المحتويات
- المقدمة
- (31) بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»
- (32) بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ
- (33) بَابُ حُسْنُِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
- (34) بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
- (35) بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
- فائدة في البسملة
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِاتِّبَاعِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، المُوَافِقِ لِأَهلِ السُّنَّةِ البَعِيدِ عَن أَصحَابِ الطَّرِيقِ الغَوِّيِّ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن قَولِ المُشَبِّهِ وَقَولِ المُجَسِّمِ وَقَولِ القَدَرِيِّ وَالمُعتَزِلِيِّ، أَحْمَدُهُ عَلَى الْفَهْمِ الْقَوِيِّ، وَأَسْتَعِيذُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْغَوِيِّ، وَأَشْهَدُ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ شَهَادَةً زَادَ صَفَاؤُهَا عَلَى الْوَصْفِ الْعُرْفِيِّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْعُنْصُرِ الزَّكِيِّ، فَبَشَّرَ بِوِلَادَتِهِ انْشِقَاقُ الإِيوَانِ الْكِسْرَوِيِّ، وَجَمَّلَهُ بِنُورِ الْهَيْئَةِ ونورِ الزِّيِّ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمَكِّيِّ الزَّمْزَمَيِّ الأَبْطَحِيِّ الْمَدَنِيِّ التِّهَامِيِّ، وَعَلَى صَاحِبِهِ الْمَخْصُوصِ بِفَضِيلَةِ “ثَانِيَ اثنَينِ” الصِّدِّيقِ الوَفِيِّ، وَعَلَى الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَخَافُ مِنهُ إِذَا سَمِعُوا خَفْقَ نَعْلِهِ هَرَبُوا مِنَ الأَحْوَذِيِّ، عائشة (قالت عن عمر: “كَانَ -وَاللَّهِ- أَحْوَذِيَّا، نَسِيجَ وَحْدِهِ قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا” تُرِيدُ حَسَنَ السياسة.اهـ الأحوذي: الحاذق، المشمر للأمور القاهر لَهَا، لَا يشذ عَلَيْهِ شَيْء. نَسِيج وَحده: أَي لَا نَظِير لَهُ فِي الْعلم وَغَيره، وَذَلِكَ لِأَن الثَّوْب إِذا كَانَ رفيعًا لم ينسج على منواله).
وَعَلَى مُصَابِرِ الْبَلاءِ مِنْ أَيْدِي الأَعْدَاءِ، الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ، سَلامُ اللهِ عَلَى ذَاكَ الْحَيِيِّ، وَعَلَى الَّذِي مُلِئَ عِلْمًا وَخَوْفًا، وَنَحْنُ وَاللَّهِ نُحِبُّهُ أَوْفَى مِنْ حُبِّ الرَّافِضِيِّ، ابنِ عَمِّهِ، وَكَاشِفِ غَمِّهِ، التَّقِيِّ لِرَبِّهِ عَلِيٍّ، وَعَلَى آله وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى مِنْهَاجِهِ السَّوِيِّ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
(31) بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»
الشَّرحُ: (31) بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ (أَي ذُو يُسرٍ) وَقَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ (أَيِ المَائِلَةُ عَنِ البَاطِلِ إِلَى الحَقِّ) السَّمْحَةُ» (أَيِ السَّهلَةُ).
39- حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
الشرح: 39- حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ (عَبْدُ السَّلَامِ بنُ مُطَهَّرِ بنِ حُسَامٍ الأَزْدِيُّ الإِمَامُ، الثِّقَةُ، أَبُو ظَفَرٍ الأَزْدِيُّ، البَصْرِيُّ) قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ (هو عُمَرُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَطَاءِ بنِ مُقَدَّمٍ الثَّقَفِيُّ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، مات سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَمائَةٍ)، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ (سَعِيْدٌ المَقْبُرِيُّ أَبُو سَعْدٍ بنُ كَيْسَانَ الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الثِّقَةُ، المَقْبُرِيُّ. كَانَ يَسْكُنُ بِمَقْبُرَةِ البَقِيْعِ. وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الحَدِيْثِ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ. وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التِّسْعِيْنَ)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ (أَي ذُو يُسرٍ)، (الدِّينُ فِي الِاصطِلَاحِ الشَّرعِيِّ يُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ دِينُ الإِسلَامِ، قَالَ ابنُ بَطَّال فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: الدِّينُ، وَالإِسلَامُ وَالإِيمَانُ شَيءٌ وَاحِدٌ) (ولَا يَجُوزُ سَبُّ دِينِ المُسلِمِ، فَمَن لَعَنَ دِينَ المُسلِمِ فَقَد خَرَجَ مِنَ الدِّينِ وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ القَولُ المُنتَشِرُ عَلَى أَلسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ العَوَامِّ فِى بِلَادِ الشَّامِ «كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دِينِهِ اللَّهُ يُعِينُهُ»، فَإِنَّهُم يَقُولُونَهُ بِقَصدِ الدُّعَاءِ لِكُلٍّ مِنَ المُسلِمِينَ وَالكُفَّارِ مُتَضِّمِنًا مَعنَى الرِّضَا بِكُفرِ الكُفَّارِ فَيَكُونُ كُفرًا لِأَنَّ الرِّضَا بِالكُفرِ كُفرٌ وَأَمَّا مَن قَالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ بِقَصدِ الإِخبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى يُقدِرُ الكَافِرَ عَلَى الكُفرِ وَيُمَكِّنُهُ مِنهُ فَلَا يَكفُرُ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الِاعتِقَادُ الصَّحِيحُ فَإِنَّ اللَّهَ يَهدِى مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَالإِعَانَةُ هُنَا مَعنَاهَا التَّمكِينُ وَالإِقدَارُ لا الرِّضَا)
(كَانَ يُقَالُ: دِينُ اللهِ بَينَ المُقَصِّرِ وَالغَالِي. وَقَالَ المُطَرِّفُ لِابنِهِ: يَا بُنَيَّ، الحَسَنَةُ بَينَ السَّيِّئَتَينِ، يَعنِي بَينَ الإِفرَاطِ وَالتَّقصِيرِ، وَخَيرُ الأُمُورِ أَوسَاطُهَا، وَشَرُّ السَّيرِ الحَقحَقَةُ [وَهُوَ أَن يُلِحَّ فِي شِدَّةِ السَّيرِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ رَاحِلَتُهُ أَو تُعطَبَ فَيَبقَى مُنقَطِعًا بِهِ. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلمُجتَهِدِ فِي العِبَادَة حَتَّى لا يُقَصِّرَ].
وَلَيسَ مَعنَى قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسرٌ»، كَمَا يَفهَمُ بَعضُ الجُهَّالِ مِنَ العَوَامِّ فَيَقَعُونَ فِي مُخَالَفَةِ الشَّرعِ وَعِندَمَا تَقُولُ لَهُمُ الحُكمُ هَكَذَا فِي الدِّينِ يَقُولُ لَكَ: يَا شَيخُ الدِّينُ يُسرٌ.
نَعَم الدِّينُ يُسرٌ وَلَكِنَّ اليُسرَ هُوَ مُوَافَقَةُ الشَّرِيعَةِ وَلَيسَ مُوَافَقَةَ هَوَى الشَّخصِ نَفسِهِ، فَيَتبَعَ هَوَاهُ عَلَى الوَجهِ المُخَالِفِ لِلشَّرعِ ثُمَّ يَقُولَ الدِّينُ يُسرٌ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى) وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ (أَي لَا يَترُكُ أَحَدٌ الرِّفقَ وَيَتَشَدَّدُ فِي الأُمُورِ وَيُكَلِّفُ نَفسَهُ فَوقَ مَا يُطِيقُ مِنَ الطَّاعَاتِ إِلَّا عَجَزَ عَنِ الطَّاعَاتِ، فَمَن حَمَّلَ نَفسَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ مَا لَا يُطِيقُ يَمَلُّ وَيَترُكُ الطَّاعَةَ كُلَّهَا، أَمَّا لَو عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ شَيئًا قَلِيلًا أَي بِالقَدرِ الَّذِي يَحتَمِلُ أَن يُوَاظِبَ عَلَيهِ فَالأَجرُ وَالثَّوَابُ يَستَمِرُّ لَهُ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: المُشَادَّةُ بِالتَّشدِيدِ المُغَالَبَةُ، يُقَالُ شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إِذَا قَاوَاهُ. وَالمَعنَى لَا يَتَنَطَّعُ أَحَدٌ فِي الأَعمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَترُكُ الرِّفقَ إِلَّا عَجَزَ وَانقَطَعَ فَيُغلَبُ.
قَالَ ابنُ المُنَيِّرِ: فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَمٌ مِن أَعلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَد رَأَينَا وَرَأَى النَّاسُ قَبلَنَا أَنَّ كُلَّ مُتَنَطِّعٍ فِي الدِّينِ يَنقَطِعُ.
وَلَيسَ المُرَادُ مَنعَ طَلَبِ الأَكمَلِ فِي العِبَادَةِ فَإِنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المَحمُودَةِ. بَل مَنعُ الإِفرَاطِ المُؤَدِّي إِلَى المَلَالِ، أَوِ المُبَالَغَةِ فِي التَّطَوُّعِ المُفضِي إِلَى تَركِ الأَفضَلِ، أَو إِخرَاجِ الفَرضِ عَن وَقتِهِ كَمَن بَاتَ يُصَلِّي اللَّيلَ كُلَّهُ وَيُغَالِبُ النَّومَ إِلَى أَن غَلَبَتهُ عَينَاهُ فِي آخِرِ اللَّيلِ فَنَامَ عَن صَلَاةِ الصُّبحِ فِي الجَمَاعَةِ.
وَفِي حَدِيثِ مِحجَنِ بنِ الأَدرَعِ عِندَ أَحمَدَ: «إِنَّكُم لَن تَنَالُوا هَذَا الأَمرَ بِالمُغَالَبَةِ، وَخَيرُ دِينِكُمُ اليَسَرَةُ».
وَقَد يُستَفَادُ مِن هَذَا الإِشَارَة إِلَى الأَخذِ بِالرُّخصَةِ الشَّرعِيَّةِ، فَإِنَّ الأَخذَ بِالعَزِيمَةِ فِي مَوضِعِ الرُّخصَةِ في بعض الأحيان تَنَطُّعٌ، كَمَن يَترُكُ التَّيَمُّمَ عِندَ العَجزِ عَنِ استِعمَالِ المَاءِ فَيُفضِي بِهِ استِعمَالُهُ إِلَى حُصُولِ الضَّرَرِ)، فَسَدِّدُوا (خُذُوا الوَسَطَ مِنَ الأَعمَالِ مِن غَيرِ إِفرَاطٍ وَلَا تَفرِيطٍ) (أَيِ: الزَمُوا السَّدَادَ وَهُوَ الصَّوَابُ مِن غَيرِ إِفرَاطٍ وَلَا تَفرِيطٍ، قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: السَّدَادُ التَّوَسُّطُ فِي العَمَلِ) وَقَارِبُوا (إِن لَم تَستَطِيعُوا الأَكمَلَ فَاعمَلُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وَأَبْشِرُوا (أَي: بِالثَّوَابِ عَلَى العَمَلِ الدَّائِمِ وَإِن قَلَّ، وَالمُرَادُ تَبشِيرُ مَن عَجَزَ عَنِ العَمَلِ بِالأَكمَلِ بِأَنَّ العَجزَ إِذَا لَم يَكُن مِن صَنِيعِهِ لَا يَستَلزِمُ نَقصَ أَجرِهِ، وَأَبهَمَ المُبَشَّرَ بِهِ تَعظِيمًا لَهُ وَتَفخِيمًا)، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (الغَدوَةُ: أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالرَّوحَةُ: عِندَ الزَّوَالِ، وَالدُّلجَةُ: فِي ءَاخِرِ اللَّيلِ، وَفِي هَذِهِ الأَوقَاتِ يَنشَطُ المُسَافِرُ بِالسَّيرِ، فَنَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنَّهُ يَنبَغِي أَن يَستَعِينَ الإِنسَانُ بِأَوقَاتِ نَشَاطِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، هَذَا يَكُونُ أَعوَنَ لَهُ وَأَجمَعَ لِقَلبِهِ وَأَحرَى أَن يَدُومَ وَيَستَمِرَّ فِي هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَلَا يَترُكَهَا، كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ فِي سَفَرِهِ يَتَنَشَّطُ فِي سَفَرِهِ بِهَذِهِ الأَوقَاتِ)
(مَعنَى الحَدِيثِ بِالعُمُومِ كَمَا قَالَ الخَطَّابِيُّ: الأَمرُ بِالِاقتِصَادِ في العِبَادَةِ، وَتَركِ الحَملِ مِنهَا عَلَى النَّفسِ مَا يُتعِبُهَا وَيُثقِلُهَا. فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَم يَتَعَبَّد خَلقَهُ بِأَن يَنصَبُوا آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَلَا يَفتُرُوا وَلَا يَستَرِيحُوا أَبَدًا، وَإِنَّمَا أَوجَبَ عَلَيهِم وَظَائِفَ الطَّاعَاتِ، فِي وَقتٍ دُونَ وَقتٍ، تَيسِيرًا مِنهُ وَرَحمَةً، فَعَلَيكُم بِالسَّدَادِ، وَلَا تُكَلِّفُوا أَنفُسَكُم مَا لَا تُطِيقُونَهُ، وَاخلِطُوا طَرَفَ اللَّيلِ بِطَرَفِ النَّهَارِ، وَأَجمِلُوا أَنفُسَكُم فِيمَا بَينَهُمَا لِئَلَّا تَنقَطِعَ بِكُم)
(وَكُلُّ هَذَا تَصرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَدَمِ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَعَدَمِ المُشَادَّةِ فِيهِ عَلَى الوَجهِ المُخَالِفِ وَبِغَيرِ حَقٍّ، وَهَذِهِ الأَلفَاظُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا تَنوِيعٌ وَالمُؤَدَّى وَاحِدٌ وَهُوَ التَّأكِيدُ عَلَى استِقَامَةِ الدِّينِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ دِينٌ قَوِيمٌ مُستَقِيمٌ لَا يُؤخَذُ بِالتَّقصِيرِ وَلَا بِالغُلُوِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، بَل هُوَ حَدٌّ وَسَطٌ لَا يَعلَمُهُ وَيَلتَزِمُهُ إِلَّا مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا، وَهُم أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَهُم عُدُولٌ دَائِمًا بَينَ أَطرَافِ شُذُوذٍ، هُم جُمهُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ.
قَالَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ: «إِنَّ أَبَا الحَسَنِ الأَشعَرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَم يُحدِث فِي دِينِ اللهِ حَدَثًا، وَلَم يَأتِ فِيهِ بِبِدعَةٍ، بَل أَخَذَ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعدَهُم مِنَ الأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَنَصَرَهَا بِزِيَادَةٍ وَشَرحٍ وَتَبيِينٍ». وَيَقُولُ تَاجُ الدِّينِ السُّبكِيُّ: «وَهَؤُلَاءِ الحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالمَالِكِيَّةُ وَفُضَلَاءُ الحَنَابِلَةِ فِي العَقَائِدِ يَدٌ وَاحِدَةٌ كُلُّهُم عَلَى رَأيِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَدِينُونَ للهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ شَيخِ السُّنَّةِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ». ثُمَّ يَقُولُ: «وَبِالجُملَةِ فَإِنَّ عَقِيدَةَ الأَشعَرِيِّ هِيَ مَا تَضَمَّنَتهُ عَقِيدَةُ أَبِي جَعفَرٍ الطَّحَاوِيِّ الَّتِي تَلَقَّاهَا عُلَمَاءُ المَذَاهِبِ بِالقَبُولِ وَرَضُوهَا عَقِيدَةً».
وَقَالَ الحَافِظُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ: «إِذَا أُطلِقَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَالمُرَادُ بِهِمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ».
وَقَالَ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ ابنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: «أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَهُمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ».
وَإِنَّ عَقَائِدَ المُسلِمِينَ يَندَرِجُ تَحتَهَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ وَهِيَ تُفهَمُ مِن مَعنَى الشَّهَادَتَينِ: فَالأَمرُ الأَوَّلُ: هُوَ مَعرِفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَي مَعرِفَةُ صِفَاتِهِ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا وَمَعرِفَةُ مَا يَستَحِيلُ عَلَيهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يُعرَفُ مِنَ الشَّهَادَةِ الأُولَى وَهِيَ قَولُنَا: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
وَالأَمرُ الثَّانِي: هُوَ مَعرِفَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَمَا أَخبَرَ بِهِ مِمَّا ثَبَتَ عَنهُ مِن أُمُورِ القَبرِ وَالآخِرَةِ وَمَا بَعدَ ذَلِكَ، وَمَعرِفَةُ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا يَلِيقُ بِهِم مِن صِفَاتٍ وَمَا لَا يَلِيقُ بِهِم مِن صِفَاتٍ، وَهُو يُعرَفُ مِن قَولِنَا: وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَالأَمرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَعرِفَةُ أُمُورِ الرِّدَّةِ: فَالمُسلِمُ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَحفَظَ هَاتَينِ الشَّهَادَتَينِ عَمَّا يَنقُضُهُما وَالَّذِي يَنقُضُهُمَا هُوَ الرِّدَّةُ فَلِذَلِكَ يَجِبُ مَعرِفَةُ أَحكَامِهَا).
(32) بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيْعَ إِيمَانَكُمْ﴾، يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
الشَّرحُ: (32) بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ (هِيَ أَفضَلُ العِبَادَاتِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي يَعمَلُهَا المُؤمِنُ فِي يَومِهِ وَلَيلِهِ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَقَبلَ أَن أَذكُرَ شَيئًا مِن هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَقُولُ لَكُم: أَحيَانًا تَرِدُ كَلِمَةُ ذِكرِ اللهِ وَيُرَادُ بِهَا الصَّلَاةُ، كَحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِى دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ وَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ؟»، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».اهـ وَليُعلَم أَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِ اللهِ هُنَا الصَّلَاةُ، فَقَد جَاءَ لَفظُ “ذِكرُ اللهِ” فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ عَلَى مَعنَى الصَّلَاةِ، وَجَاءَ بِمَعنَى الطَّاعَةِ، وَجَاءَ بِمَعنَى الذِّكرِ اللِّسَانِيِّ أَي قَولِ أَستَغفِرُ اللهَ، وَجَاءَ بِمَعَانٍ أُخرَى، فَالذِّكرُ اللِّسَانِيُّ أَي قَولُ أَستَغفِرُ اللهَ لَيسَ أَفضَلَ مِنَ الزَّكَاةِ وَالجِهَادِ، وَلَيسَ هُوَ أَفضَلَ الأَعمَالِ عَلَى الإِطلَاقِ، بَل إِنَّ أَفضَلَ الأَعمَالِ عَلَى الإِطلَاقِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ).
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيْعَ إِيمَانَكُمْ﴾، يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ. (فَسَّرَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الإِيمَانَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ بَعضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا قَد مَاتُوا عِندَمَا كَانَ المُسلِمُونَ يُصَلُّونَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، فَتَسَاءَلَ بَعضُ الصَّحَابَةِ عَن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ، فَأَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُضِيعُ ثَوَابَهُم) (أَي صَلَاتَكُم إِلَى بَيتِ المَقدِسِ بَل يُثِيبُكُم عَلَيهَا لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا السُّؤَالُ عَمَّنْ مَاتَ قَبلَ التَّحوِيلِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ).
40- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيْعَ إِيمَانَكُمْ﴾،
الشَّرحُ: 40- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ (زُهَيرُ بنُ مُعَاوِيَةَ بن حُدَيجٍ الجُعْفِيُّ، قَالَ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ مَأمُونٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ ثَبتٌ، قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبعِينَ وَمِائَةٍ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (أَبُو إِسحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَمرِو بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُبَيدٍ الهَمَدَانِيُّ الكُوفِيُّ، أَحَدُ الأَعلَامِ. قَالَ أَبُو حَاتَمٍ: هُوَ أَحفَظُ مِنْ أَبِي إِسحَاقَ الشَّيبَانِيِّ وَيُشبِهُ الزُّهرِيَّ فِي كَثرَةِ الرَّوَايَةِ وَاتِّسَاعِهِ فِي الرِّجَالِ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشرِينَ وَمِائَةٍ.اهـ)، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ (هُنَا شَكَّ الرَّاوِي، وَكُلٌّ صَحِيحٌ، لِأَنَّ أَخوَالَ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَومِ الأَنصَارِ، فَهُم أَخوَالُ النَّبِيِّ ﷺ مَجَازًا، وَهُم أَجدَادُهُ كَذَلِكَ)
(هَاشِمُ بنُ عَبدِ مَنَافٍ جَدُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يُتَاجِرُ إِلَى الشَّامِ فَيَمُرُّ بِيَثرِبَ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنهُم مِنْ بَنِي النَّجَّارِ اسمُهَا سَلْمَى، وَلَدَتْ لَهُ وَلَدَهُ شَيبَةَ الحَمدِ وَهُوَ عَبدُ المُطَّلِبِ جَدُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ،
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ اسْمُ هَاشِمٍ عَمْرًا. وَكَانَ صَاحِبُ إِيلافِ قُرَيْشٍ. وَإِيلافُ قُرَيْشٍ دَأَبُ قُرَيْشٍ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشٍ. تَرْحَلُ إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْحَبَشَةِ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَيُكْرِمُهُ وَيَحْبُوهُ. وَرِحْلَةً فِي الصَّيْفِ إِلَى الشَّأْمِ إِلَى غَزَّةَ وَرُبَّمَا بَلَغَ أَنْقَرَةَ فَيَدْخُلُ عَلَى قَيْصَرَ فَيُكْرِمُهُ وَيَحْبُوهُ. فَأَصَابَتْ قُرَيْشًا سَنَوَاتٌ ذَهَبْنَ بِالأَمْوَالِ. فَخَرَجَ هَاشِمٌ إِلَى الشَّأْمِ فَأَمَرَ بِخُبْزٍ كَثِيرٍ فَخُبِزَ لَهُ. فَحَمَلَهُ عَلَى الإِبِلِ حَتَّى وَافَى مَكَّةَ فَهَشَمَ ذَلِكَ الْخُبْزَ. يَعْنِي كَسَرَهُ وَثَرَدَهُ. وَنَحَرَ تِلْكَ الإِبِلَ. ثُمَّ أَمَرَ الطُّهَاةَ فَطَبَخُوا. ثُمَّ كَفَأَ الْقُدُورَ عَلَى الْجِفَانِ. فَأَشْبَعَ أَهْلَ مَكَّةَ. فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْحَيَا بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ هَاشِمًا. وَخَرَجَ هَاشِمٌ فِي أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّأمِ حَتَّى بَلَغَ غَزَّةَ فَاشْتَكَى. فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَدَفَنُوهُ بِغَزَّةَ)
وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (أَي إِلَى جِهَتِهِ) سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (شَكَّ الرَّاوِي، وَمِنَ الرُّوَاةِ مَن جَزَمَ بِهَذَا وَبِهَذَا، وَمِنهُم مَن جَمَعَ بَينَهُمَا)، وَكَانَ يُعْجِبُهُ (أَي يُحِبُّ) أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ (أَي إِلَى جِهَةِ الكَعبَةِ)، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا (أَي فِي المَسجِدِ النَّبَوِيِّ بَعدَ تَحوِيلِ القِبلَةِ مِن بَيتِ المَقدِسِ إِلَى الكَعبَةِ) صَلَاةَ الْعَصْرِ (حُوِّلَتِ القِبلَةُ مِن بَيتِ المَقدِسِ إِلَى الكَعبَةِ فَكَانَت أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الكَعبَةِ بَعدَ تَحوِيلِ القِبلَةِ صَلَاةَ العَصرِ، وَذَلِكَ فِي المَدِينَةِ)، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ (أَي بَعدَ أَوَّلِ صَلَاةٍ) عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ (وَهُوَ مَسجِدُ القِبلَتَينِ، وَكَانَ فِيهِ قَومٌ مِن بَنِي الحَارِثَةِ) وَهُمْ رَاكِعُونَ (أَي فِي أَثنَاءِ الصَّلَاةِ) فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا (وَهُم فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَدَى التِزَامِهِم بِأَوَامِرِ النَّبِيِّ ﷺ وَثِقَتِهِم بِمَا جَاءَ بِهِ) كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ (أَي وَأَهلُ الكِتَابِ أَعجَبَهُم ذَلِكَ، أَيِ النَّصَارَى)، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ (أَيِ استَقبَلَ الكَعبَةَ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ) قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ (أَي لَم يُعجِبهُم). قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ (أَي عِندَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ قَبلَ النَّسخِ) رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيْعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
(قصةُ تحويلِ القبلةِ التي حدثَتْ في زمنِ النبيِّ ﷺ،
روى الحاكمُ وغيرُه «أنَّ أولَ مَا نُسِخَ مِنَ القرآنِ القبلةُ،
لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى المَدِينَةِ وَكَانَ أَكْثَرُ أَهلِهَا اليَهُودَ أَمَرَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَسْتَقْبِلَ صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَعَرَّضَ اليَهُودُ بِذَلِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي نَحوَ بَيتِ المَقدِسِ. وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ أَيْ جِهَتَهُ، لِأَنَّ اليَهُودَ قَالُوا: «خَالَفَنَا مُحَمَّدٌ وَيَتْبَعُ قِبْلَتَنَا». وَقَالَ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «وَدَدْتُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ يَهُودَ إِلَى غَيرِهَا»، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّما أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيئًا إِلَّا مَا أُمِرْتُ بِهِ، فَادْعُ اللهَ تَعَالَى». فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدعُو اللهَ تَعَالَى وَيُكْثِرُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى، وخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ مرَّةً زائرًا أمَّ بشرِ بنِ البراءِ بنِ مَعْرُوْر، في بني سلِمَة فصنَعَتْ لَهُ طعَامًا، وحَانَتْ صلاةُ الظهرِ (أي دنَا وقتُها) وفي بعضِ الرواياتِ أنَّها صلاةُ العصرِ وفي بعضِها أنَّها صلاةُ الصبحِ، فصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بأصحابِه في مسجدٍ هناكَ الظهرَ، فلمَّا صلَّى ركعتينِ نزَلَ جبريلُ فأشارَ إليهِ أنْ صَلِّ إلِى البيتِ الحرامِ، وصلَّى جبريلُ إلى البيتِ فاستَدَار رسولُ الله ﷺ إلَى الكعبةِ، واستقبلَ ميزابَ الكعبةِ. فتحوَّلَ النساءُ مكانَ الرجالِ والرجالُ مكانَ النساءِ، فهيَ القبلةُ التي قالَ اللهُ تعالَى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَسُمِّي ذلكَ المسجدُ مسجدَ القبلتينِ. وكانَ الظهرُ يومئذٍ أربَعًا: اثنتانِ إلى بيتِ المقدسِ واثنتانِ إلى الكعبةِ،
وأخرَجَ أبو داودَ في «النّاسِخِ» عن أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يُصَلُّون نحوَ بَيتِ المَقدِسِ إلَّا أنَّ القِبلةَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلى الكَعبةِ فمالُوا كمَا هُمْ رُكوعٌ إلى الكَعبةِ)
(تصويرُ الذي جرَى مِنْ تحويلِ القبلةِ: قالَ بعضُ الفقهاءِ: تصويرُ ما ذُكِرَ من تحويلِ الرجالِ مكانَ النساءِ وتحويلِ النساءِ مكانَ الرجالِ أنَّ الإمامَ يتحولُ مِنْ مكانِه فِي مقدَّمِ المسجدِ إلى مؤخَّرِهِ، لأنَّ مَنِ استقبلَ الكعبةَ بالمدينةِ فقدِ استدْبَرَ بيتَ المقدسِ، وهوَ لو دارَ كمَا هوَ مكانَه لمْ يكنْ خلفَه مكانٌ يسعُ الصفوفَ، فلمَّا تحوَّلَ الإمامُ تحولَّتِ الرجالُ حتَّى صاروا خلفَه، وتحولَّتِ النساءُ حتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرجالِ. وهذَا يستدْعِي عمَلًا كثيرًا فِي الصلاةِ. ويحتَمِلُ أنَّ ذلكَ وقعَ قبلَ تحريمِ العملِ الكثيرِ، كمَا كانَ قبلَ تحريمِ الكلامِ، ويحتملُ أنْ يكونَ اغتفرَ العملُ المذكورُ لأجلِ المصلحةِ المذكورةِ، أوْ لمْ يتوالَ الخطى عندَ التحويلِ بلْ وقعَتْ مُتَفَرِّقَةً.اهـ)
(33) بَابُ حُسْنُِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
41- قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا».
الشَّرحُ: (33) بَابُ حُسْنُِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ (الإِسلَامُ كُلُّهُ حَسَنٌ، وَمَعنَاهُ هَذَا المَذكُورُ مِن مَحَاسِنِ الإِسلَامِ)
41- قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ (زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ أَبُو عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ العُمَرِيُّ، الإِمَامُ، الحُجَّةُ، القُدْوَةُ، الفَقِيْهُ كَانَ لَهُ حَلْقَةٌ لِلْعِلْمِ فِي مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. وَقَالَ البُخَارِيُّ: كَانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ يَجْلِسُ إِلَى زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُه فِي دِيْنِه. أَرَخَّ ابْنُه وَفَاتَه: فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ وَمائَةٍ)، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ (عَطَاءُ بنُ يَسَارٍ المَدَنِيُّ قال أبو حازم: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً كَانَ أَلْزَمَ لِمَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ. مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمائَةٍ) أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ (أَوِ الأَمَةُ) فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (أَي كَانَ إِسلَامُهُ بِلَا شَكٍّ ثَابِتًا خَالِصًا وَوَافَقَ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ وَلَم يُنَافِق) يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا (أَي كَسَبَهَا وَفَعَلَهَا)، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ (أَي كِتَابَةُ المُجَازَاةِ فِي الدُّنيَا، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ يَعمَلُهَا تُضَاعَفُ إِلَى عَشرِ أَمثَالِهَا عَلَى الأَقَلِّ)، الْحَسَنَةُ (إِلَى آخِرِهِ: بَيَانٌ لِلقِصَاصِ) بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ (وَيُضَاعِفُ اللهُ لِمَن يَشَاءُ إِلَى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ)، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا» (فَيَعفُو عَنهَا، وَهَذَا مِن عَظِيمِ رَحمَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ المَعَاصِيَ تَضُرُّ المُؤمِنَ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُخرِجُهُ مِنَ الإِسلَامِ)
(قَالُ ابنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمُوجِبِينَ لِخُلُودِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْحُسْنَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ، وَآخِرُهُ يَرُدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ)
(الخَوَارِجُ يُكَفِّرُونَ مُرتَكِبَ المَعصِيَةِ، وَالمُعتَزِلَةُ يَقُولُونَ إِنَّ مُرتَكِبَ الكَبِيرَةِ فِي المَنزِلَةِ بَينَ المَنزِلَتَينِ لَا هُوَ مُؤمِنٌ وَلَا هُوَ كَافِرٌ، المُعتَزِلَةُ فِرقَةٌ تَبِعَت وَاصِلَ بنَ عَطَاءٍ الَّذِي اعتَزَلَ مَجلِسَ الحَسَنِ البِصرِيِّ، وَقَالُوا: بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ أَفعَالَهُ الِاختِيَارِيَّةَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِن هَذَا الكُفرِ، فَقَد جَعَلُوا العِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللهِ، وَقَالُوا بِأَنَّ اللهَ لَا يُرَى فِي الآخِرَةِ، فَخَالَفُوا القُرآنَ الكَرِيمَ حَيثُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فَالمُؤمِنُونَ فِي الجَنَّةِ يَرَونَ رَبَّهُم بِلَا تَشبِيهٍ وَلَا كَيفِيَّةٍ وَلَا مَسَافَةٍ وَلَا جِهَةٍ، وَقَالُوا بِالمَنزِلَةِ بَينَ المَنزِلَتَينِ، يَقصِدُونَ بِزَعمِهِم أَنَّ أَهلَ الكَبَائِرِ فِي مَنزِلَةٍ بَينَ الكُفرِ وَالإِيمَانِ، وَالمُعتَزِلَةُ عِشرُونَ فِرقَةً، لَهُم أَقوَالٌ فَاسِدَةٌ كَثِيرَةٌ خَالَفُوا بِهَا أَهلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، ذَكَرَ اعتِقَادَاتِهِم وَحَذَّرَ مِنهُمُ العَدِيدُ مِن أَهلِ العِلمِ.اهـ
وَزَادَت فِتنَةُ المُعتَزِلَةِ فِي أَوَاخِرِ القَرنِ الثَّانِي الهِجرِيِّ حَتَّى إِنَّهُ حَصَلَ لِبَعضِهِم تَأثِيرٌ عَلَى بَعضِ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ، وَأَدَّى هَذَا إِلَى الفِتنَةِ الَّتِي حَصَلَت فِي زَمَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَأَدَّت إِلَى أَن أَمَرَ بَعضُ الخُلَفَاءِ كَالمَأمُونِ وَالمُعتَصِمِ وَالوَاثِقِ بِجَلدِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، فَجُلِدَ ثَلَاثِينَ شَهرًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا يَقُولُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ).
42- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».
الشَّرحُ: 42- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ (بِإِخلَاصِهِ وَاعتِقَادِهِ جَازِمًا، أَي أَن يَكُونَ بَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ) فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».
(قَالَ الْمَازِرِيُّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ فِي بَيَانِ أَنَّ المُؤمِنَ هُوَ الَّذِي يُقبَلُ عَمَلُهُ وَتُضَاعَفُ لَهُ الحَسَنَاتُ: الْكَافِرُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ، فَلَا يُثَابُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الصَّادِرِ مِنْهُ فِي شِرْكِهِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُتَقَرِّبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا لِمَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ)
(فَالإِيمَانُ هُوَ الشَّرطُ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ لَا غَيرُهُ،
أَمَّا مَا رَوَى مُسلِمٌ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ أَيْ رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ أَفِيهَا أَجْرٌ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ.
فَقَد قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ فَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ فَلَا يُثَابُ عَلَى طَاعَتِهِ ولَا يَكُونُ مُتَقَرِّبًا للهِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُتَقَرِّبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي حِينِ نَظَرِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى بَعْدُ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُتَأَوَّلٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اكْتَسَبْتَ طِبَاعًا جَمِيلَةً وَأَنْتَ تَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الطِّبَاعِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعَادَةُ تَمْهِيدًا لَكَ وَمَعُونَةً عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.اهـ
لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الكَافِرَ يُثَابُ عَلَى مَا يَفعَلُهُ مِنَ الأَعمَالِ الحَسَنَةِ أَثنَاءَ كُفرِهِ، إِنَّمَا بَعدَمَا أَسلَمَ يُكتَبُ لَهُ ثَوَابُ مَا يَعمَلُهُ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ وَهُوَ مُسلِمٌ. وَهَذَا أَحسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفسِيرِ وَشَرحِ هَذَا الحَدِيثِ،
فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وَبِدَلِيلِ الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ مَرفُوعًا: «إِنَّ الكَافِرَ يُثَابُ فِي الدُّنيَا بِالرِّزقِ عَلَى مَا يَفعَلُهُ مِن حَسَنَةٍ»، وَالحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا فِي الدُّنيَا حَتَّى إِذَا أَفضَى إِلَى الآخِرَةِ لَم يَكُن لَهُ حَسَنَةٌ يُجزَى بِهَا»، وَفِي لَفظٍ عِندَ أَحمَدَ فِي مُسنَدِهِ: «فَإِذَا لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَومَ القِيَامَةِ لَم تَكُن لَهُ حَسَنَةٌ يُعطَى بِهَا خَيرًا».اهـ).
(34) بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
الشَّرحُ: (34) بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ (المُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا: العَمَلُ، يَعنِي أَنَّ أَعظَمَ العِبَادَاتِ ثَوَابًا مَا يُدَاوِمُ عَلَيهَا الإِنسَانُ)
43- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا»، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
الشَّرحُ: 43- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» (أَي سَأَلَهَا بَعدَ أَن خَرَجَتِ المَرأَةُ مِن عِندِهَا)، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا (أَي صَارَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَمدَحُهَا وَتَذكُرُ كَثرَةَ صَلَاتِهَا وَأَنَّهَا تُكثِرُ العِبَادَةَ مِن صَومٍ وَصَلَاةٍ وَلَا تَفتُرُ عَنهَا)، قَالَ: «مَهْ (أَيِ اكفُفِي، تَوَقَّفِي وَلَا تَتَكَلَّمِي بِهَذَا، وَيَحتَمِلُ أَنَّهُ نَهَاهَا عَن مَدحِهَا) (ومَهْ: هُوَ اسمٌ مَبنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، فَهِيَ كَلِمَةُ زَجرٍ: بِمَعنَى اكفُف. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ زَجرًا لِعَائِشَةَ عَن مَدحِهَا المَرأَةَ بِذَلِكَ)، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ (أَي بِمَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ، أَي يَنبَغِي لِلإِنسَانِ أَن يَأتِيَ مِنَ الطَّاعَاتِ مَا يُطِيقُ المُدَاوَمَةَ عَلَيهِ)، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ (أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَلَلِ، لِأَنَّ المَلَلَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ) حَتَّى تَمَلُّوا» (يَقُولُ بَعضُ العُلَمَاءِ: مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَا يَتَّصِفُ بِالمَلَلِ، أَمَّا العَبدُ فَيُوصَفُ بِهِ، فَإِذَا مَلَّ وَانقَطَعَ عَنِ الطَّاعَةِ انقَطَعَ عَنهُ الثَّوَابُ)،
(خُلَاصَةُ المَعنَى: أَنَّ اللهَ يُثِيبُ العَبدَ وَلَا يَقطَعُ عَنهُ الثَّوَابَ مَا دَامَ العَبدُ يُطِيعُ اللهَ سُبحَانَهُ، وَلَكِنَّ العَبدَ إِذَا حَمَّلَ نَفسَهُ مِنَ العِبَادَاتِ مَا لَا يُطِيقُ فَإِنَّ مَآلَهُ إِلَى الِانقِطَاعِ عَنِ العِبَادَةِ، وَإِذَا انقَطَعَ عَنِ العِبَادَةِ انقَطَعَ عَنهُ الثَّوَابُ، فَيَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَعمَلَ مِنَ الطَّاعَاتِ قَدرَ مَا يُطِيقُ المُدَاوَمَةَ عَلَيهِ مِن غَيرِ كَسَلٍ وَتَوَانٍ)
(وَالإِملَالُ: استِثقَالُ الشَّيءِ وَنُفُورُ النَّفسِ عَنهُ بَعدَ مَحَبَّتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِطلَاقُهُ عَلَيهِ مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ، وَالعَرَبُ تَذكُرُ إِحدَى اللَّفظَتَينِ مُوَافَقَةً لِلأُخرَى وَإِن خَالَفَتهَا مَعنًى، نَحوُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾، فَالجَزَاءُ عَنِ السَّيِّئَةِ فِي الحَقِيقَةِ غَيرُ سَيِّئَةٍ، وَالأَصلُ: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ عُقُوبَةٌ مِثلُهَا. قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا أَحسَنُ مَحَامِلِهِ.
وَفِي بَعضِ طُرُقِهِ عَن عَائِشَةَ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ»، أَخرَجَهُ ابنُ جَرِيرٍ فِي «تَفسِيرِهِ»، أَي لَا يَقطَعُ ثَوَابَهُ وَيَترُكُهُ.
وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ أَبَدًا وَإِن مَلَلتُم.
وَقَالَ المَازِرِيُّ: حَتَّى بِمَعنَى الوَاوِ؛ وَالمَعنَى: أَنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَاهُ تَعَالَى عَنهُ وَأَثبَتَهُ لَهُم)
(وَهَذَا الحَدِيثُ وَأَمثَالُهُ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى التَّأوِيلِ، فَإِنَّهُ لَو لَم يُحمَل عَلَى التَّأوِيلِ لَنُسِبَ المَلَلُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُستَحِيلٌ وَصِفَةُ نَقصٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَمِثلُ هَذِهِ النُّصُوصِ لَا بُدَّ مِن تَأوِيلِهَا وَعَدَمِ إِجرَائِهَا عَلَى الظَّاهِرِ،
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ بَينَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهُهُم وَمُحَدِّثُهُم وَمُتَكَلِّمُهُم وَنُظَّارُهُم وَمُقَلِّدُهُم أَنَّ الظَّوَاهِرَ الوَارِدَةَ بِذِكرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ﴾، وَنَحوِهِ لَيسَت عَلَى ظَاهِرِهَا بَل مُتَأَوَّلَةٌ عِندَ جَمِيعِهِم.اهـ
قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِ الآيَةِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَبَيْنَ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وَالْأَخْذُ بِالظَّاهِرَيْنِ تَنَاقُضٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ التَّأْوِيلِ اعْتِرَافٌ بِالتَّنَاقُضِ.
وَسِرُّ الأَمرِ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمتَنِعُونَ عَنِ التَّأوِيلِ مُعتَقِدُونَ حَقِيقَةَ التَّشبِيهِ، وَيَقُولُونَ: نُجرِي الأَمرَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَنَقُولُ لَهُم: إِن أَجرَيتَ عَلَى الظَّاهِرِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾، هُوَ العُضوُ المُشتَمِلُ عَلَى الجِلدِ وَاللَّحمِ وَالعَظمِ وَالعَصَبِ وَالمُخِّ، فَإِن أَخَذتَ بِهَذَا الظَّاهِرِ وَالتَزَمتَ بِالإِقرَارِ بِهَذِهِ الأَعضَاءِ فَهُوَ الكُفرُ، وَإِن لَم يُمكِنكَ الأَخذُ بِهَا (أَي إِن كُنتَ لا تَقُولُ ذَلِكَ) فَأَينَ الأَخذُ بِالظَّاهِرِ. أَلَستَ قَد تَرَكتَ الظَّاهِرَ وَعَلِمتَ تَقَدُّسَ الرَّبِّ تَعَالَى عَمَّا يُوهِمُ الظَّاهِرُ؟ فَكَيفَ يَكُونُ أَخذًا بِالظَّاهِرِ؟ وَفِي لُغَةِ العَرَبِ مَا شِئتَ مِنَ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الخِطَابِ، وَكَانُوا يَعرِفُونَ مَوَارِدَ الكَلامِ وَيَفهَمُونَ المَقَاصِدَ، فَمَن تَجَافَى عَنِ التَّأوِيلِ فَذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَمَن أَحَاطَ بِطُرُقٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ هَانَ عَلَيهِ مَدرَكُ الحَقَائِقِ)
وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ (أَي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (قَالَ النَّوَوِيُّ: بِدَوَامِ القَلِيلِ تَستَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكرِ وَالمُرَاقَبَةِ وَالإِخلَاصِ وَالإِقبَالِ عَلَى اللهِ بِخِلَافِ الكَثِيرِ الشَّاقِّ. حَتَّى يَنمُوَ القَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيثُ يَزِيدُ عَلَى الكَثِيرِ المُنقَطِعِ أَضعَافًا كَثِيرَةً.اهـ
قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: إِنَّمَا أَحَبُّ العَمَلِ الدَّائِمُ، لِأَنَّ مُدَاوِمَ الخَيرِ مُلَازِمٌ لِلخِدمَةِ، وَلَيسَ مَن لَازَمَ وَقتًا فِي كُلِّ يَومٍ كَمَن لَازَمَ يَومًا وَانقَطَعَ شَهرًا، وَلِأَنَّهُ بِتَركِهِ العَمَلَ بَعدَ دُخُولِهِ فِيهِ كَانَ كَالمُعرِضِ بَعدَ الوَصلِ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثبَتَهُ أَي دَاوَمَ عَلَيهِ).
(35) بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِيْنَ آمَنُوا إِيْمَانًا﴾، وَقَالَ: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
الشَّرحُ: (35) بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ (غَرَضُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن هَذَا أَن يُبَيِّنَ أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنقُصُ بِالمَعَاصِي) وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِيْنَ آمَنُوا إِيْمَانًا﴾، وَقَالَ: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ﴾
(يَأتِي بَعضُ الجُفَاةِ النُّفَاةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ المَولِدَ النَّبَوِيَّ فَيَأخُذُونَ هَذِهِ الآيَةَ فَيَضَعُونَهَا فِي غَيرِ مَوضِعِهَا، يَأتُونَ لِقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فَيَقُولُونَ لِلمُحتَفِلِينَ بِالمَولِدِ الشَّرِيفِ: أَنتُم زِدتُم فِي دِينِ اللهِ وَاستَدرَكتُم عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَيَذكُرُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وَلَيسَ لَهُم ذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ قَوَاعِدَ الدِّينِ تَمَّت، قَالَ القُرطُبِيُّ في تَفْسيرِهِ: «وَقالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرادُ مُعْظَمُ الفَرَائِضِ والتَّحلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، قَالُوا: وَقَد نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرءَانٌ كَثِيرٌ، وَنَزَلَتْ ءَايَةُ الرِّبَا، وَنَزَلَت ءَايَةُ الكَلَالَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ).
(وَلَيْسَ فِي الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدِّينَ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعدُ، وَلَا تَكذِيبًا لِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ هِيَ ءَاخِرَ ءَايَةٍ نَزَلَت مِنَ القُرءَانِ، بَلْ ءَاخِرُ ءَايَةٍ نَزَلَتْ هِيَ قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ ذَلِكَ القُرطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وَذَكَرَ ذَلِكَ البُخَارِيُّ أَيضًا فِي صَحِيحِهِ)،
فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ (قَالَ القَسطَلَّانِيُّ: لَا يُقَالُ: إِنَّ الدِّينَ كَانَ نَاقِصًا قَبلُ وَإِنَّ مَن مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ نَاقِصَ الإِيمَانِ مِن حَيثُ إِنَّ مَوتَهُ قَبلَ نُزُولِ الفَرَائِضِ أَو بَعضِهَا، لِأَنَّ الإِيمَانَ لَم يَزَل تَامًّا، وَالنَّقصُ بِالنِّسبَةِ إِلَى الَّذِينَ مَاتُوا قَبلَ نُزُولِ الفَرَائِضِ مِنَ الصَّحَابَةِ صُورِيٌّ نِسبِيٌّ، وَلَهُم فِيهِ رُتبَةُ الكَمَالِ مِن حَيثُ المَعنَى، وَهَذَا يُشبِهُ قَولَ القَائِلِ: إِنَّ شَرعَ مُحَمَّدٍ أَكمَلُ مِن شَرعِ مُوسَى وَعِيسَى لِاشتِمَالِهِ مِنَ الأَحكَامِ عَلَى مَا لَم يَقَع فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَمَعَ هَذَا فَشَرعُ مُوسَى فِي زَمَانِهِ كَانَ كَامِلًا، وَتَجَدَّدَ فِي شَرعِ عِيسَى بَعدَهُ مَا تَجَدَّدَ، فَالأَكمَلِيَّةُ أَمرٌ نِسبِيٌّ).
44- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مِنْ إِيمَانٍ»، مَكَانَ: «مِنْ خَيْرٍ».
الشُّرحُ: 44- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ (أَي لَا يُخَلَّدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ (فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشتِرَاطِ النُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، وَمَعنَاهُ مَنِ اعتَقَدَ الشَّهَادَتَينِ وَنَطَقَ بِهِمَا): لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (أَي وَقَالَ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، وَلَم يَذكُرِ النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَةَ الثَّانِيَةَ هُنَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ الأُولَى صَارَت عَلَمًا عَلَى الشَّهَادَتَينِ، أَي صَارَ مَعرُوفًا أَنَّهُ يُقَالُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَيُرَادُ جَمِيعُ الشَّهَادَتَينِ، كَمَن يَقُولُ: قَرَأتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، أَي سُورَةَ الإِخلَاصِ كُلَّهَا)، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ (أَي مِن إِيمَانٍ)، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ (أَي حَبَّةٍ مِن قَمحٍ) مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ (اختَلَفُوا فِي المُرَادِ بِالذَّرَّةِ، فَقَالَ بَعضُهُمُ: المُرُادُ بِهِ النَّملُ الأَحمَرُ الصَّغِيرُ، وَقَالَ بَعضُهُمُ: الهَبَاءُ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَالمُرَادُ: أَتَى بِأَصلِ الإِيمَانِ) مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (أَيِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَلَعَلَّ هَذَا مِن زِيَادَةِ بَعضِ النُّسَّاخِ): قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مِنْ إِيمَانٍ» (بَيَّنَ أَنَّ المُرَادَ بِالخَيرِ فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى هُوَ الإِيمَانُ)، مَكَانَ: «مِنْ خَيْرٍ»
45- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
الشَّرحُ: 45- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ (الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ بنِ مُحَمَّدٍ الوَاسِطِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو عَلِيٍّ الوَاسِطِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، البَزَّارُ. وَيُعْرَفُ أَيْضاً: بِابْنِ البَزَّارِ. حَدَّثَ عَنْهُ: البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، كَانَتْ لَهُ جَلَالَةٌ عَجِيْبَةٌ بِبَغْدَادَ، كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ يَرْفَعُ مِنْ قَدْرِهِ وَيُجِلُّهُ.. قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ. مَاتَ: فِي رَبِيْعٍ الآخرِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ)، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ (جَعْفَرُ بنُ عَوْنِ بنِ جَعْفَرٍ المَخْزُوْمِيُّ العَمْرِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، مُحَدِّثُ الكُوْفَةِ، أَبُو عَوْنٍ العَمْرِيُّ؛ نِسبَةً إِلَى عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ الصَّحَابِيِّ. قَالَ بَعَضُهُم: تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَمائَتَيْنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ مِنَ الحَجِّ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً)، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ (أَبُو العُمَيْسِ المَسْعُوْدِيُّ عُتْبَةُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، ابْنِ صَاحِبِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ الهُذَلِيُّ، وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ،. تُوُفِّيَ: فِي حُدُوْدِ سَنَةِ خَمْسِيْنَ وَمائَةٍ)، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ (هُوَ كَعبُ الأَحبَارِ قَبلَ أَن يُسلِمَ) قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا (أَي لَعَظَّمنَا ذَلِكَ اليَومَ وَلَجَعَلنَاهُ عِيدًا لَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ)، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (كَانَ يَومَ جُمُعَةٍ وَيَومَ عَرَفَةَ، وَهَذَانَ يَومَا عِيدٍ لِلمُسلِمِينَ).
فائدة في البسملة
وَهَذِهِ الفَوَائِدُ يَذكُرُهَا الفُقَهَاءُ مِنْ تَجَارُبِهِمْ وَإِنْ لَمْ تَرِدْ فِي الحَدِيثِ أَوِ القُرآنِ نَصًّا، فَلَا يَضُرُّ العَمَلُ بِهَا.
قَالَ المُنَاوِيُّ فِي شَرحِهِ الكَبِيرِ عَلَى الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ البَسمَلَةُ الشَّرِيفَةُ اهْتَزَّتِ الجِبَالُ لِنُزُولِهَا. وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا بِعَدَدِ حُرُوفِهَا 786 مَرَّةً سَبعَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ عَلَى نِيَّةٍ أَيْ أَمْرٍ نَالَ مُرَادَهُ مِنْ جَلْبِ خَيرٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ أَوْ رَوَاجِ بِضَاعَةٍ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ….
وَمِنْ خَوَاصِّ البَسمَلَةِ لِزَوَالِ البَلَادَةِ وَلِقُوَّةِ الحِفظِ وَالذَّكَاءِ: أَنْ يَقرَأَ نَفْسُ العَدَدِ السَّابِقِ وَهُوَ 786 مَرَّةً عَلَى مَاءٍ وَيَشْرَبَ مِنهُ سَبعَةَ أَيَّامٍ عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…
اللهم بِعِلمِكَ الغَيبَ وَقُدرَتِكَ عَلَى الخَلقِ أَحيِنا مَا عَلِمتَ الحَيَاةَ خَيرًا لِنا، وَتَوَفَّنا إِذَا عَلِمتَ الوَفَاةَ خَيرًا لِنا، اللهم نسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَنسأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ، وَنسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَنسأَلُكَ بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، اللهم زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ.
اللهم أَدِم عَلَينَا نِعمَةَ الأَمنِ وَالأَمَانِ وَاجعَلنَا آمِنِينَ فِي بِلَادِنَا وَأَوطَانِنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا وَبَينَ أَهلِينَا بِجَاهِ رَسُولِكَ الكَرِيمِ ﷺ، اللهم سَلِّمْ بِلَادَنَا مِنَ الفِتَنِ وَالحُرُوبِ وَالقَلَاقِلِ وَالبَلَابِلِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم احْفَظْ بلادنا وَأَهْلَنا وَأَبنَاءَنا وَنِسَاءَنا وَرِجَالَنا وَأَطفَالَنا وَعَجَائِزَنا وَأَرضَنا وَسَمَاءَنا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم إِنَّا نَستَودِعُكَ هَذِهِ البِلَادَ المُبَارَكَةَ فَاحْفَظْهَا بِحِفْظِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم إِنا نسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
اللهم يَا اللهُ يا اللهُ أَذهِبِ الضِّيقَ وَالغُمُومَ عَنَّا، وَأَبعِد كَدَرَ الدُّنيَا وَالهُمُومَ عَن قُلُوبِنَا، وحَسِّن بِفَضلِكَ سِيرَتَنا، وَجَمِّل في الدُّنيَا هَيئَتَنَا، وَسَدِّد في الخَيرِ مَسِيرَتَنَا، وَانشُر بَينَ الملائِكَةِ ذِكرَنَا، وَاحفَظ بَينَ الخَلقِ كَرَامَتَنَا، وَعَطِّر بَينَ النَّاسِ سُمعَتَنَا، وَارفَع بَينَ الحُسَّادِ مَهَابَتَنَا، وَإِلى جَنَّاتِ الخُلدِ أَدخِلنَا، وَفي الدَّرجَاتِ العَالِيَةِ أَنزلنَا، وَيَسِّر أُمُورَنَا، وَطَهِّر قُلُوبَنا، وَاحَفَظ فُرُوجَنا، وسَدِّد خُطَانا، وَأَلهِمنَا الطَّاعَاتِ فِي مَحيَانَا، وَأَسعدنَا فِي دُنيَانا وَأُخرَانا يَا اللهُ يا اللهُ.
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….