باب في الاقتصاد في العبادة · الحديث (142) · عليكم بما تطيقون

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ ذِكرَهُ رِيَاضَ الصَّالِحِينَ، وَمُنَاجَاتَهُ غِذَاءَ أَروَاحِ الفَالِحِينَ، وَالخُضُوعَ بَينَ يَدَيهِ وَالتَّضَرُّعَ إِلَيهِ عِزَّ العَارِفِينَ، وَالتَّخَلُّقَ بِالأَخلَاقِ المُحَمَّدِيَّةِ شَأنَ العَالِمِينَ العَامِلِينَ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَسأَلُهُ المَزِيدَ مِن فَضلِهِ وَكَرَمِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُبَلِّغُ القَاصِدَ مِن فَضلِهِ سُؤلَهُ وَأَمَلَهُ، وَتُنِيلُهُ مِن بَحرِ جُودِهِ مَا قَصَدَهُ وَأَمَّلَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَوَسِيلَتَنَا إِلَى رَبِّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، المُؤَيَّدُ بِأَنوَاعِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَةِ، المُكَرَّمُ بِالمَكرُمَاتِ البَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، ﷺ وَزَادَهُ فَضلًا وَشَرَفًا لَدَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَتبَاعِهِ وَوَارِثِيهِ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَينِ مُتَلَازِمَينِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ، وَغَفَلَ عَن ذِكرِهِ غَافِلٌ، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد خَتَمَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بَابَ بَيَانِ كَثرَةِ طُرُقِ الخَيرِ وَأَطَالَ فِيهِ رَحِمَهُ اللهُ لِإِثبَاتِ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فِيهَا أَبوَابٌ كَثِيرَةٌ لِمَن أَرَادَ أَن يَسلُكَ طَرِيقَ الآخِرَةِ وَيُنَجِّيَ نَفسَهُ مِن طُرُقِ الهَلَاكِ وَالضَّلَالِ وَالفَسَادِ.

وَأَبَوَابُ الخَيرِ كَثِيرَةٌ عَدِيدَةٌ وَسَهلَةٌ وَمُتَيَسِّرَةٌ لِلفَقِيرِ وَالغَنِيِّ وَالكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالرَّجُلِ وَالمَرأَةِ وَالضَّعِيفِ وَالشَّدِيدِ وَالصَّحِيحِ وَالمَرِيضِ، وَلَكِن يَبقَى عَلَى الشَّخصِ أَن يُشَمِّرَ عَن سَاعِدِ الجِدِّ وَالعَمَلِ وَيَعمَلَ بِهَذِهِ الفَضَائِلِ وَيَغتَرِفَ مِن بِحَارِ الخَيرَاتِ وَلَا يَنأَى بِنَفسِهِ عَنِ المَبَرَّاتِ وَوُجُوهِ الخَيرِ،  وهذ الباب بَابٌ فِي بَيَانِ كَثرَةِ طُرُقِ الخَيرِ ذُكر فيه فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِن مَن مِنَّا يَعمَلُ بِهَذِهِ الفَضَائِلِ وَيَسعَى لَهَا وَيَشغَلُ نَفسَهُ بِمَا هُوَ نَافِعٌ مُفِيدٌ لَهُ فِي آخِرَتِهِ وَقَبرِهِ، فَمَثَلًا: كُلُّنَا يَعلَمُ أَهَمِّيَّةَ قِيَامِ اللَّيلِ وَفَضلَ الدُّعَاءِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، لَكِن مَن مِنَّا يُدَاوِمُ عَلَيهِ وَمَن مِنَّا يَلتَزِمُهُ كُلَّ لَيلَةٍ، أَنَا أَقُولُ لَكُمُ: القَلِيلُ مِنَ النَّاسِ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ وَيَجعَلُ لَهُ وِردًا مِن أَصنَافِ العِبَادَاتِ فِي اللَّيلِ، بَل إِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ عَن هَذَا الخَيرِ غَافِلُونَ وَهُم يَعلَمُونَ أَنَّهُ يَنفَعُهُم بَعدَ المَوتِ، هِمَّتُهُم غَالِبًا مَصرُوفَةٌ لِلعَاجِلِ الدُّنيَوِيِّ الزَّائِلِ وَغَافِلَةٌ عَنِ الفَضلِ الأُخرَوِيِّ البَاقِي الدَّائِمِ، نَسأَلُ اللهَ أَن يُجَنِّبَنَا الغَفلَةَ وَالكَسَلَ، وَالكَسَلُ هو ضَعفُ الهِمَّةِ فِي الفَضَائِلِ وَالخَيرَاتِ وَالمَبَرَّاتِ.

وَلَمَّا كَانَت أَبوَابُ الخَيرِ كَثِيرَةً وَسَهلَةً كَمَا ذَكَرتُ نَجِدُ أَنَّ الحَافِظَ النَّوَوِيَّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِندَمَا بَيَّنَ وَأَثبَتَ كَثرَةَ طُرُقِ الخَيرِ فِي البَابِ السَّابِقِ، أَتبَعَهُ بِهَذَا البَابِ وَهُوَ “بَابُ الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ”، حَتَّى لَا يَحصُلَ عِندَ البَعضِ الِانغِمَاسُ فِي أَصنَافِ العِبَادَاتِ لِفَترَةٍ قَصِيرَةٍ فَيَمَلَّ بَعضُهُم وَيَترُكَ العَمَلَ بِالطَّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ أَو حَتَّى لَا يَترُكَ الوَاحِدُ مِنهُم هَذِهِ الخَيرَاتِ الَّتِي بَدَأَ بِهَا، وَهَذَا بَابٌ مِن أَبوَابِ الشَّيطَانِ لِيَجعَلَ العَبدَ يَترُكُ طَاعَةَ رَبِّهِ، فَبَيَّنَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ يَنبَغِي عَلَيكَ أَن تَأخُذَ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ مَا تُطِيقُ ثُمَّ تَتَدَرَّجَ بِهِ شَيئًا فَشَيئًا حَتَّى يَكثُرَ عِندَكَ وَتَعتَادَ عِبَادَةَ رَبِّكَ وَلَا تَترُكَهَا، أَمَّا مَن أَطَاقَ الثَّبَاتَ فِي العِبَادَةِ فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ الأَنفَعُ لَهُ، فَكَلَامُنَا هُنَا فِيمَن لَا يُطِيقُ أَو مَن قَد يَدخُلُ فِي بَعضِ العِبَادَاتِ ثُمَّ يَترُكُهَا، وَلَا شَكَّ أَيضًا أَنَّ الكَلَامَ هُنَا فِي مَا هُوَ بَعدَ الفَرَائِضِ، أَمَّا الفَرَائِضُ فَلَيسَ فِيهَا كَلَامُنَا هُنَا، فَالفَرَائِضُ يَجِبُ عَلَيكَ أَدَاؤُهَا وَلَا تَقُل: أَنَا مَلَلتُهَا وَتَرَكتُهَا مَلَالًا، فَهَذَا لَا يُقبَلُ مِنكَ أَصلًا، فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيكَ عَلَى أَيِّ حَالٍ.

وَمَن تَتَبَّعَ كِتَابَ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ بِدِقَّةِ نَظَرٍ يَصِلُ إِلَى إِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ كَبِيرَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ وَجَزَاهُ خَيرًا يُشِيرُ لِلقَارِئِ وَالمُطَالِعِ لِكِتَابِهِ أَيَّ طَرِيقٍ يَسلُكُ لِيَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ المُتَقَدِّمِينَ بِالعَمَلِ وَالعِلمِ وَهُوَ رَحِمَهُ اللهُ يُؤَكِّدُ هَذِهِ المَعَانِيَ مِن خِلَالِ التَّسَلسُلِ بِهَذِهِ الأَبوَابِ، لِيَصِلَ المُؤمِنُ إِلَى التَّرَقِّي فِي الدَّرَجَاتِ وَالزِّيَادَةِ فِي الخَيرَاتِ فَهَذَا الكِتَابُ بِمَثَابَةِ خُطَّةِ طَرِيقٍ لِلتَّرَقِّي فِي المَقَامَاتِ، نَسأَلُ اللهَ أَن يَجزِيَهُ خَيرًا وَيَنفَعَنَا بِهَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ.

باب الإقتصاد في العبادة

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابٌ فِي الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿طَه * مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى﴾، [طه: 1]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ﴾، [البقرة: 185].

142 – وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا وَعِندَهَا امرَأَةٌ، قَالَ: «مَن هَذِهِ؟» قَالَت: هَذِهِ فُلَانَةٌ تَذكُرُ مِن صَلَاتِهَا، قَالَ: «مَه، عَلَيكُم بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَ«مَه»: كَلِمَةُ نَهيٍ وَزَجرٍ، وَمَعنَى «لَا يَمَلُّ اللهُ»: لَا يَقطَعُ ثَوَابَهُ عَنكُم وَجَزَاءَ أَعمَالِكُم ويُعَامِلُكُم مُعَامَلةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتَترُكُوا، فَيَنبَغِي لَكُم أَن تَأخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ لَيدُومَ ثَوابُهُ لَكُم وَفَضلُهُ عَلَيكُم.

بَابٌ فِي الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ (الِاقتِصَادُ فِي العِبَادَةِ أَيِ التَّوَسُّطُ فِي أَدَاءِ العِبَادَةِ، قَالَ ابنُ المُلَقِّنِ: وَمَعنَاهُ الشَّيءُ يُقصَدُ وَهُوَ الوَسَطُ بَينَ الإِفرَاطِ وهوالتساهل والتفريط وهو التشددوَالحَسَنَةُ بَينَ السَّيِّئَتَينِ، وَمِنهُ ﴿وَاقصِد فِي مَشيِكَ﴾، وَالقَصدُ: العَدلُ، وَالِاقتِصَادُ: الِاعتِدَالُ فَلَا غُلُوَّ، وَلَا تَقصِيرَ.

 وَقَد قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «القَصدَ القَصدَ»، أَي عَلَيكُم بِالقَصدِ مِنَ الأُمُورِ فِي القَولِ وَالفِعلِ، وَهُوَ الوَسَطُ بَينَ الطَّرَفَينِ، وَتَكرَارُهُ لِلتَّأكِيدِ. وَفِي الحَدِيثِ: كَانَ صَلَاتُهُ قَصدًا وَخُطبَتُهُ قَصدًا.

وَفِي مُسنَدِ البَزَّارِ مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ان النبي قال: مَا أَحسَنَ القَصدَ فِي الفَقرِ، وَمَا أَحسَنَ القَصدَ فِي الغِنَى، وَمَا أَحسَنَ القَصدَ فِي العِبَادَةِ. 

قَالَ المُنَاوِيُّ: القَصدُ فِي الأَصلِ الِاستِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ استُعِيرَ لِلتَّوَسُّطِ فِي الأُمُورِ. قَالَ ابنُ عَلَّانَ: إِبقَاءً عَلَى النَّفسِ وَدَفعًا لِلمَلَلِ عَنهَا. وَنَفسُ الإِنسَانِ فِي الطَّرِيقِ المَعنَوِيِّ كَدَابَّةٍ فِي الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ؛ فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا جَدَّ عَلَى دَابَّتِهِ الحِسِّيَّةِ وَكَدَّهَا بِالأَحمَالِ الثَّقِيلَةِ وَقَطَعَ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةَ انقَطَعَت بِهِ فِي أَثنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَم يَصِل إِلَى مَقصِدِهِ، وَإِذَا رَفَقَ بِهَا وَمَاشَاهَا وَصَلَ إِلَى المُرَادِ وَهَانَ عَلَيهِ بِبُلُوغِهِ لِمَقصِدِهِ مَا لَقِيَهُ مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ، كَذَلِكَ هُنَا، فَمَن وَفَّى النَّفسَ حَقَّهَا مِنَ المُبَاحِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى صَالِحِ العَمَلِ وَمَنَعَهَا مِن شَهَوَاتِهَا وَحَظِّهَا كَانَ مَأجُورًا فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ مُعَاذٌ: إِنِّي احتَسَبتُ نَومَتِي كَمَا احتَسَبتُ قَومَتِي.

وَقَالَ النبي لأِعَراَبِيٍّ جَاءَهُ وَأَسلَمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِن عَامٍ قَابِلٍ وَقَد تَغَيَّرَ فَلَم يَعرِفهُ فَلَمَّا عَرَفَهُ سَأَلَهُ عَن حَالِهِ فَقَالَ: مَا أَكَلتُ بَعدَكَ طَعَامًا بِنَهَارِي، فَقَالَ: «وَمَن أَمَرَكَ أَن تُعَذِّبَ نَفسَكَ؟» فَمَن عَذَّبَ نَفسَهُ بِأَن حَمَلَهَا عَلَى مَا لَا تُطِيقُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي صِيَامِ النَّفلِ وَنَحوِهِ فَرُبَّمَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي ضَعفِ بَدَنِهِ وَعَقلِهِ فَيَفُوتُهُ مِنَ الطَّاعَاتِ أَكثَرُ مِمَّا حَصَّلَهُ بِتَعذِيبِ نَفسِهِ بِالصِّيَامِ وَنَحوِهِ.اهـ 

وَكَانَ لِمُطَرِّفِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ ابنٌ قَدِ اجتَهَدَ فِي العِبَادَةِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: خَيرُ الأُمُورِ أَوسَطُهَا، الحَسَنَةُ بَينَ السَّيِّئَتَينِ، وَشَرُّ السَّيرِ الحَقحَقَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيدٍ: يَعنِي أَنَّ الغُلُوَّ فِي العِبَادَةِ سَيِّئَةٌ، وَالتَّقصِيرَ سَيِّئَةٌ وَالِاقتِصَادَ بَينَهُمَا حَسَنَةٌ. قَالَ: وَالحَقحَقَةُ أَن يُلِحَّ فِي شِدَّةِ السَّيرِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ رَاحِلَتُهُ وَتُعطَبَ فَيَبقَى مُنقَطِعًا بِهِ سَفَرُهُ.اهـ

وَيَشهَدُ لِهَذَا المَعنَى الحَدِيثُ المَروِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو مَرفُوعًا: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوغِلْ فِيهِ بِرِفقٍ وَلَا تُبَغِّض إِلَى نَفسِكَ عِبَادَةَ اللهِ، فَإِنَّ المُنبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ وَلَا ظَهرًا أَبقَى، فَاعمَل عَمَلَ امرِئٍ يَظُنُّ أَنَّهُ لَن يَمُوتَ إِلَّا هَرِمًا، وَاحذَر حَذَرَ امرِئٍ يَخشَى أَن يَمُوتَ غَدًا»، أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ، وَفِي تَكرِيرِ أَمرِهِ بِالقَصدِ إِشَارَةٌ إِلَى المُدَاوَمَةِ عَلَيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ السَّيرِ وَالِاجتِهَادِ مَظِنَّةُ السَّآمَةِ وَالِانقِطَاعِ، وَالقَصدُ أَقرَبُ إِلَى الدَّوَامِ، فَالمُؤمِنُ فِي الدُّنيَا يَسِيرُ إِلَى رَبِّهِ حَتَّى يَبلُغَ إِلَيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، [الانشقاق: 6]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ﴾، [الحجر: 99]. قَالَ الحَسَنُ: يَا قَومِ، المُدَاوَمَةَ المُدَاوَمَةَ فَإِنَّ اللهَ يَجعَلُ لِعَمَلِ المُؤمِنِ أَجَلًا دُونَ المَوتِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ. ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ﴾.

وَقَالَ أَيضًا: نُفُوسُكُم مَطَايَاكُم فَأَصلِحُوا مَطَايَاكُم تُبَلِّغْكُم إِلَى رَبِّكُم عَزَّ وَجَلَّ [أي إلى ثوابه]. 

وَالمُرَادُ بِصَلَاحِ المَطَايَا: الرِّفقُ بِهَا، وَتَعَاهُدُهَا بِمَا يُصلِحُهَا مِن قُوْتِهَا وَالرِّفقُ بِهَا فِي سَيرِهَا، فَإِذَا أَحَسَّ مِنهَا بِتَوَقُّفٍ فِي السَّيرِ تَعَاهَدَهَا تَارَةً بِالتَّشوِيقِ، وَتَارَةً بِالتَّخوِيفِ حَتَّى تَسِيرَ.

قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: الرَّجَاءُ قَائِدٌ وَالخَوفُ سَائِقٌ، وَالنَّفسُ بَينَهُمَا كَالدَّابَّةِ الحَرُونِ [الدَّابَّةُ الحَرُونُ: الَّذي يقف ويرفض الانقياد]، فَمَتَى فَتَرَ قَائِدُهَا وَقَصَّرَ سَائِقُهَا وَقَفَت فَتَحتَاجُ إِلَى الرِّفقِ بِهَا وَالحَدوِ لَهَا حَتَّى يَطِيبَ لَهَا السَّيرُ. كَمَا قَالَ حَادِي الإِبِلِ بِالبَوَادِي:

بَشَّرَهَا دَلِيلُهَا وَقَالَ لَهَا *** غَدًا تَرَينَ الطَّلحَ وَالجِبَالَا

وَلَمَّا كَانَ الخَوفُ كَالسَّوطِ فَمَتَى أَلَحَّ بِالضَّربِ بِالسَّوطِ عَلَى الدَّابَّةِ تَلِفَت، فَلَا بُدَّ لِهَذَا الضَّربِ مِن حَادِي الرَّجَاءِ (الحَادِي هُنَا هُوَ الذِي يُنشِدُ لِلإِبِلِ حَتَّى تَسِيرَ فِي الصَّحرَاءِ بِخِفَّةٍ)، يُطَيِّبُ لَهَا السَّيرَ بِحِدَائِهِ حَتَّى تَقطَعَ. قَالَ أَبُو يَزِيدَ: مَا زِلتُ أَقُودُ نَفسِي إِلَى اللهِ وَهِيَ تَبكِي حَتَّى سُقتُهَا وَهِيَ تَضحَكُ. كَمَا قِيلَ: 

إِذَا شَكَت مِن كَلَالِ السَّيرِ أَوعِدهَا *** رَوحَ القُدُومِ فَتَحيَا عِندَ مِيعَادِ):

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿طَهَ * مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى﴾، (هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ مِنَ افتِتَاحِ سُورَةِ طَهَ جَاءَ فِيهَا الكَثِيرُ مِنَ الفَضَائِلِ.

(أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿طَهَ﴾: فَقَدِ اختُلِفَ كَثِيرًا فِي تَفسِيرِهِ، قِيلَ إِنَّهُ اسمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا لَم يَثبُت فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، فَهُوَ اسمٌ مِن أَسمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَولِ بَعضِ العُلَمَاءِ. وَبَعضُهُم يَقُولُ: هُوَ بِالأَصلِ لَيسَ مِن أَسمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّ المُسلِمِينَ سَمَّوهُ بِذَلِكَ فَاشتَهَرَ بَينَهُم تَسمِيَتُهُ بِهَذَا الِاسمِ، وَمَعنَاهُ يَا طَاهِرُ يَا هَادِي أَو يَا رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، لَكِن لَم يَصِحَّ الحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ أَنَّ (طَهَ) وَ(يَاسِينَ) مِن أَسمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا) (أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى﴾، هُوَ الشَّاهِدُ هُنَا، لِأَجلِ هَذَا الجُزءِ مِنَ الآيَةِ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ، وَأَصلُ الشَّقَاءِ فِي اللُّغَةِ العَنَاءُ وَالتَّعَبُ أَي مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَتعَبَ. فَمَعنَى لِتَشقَى: لِتَتعَبَ بِفَرطِ تَأَسُّفِكَ عَلَيهِم وَعَلَى كُفرِهِم وَتَحَسُّرِكَ عَلَى أَن يُؤمِنُوا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفسَكَ عَلى آثارِهِم﴾ [الكهف: 6] أَي مَا عَلَيكَ إِلَّا أَن تُبَلِّغَ وَتُذَكِّرَ وَلَم يُكتَب عَلَيكَ أَن يُؤمِنُوا لَا مَحَالَةَ بَعدَ أَن لَم تُفَرِّط فِي أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ. 

وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهلِ بنَ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى وَالنَّضرَ بنَ الحَارِثِ قَالَا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ شَقِيٌّ لِأَنَّكَ تَرَكتَ دِينَ آبَائِكَ، فَأُرِيدَ رَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّ دِينَ الإِسلَامِ وَهَذَا القُرآنَ هُوَ السُّلَّمُ إِلَى نَيلِ كُلِّ فَوزٍ وَالسَّبَبُ فِي دَرَكِ كُلِّ سَعَادَةٍ وَمَا فِيهِ الكَفَرَةُ هُوَ الشَّقَاوَةُ بِعَينِهَا)

وَقالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ﴾، [البقرة: 185] (أَي يُحِبُّ لَكُمُ اليُسرَ لِأَنَّهُ مَا جَعَلَ فِي دِينِكُم مِن حَرَجٍ أَي يُحِبُّ لَكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ المَعنَى مَا جَعَلَ فِي دِينكُم مِن حَرَجٍ إِلَّا شَيئًا تُطِيقُهُ النُّفُوسُ حَيثُ أَبَاحَ الفِطرَ بِالسَّفَرِ وَالمَرَضِ هُنَا فِي الآيَةِ مَعنَى الإِرَادَةِ المَحَبَّةُ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «دِينُ اللَّهِ يُسرٌ»، وَقَالَ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» وَاليُسرُ مِنَ السُّهُولَةِ، وَمِنهُ اليَسَارُ لِلغِنَى. وَسُمِّيَتِ اليَدُ اليُسرَى تَفَاؤُلًا، أَو لِأَنَّهُ يَسهُلُ لَهُ الأَمرُ بِمُعَاوَنَتِهَا لِليُمنَى. 

 (إِذًا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ لَنَا اليُسرَ فِي أَمرِ الدِّينِ، وَلَيسَ مَعنَى اليُسرِ فِي أَمرِ الدِّينِ كَمَا يَظُنُّ بَعضُ الجُهَّالِ مُخَالَفَةَ النَّصِّ القُرآنِيِّ وَالحَدِيثِيِّ، فَإِنَّنَا رَأَينَا أُنَاسًا يَقُولُونَ: الدِّينُ يُسرٌ، وَيُخَالِفُونَ النُّصُوصَ الشَّرعِيَّةَ الثَّابِتَةَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتبَعُونَ مَا تَهوَاهُ أَنفُسُهُم مِمَّا هُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الشَّرعِيِّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَنبَغِي.

اليُسرُ لَيسَ مَعنَاهُ مُخَالَفَةَ النُّصُوصِ، وَيُوجَدُ أُمُورٌ قَد تَرَاهَا أَنتَ سَهلَةً مُيَسَّرَةً وَلَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلشَّرعِ، فَهَذَا لَيسَ يُسرًا لَيسَ تَيسِيرًا بَل هُوَ تَحرِيفٌ لِلشَّرعِ، التَّيسِيرُ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ النَّصِّ الشَّرعِيِّ وَلَو كَانَ الشَّخصُ يَجِدُ مَشَقَّةً نَجِدُ أَنَّ الشَّرعَ وَضَعَ استِثنَاءَاتٍ لِأَصحَابِ الضَّرُورَاتِ وَغَيرِهِم مِمَّن يَشُقُّ عَلَيهِم تَطبِيقُ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ وَهَذِهِ أُمُورٌ تُعلَمُ بِالفِقهِ فِي الدِّينِ وَبِعِلمِ الدِّينِ، كَمَا جَعَلَ الشَّرعُ حَلًّا لِمَن لَا يَقدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا، وَلِمَن يَجِدُ مَشَقَّةً فِي الصِّيَامِ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَو سَفَرٍ، وَلِمَن لَا يَقدِرُ أَن يَضَعَ المَاءَ عَلَى بَدَنِهِ فِي الغُسلِ أَوِ الوُضُوءِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن مِئَاتِ المَسَائِلِ الَّتِي تُدرَسُ فِي كُتُبِ الفِقهِ وَمَجَالِسِهِ، وَمَا أَحسَنَ قَولَ العَلَّامَةِ ابنِ العِمَادِ فِي مَنظُومَتِهِ:

لَم يَجعَلِ اللهُ فِي ذَا الدِّينِ مِن حَرَجٍ *** لُطفًا وُجُودًا عَلَى إِحيَا خَلِيقَتِهِ

وَمَا التَّنَطُّعُ إِلَّا نَزغَةٌ وَرَدَت *** مِن مَكرِ إِبلِيسَ فَاحذَر سُوءَ فِتنَتِهِ

إِن تَستَمِع قَولَهُ فِيمَا يُوَسوِسُهُ *** أَو نُصحَ رَأيٍ لَهُ تَرجِع بِخَيبَتِهِ

القَصدُ خَيرٌ وَخَيرُ الأَمرِ أَوسَطُهُ *** دَعِ التَّعَمُّقَ وَاحذَر دَاءَ نَكبَتِهِ

وَالحَرَجُ الضِّيقُ وَالمَشَقَّةُ، وَالقَصدُ التَّوَسُّطُ، وَالتَّعَمُّقُ وَالتَّنَطُّعُ مَعنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ التَّشدِيدُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ وَنَحوِهِمَا مِن أَنوَاعِ العِبَادَاتِ، وَقَد قَالُوا إِنَّ لِلمُوَسوِسِينَ شَيطَانًا يَضحَكُ عَلَيهِم وَيَستَهزِئُ بِهِم نَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلامَةَ مِنهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ ءَامِينَ)

(قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَسمِيَةِ البَابِ: بَابُ الِاقتِصَادِ فِي العِبَادَةِ، وَالعِبَادَةُ لَا تُطلَقُ عَلَى أَيِّ شَيءٍ كَمَا يُطلِقُهَا بَعضُ العَصرِيِّينَ عَلَى مُطلَقِ الطَّاعَةِ وَالنِّدَاءِ وَالتَّوَسُّلِ وَالتَّبَرُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّالِحِينَ، فَيُكَفِّرُونَ المُسلِمِينَ لِأَجلِ ذَلِكَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، «العِبَادَةُ أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ».

كَمَا قَالَ بِذَلِكَ الإِمَامُ الحَافِظُ الفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ الكَافِي السُّبكِيُّ [فِي فَتَاوِيهِ] وَقَد قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ عَنِ السُّبكِيِّ: إِنَّهُ حَافِظٌ فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ لُغَوِيٌّ نَحوِيٌّ مُتَكَلِّمٌ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِيهِ:

لِيَهنَ المِنبَرُ الأُمَوِيُّ لَمَّا *** عَلَاهُ الحَاكِمُ البَحرُ التَّقِيُّ

شُيُوخُ العَصرِ أَحفَظُهُم جَمِيعًا *** وَأَخطَبُهُم وَأَقضَاهُم عَلِيُّ

وَغَيرُهُ كَأَبِي مَنصُورٍ فِي كِتَابِ «تَهذِيبِ اللُّغَةِ» وَابنِ مَنظُورٍ صَاحِبِ كِتَابِ «لِسَانِ العَرَبِ» وَالفَرَّاءِ [نَقَلَهُ عَنهُ الجَوهَرِيُّ فِي الصَّحَاحِ]، وذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ اللُّغَوِيُّ الحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِ القَامُوسِ، وَمِمَّن فَسَّرَ العِبَادَةَ بِذَلِكَ أَيضًا الرَّاغِبُ الأَصبَهَانِيُّ وَهُوَ لُغَوِيٌّ مَشهُورٌ يُكثِرُ النَّقلَ عَنهُ صَاحِبُ شَرحِ القَامُوسِ مُحَمَّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ، قَالَ فِي تَألِيفِهِ مُفرَدَاتُ القُرءَانِ: «العِبَادَةُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ». فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ المُستَغِيثِينَ بِالأَولِيَاءِ وَالأَنبِيَاءِ لِيَتَعَلَّمُوا مَعنَى العِبَادَةِ فِي لُغَةِ العَرَبِ قَبلَ إِطلاقِ أَلسِنَتِهِم بِالتَّكفِيرِ؛ وَهَذَا مَعنَى العِبَادَةِ المُرَادَةِ بِقَولِهِ تَعَالَى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعبُدُونِ﴾ [سُورَةَ الأَنبِيَاء:25] وَبِقَولِهِ تَعَالَى ﴿إيَّاكَ نَعبُدُ﴾ [سُورَةَ الفَاتِحَة/5]، وَهَذِهِ هِيَ العِبَادَةُ المُختَصَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى الَّتِي مَن صَرَفَهَا لِغَيرِهِ صَارَ مُشرِكًا. وَلَيسَ مَعنَاهَا مُجَرَّدَ النِّدَاءِ أَوِ الِاستِعَانَةِ أَوِ الِاستِغَاثَةِ أَوِ الخَوفِ أَوِ الرَّجَاءِ كَمَا زَعَمَ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ مُجَرَّدَ نِدَاءِ شَخصٍ مَيِّتٍ أَو غَائِبٍ شِركٌ وَكَذَلِكَ استِعَانَتُهُ بِهِ إِلَّا بِالحَيِّ الحَاضِرِ.

حديث الأعمى يدل على أنه جَائِزٌ التوسل بذات النبي فِى حَالَةِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ) بِدَلِيلِ أَمْرِ النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يتوسل به في غيبته والتوسل في حال الغيبة وفي حال الوفاة سيّان ولم يفرق أحد في التوسل بالذات بين حال الحضور وحال الغيبة والوفاة إلا بعض الشواذ وهو تفريق لا معنى له لأن التوسل بالذات هو لمرتبتها وصفاتها والذات موجودة لمرتبتها وصفاتها قريبة كانت أو بعيدة فوق الأرض أو في القبر (فَبَطَلَ قَوْلُ من يقول لا يَجُوزُ التَّوَسُّلُ إِلَّا بِالْحَيِّ الْحَاضِرِ) اﻫ

ورَوَى أبُو طاهِر صدرُ الدِّين أحمد بن مُحمَّد بن سِلَفة الأصْبَهانيُّ هو محدث من أهل أصبهان .٤٧٨  الى ٥٧٦ هو المعرُوف اختصارًا باسم أبو طاهر السِّلَفي، وشهرتهُ الحافِظ السِّلفي فِى الطيورياتِ والبيهقيُّ فِى الدَّلَائِل والطبرانِيُّ فِي الدعاءِ وغيرُهُم عَن مُسْلِمٍ الْمُلَائِىِّ عَنْ أَنَسِ بن مَالك قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا  بَعِيرٌ يَئِطُّ  أي يصيح وَلَا صَبِىٌّ يَصْطَبِحُ  أي يتناول الطعام في الصباح وَأَنْشَدَ:

أَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرَاءُ يَدْمَى لَبَانُهَا وَقَدْ *** شُـغِلَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَنِ الطِّفْلِ

وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الْفَتَى اسْتِكَانَةً مِنَ الْجُوعِ  *** ضَعْفًا مَا يُمِرُّ  وَمَا يُحْلِي (لا يضر ولا ينفع)

وَلَا شَىْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِيِّ وَالْعِلْهِزِ الْفَشْلِ (أي الضعيف) (والعلهز وَبَرٌ يخلط بالدم كانت العرب في الجاهلية تأْكله في الجَدْب)

وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا وَأَيْنَ *** فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسْلِ

فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مَرِيعًا غَدَقًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رائِثٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ تَمْلَأُ بِهِ الضَّرْعَ وَتُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ وَتُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ قَالَ فَمَا رَدَّ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ إِلَى نَحْرِهِ حَتَّى ألقَتِ السَّمَاءُ بِأَرْوَاقِهَا وَجَاءَ أَهْلُ الْبِطَانَةِ يَضِجُّونَ يَا رَسُولَ اللهِ الْغَرَقَ الْغَرَقَ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ اللّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَحْدَقَ بِهَا كَالْإِكْلِيلِ  فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ للهِ أَبُو طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيًّا قَرَّتْ عَيْنَاهُ مَنِ الَّذِي يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ، فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:

وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ ءَالِ  هَاشِمٍ *** فَهُم فِى نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ

كَذَبْتُمْ  وَبَيْتِ اللهِ يُبْزَى مُحَمَّدٌ *** وَلَمَّا نُقَاتِلْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ

وَنُسْلِمَهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ *** وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ.

فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَقَالَ:

لَكَ الحَمْدُ والحَمْدُ مِمَّنْ شَكَرْ *** سُــقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ

دَعَا اللهَ خالقَهُ دَعْوَةً *** وأشــخص مَعهَا إِلَيْهِ الْبَصَر

فَلم يَكُ إِلَّا كقلبِ الرِّدا ءِ وأسرع حَتَّى رَأينَا الدُّرَر

دُفَاقَ الْعَزَالي وَجَمَّ الْبُعَاقِ أَغَاثَ  بِهِ اللهُ عُلْيَا مُضَرْ   

(الدُّفاق بالضم: المطر الواسع الكثير. والعزائل: مقلوب العزالي، جمع العزلاء وهو مخارج الماء من المزادة، شبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة. وبعق المطر الأرض: نزل عليها بغزارة فشقها)

وَكَانَ كَمَا قَالَهُ عَمُّهُ أَبُو   طَالِبٍ أبيضًا ذا غُرر

وَيَسْقِى بِكَ اللهُ صَوْبَ الْغَمَامِ وَهَذَا    الْعِيَانُ لِذَاكَ الْخَبَرْ

فَمَنْ يَشْكُرِ اللهَ  يَلْقَى  الْمَزِيـ دَ وَمَنْ  يَكْفُرِ اللهَ  يَلْقَ  الْغِيَرْ

فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن يَكُنْ شَاعِرٌ أحْسَنَ فقد أَحْسَنتَ.اهـ 

قال الحافظُ فِى الفتحِ إسنادُ حديثِ أنسٍ وإن كان فيه ضعفٌ لكنه يصلحُ للمتابعة اهـ حَتَّى لَو قَالَ قَائِلٌ «يَا مُحَمَّدُ» صَارَ عِندَهُم كَافِرًا، وَكَذَا لَو قَالَ قَائِلٌ «يَا رَسُولَ اللهِ المَدَدَ» صَارَ كَافِرًا عِندَهُم، وَهَؤُلاءِ جَاهِلُونَ بِمَعنَى العِبَادَةِ فِي لُغَةِ العَرَبِ.

شرح الحديث (142): عليكم بما تطيقون

(هَذَا الحَدِيثُ الأَوَّلُ مِن هَذَا البَابِ وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي وَالأَربَعُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا وَعِندَهَا امرَأَةٌ (قَالَ الخَطِيبُ: هِيَ الحَولَاءُ بِنتُ ثُوَيبِ بنِ حَبِيبِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى)، قَالَ: «مَن هذِهِ؟» قَالَت: هَذِهِ فُلَانَةٌ تَذكُرُ مِن صَلاتِهَا (أَي أَنَّ عَائِشَةَ تَذكُرُ كَثرَةَ صَلَاةِ هَذِهِ المَرأَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: هَذِهِ فُلَانَةُ وَهِيَ أَعبَدُ أَهلِ المَدِينَةِ. وَفِي «مُسنَدِ أَحمَدَ»: لَا تَنَامُ تُصَلِّي). قَالَ«مَه (إِشَارَةً إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ خَشيَةَ المَلَلِ وَالفُتُورِ عَلَى فَاعِلِهِ فَيَنقَطِعَ عَنِ العِبَادَةِ الَّتِي التَزَمَهَا فَيَكُونَ رُجُوعًا عَمَّا بَذَلَ لِرَبِّهِ مِن نَفسِهِ): (ومَه: هُوَ اسمٌ مَبنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، فَهِيَ كَلِمَةُ زَجرٍ: بِمَعنَى اكفُف. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ زَجرًا لِعَائِشَةَ عَن مَدحِهَا المَرأَةَ بِذَلِكَ)، عَلَيكُم بِمَا تُطِيقُونَ (أَي تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ وَالثَّبَاتَ عَلَيهِ)، فَوَاللهِ (قَالَ ابنُ عَلَّانَ: أَتَى بِهِ لِتَأكِيدِ الأَمرِ، وَيُسَنُّ الحَلِفُ لِمِثلِ ذَلِكَ) لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا (وَالإملال: استِثقَالُ الشَّيءِ وَنُفُورُ النَّفسِ عَنهُ بَعدَ مَحَبَّتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِطلَاقُهُ عَلَيهِ مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ  والعرب تذكر إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفتها معنى . نَحوُ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾، (الشورى:40) قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا أَحسَنُ مَحَامِلِهِ. وَفِي بَعضِ طُرُقِهِ عَن عَائِشَةَ «اكلَفوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ» أَخرَجَهُ ابنُ جَرِيرٍ فِي «تَفسِيرِهِ»: أَي لَا يَقطَعُ ثَوَابَهُ وَيَترُكُهُ. وقال الخطابي: معناه أن الله لا يمل أبدا وإن مللتم.  وقيل معناه أن الله لا يمل من الثواب ما لم تملوا من العمل. ومعنى تمل تترك لأن مَن ملَّ شيئا تركه وأعرض عنه. وَقَالَ المَازِرِيُّ: حَتَّى بِمَعنَى الوَاوِ؛ وَالمَعنَى: أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَاهُ تَعَالَى عَنهُ وَأَثبَتَهُ لَهُم. 

(وَهَذَا الحَدِيثُ وَأَمثَالُهُ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى التَّأوِيلِ، فَإِنَّهُ لَو لَم يُحمَل عَلَى التَّأوِيلِ لَنُسِبَ المَلَلُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُستَحِيلٌ وَصِفَةُ نَقصٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَمِثلُ هَذِهِ النُّصُوصِ لَا بُدَّ مِن تَأوِيلِهَا وَعَدَمِ إِجرَائِهَا عَلَى الظَّاهِرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ بَينَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهُهُم وَمُحَدِّثُهُم وَمُتَكَلِّمُهُم وَنُظَّارُهُم وَمُقَلِّدُهُم أَنَّ الظَّوَاهِرَ الوَارِدَةَ بِذِكرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ﴾ وَنَحوِهِ لَيسَت عَلَى ظَاهِرِهَا بَل ‌مُتَأَوَّلَةٌ ‌عِندَ ‌جَمِيعِهِم.اهـ 

وأما ما يذكره البعض فيقولون: الله تعالى قال: [وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللهُ]، فقد قَالَ المُحَدِّثُ اللُّغَوِيُّ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِهِ المُسَمَّى »إِتحَافُ السَّادَةِ المُتَّقِينَ« نَقلًا عَن كِتَابِ التَّذكِرَةِ الشَّرقِيَّةِ لِأَبِي نَصرٍ القُشَيرِيِّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمرَان:7] إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ وَقتَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ المُشرِكِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا وَمَتَى وُقُوعُهَا، فَالمُتَشَابِهُ إِشَارَةٌ إِلَى عِلمِ الغَيبِ، فَلَيسَ يَعلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلَّا تَأوِيلَهُ يَومَ يَأتِي تَأوِيلُهُ﴾ [سُورَةَ الأَعرَاف:53] أَي: هَل يَنظُرُونَ إِلَّا قِيَامَ السَّاعَةِ، وَكَيفَ يَسُوغُ لِقَائِلٍ أَن يَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لا سَبِيلَ لِمَخلُوقٍ إِلَى مَعرِفَتِهِ وَلا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أَلَيسَ هَذَا مِن أَعظَمِ القَدحِ فِي النُّبُوَّاتِ؟ وَهَذَا لا يَرضَى بِهِ مُسلِمٌ. وَسِرُّ الأَمرِ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمتَنِعُونَ عَنِ التَّأوِيلِ مُعتَقِدُونَ حَقِيقَةَ التَّشبِيهِ.

ويقولون نُجرِي الأَمرَ عَلَى الظَّاهِرِ ونقول لهم إِن أَجرَيتَ عَلَى الظَّاهِرِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [سُورَةَ القَلَم:42] هُوَ العُضوُ المُشتَمِلُ عَلَى الجِلدِ وَاللَّحمِ وَالعَظمِ وَالعَصَبِ وَالمُخِّ، فَإِن أَخَذتَ بِهَذَا الظَّاهِرِ وَالتَزَمتَ بِالإِقرَارِ بِهَذِهِ الأَعضَاءِ فَهُوَ الكُفرُ، وَإِن لَم يُمكِنكَ الأَخذُ بِهَا (أَي إِن كُنتَ لا تَقُولُ ذَلِكَ) فَأَينَ الأَخذُ بِالظَّاهِرِ. أَلَستَ قَد تَرَكتَ الظَّاهِرَ وَعَلِمتَ تَقَدُّسَ الرَّبِّ تَعَالَى عَمَّا يُوهِمُ الظَّاهِرُ فَكَيفَ يَكُونُ أَخذًا بِالظَّاهِرِ، وَفِي لُغَةِ العَرَبِ مَا شِئتَ مِنَ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الخِطَابِ، وَكَانُوا يَعرِفُونَ مَوَارِدَ الكَلامِ وَيَفهَمُونَ المَقَاصِدَ، فَمَن تَجَافَى عَنِ التَّأوِيلِ فَذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَمَن أَحَاطَ بِطُرُقٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ هَانَ عَلَيهِ مَدرَكُ الحَقَائِقِ. وَقَد قِيلَ: ﴿وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ﴾ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ أَيضًا يَعلَمُونَهُ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، فَإِنَّ الإِيمَانَ بِالشَّىءِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعدَ العِلمِ، أَمَّا مَا لا يُعلَمُ فَالإِيمَانُ بِهِ غَيرُ مُتَأَتٍّ، وَلِهَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلمِ. اهـ)».

وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيهِ (قَالَ النَّوَوِيُّ: بِدَوَامِ القَلِيلِ تَستَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكرِ وَالمُرَاقَبَةِ وَالإِخلَاصِ وَالإِقبَالِ عَلَى اللهِ بِخِلَافِ الكَثِيرِ الشَّاقِّ. حَتَّى يَنمُوَ القَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيثُ يَزِيدُ عَلَى الكَثِيرِ المُنقَطِعِ أَضعَافًا كَثِيرَةً.اهـ 

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: إِنَّمَا أَحَبُّ العَمَلِ الدَّائِمِ، لِأَنَّ مُدَاوِمَ الخَيرِ مُلَازِمٌ لِلخِدمَةِ، وَلَيسَ مَن لَازَمَ وَقتًا فِي كُلِّ يَومٍ كَمَن لَازَمَ يَومًا وَانقَطَعَ شَهرًا، وَلِأَنَّهُ بِتَركِهِ العَمَلَ بَعدَ دُخُولِهِ فِيهِ كَانَ كَالمُعرِضِ بَعدَ الوَصلِ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ). وكان النبي إذا عمل عملًا أثبته أي داوم عليه.

مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَ«مَه»: كَلِمَةُ نَهيٍ وَزَجرٍ. وَمَعنَى «لَا يَمَلُّ اللهُ»: لَا يَقطَعُ ثَوَابَهُ عَنكُم وَجَزَاء أَعمَالِكُم ويُعَامِلُكُم مُعَامَلةَ المَالِّ حَتَّى تَمَلُّوا فَتَترُكُوا، فَيَنبَغِي لَكُم أَن تَأخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ لَيدُومَ ثَوابُهُ لَكُم وَفَضلُهُ عَلَيكُم.