَرَنَّمَ حُدَاتُهَا بِالنَّسِيبِ، وَيُبصِرُ دَبِيبَ المَاءِ فِي العُودَينِ اليَابِسِ وَالرَّطِيبِ، وَيَعلَمُ عَدَدَ مَا يَحوِي مِنَ الذَّرِّ الكَثِيبُ، وَيَعلَمُ قَدرَ مَا قَد رَمَى بِهِ مِنَ الوَجدِ الكَئِيبُ، يَقسِمُ الرِّزقَ فَلَا يَنسَى الحُوتَ فِي البَحرِ ﴿وَمَا تَوفِيقِي إِلَّا بِاللهِ، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾. 

أَحمَدُهُ فَهُوَ الَّذِي جَادَ عَلَى أَولِيَائِهِ بِإِسعَادِهِ، وَبَيَّنَ لَهُم مَنَاهِجَ الهُدَى بِفَضلِهِ وَإِرشَادِهِ، وَرَمَى المُخَالِفِينَ لَهُ بِطَردِهِ وَإِبعَادِهِ، وَأَجرَى البَرَايَا عَلَى مَشِيئَتِهِ وَمُرَادِهِ، وَاطَّلَعَ عَلَى سِرِّ العَبدِ وَفُؤَادِهِ، وَقَدَّرَ صَلاحَهُ وَقَضَى عَلَيهِ بِفَسَادِهِ، فَهُوَ البَاطِنُ الظَّاهِرُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِن أَحوَالِ عِبَادِهِ. وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحبِهِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُربِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيطَانُ فِي سِربِهِ؛ وَعَلَى عُثمَانَ الشَّهِيدِ فِي دَارِهِ وَمِحرَابِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَربِهِ، وَعلى عَمِّهِ العَبَّاسِ المُقَدَّمِ عَلَى أَهلِهِ وَحِزبِهِ، اللَّهُمَّ أَصلِح كُلًّا مِنَّا بِإِصلاحِ قَلبِهِ، وَأَنعِم عَلَيهِ بِغُفرَانِ ذَنبِهِ، وَاغفِر لِي وَلِكُلِّ حَاضِرٍ بِجَسَدِهِ وَلُبِّهِ، أَمَّا بَعدُ:

الحديث

فَقَد وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِن بَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى الأَعمَالِ، وَيَذكُرُهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هُنَا وَكَانَ قَد ذَكَرَهُ فِي البَابِ المَاضِي فَقَالَ: وَأَمَّا الأَحَادِيثُ فَمِنهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ. وَقَد سَبَقَ فِي البَابِ قَبلَهُ. (هُوَ الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَرِوَايَةُ البُخَارِيِّ عَن عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا وَعِندَهَا امرَأَةٌ، قَالَ: مَن هَذِهِ؟ قَالَت: فُلَانَةُ، تَذكُرُ مِن صَلَاتِهَا. قَالَ: مَه، عَلَيكُم بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ ‌أَحَبُّ ‌الدِّينِ ‌إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ»).اهـ 

 والإملال استِثقَالُ الشَّيءِ وَنُفُورُ النَّفسِ عَنهُ بَعدَ مَحَبَّتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِطلَاقُهُ عَلَيهِ مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ وَالعَرَبُ تَذكُرُ إِحدَى اللَّفظَتَينِ مُوَافِقَةً لِلأُخرَى وَإِن خَالَفَتهَا مَعنًى. قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا أَحسَنُ مَحَامِلِهِ. وَفِي بَعضِ طُرُقِهِ عَن عَائِشَةَ «اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ» أَخرَجَهُ ابنُ جَرِيرٍ فِي «تَفسِيرِهِ»: أَي لَا يَقطَعُ ثَوَابَهُ وَيَترُكُهُ. 

وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ أَبَدًا وَإِن مَلَلتُم.  

وَقِيلَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَم تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ. 

وَقَالَ المَازِرِيُّ: حَتَّى بِمَعنَى الوَاوِ؛ وَالمَعنَى: أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَاهُ تَعَالَى عَنهُ وَأَثبَتَهُ لَهُم. 

وَهَذَا الحَدِيثُ وَأَمثَالُهُ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى التَّأوِيلِ، فَإِنَّهُ لَو لَم يُحمَل عَلَى التَّأوِيلِ لَنُسِبَ المَلَلُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُستَحِيلٌ وَصِفَةُ نَقصٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَمِثلُ هَذِهِ النُّصُوصِ لَا بُدَّ مِن تَأوِيلِهَا وَعَدَمِ إِجرَائِهَا عَلَى الظَّاهِرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ بَينَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهِهِم وَمُحَدِّثِهِم وَمُتَكَلِّمِهِم وَنُظَّارِهِم وَمُقَلِّدِهِم أَنَّ الظَّوَاهِرَ الوَارِدَةَ بِذِكرِ اللهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ﴾ وَنَحوِهِ لَيسَت عَلَى ظَاهِرِهَا بَل ‌مُتَأَوَّلَةٌ ‌عِندَ ‌جَمِيعِهِم.اهـ

وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ مِن صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ وَمَن جَاءَ بَعدَهُم مِمَّن مَشَى عَلَى طَرِيقَتِهِم يُأَوِّلُونَ النُّصُوصَ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا التَّشبِيهَ، كَابنِ عَبَّاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتِلمِيذِهِ مُجَاهِدِ بنِ جَبرٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَكَالإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحمَدَ وَالبُخَارِيِّ وَغَيرِهِم مِن أَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، هَؤُلَاءِ هُمُ السَّلَفُ الحَقِيقِيُّونَ وَهُم عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

أَمَّا أَدعِيَاءُ السَّلَفِيَّةِ فَهُم عَلَى دَعوَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَكِنَّ مَذهَبَهُمُ التَّشبِيهُ وَالتَّجسِيمُ، وَإِنكَارُ التَّأوِيلِ وَالقَولُ بِأَنَّ التَّأوِيلَ تَعطِيلٌ، وَيَشتَرِكُونَ غَالِبًا بِدَعوَاهُم أَنَّهُم حَنَابِلَةُ عَلَى مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ [وَالحَنَابِلَةُ: هُم أَتبَاعُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَهُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ الكِبَارِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَصَاحِبُ الـمَذهَبِ الحَنبَلِيِّ الـمَشهُورِ، وَفِي أَيَّامِهِ دَعَا الـمَأمُونُ إِلَى القَولِ بِخَلقِ القُرآنِ وَمَاتَ قَبلَ أَن يُنَاظِرَ ابنَ حَنبَلٍ وَتَوَلَّى الـمُعتَصِمُ فَسَجَنَ ابنَ حَنبَلٍ ثَمَانِيَةً وَعِشرِينَ شَهرًا وَأُطلِقَ سَنَةَ 220 لِلهِجرَةِ، كَانَ ابنُ حَنبَلٍ مُنَزِّهًا وَحَذَّرَ مِنَ التَّجسِيمِ وَالتَّشبِيهِ]. وَخَيرُ مَا يَصِفُ هَذِهِ الفِرقَةَ أَي أَدعِيَاءَ السَّلَفِيَّةِ وَأَدعِيَاءَ الحَنبَلِيَّةِ حَقَّ الوَصفِ مَا قَالَهُ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو بَكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ الـمَالِكِيُّ الأَندَلُسِيُّ فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ «العَوَاصِمِ مِنَ القَوَاصِمِ» فِي سِيَاقِ ذِكرِهِ لِمَا أَورَدَهُ المُجَسِّمُ أَبُو يَعلَى مُحَمَّدُ بنُ الحُسَينِ بنِ الفَرَّاءِ فِي كِتَابِهِ «إِبطَالِ التَّأوِيلَاتِ» قَالَ: «… وَأَخبَرَنِي مَن أَثِقُ بِهِ مِن مَشيَخَتِي أَنَّ أَبَا يَعلَى مُحَمَّدَ بنَ الحُسَينِ الفَرَّاءَ رَئِيسَ الحَنَابِلَةِ فِي بَغدَادَ كَانَ يَقُولُ إِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى وَمَا وَرَدَ مِن هَذِهِ الظَّوَاهِرِ فِي صِفَاتِهِ يَقُولُ: أَلزِمُونِي مَا شِئتُم فَإِنِّي أَلتَزِمُهُ إِلَّا اللِّحيَةَ وَالعَورَةَ». فَتَأَمَّل هَذِهِ الكَلِمَةَ وَانظُر أَيُّ تَشبِيهٍ هُوَ هَذَا.

وَمَا مَرَدُّ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ أَلغَوا مَبدَأَ التَّأوِيلِ فَوَصَلُوا إِلَى هَذَا الحَدِّ مِن أَخذِ الـمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا.

وَقَد رَدَّ الإِمَامُ الشَّهِيرُ الحَافِظُ أَبُو الفَرَجِ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الجَوزِيِّ الحَنبَلِيُّ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ فِي كِتَابِهِ الجَلِيلِ «دَفعِ شُبَهِ التَّشبِيهِ بِأَكُفِّ التَّنـزِيهِ» فَقَالَ مَا نَصُّهُ: «وَرَأَيتُ مِن أَصحَابِنَا [يَعنِي مِمَّن يَنتَسِبُونِ لِلحَنَابِلَةِ زُورًا وَبُهتَانًا] مَن تَكَلَّمَ فِي الأُصُولِ [أَي أُصُولِ الدِّينِ أَي فِي العَقَائِدِ] بِمَا لَا يَصلُحُ، وَانتَدَبَ لِلتَّصنِيفِ ثَلَاثَةٌ [أَي قَامَ يُصَنِّفُ فِي العَقَائِدِ مِنهُم ثَلَاثَةُ مُجَسِّمَةٍ]: أَبُو عَبدِ اللهِ بنُ حَامِدٍ، وَصَاحِبُهُ القَاضِي أَبُو يَعلَى [هُوَ أَبُو يَعلَى الفَرَّاءُ صَاحِبُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ]، وَابنُ الزَّاغُونِيِّ، فَصَنَّفُوا كُتُبًا شَانُوا بِهَا المَذهَبَ [قَالَ الفَيُّومِيُّ: الشَّينُ خِلَافُ الزَّينِ]، فَحَمَلُوا الصِّفَاتِ [أَي صِفَاتِ اللهِ] عَلَى مُقتَضَى الحِسِّ [عَلَى مَا يَتَصَوَّرُونَهُ فِي حِسِّهِم وَعُقُولِهِم وَهَذِهِ مُصِيبَةُ المُجَسِّمَةِ يَقِيسُونَ الخَالِقَ بِالمَخلُوقِ]، فَسَمِعُوا أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ ءَادَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى صُورَتِهِ  فَأَثبَتُوا لَهُ صُورَةً وَوَجهًا زَائِدًا عَلَى الذَّاتِ، وَعَينَينِ وَفَمًا وَلَهَوَاتٍ وَأَضرَاسًا، وَيَدَينِ وَأَصَابِعَ وَكَفًّا وَخِنصَرًا وَإِبهَامًا، وَصَدرًا وَفَخِذًا وَسَاقَينِ وَرِجلَينِ، وَقَالُوا: مَا سَمِعنَا بِذِكرِ الرَّأسِ! وَقَالُوا: يَجُوزُ أَن يَمَسَّ ويُمَسَّ! وَيُدنِي العَبدَ مِن ذَاتِهِ وَقَالَ بَعضُهُم: وَيَتَنَفَّسُ، ثُمَّ إِنَّهُم يُرضُونَ العَوَامَّ بِقَولِهِم: لَا كَمَا يُعقَلُ! وَقَد أَخَذُوا بِالظَّاهِرِ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَم يَلتَفِتُوا إِلَى النُّصُوصِ الصَّارِفَةِ عَنِ الظَّوَاهِرِ إِلَى المَعَانِي الوَاجِبَةِ للهِ تَعَالَى وَلَا إِلَى إِلغَاءِ مَا يُوجِبُهُ الظَّاهِرُ مِن سِمَاتِ الحُدُوثِ، وَقَالُوا: نَحمِلُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا المُتَعَارَفَةِ وَالظَّاهِرُ هُوَ المَعهُودُ مِن نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، ثُمَّ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ التَّشبِيهِ وَيَأنَفُونَ مِن إِضَافَتِهِ إِلَيهِم وَيَقُولُونَ: نَحنُ أَهلُ السُّنَّةِ، وَكَلَامُهُم صَرِيحٌ فِي التَّشبِيهِ وَقَد تَبِعَهُم خَلقٌ مِنَ العَوَامِّ. فَقَد نَصَحتُ التَّابِعَ وَالمَتبُوعَ فَقُلتُ لَهُم: يَا أَصحَابَنَا أَنتُم أَصحَابُ نَقلٍ وَإِمَامُكُمُ الأَكبَرُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ يَقُولُ وَهُوَ تَحتَ السِّيَاطِ: “كَيفَ أَقُولُ مَا لَم يُقَل”. فَإِيَّاكُم أَن تَبتَدِعُوا فِي مَذهَبِهِ مَا لَيسَ مِنهُ، فَلَا تُدخِلُوا فِي مَذهَبِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ السَّلَفِيِّ مَا لَيسَ مِنهُ. وَلَقَد كَسَيتُم هَذَا المَذهَبَ شَينًا قَبِيحًا حَتَّى صَارَ لَا يُقَالُ حَنبَلِيٌّ إِلَّا مُجَسِّمٌ. وَقَد كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ يَقُولُ فِي بَعضِ أَئِمَّتِكُم: لَقَد شَانَ المَذهَبَ شَينًا قَبِيحًا لَا يُغسَلُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. انتَهَى كَلَامُ ابنِ الجَوزِيِّ).

[قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: قَولُهُ ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ‌عَلَى ‌صُورَتِهِ»، فَهُوَ مِن أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَد سَبَقَ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ بَيَانُ حُكمِهَا وَاضِحًا وَمَبسُوطًا وَأَنَّ مِنَ العُلَمَاءِ مَن يُمسِكُ عَن تَأوِيلِهَا وَيَقُولُ نُؤمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذهَبُ جُمهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحوَطُ وَأَسلَمُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.اهـ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَحسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأوِيلِهِ إِنَّ الإِضَافَةَ لِلتَّشرِيفِ كَنَاقَةِ اللهِ وَبَيتِ اللهِ أَيِ الصُّورَةِ الَّتِي اختَارَهَا لآدَمَ.اهـ]

(أَمَّا مَعنَى قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَكَانَ ‌أَحَبَّ ‌الدِّينِ ‌إِلَيهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ».اهـ قَالَ النَّوَوِيُّ: بِدَوَامِ القَلِيلِ تَستَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكرِ وَالمُرَاقَبَةِ وَالإِخلَاصِ وَالإِقبَالِ عَلَى اللهِ، بِخِلَافِ الكَثِيرِ الشَّاقِّ ‌حَتَّى ‌يَنمُوَ ‌القَلِيلُ ‌الدَّائِمُ بِحَيثُ يَزِيدُ عَلَى الكَثِيرِ المُنقَطِعِ أَضعَافًا كَثِيرَةً).

(قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: إِنَّمَا أَحَبُّ العَمَلِ الدَّائِمُ، لِأَنَّ مُدَاوِمَ الخَيرِ مُلَازِمٌ لِلخِدمَةِ، وَلَيسَ مَن لَازَمَ وَقتًا فِي كُلِّ يَومٍ كَمَن لَازَمَ يَومًا وَانقَطَعَ شَهرًا، وَلِأَنَّهُ بِتَركِهِ العَمَلَ بَعدَ دُخُولِهِ فِيهِ كَانَ كَالمُعرِضِ بَعدَ الوَصلِ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ).

مَتنُ الحَدِيثِ الَّذِي بَعدَهُ: وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن نَامَ عَن حِزبِهِ مِنَ اللَّيلِ، أَو عَن شَيءٍ مِنهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (هَذَا الحَدِيثُ الثَّانِي مِن هَذَا البَابِ وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالخَمسُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ): «مَن نَامَ عَن حِزبِهِ مِنَ اللَّيلِ (قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: قَد صَحَّفَ بَعضُهُم فَقَالَ: مَن نَامَ عَن جُزئِهِ مِنَ الجُزءِ الَّذِي هُوَ القِطعَةُ مِنَ الشَّيءِ، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن حِزبِهِ بِالحَاءِ المُهمَلَةِ المَكسُورَةِ. والحِزبُ مِنَ القُرآنِ: الوِردُ، وَهُوَ شَيءٌ يَقرَؤُهُ كُلَّ يَومٍ. 

وَقَالَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يَعنِي بِحِزبِهِ: جَمَاعَةَ السُّوَرِ الَّتِي كَانَ يَقرَؤُهَا فِي صَلَاتِهِم بِاللَّيلِ، وَكُلُّ جَمَاعَةٍ مُؤتَلِفَةٍ أَو مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى شَيءٍ فَهِيَ حِزبٌ) (قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: الحِزبُ مَا يَجعَلُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفسِهِ مِن قِرَاءَةٍ أَو صَلَاةٍ كَالوِردِ)،

أَو عَن شَيءٍ مِنهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ». (قَالَ ابنُ هُبَيرَةَ: مِن لُطفِ اللهِ بِعَبدِهِ أَنَّهُ إِذَا استَمَرَّ فِي الأُمُورِ فِي الغَالِبِ فَبَدَرَ مِنهُ مَا يُخَالِفُ تِلكَ الحَالِ الغَالِبَةِ عَلَيهِ سُومِحَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد فَسَحَ لِهَذَا النَّائِمِ فِي الِاستِدرَاكِ وَلَم يَنقُصهُ مِن مِيزَانِ أَجرِ ذَلِكَ الوَقتِ الشَّرِيفِ شَيئًا)،

(وَقَالَ ابنُ هُبَيرَةَ أَيضًا: فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقهِ أَنَّ مَا بَينَ الفَجرِ وَالظُّهرِ يُعطَى حُكمَ اللَّيلِ، مِن أَجلِ أَنَّ العَرَبَ تَقُولُ مِن بَعدِ الصُّبحِ إِلَى الظُّهرِ: أَينَ كُنتَ اللَّيلَةَ؟ وَيَقُولُونَ: فَعَلنَا اللَّيلَةَ، فَإذَا زَالَتِ الشَّمسُ قَالُوا: أَينَ كُنتَ البَارِحَةَوَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ يَقُولُ فِي بَعضِ الأَيَّامِ: “هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُمُ اللَّيلَةَ رُؤيَا”، وَقَد بَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هَذَا فَقَالَ: إِذَا نَوَى صَومَ الفَرضِ قَبلَ الزَّوَالِ صَحَّ، فَكَأَنَّهُ نَوَى مِن آخِرِ اللَّيلِ). 

(قَالَ الفُقَهَاءُ: هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ مِنَ الفِقهِ الحَضُّ عَلَى قَضَاءِ الفَوَائِتِ مِنَ النَّوَافِلِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَارُكِ؛ لِئَلَّا يَعتَادَ إِسقَاطَ النَّوَافِلِ عِندَ فَوَاتِهَا؛ فَإِنَّ استِدَامَةَ العَمَلِ عَمَلٌ فَوقَ العَمَلِ)،

(وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ مَن نَامَ عَن شَيءٍ أَو تَرَكَ شَيئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَكَانَ قَدِ اعتَادَهُ أَنَّه يَقَعُ فِي الحَرَامِ، لَا، هُوَ العَبدُ المُؤمِنُ يَنبَغِي أَن يَزدَادَ فِي النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ وَلَا يَنقَطِعَ عَنهَا، بَل يَثبُتُ عَلَيهَا مِن بَابِ الزِّيَادَةِ بِالطَّاعَاتِ وَلَيسَ مِن بَابِ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَهَا وَقَعَ فِي الحَرَامِ، فَتَارِكُ النَّوَافِلِ وَلَو عَمدًا لَيسَ عَلَيهِ مَعصِيَةٌ، مَن تَرَكَ نَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ كَسُنَّةِ الظُّهرِ وَسُنَّةِ المَغرِبِ وَغَيرِهِمَا فَلَا إِثمَ عَلَيهِ. مَن تَرَكَ سُنَّةً مِنَ السُّنَن لَا إِثمَ عَلَيهِ أكَانَت مِن سُنَنِ الفَرَائِضِ أَو كَانَت وِترًا أَو غَيرَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ. وَأَمَّا حَدِيثُ البُخَارِيِّ «مَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» فَمَعنَاهُ مَن تَرَكَ شَرِيعَتِي أَيِ القُرءَانَ وَالحَدِيثَ وَهُوَ كَارِهٌ طَرِيقَتِي الَّتِي جِئتُ بِهَا، الَّتِي أَوحَى اللهُ بِهَا إِلَيَّ، مَن كَرِهَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَلَيسَ مِنِّي، فَهُوَ كَافِرٌ. الرَّسُولُ ﷺ جَاءَ بِإِثبَاتِ القِيَامِ وَالتَّهَجُّدِ بِاللَيلِ وَجَاءَ بِإِثبَاتِ الزَّوَاجِ أَي حِلِّ النِّكَاحِ وَجَاءَ بِإِبَاحَةِ نَومِ بَعضِ اللَيلِ وَصَومِ بَعضِ الأَيَامِ وَإفطَارِ بَعضِهَا فَمَن لَم يُعجِبهُ هَذَا فَكَرِهَ هَذَا فَهُوَ لَيسَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، مَن كَرِهَ شَيئًا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ التَّشريِعِ فَهُوَ كَافِرٌ. 

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ وَاجِبَةٌ غَيرُ الصَّلَواتِ الخَمسِ وَأَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى الشَّخصِ بِتَركِ النَّوَافِلِ الحَدِيثُ المَرفُوعُ حَدِيثُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأسِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «خَمسُ صَلَوَاتٍ» قَالَ هَل عَلَيَّ غَيرُهَا قَالَ ﷺ «لَا إِلَّا أَن تَتطَوَّعَ» ثُمَّ قَالَ أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ «قَال: صِيَامُ شَهرِ رَمَضَان، قَالَ هَل عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قَالَ ﷺ: «لَا إِلَّا أَن تَتطَوَّعَ» ثُمَّ قَالَ أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فَعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسلَامِ «أَي عَلَّمَهُ الشَّىءَ الَّذِي هُوَ فَرضٌ وَالشَّىءَ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ»  فَوَلَّى الرَّجُلُ «أَي ذَهَبَ مِن عِندِهِ» وَهُوَ يَقُولُ وَالَّذِي أَكرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ «أَي أَحلِفُ باللهِ الَّذِي أَكرَمَكَ بِالنُّبوَّةِ وَالرِّسَالَة» لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا وَلَا أَنقُصُ مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيئًا «حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَتَطَوَّعُ أَي لَا يُصلٍّي السُّنَّةَ وَلَا يَصُومُ النَّفلَ» فَقَالَ ﷺ: «أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. فَقَولُهُ ﷺ «أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ» أَي فِيمَا حَلَفَ عَلَيهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَفعَلُ شَيئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَلَا يَترُكُ شَيئًا مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ مِن أَدَاءِ الوَاجِبِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمِ. وَإِذَا عُلِمَ هَذَا ظَهَرَ بُطلَانُ مَا شَاعَ عِندَ بَعضِ العَوَامِّ مِن قَولِ بَعضِهِم إِنَّ الرَّسُولَ قَالَ «مَن لَم يُصلِّ سُنَّتِي فَلَيسَ مِن أُمَّتِي» هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ مَا لَهُ أَصلٌ مَن فَهِمَهُ عَلَى الظَّاهِرِ قَلَبَ أَحكَامَ الدِّينِ وَكَذَّبَهُ. سُنَّةُ الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالمَغرِبِ وَالعِشَاِء وَالصُّبحِ هَذِهِ مَن اعتَبَرَهَا فَرضًا وَأَنَّ مَن لَم يَفعَلَهَا لَيسَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَكَذِّبُ الدِّينِ، وَقَولِ بَعضِهِم إِنَّهُ قَالَ: «مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ عَلَى وَجهِهِ قِطعَةُ لَحمٍ» أَي مِن شَدَّةِ خَجَلِهِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَهُ وَجهٌ لِيُقَابِلَنِي، وَقَولِ بَعضِهِم إِنَّهُ قَالَ: «مَن لَم يُصَلِّ سُنَّتِي لَم تَنَلهُ شَفَاعَتِي» أَي أَنَّهُ يُحرَمُ يَومَ القِيامَةِ مِن شَفَاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، كَيفَ مَن تَرَكَ السُّنَّة يُحرَمُ مِنَ الشَّفَاعَةِ! وَثَبَتَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِي» قَالَ: يُرِيدُونَ بِهِ النَّوَافِلَ فَكُلُّ ذَلِكَ أَي هَذِهِ الأَقوَالُ الثَّلَاثَةُ خِلَافُ الشَّرعِ لَيسَ لَهَا أَصلٌ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَضَلَالٌ، فَحَذِّرُوا مِنهَا وَعَلِّمُوا النَّاسَ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ فَاسِدٌ لَا يُرضِي اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ، وَلَا يَنفَعُهُم قَصدُهُم بِذَلِكَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ، لِأَنَّ مَن صَلَّى الصَّلَاةَ المَفرُوضَةَ عَلَى عَقِيدَةٍ صَحِيحَة أَي بَعدَ مَعرِفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يَجِبُ ثُمَّ تَطَهَّرَ طُهُورًا صَحِيحًا ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الخَمسَ عَلَى الوَجهِ الصَّحِيحِ وَأَدَّى الوَاجِبَات وَاجتَنَبَ المُحَرَّمَات فَهَذَا العَبدُ التَّقِيُّ وَلَو لَم يُؤَدِّ السُّنَن، وَقَد قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَالكَذِّبُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ. بَعضُ النَّاسِ كَذَبَوا عَلَى الرَّسُولِ فِي المَاضِي لِتَنشِيظِ النَّاسِ عَلَى الذِّكرِ عَلَى الطَّاعَاتِ، يَا وَيلَهُمَ، الدِّينُ لَيسَ بِحَاجَةٍ لِأَن يُكذَبَ عَلَيهِ، دِينُ اللهِ كَامِلٌ. بَعضُ السَّلَف مِن شِدَّةِ خَوفِهِ كَانَ قَلَّ مَا يَقُولُ “قَالَ رَسُولُ اللهِ” وَإِذَا قَالَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ اصفَرَّ لَونُهُ خَوفًا مِنَ اللهِ، لِأَنَّهُ يَتَذَكَّرُ فَورًا ذَنبَ الكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ فَيَخَافُ. وَفِي أَيَّامِنَا بَعض النَّاس يقعُدُونَ فِي مَجلِسٍ كُلُّهُ فِي الكَذِبِ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَلَا يَرِفُّ لَهُ جَفنٌ، لَا تَطرُفُ لَهُم عَينٌ!! اللهُ يَرحَمُنَا.

عُلَمَاءُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللهُ كَانُوا شَدِيدِي التَّعظِيمِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ مَالِكٌ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَونُهُ وَيَنحَنِي حَتَّى يَصعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقِيلَ لَهُ يَومًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَو رَأيتُم مَا رَأَيتُ لَمَا أَنكَرتُم عَليَّ مَا تَرَونَ، وَلَقَد كُنتُ أَرَى مُحَمَّدَ بنَ المُنكَدِرِ وَكَانَ سَيِّدَ القُرَّاءِ لَا نَكَادُ نَسأَلُهُ عَن حَدِيثٍ أَبَدًا إِلَّا يَبكِي حَتَّى نَرحَمَهُ، وَلَقَد كُنتُ أَرَى جَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّمِ فَإِذَا ذُكِرَ عِندَهُ النَّبِيُّ ﷺ اصفَرَّ، وَمَا رَأَيتُهُ يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ.

وَلَقَد كَانَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ القَاسِمِ يَذكُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَيُنظَرُ إِلَى لَونِهِ كَأنَّهُ نَزَفَ مِنهُ الدَّمُ وَقَد جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيبَةً مِنهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَلَقَد رَأَيتُ الزُّهرِيَّ وَكَانَ مِن أَهنَأ النَّاسِ وَأقرَبِهِم فَإِذَا ذُكِرَ عِندَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَأنَّهُ مَا عَرَفَكَ وَلَا عَرَفتَهُ، لَقَد كُنتُ آتِي صَفوَانَ بنَ سُلَيمٍ وَكَانَ مِنَ المُتَعَبِّدِينَ المُجتَهِدِينَ فَإِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى فَلَا يَزَالُ يَبكِي حَتَّى يَقُومَ النَّاسُ عَنهُ وَيَترُكُوهُ.

وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَا مِنَّا أَحَدٌ يَدخُلُ المَسجِدَ إِلَّا مُعتَمًّا إِجلَالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. 

إِذَا أَرَادَ أَن يُحَدِّثَ تَوَضَّأَ وَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِهِ وَسَرَّحَ لِحيَتَهُ وَتَمَكَّنَ فِي الجُلُوسِ بِوَقَارٍ وَهَيبَةٍ ثُمَّ حَدَّثَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أُحِبُّ أَن أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أُحَدِّثَ بِهِ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا.

 وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: كُنتُ عِندَ مَالِكٍ وَهُوَ يُحَدِّثُنَا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَدَغَتهُ عَقرَبٌ بِسِتَّ عَشرَةَ مَرَّةً وَمَالِكٌ يَتَغَيَّرُ لَونُهُ وَيَصفَرُّ وَلَا يَقطَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ المَجلِسِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ قُلتُ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ لَقَد رَأَيتُ اليَومَ مِنكَ عَجَبًا، فَقَالَ: نَعَم، إِنِّمَا صَبَرتُ إِجلَالًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

كَانَ مَالِكٌ إِذَا أَتَاهُ النَّاسُ خَرَجَت إِلَيهِمُ الجَارِيَةُ فَتَقُولُ لَهُم: يَقُولُ لَكُمُ الشَّيخُ: تُرِيدُونَ الحَدِيثَ أَوِ المَسَائِلَ؟ فَإِن قَالُوا: المَسَائلَ خَرَجَ إِلَيهِم وَأَفتَاهُم وَإِن قَالُوا: الحَدِيثَ قَالَ لَهُمُ: اجلِسُوا وَدَخَلَ مُغتَسَلَهُ فَاغتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَعَمَّمَ وَوَضَعَ عَلَى رَأسِهِ عِمَامَةً طَوِيلَةً وَتُلقَى لَهُ المِنَصَّةُ فَيَخرُجُ إِلَيهِم وَعَلَيهِ الخُشُوعُ وَيُوضَعُ عُودٌ فَلَا يَزَالُ يَتَبَخَّرُ حَتَّى يَفرُغَ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.اهـ

وَيَأتِي بَعضُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وَيَتَكَلَّمُ نَقلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَعمِهِ وَكَذِبًا نَسأَلُ اللهُ السَّلَامَةَ. أَينَ أَهلُ السَّلَفِ الحَقِيقِيُّونَ وَأَينَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزعُمُونَ اتِّبَاعَ السَّلَفِ بِزَعمِهِم، السَّلَفُ الحَقِيقِيُّونَ لَا يَكذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ المَذكُورَةُ فِيهَا الأَمرُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَعظَمُهَا الإِيمَانُ، يَجِبُ الثَّبَاتُ عَلَيهِ فِي كُلِّ الأَحوَالِ. قَالَ تَعَالَى: [وَإِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ رَبِّ اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجنُبنِي وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنَامَ]، قَالَ أَبُو اللَّيثِ السَّمَرقَندِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: قَولُهُ: [وَاجنُبنِي وَبَنِيَّ] وَذَلِكَ أَنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا فَرَغَ مِن بِنَاءِ البَيتِ، سَأَلَ رَبَّهُ أَن يَجعَلَ هَذَا البَلَدَ آمِنًا، وَخَافَ عَلَى بَنِيهِ لِأَنَّهُ رَأَى القَومَ يَعبُدُونَ الأَوثَانَ. فَسَأَلَ رَبَّهُ أَن يُجَنِّبَهُم عِبَادَةَ الأَوثَانِ فَقَالَ: وَاجنُبنِي وَبَنِيَّ يَقُولُ: احفَظنِي وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ يَعنِي: لِكَي لَا نَعبُدَ الأَصنَامَ [هُوَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَحفُوظٌ عَن عِبَادَةِ الأَصنَامِ وَلَكِن حَتَّى يُعَلِّمَ المُسلِمِينَ أَن يَدعُوا بِهَذَا الدُّعَاءِ]، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ المُؤمِنَ لَا يَنبَغِي لَهُ أَن يَأمَنَ عَلَى نَفسِهِ، وَيَنبَغِي أَن يَكُونَ مُتَضَرِّعًا إِلَى اللهِ لِيُثَبِّتَهُ عَلَى الإِيمَانِ، كَمَا سَأَلَهُ إِبرَاهِيمُ لِنَفسِهِ وَلِبَنِيهِ ‌الثَّبَاتَ عَلَى ‌الإِيمَانِ. 

وَقِيلَ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً}: أَيِ الثَّبَاتَ عَلَى الإِيمَانِ، {وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً}: السَّلَامَةَ وَالرِّضوَانَ.اهـ 

فَلِذَلِكَ قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّ نِيَّةَ الثُّبُوتِ عَلَى الإِسلَامِ ضَرُورِيَّةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿واعبُد رَبَّك حَتَّى يأتِيَكَ اليَقِين﴾ [سورة الحجر:99] وَقَالَ أَيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ﴾، أَي أَن يَخلُوَ قَلبُهُ عَن أَيِّ عَزمٍ عَلَى تَركِ الإِسلَامِ فِي المُستَقبَلِ أَو تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ مَن نَوَى الكُفرَ فِي المُستَقبَلِ كَفَرَ فِي الحَالِ. وثَمَّةَ فَرقٌ كَبِيرٌ بَينَ العَزمِ عَلَى الإِيمَانِ وَبَينَ العَزمِ عَلَى الكُفرِ، فَالعَزمُ عَلَى الإِيمَانِ لَيسَ إِيمَانًا وَالعَزمُ عَلَى الكُفرِ كُفرٌ فِي الحَالِ.

فَمَن عَزَمَ عَلَى الكُفرِ فِي المُستَقبَلِ أَو عَلَى فِعلِ شَيءٍ مِنَ المُكَفِّرَاتِ أَو تَرَدَّدَ فِيهِ. سَوَاءٌ كَانَ كُفرًا فِعلِيًّا أَم كَانَ كُفرًا قَولِيًّا أَو كَانَ كُفرًا اعتِقَادِيًّا مَن عَزَمَ عَلَى فِعلِهِ فَإِنَّهُ يَكفُرُ فِي الحَالِ، العَزمُ هُوَ التَّصمِيمُ الجَازِمُ المُؤَكَّدُ، مَن عَزَمَ مَن صَمَّمَ مَن نَوَى عَلَى أَن يَكفُرَ فِي المُستَقبَلِ كَفَرَ فِي الحَالِ، كَذَلِكَ مَن تَرَدَّدَ “كَلَامُنَا عَن مَن تَرَدَّدُ فِي الكُفرِ لَا عَن مَن تَرَدَّدَ فِي أَمرٍ آخَرَ هَل أَعصِي أَو لَا أَعصِي” تَعَلَّمنَا أَنَّ الهَمَّ بِالمَعصِيَةِ لَيسَ مَعصِيَةً، الهَمَّ هُوَ أَن يَكُونَ فِي نَفسِهِ جَانِبُ أَفعَلُ أَقوَى مِن جَانِبِ لَا أَفعَلُ، الهَمُّ فِي المَعصِيَةِ لَيسَ مَعصِيَةً، كَأَن قَالَ فِي نَفسِهِ أَشرَبُ الخَمرَ أَم لَا أَشرَب أَزنِي أَم لَا أَزنِي وَجَانِبُ أَفعَل أَقوَى فَإِنَّهُ لَا يَعصِي، مَتَى يَعصِي؟ مَتَى مَا عَزَمَ، صَمَّمَ، نَوَى عَلَى فِعلِ المَعصِيَةِ عَصَى هُنَاكَ فَرق بَينَ الهَمّ وبَينَ العَزَم عَلَى المَعصِيَة، أَمَّا هُنَا كَلَامُنَا عَن تَرَدُّدٍ لَو كَانَ دُونَ الهَمِّ لِأَنَّهُ فِي الكُفرِ يَكفُرُ فِي الحَالِ، فَالعَزمُ وَالهَمُّ وَالتَّرَدُّدُ فِي الكُفرِ كُفرٌ فِي الحَالِ، الآنَ قَبلَ أَن يَفعَل. إِذَا قَالَ فِي نَفسِهِ لَأَسجُدَنَّ لِلصَّنَمِ الَّذِي فِي مَكَانِ كَذَا مِنَ الآن صَارَ كَافِرًا. وَلَيسَ المَقصُودُ خُطُورَهُ فِي البَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ. فَمَن خَطَرَ لَهُ شَىءٌ مِن ذَلِكَ فِي بَالِهِ أَي قَلبِهِ خُطُورًا أَي بِلَا إِرَادَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَكفُرُ، لِأَنَّ الخَاطِرَ بِالإِجمَاعِ غَيرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ بَلِ الَّذِي يَخطُرُ لَهُ الكُفر ثُمَّ لَا يَعتَقِدُهُ بَل لَايَزَالُ عَقدُ قَلبِهِ جَازِمًا بِدِينِ اللهِ تَعَالَى فَيَشعُرُ صَاحِبُهُ بِالكَرَاهِيَةِ لِهَذَا الخَاطِرِ فَلَهُ ثَوَابٌ، وَلَو تَكَرَّرَ هَذَا الخَاطِرُ لِأَنَّ هَذَا لَيسَ مِمَّا يَستَطِيعُ الإِنسَانُ مَنعَهُ وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ العَبدَ إِلَّا مَا هُوَ فِي وُسعِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَىءٍ).

وَهَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ المَروِيُّ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَن نَامَ عَن حِزبِهِ مِنَ اللَّيلِ أَو عَن شَيءٍ مِنهُ فَقَرَأَهُ مَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّهُ قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ رَوَاهُ مُسلِمٌ، يُبَيِّنُ عَظِيمَ فَضلِ اللهِ وَلُطفِهِ بِالمُسلِمِينَ وَأَنَّ الشَّرعَ يُعطِيهِمُ الفُرصَةَ لِتَعوِيضِ مَا فَاتَهُم مِن شَيءٍ تَعَوَّدُوا عَلَيهِ مِنَ النَّوَافِلِ. وَعَن سُلَيمَانَ بنِ يَسَارَ قَالَ قَالَ أَبُو أَسِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نِمتُ البَارِحَةَ عَن وِردِي حَتَّى أَصبَحتُ فَلَمَّا أَصبَحتُ استَرجَعتُ [أَي قُلتُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُون] وَكَانَ وِردِي سُورَةَ البَقَرَةِ فَرَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ بَقَرَةً تَنطَحُنِي رَوَاهُ ابنُ أَبِي دَاوُدَ. وَرَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا عَن بَعضِ حُفَّاظِ القُرآنِ أَنَّهُ نَامَ لَيلَةً عَن حِزبِهِ فَأُرِيَ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ:

حُيِّيتَ مِن جِسمٍ وَمِن صِحَّةٍ … وَمِن فَتًى نَامَ إِلَى الفَجرِ

‌وَالمَوتُ ‌لَا ‌يُؤمَنُ ‌خَطَفَاتُهُ … فِي ظُلَمِ اللَّيلِ إِذَا يَسرِ

مِن بَينِ مَنقُولٍ إِلَى حُفرَةٍ … يَفتَرِشُ الأَعمَالَ فِي القَبرِ

حِينٌ مَأخُوذٌ عَلَى غِرَّةٍ … بَاتَ طَوِيلَ الكِبرِ وَالفَخرِ

عَاجَلَهُ المَوتُ عَن غَفلَةٍ … فَبَاتَ مَحشُورًا إِلَى الحَشرِ

كَأَنَّهَا وَاللهِ حَجَرًا أُلقِمتُهُ فَمَا أُنسِيتُهَا بَعدُ…

وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ الحَثُّ عَلَى قِرَاءَةِ القُرآنِ وَعَدَمِ تَركِهِ…

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي الأَذكَارِ: اعلَم أَنَّ قِرَاءَةَ القُرآنِ آكَدُ الأَذكَارِ، فَيَنبَغِي المُدَاوَمَةُ عَلَيهَا، فَلَا يُخَلِّي عَنهَا يَومًا وَلَيلَةً، وَيَحصُلُ لَهُ أَصلُ القِرَاءَةِ بِقَرَاءَةِ الآيَاتِ القَلِيلَةِ.اهـ 

وَقَد رَوَينَا فِي كِتَابِ ابنِ السُّنِّيِّ، عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ” مَن قَرأ في يَومٍ وَلَيلَةٍ خَمسِينَ آيَةً لَم يُكتَب مِنَ الغافِلِينَ، وَمَن قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَن قَرأَ مِائَتَي آيَةٍ [أَيْ وَعَمِلَ بِهَا] لَم يُحاجِّهِ القُرآنُ يَومَ القِيامَةِ [أَيْ لَمْ يُخَاصِمْهُ القُرْآنُ لِأَنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهَا]، وَمَن قَرَأَ خَمْسَمِائَةٍ كُتِبَ لَهُ قِنطَارٌ مِنَ الأَجرِ ” وَفِي رِوَايَةٍ: “مَنْ قَرَأَ أَربَعِينَ آيَةً ” بَدَلَ ” خَمسِينَ ” وَفِي رِوَايَةٍ ” عِشرِينَ ” وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُكتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ.اهـ وَرَوَينَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي قِرَاءَةِ سُوَرٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، مِنهَا: يَس، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ، وَالوَاقِعَةُ، وَالدُّخَانُ. فَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ” مَنْ قَرَأَ (يَس) فِي يَومٍ وَلَيلَةٍ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ غُفِرَ لَهُ “. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ” مَن قَرَأَ سُورَةَ (الدُّخانِ) فِي لَيلَةٍ أَصْبَحَ مَغفُورًا لَهُ “. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ” مَنْ قَرَأَ سُورَةَ (الوَاقِعَةِ) فِي كُلّ لَيلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ “. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَنَامُ كُلَّ لَيلَةٍ حَتَّى يَقرَأَ (آلم تَنزِيلُ الكِتَابِ)، وَ ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ) “. وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ” مَنْ قَرَأَ فِي لَيلَةٍ (إذَا زُلزِلَتِ الأَرضُ) كَانَتْ لَهُ كَعِدلِ نِصفِ القُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ (يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) كَانَت لَهُ كَعِدلِ رُبعِ القُرآنِ، وَمَن قَرَأَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كَانَتْ لَهُ كَعِدلِ ثُلُثِ القُرآنِ “. وَفِي رِوَايَةٍ: ” مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرسِيِّ، وَأَوَّلَ (حَم) عُصِمَ ذَلِكَ اليَومَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ”.اهـ

فَيَنبَغِي عَلَى المُؤمِنِ أَنْ يَتَعَاهَدَ قِرَاءَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي لَيلِهِ وَنَهَارِهِ وَلَا يَترُكَ القِرَاءَةَ لِكِتَابِ اللهِ وَالعَمَلَ بِهِ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يُضَيِّعُونَ الأَنفَاسَ وَالأَعمَارَ فِي غَيرِ طَاعَةِ اللهِ وَفِي غَيرِ ذِكرِ اللهِ وَفِي غَيرِ قِرَاءَةِ القُرآنِ وَإِذَا أَمَرْتَهُمْ بِطَاعَةٍ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ نَفْلٌ وَهَذِهِ سُنَّةٌ، هَذَا فَهمٌ مَعكُوسٌ، يَنبَغِي عَلَى الوَاحِدِ مِنَّا أَنْ يَزدَادَ فِي الطَّاعَاتِ وَلَوْ كَانَتْ نَفْلًا وَلَا يَترُكَهَا أَبَدًا، وَلَا سِيَّمَا قِرَاءَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ وَالعَمَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لِيَقْرَأْهُ قِرَاءَةً صَحِيحَةً لَيسَ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.

وَلَا بُدَّ مِن طَرِيقِ التَّلَقِّي وَالإِسنَادِ لِأَخذِ كِتَابِ اللهِ وَفَهمِهِ وَإِتقَانِ قِرَاءَتِهِ وَتَفسِيرِهِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الإِتقَانِ فِي عُلُومِ القُرآنِ: وَأَمَّا القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيخِ فَهِيَ المُستَعمَلَةُ سَلَفًا وَخَلَفًا.اهـ وَقَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ لِلقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ عَرضُ النَّبِيِّ ﷺ القُرآنَ عَلَى جِبرِيلَ فِي رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ.اهـ وَقَالَ أَيضًا رَحِمَهُ اللهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الأُمَّةَ كَمَا هُم مُتَعَبَّدُونَ بِفَهمِ مَعَانِي القُرآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ هُم مُتَعَبَّدُونَ بِتَصحِيحِ أَلفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِفَةِ المُتَلَقَّاةِ مِن أَئِمَّةِ القِرَاءَةِ المُتَّصِلَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ.اهـ وقَالَ ابنُ الجَزَرِيِّ في كتابه النَشرِ فِي القِرَاءَاتِ العَشرِ: وَلَا أَعلَمُ لِبُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي التَّجوِيدِ مِثلَ رِيَاضَةِ الأَلسُنِ وَالتَّكرَارِ عَلَى اللَّفظِ المُتَلَقَّى مِن فَمِ المُحسِنِ.اهـ