المقدمة
الحَمدُ لله الَّذِي شَرَحَ صُدُورَ أَهلِ الإِسلَامِ لِلسُّنَّةِ فَانقَادَت لِاتِّبَاعِهَا وَارتَاحَت لِسَمَاعِهَا، وَأَمَاتَ نُفُوسَ أَهلِ الطُّغيَانِ بِالبِدعَةِ بَعدَ أَن تَمَادَت فِي نِزَاعِهَا وَتَغالَت فِي
ابتِدَاعِهَا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، العَالِمُ بِانقِيَادِ الأَفئِدَةِ وَامتِنَاعِهَا، المُطَّلِعُ عَلَى ضَمَائِرِ القُلُوبِ فِي حَالَتَيِ افتِرَاقِهَا واجتِمَاعِهَا، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي انخَفَضَت بِحَقِّهِ كَلِمَةُ البَاطِلِ بَعدَ ارتِفَاعِهَا،
وَاتَّصَلَت بِإِرسَالِهِ أَنوَارُ الهُدَى وَظَهَرَت حُجَّتُهَا بَعدَ انقِطَاعِهَا، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ مَا دَامَتِ السَّمَاءُ وَالأَرضُ، هَذِهِ فِي سُمُوِّهَا وَارتِفَاعِهَا، وَهَذِهِ فِي اتِّسَاعِهَا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الَّذِينَ كَسَرُوا جُيُوشَ المَرَدَةِ وَفَتَحُوا حُصُونَ قِلَاعِهَا، وَهَجَرُوا فِي مَحَبَّةِ رَسُولِ
الله الأَوطَارَ وَالأَوطَانَ وَلَم يُعَاوِدُوهَا بَعدَ وَدَاعِهَا، وَحَفِظُوا عَلَى أَتبَاعِهِم أَقوَالَهُ وَأَفعَالَهُ وَأَحوَالَهُ حَتَّى أَمِنَت بِهِمُ السُّنَنُ الشَّرِيفَةُ مِن ضَيَاعِهَا، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ
بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
الباب (17): باب: الحياء من الإيمان
الحديث
24- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ».
الشرح والتعليق على اسم الباب:
أنواع الحياء ومعانيه: الحشمة وحياء سيدنا علي
17- بَابٌ: الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ(تَأْتِي كَلِمَةُ الحَياء بِمَعَانٍ عِدَّةٍ، حَيَاءُ الحِشْمَةِ. يَحْتَشِمُ الإِنْسَانُ مِنْ إِنْسَانٍ ءَاخَرَ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ.
عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ مَذَّاءً، يَنزِلُ مِنهُ المَذيُ بِكَثرَةٍ، فاسْتَحيَا أَنْ يَسأَلَ النَّبِيَّ لِأَنَّهُ كَانَ زَوْجَ ابنَتِهِ. احْتَشَمَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ:
أَنتَ سَلهُ عَن هَذَا، مَاذَا أَفعَلُ؟ يَلزَمُنِي الغُسْلُ أَوْ يَكفِى أَنْ أَتَوَضَّأ. قَبْلَ أَنْ يَسأَلَ كُلَّما أَمْذَى اغْتَسَلَ.
ثُمَّ قَالَ سَلهُ: يَلْزَمُنِي الغُسْلُ أَوْ يَكفِي أَنْ أَتَوَضَّأ؟ قَالَ: «فَإِنَّنِي أَسْتَحْيي أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ الله ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ»، أَي لِأَنَّ ابنَتَهُ زَوْجَتِي، وَهَذَا حَيَاءُ الحِشْمَةِ.
حياء الرب عز وجل على معنى الإنعام وفضل إجابة الداعين
وَمِنْهُ حَيَاءُ الإِنْعَامِ، وَهُوَ حَيَاءُ الرَّبِّ عَلَى الوَجهِ الذي يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلّ. لَيسَ انْفِعَالًا وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ المَخْلُوقَاتِ.كَمَا جَاءَ فِى الحَدِيثِ الذي رَوَاه أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه فِي السُّنَنِ وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ مِن حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا». قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ فِي تَعلِيقِهِم عَلَى هَذَا الحَدِيثِ: «حَيِيٌّ أَي لَا يُخَيِّبُ سَائِلَهُ، يَسْتَحِي، أَي لَا يَرُدُّ، أَي مَن دَعَا اللهَ دُعَاءً حَسَنًا لَا يُرَدُّ، فَإِمَّا أَنْ يَحصُلَ لَهُ مُرَادُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُثَابَ إِن كَانَ اللهُ لَم يَشَأ أَن يَتَحَقَّقَ مَطلُوبُهُ، رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَي إِلَى جِهَةِ كَرَامَتِهِ وبَرَكاتِهِ وَهِيَ السَّمَاءُ».اهـ
أَىْ لَا يَرُدُّهُم خَائِبِينَ، إِمَّا أَن يُحَصِّلُوا مَقصِدَهُم مَعَ الثَّوَابِ، مُرَادَهُمْ مَعَ الثَّوَابِ، وَإِمَّا أَن يُحَصِّلُوا الثَّوَابَ مِن غَيرِ أَنْ يُحَصِّلُوا مُرَادُهُمُ الَّذِي طَلَبُوهُ. كَمَا أَنَّنَا نَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ، لَيسَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى سَاكِنٌ فِيهَا، بَل لِأَنَّهَا قِبلَةُ الصَّلَاةِ، فَهِيَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَنَّ لَهَا مِيزَةً وَخُصُوصِيَّةً بِسُكْنَى اللهِ فِيهَا).
25- حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
شرح سند الحديث والحياء الممدوح والمذموم
25- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ(يَعنِي عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَعَن أَبِيهِ)أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ(أَي يُعَاتِبُهُ وَيَقُولُ لَهُ:
أَنتَ بِسَبَبِ حَيَائِكَ قَد يَفُوتُكَ بَعضُ الحُقُوقِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ»(أَي شُعبَةٌ مِن شُعَبِ الإِيمَانِ، لِأَنَّهُ يَمنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ ارتِكَابِ المَعَاصِي، أَمَّا الحَيَاءُ الَّذِي يَمنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الخَيرِ وَالعِلمِ، كَأَن يَمنَعَهُ مِنَ السُّؤَالِ عَمَّا يَعنِيهِ، فَهَذَا مَذمُومٌ،
وَالحَيَاءُ مِنْهُ مَا هُوَ مَمدُوحٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ هُنَا، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَذْمُومٌ، وَأَمَّا الحَيَاءُ الْمَذمُومُ فَهُوَ مَا يَمْنَعُكَ مِنْ تَحْصِيلِ الخَيرِ، وَلَيسَ هُوَ المُرَادَ هُنَا. مِثلُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: «لَا يَستَحِي الكَبِيرُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَمَا لَا يَستَحِي أَنْ يَأْكُلَ الخُبزَ»، إِذَا تَعَلَّمَ هَذَا مَا فِيهِ مَا يَعِيبُهُ أَوْ يُنقِصُ مِنْ قَدْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ،
وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُا: «نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَياءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ»، نِسَاءُ الأَنصَارِ كُنَّ شَدِيدَاتِ الحَيَاءِ، كَانَت تَمشِي تَستُرُ عَيْنًا وَتُبْدِي عَيْنًا، تَكتَفِى بِعَينٍ وَاحِدَةٍ لِتَرَى مِنْ شِدَّةِ حَيائِهِنَّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمنَعْهُنَّ حَيَاؤُهُنَّ مِنَ التَّفَقُّهِ فِى الدِّينِ، حَيَاؤُهُنَّ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ، لَيسَ الحَيَاءَ المَذْمُومَ الَّذِي ذَمَّهُ شَرْعُ اللهِ تَعَالَى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ»، وَأَرَادَ بِالمُسْتَحِي الْمُتَّصِفَ بِهَذَا الحَيَاءِ المَذْمُومِ)
حديث ابن مسعود: معنى الاستحياء من الله حق الحياء
(روى الطبراني عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
قَالَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ للهِ، فَقَالَ: «مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ».اهـ فَالَّذِي يَستَحِي مِنَ اللهِ يَبتَعِدُ عَن مَعصِيَتِهِ وَيَعلَمُ أَنَّ اللهَ يُرَاقِبُهُ،
قصة الإمام أحمد والأبيات المؤثرة في الخشية
يَروِي ابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُ فِي حَالِهِم رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ أَحَدَ طُلَّابِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، هَذِهِ القَصَائِدُ الرِّقَاقُ الَّتِي فِي
ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون:
إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي
فَقَالَ: أَعِد عَلَيَّ، فأَعَدتُ عَلَيهِ، فَقَامَ وَدَخَلَ بَيتَهُ وَرَدَّ البَابَ، فَسَمِعتُ نَحِيبَهُ مِن دَاخِلِ البَيتِ وَهُوَ يَقُولُ:
إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي
وَتُروَى بِأَتَمَّ مِن هَذَا، فَقَد قَالَ:
إِذَا مَا قَـــــــالَ لِي رَبِّي أَمَـا استَحيَيتَ تَعصِينِي
وَتُخفِي الذَّنبَ مِن خَلقِي وَبِالـــــــعِصيَانِ تَأتِينِي
فَكَيـــفَ أُجِيبُ يَا وَيحِي وَمَن ذَا سَوفَ يَحمِينِي
أُسَلِّي النَّفسَ بِالآمَالِ مِن حِينٍ إِلَى حِينِ
وَأَنسَى مَا وَرَاءَ المَوتِ مَاذَا بَعدَ تَكفِينِي
كَأَنِّي قَد ضَمِنتُ العَيــشَ لَيسَ المَوتُ يَأتِينِي
وَجَاءَت سَكرَةُ المَوتِ الـشَدِيدَةُ مَن سَيَحمِينِي
نَظَرتُ إِلَى الوُجُوهِ فَلَيــسَ مِنهُم مَن سَيَفدِينِي
سَأُسأَلُ مَا الَّذِي قَدَّمــتُ فِي دُنيَايَ يُنجِينِي
فَكَيفَ إِجَابَتِي مِن بَعــدِ مَا فَرَّطتُ فِي دِينِي
وَيَا وَيحِي أَلَم أَسمَع كَلَامَ اللهِ يَدعُونِي
أَلَم أَسمَع لِمَا قَد جَاءَ فِي قَافٍ وَيَاسِينِ
أَلَم أَسمَع بِيَومِ الفَصــلِ يَومِ الحَشرِ وَالدِّينِ
أَلَم أَسمَع مُنَادِي المَوتِ يَدعُونِي يُنَادِينِي
فَيَا رَبَّاهُ عَبدٌ تَائِبٌ مَن ذَا سَيُؤوِينِي
سِوَى رَبٍّ غَفُورٍ وَاسِعٍ لِلحَقِّ يَهدِينِي
أَتَيتُ إِلَيكَ فَارحَمنِي وَثَقِّلْ لِي مَوَازِينِي
وَخَفِّف فِي جَزَائِيَ أَنــتَ أَرجَى مَن يُجَازِينِي
نَسأَلُ اللهَ مَغفِرَةَ الذُّنُوبِ وَحُسنَ الخِتَامِ.
الباب (18): باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾
الآية دليل على وجوب الدخول في الإسلام والتزام أركانه
الشَّرحُ: 18- بَابٌ:
﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: (أَي تَابَ الكُفَّارُ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا رَدٌّ عَلَى القَائِلِينَ بِحُرِّيَّةِ الِاعتِقَادِ وَالتَّدَيُّنِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، لَم يَقُلِ اللهُ: اترُكُوهُم وَالوَاحِدُ حُرٌّ، كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ هَذِهِ الأَيَّامَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ تَخلِيَةَ سَبِيلِهِم مَرهُونَةً بِالتَّوبَةِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَيَأتِي بَعضُ النَّاسِ وَيَقُولُ لِبَعضِ النِّسَاءِ:
أَنتُنَّ مُخَيَّرَاتٌ، وَالحِجَابُ حُرِّيَّةٌ شَخصِيَّةٌ، وَيَأتِي بَعضُ السُّفَهَاءِ فَيَقُولُ: الصَّلَاةُ أَمرٌ اختِيَارِيٌّ، إِن شِئتَ تُصَلِّي وَإِن شِئتَ لَا تُصَلِّي، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَرَبُّنَا يَقُولُ: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا
الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾.
شروط توبة الكافر وصحة الدخول في الإسلام
وَتَوبَةُ الكَافِرِ تَكُونُ بِتَركِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الكُفرِ وَالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ لِلدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، كَمَا نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ المُجتَهِدُ أَبُو بَكرٍ بنُ المُنذِرِ المُتَوَفَّى سَنَةَ 318هـ فَالمُرتَدُّ أَوِ الكَافِرُ يَصِيرُ مُسلِمًا بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَالتَّبَرُّؤِ مِمَّا يُخَالِفُهُمَا، وَلَا يَدخُلُ الكَافِرُ أَوِ المُرتَدُّ فِي الإِسلَامِ بِالِاستِغفَارِ اللِّسَانِيِّ أي بقولِ أستغفرُ اللهَ أَوِ
الصَّلَاةِ أَوِ الِاغتِسَالِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ سِوَى الشَّهَادَتَينِ.
حديث عمران: الاستغفار لا يصح إلا بعد الإسلام
رَوَى ابنُ حِبَّانَ عَن عِمرَانَ بنِ الحُصَينِ:
أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ، عَبدُ المُطَّلِبِ خَيرٌ لِقَومِهِ مِنكَ، كَانَ يُطعِمُهُمُ الكَبِدَ وَالسَّنَامَ وَأَنتَ تَنحَرُهُم، فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ
-مَعنَاهُ رَدَّ عَلَيهِ-، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَنصَرِفَ قَالَ: مَا أَقُولُ،
قَالَ: «قُلِ اللهم قِنِي شَرَّ نَفسِي وَاعزِم لِي عَلَى أَرشَدِ أَمرِي»، فَانطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَم يَكُن أَسلَمَ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ:
إِنِّي أَتَيتُكَ فَقُلتُ: عَلِّمنِي، فَقُلتَ: «قُلِ اللهم قِنِي شَرَّ
نَفسِي وَاعزِم لِي عَلَى أَرشَدِ أَمرِي»، فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسلَمتُ؟ قَالَ: «قُلِ اللهم
قِنِي شَرَّ نَفسِي وَاعزِم لِي عَلَى أَرشَدِ أَمرِي، اللهم اغفِر لِي مَا أَسرَرتُ وَمَا أَعلَنتُ وَمَا عَمَدتُ وَمَا أَخطَأتُ وَمَا جَهِلتُ»، فَالإِنسَانُ مَا دَامَ كَافِرًا لا يَجُوزُ لَهُ أَن يَقُولَ: اللهم اغفِر لِي ذَنبِي، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَّمَهُ من الأَوَّلِ
الِاستِغفَارَ اللَّفظِيَّ، وَلَكِنَّهُ لَم يُعَلِّمهُ الِاستِغفَارَ اللَّفظِيَّ إِلَّا بَعدَ أَن أَسلَمَ.اهـ).
الحديث
25- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
ترجمة الراوي وبيان معنى أمرت في الحديث
25- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ(هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرِ بنِ اليَمَانِ المَعرُوفُ بِـ المُسْنَدِيِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَطلُبُ المُسْنَدَاتِ، وَيَرغَبُ عَنِ المَرَاسِيلِ وَالمَقَاطِيعِ.
وَجَدُّهُ اليَمَانُ بنُ أَخنَس، أَحَدُ أَجدَادِ البُخَارِيِّ مِن فَوْق.
قَالَ البُخَارِيُّ: قَالَ لِي الحَسَنُ بنُ شُجَاعٍ: مِنْ أَينَ يَفُوتُكَ الحَدِيثُ وَقَد وَقَعتَ عَلَى هَذَا الكَنزِ.. مَاتَ سََنَةَ تِسعٍ وَعِشرِينَ وَمِائَتَينِ)
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ
(أَي أَمَرَنِي رَبِّي) أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ (أَيِ المُشرِكِينَ)
الجهاد رحمة بالناس وهدفه نشر دين الله
(وَالقِتَالُ بِحَقٍّ لِإِدخَالِ النَّاسِ فِي دِينِ اللهِ لَيسَ مَذمُومًا وَلَا وَحشِيَّةً كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ، النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَغزُو بِنَفسِهِ أَحيَانًا، وَكَانَ يُرسِلُ البُعُوثَ وَالسَّرَايَا لِلجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا بِنَفسِهِ سَبعَ عَشرَةَ غَزوَةً، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ،
وَالهَدَفُ الأَوَّلُ مِنَ الجِهَادِ هُوَ إِدخَالُ النَّاسِ فِي دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيسَ لِلدِّفَاعِ عَنِ النَّفسِ فَقَط، وَبِهِ أَي بِإِسلَامِ النَّاسِ صَلَاحُهُم وَفَلَاحُهُم فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَالجِهَادُ بِهَذَا المَعنَى رَحمَةٌ بِالنَّاسِ وَلَيسَ وَحشِيَّةً وَتَجَبُّرًا عَلَى النَّاسِ، وَهَذَا مَا ثَبَتَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِن ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ فَرْضٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وَلِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ أَىْ يَنْتَشِرَ الإِسْلامُ، أَىِ انْشُرُوا الإِسْلامَ بِقَدْرِ وُسْعِكُمْ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ وَبِهِ يَنْجُو الإِنْسَانُ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ.
وَهَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ العُظْمَى مِنَ الجِهَادِ،
قصة المغيرة وربعي مع رستم في القادسية
يَروِي أَهْلُ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ لَمَّا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ(جيشُ المسلمين وجيش الفرس في معركة القادسية)بَعَثَ رُسْتُمُ(وهو قائد الفرس يوم القادسية)إِلَى سَعْدٍ(وهو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان قائد المسلمين يوم القادسية وكان مجاب الدعوة)أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِمَا أَسْأَلُهُ عَنْهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعَلَ رُسْتُمُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكُمْ جِيرَانُنَا وَكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَكُفُّ الْأَذَى عَنْكُمْ، فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَلَا نَمْنَعُ تُجَّارَكُمْ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى بِلَادِنَا. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: إِنَّا لَيْسَ طَلَبُنَا الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَمُّنَا وَطَلَبُنَا الْآخِرَةُ(هذا هدفهم في الجهاد)، وَقَدْ بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ سَلَّطْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَدِنْ بِدِينِي، فَأَنَا مُنْتَقِمٌ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَأَجْعَلُ لَهُمُ الْغَلَبَةَ مَا دَامُوا مُقِرِّينَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ لَا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ إِلَّا عَزَّ. فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَمُودُهُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِهِ، فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضًا؟ قَالَ: وَإِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ. قَالَ: وَحَسَنٌ أَيْضًا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضًا؟ قَالَ: وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، قَالَ: وَحَسَنٌ أَيْضًا، قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ مِنْ عِنْدِهِ ذَاكَرَ رُسْتُمُ رُؤَسَاءَ قَوْمِهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَنِفُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، قَبَّحَهُمُ اللهُ وَأَخْزَاهُمْ، وَقَدْ أَخْزَاهُمْ.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ سَعْدٌ رَسُولًا آخَرَ بِطَلَبِهِ، وَهُوَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ زَيَّنُوا مَجْلِسَهُ بِالنَّمَارِقِ الْمُذَهَّبَةِ وَالزَّرَابِيِّ الْحَرِيرِ، وَأَظْهَرَ الْيَوَاقِيتَ وَاللَّآلِئَ الثَّمِينَةَ، وَالزِّينَةَ الْعَظِيمَةَ، وَعَلَيْهِ تَاجُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْتِعَةِ الثَّمِينَةِ، وَقَدْ جَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَدَخَلَ رِبْعِيٌّ بِثِيَابٍ صَفِيقَةٍ وَسَيْفٍ وَتُرْسٍ وَفَرَسٍ قَصِيرَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ رَاكِبَهَا حَتَّى دَاسَ بِهَا عَلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَبَطَهَا بِبَعْضِ تِلْكَ الْوَسَائِدِ، وَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَدِرْعُهُ وَبَيْضَةٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالُوا لَهُ: ضَعْ سِلَاحَكَ. فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكُمْ، وَإِنَّمَا جِئْتُكُمْ حِينَ دَعَوْتُمُونِي، فَإِنْ تَرَكْتُمُونِي هَكَذَا وَإِلَّا رَجَعْتُ. فَقَالَ رُسْتُمُ: ائْذَنُوا لَهُ. فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ فَوْقَ النَّمَارِقِ فَخَرَّقَ عَامَّتَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالَ: اللهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ قَبِلْنَا مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللهِ. قَالُوا: وَمَا مَوْعُودُ اللهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ لِمَنْ مَاتَ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَبَى، وَالظَّفَرُ لِمَنْ بَقِيَ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ وَتَنْظُرُوا؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ أَيَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ حَتَّى نُكَاتِبَ أَهْلَ رَأْيِنَا وَرُؤَسَاءَ قَوْمِنَا. فَقَالَ: فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ، فلَوْ أَسْلَمْتَ نَجَوْتَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍّ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ وَإِنْ أَبَيْتُمْ قَاتَلْنَاكُم. فَقَالَ: أَسَيِّدُهُمُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ. فَاجْتَمَعَ رُسْتُمُ بِرُؤَسَاءِ قَوْمِهِ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ قَطُّ أَعَزَّ وَأَرْجَحَ مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللهِ أَنَّ تَمِيلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَتَدَعَ دِينَكَ لِهَذَا الْكَلْبِ! أَمَا تَرَى إِلَى ثِيَابِهِ؟! فَقَالَ: وَيْلَكُمْ لَا تَنْظُرُوا إِلَى الثِّيَابِ، وَانْظُرُوا إِلَى الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ وَالسِّيرَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ يَسْتَخِفُّونَ بِالثِّيَابِ وَالْمَأْكَلِ، وَيَصُونُونَ الْأَحْسَابَ) (فَهَؤُلَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم هَدَفُهُم مِنَ الجِهَادِ نَشْرُ دِينِ اللهِ وَسَلَامَةِ المُسلِمِينَ وَإِدخَالُ النَّاسِ فِي دِينِ الإِسلَامِ،
ثبات عبد الله بن حذافة أمام طاغية الروم
وَهَذَا الصَّحَابِيُّ عَبدُ اللهِ بنُ حُذَافَةٍ السَّهمِيُّ حَصَلَتْ لَهُ قِصَّةٌ بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَى البَيهَقِيُّ عَن أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: وَجَّهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنهُ جَيشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسَرَهُ الرُّومُ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِم، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَل لَكَ أَن تَتَنَصَّرَ وَأُشِرِكُكَ فِي مُلكِي وَسُلطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبدُ الله: لَو أَعطَيتَنِي جَمِيعَ مَا تَملِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتهُ العَرَبُ، عَلَى أَن أرجِعَ عَن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرفَةَ عَينٍ مَا فَعَلتُ، قَالَ: إِذًا أَقَتُلُكَ، قَالَ: أَنتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارمُوهُ قَرِيبًا مِن يَدَيهِ وقَرِيبًا مِن رِجلَيهِ وَهُوَ يَعرِضُ عَلَيهِ، وَهُوَ يَأبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احتَرَقَت(وصلَت إِلَى الغَلَيَانِ)، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَينِ مِنَ المُسلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا فَأُلقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعرِضُ عَلَيهِ النَّصرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَن يُلقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيهِ النَّصرَانِيَّةَ فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبكَاكَ؟ قَالَ: أَبكَانِي أَنِّي قُلتُ هي نَفسٌ وَاحِدَةٌ تُلقَى هَذِهِ السَّاعَةَ فِي هَذَا القِدرِ فَتَذهَبُ، فَكُنتُ أشتَهِي أَن يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي نَفسٌ تُلقَى في هَذَا القِدْرِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَل لَكَ أَن تُقَبِّلَ رَأسِي وَأُخَلِّيَ عَنكَ؟ قَالَ عَبدُ الله: وَعَن جَمِيعِ أُسَارَى المُسلِمِينَ؟، قَالَ: وَعَن جَمِيعِ أُسَارَى المُسلِمِينَ، قَالَ عَبدُ الله: فَقُلتُ فِي نَفسِي: عَدُوٌّ مِن أَعدَاءِ الله أُقَبِّلُ رَأسَهُ ويُخَلِّي عَنِّي وَعَن أُسَارَى المُسلِمِينَ، لَا أُبَالِي، قال فَدَنَا مِنهُ وَقَبَّلَ رَأسَهُ، فَدَفَعَ إِلَيهِ الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِم عَلَى عُمَرَ فَأُخبِرَ عُمَرُ بِخَبَرِهِ، فَقَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ واحد منكم أَن يُقَبِّلَ رَأسَ عَبدِ اللهِ بنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأسَهُ) حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (وَهَذَا الحَدِيثُ المُتَوَاتِرُ يُستَفَادُ مِنهُ أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى الإِسلَامِ يَكُونُ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، وَلَيسَ كَمَا يَقُولُ بَعضُ المُجَسِّمَةِ فِي تَفسِيرِهِمُ المُخَالِفِ لِحَدِيثِ الجَارِيَةِ حَيثُ قَالُوا: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَكَمَ بِإِسلَامِهَا لِمُجَرَّدِ أَن قَالَت: اللهُ فِي السَّمَاءِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ،
النَّبِيُّ ﷺ يَحكُمُ بِإِسلَامِ الشَّخصِ بِمُجَرَّدِ هَذَا؟! لَا.
حديث الجارية وبيان خطأ تفسير المجسمة
فَمَا فِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
فَسَأَلَهُ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِى بِهَا»، فَأَتَاهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ:
«أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَيسَ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِى الْعَقِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ فِى أُمُورِ الِاعْتِقَادِ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعَقَائِدَ تُبْنَى عَلَى الْقَطْعِيَّاتِ لَا عَلَى الظَّنِّيَّاتِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ،
كذلك رِوَايَةَ: «أَيْنَ اللهُ؟»، على ظاهرها مُخَالِفَةٌ لِلأُصُولِ، لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الشَّخْصَ لا يُحْكَمُ لَهُ بِقَوْلِ: اللهُ فِى السَّمَاءِ، بِالإِسْلامِ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا الأَصْلُ الْمَعْرُوفُ فِى شَرِيعَةِ اللهِ مَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِى نَصَّ عَلَى تَوَاتُرِهِ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ وَغَيْرُهُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّ محمدا رَسُولُ اللهِ.
هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي نَشْرَحُهُ الآنَ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَدِيثَ الآحَادِ إِذَا خَالَفَ الأُصُولَ الْقَطْعِيَّةَ يُرَدُّ وَلا يُقْبَلُ، فَهُنَا كَذَلِكَ، فَتَكُونُ رِوَايَةُ: «أَيْنَ اللهُ»، شَاذَّةً مُخَالِفَةً لِلأُصُولِ، فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَفْظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ الأُخْرَى: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، إِلَى ءَاخِرِهِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلأُصُولِ فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوَّلُوهُ أَىْ أَوَّلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ تَعَارُضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ، وَأَخْذًا بِالِاعْتِبَارِ لِتَأْوِيلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، قَالُوا: مَعْنَى: «أَيْنَ اللَّهُ»، سُؤَالٌ عَنْ تَعْظِيمِهَا لِلَّهِ؛ أَىْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَهَا مَاذَا تَعْتَقِدِينَ فِى اللَّهِ مِنَ الْمَكَانَةِ، فَإِنَّ لَفْظَةَ(أَيْنَ)يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانَةِ كَمَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ:
أَيْنَ الثُرَيَّا وَأَيْنَ الثَّرَى *** وَأَيْنَ مُعَاوِي وَأَيْنَ عَلِي
وَمِنَ الْجَهْلِ الْبَيِّنِ قَوْلُ بَعْضِ الْمُجَسِّمَةِ فِى رَدِّ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا إِنَّ(أَيْنَ)يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ، إِذْ فَاتَهُمْ أَنَّ الْمَكَانَ يَعْنِى الْحَيِّزَ وَالْمَوْضِعَ كَمَا يَأْتِى بِمَعْنَى الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَكُتُبُ اللُّغَةِ وَكَلامُ الْعَرَبِ مَشْحُونَانِ بِبَيَانِ ذَلِكَ.
(السُّؤَالُ بِأَينَ عَنِ المَكَانَةِ شَىءٌ مَعرُوفٌ عِندَ العَرَبِ،
فِي لِسَانِ العَرَبِ يَقُولُ: المَكَانُ وَالمَكَانَةُ وَاحِدٌ.
فَاسْتِعْمَالَ الْمَكَانِ بِمَعْنَى الْمَكَانَةِ شَائِعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا إِدْرِيسَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلامُ فِى سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
أَىْ خَصَصْنَاهُ بِمَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ فَيَصِحُّ لِذَلِكَ السُّؤَالُ بِأَيْنَ عَنِ الْمَحَلِّ الْحِسِّىِّ وَالْمَحَلِّ الْمَعْنَوِىِّ وَعَنِ الْحَيِّزِ وَعَنِ الْمَكَانَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قَالَ أَبُو حَيَّانَ وَمَعْنَى شَرٌّ مَكَانًا أَيْ مَنزِلَةً.اهـ أَيْ عِندَ اللهِ بِمَا صَنَعتُمْ مِن ظُلمِ أَخِيكُمْ وَعُقُوقِ أَبِيكُمْ وسَرِقَتِكُمْ أَخَاكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَصبَحَ الذِينَ تَمَنَّوا مَكَانَهُ بِالأَمسِ﴾ قَالَ أَبُو حَيَّانَ:
وَمَكَانُهُ مَنزِلَتُهُ فِي الدُّنيَا مِنَ الثَّروَةِ وَالحَشَمِ وَالأَتبَاعِ.اهـ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ قَالَ أَبُو حَيَّانَ:
هِىَ المَكَانُ.اهـ
وَقَالَ ابنُ جُزَيٍّ(عَلَى مَكَانَتِهِم)المَكَانَةُ المَكَانُ وَالمَعنَى لَو نَشَاءُ لَمَسَخنَاهُم مَسْخًا يُقعِدُهُم فِى مَكَانِهِم.اهـ
فَالمَكَانُ وَالمَكَانَةُ يُستَعمَلُ كلٌّ مُنهُمَا بِمَعنَى الآخَرِ فِى المَوضِعِ الحِسِّيِّ وَفِي المَرتَبَةِ المَعنَوِيَّةِ.
العَرَبُ يَستَعمِلُونَ هَذَا بِمَعنَى هَذَا وَهَذَا بِمَعنَى هَذَا.
وَفِي نَفسِ هَذَا المَعنَى الَّذِي يُذكَرُ يُحمَلُ حَدِيثُ الجَارِيَةِ كَمَا قَالَ الحُفَّاظُ وَهَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ سَأَلَ هَذِهِ الجَارِيَةَ فَقَالَ لَهَا: أَينَ اللهُ؟ [مَعنَاهُ أَينَ مَكَانَةُ اللهِ عِندَكِ فِي التَّعظِيمِ]، فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ [مَعنَاهُ عَالِي القَدرِ جِدًّا وَلَيسَ أَنَّهُ مُنحَصِرٌ فِي السَّمَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ].اهـ)
فَقَوْلُهَا أَىْ قَوْلُ الْجَارِيَةِ: «فِي السَّمَاءِ»، مَعْنَاهُ هُوَ: عَالِى الْقَدْرِ جِدًّا؛ أَىْ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا وَهَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ، قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِىُّ وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ:
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا ***
وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا
وَحَمَلَ المُشَبِّهَةُ فِى عَصْرِنَا رِوَايَةَ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهَا كَأَسْلافِهِمْ مِنْ مُجَسِّمَةِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فَضَلُّوا وَوَقَعُوا فِى التَّنَاقُضِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا نَحْنُ لا نُأَوِّلُ بَلْ نَحْمِلُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِى الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَحَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا ثُمَّ تَنَبَّهُوا أَنَّهُمْ إِذَا حَمَلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ ذَلِكَ إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِأَنَّ السَّمَاءَ ظَرْفٌ للهِ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِيهَا فَيَتَنَاقَضُ ذَلِكَ مَعَ مَا زَعَمُوهُ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ)،
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ(أَي حَفِظُوا وَمَنَعُوا، أَي لَا تُهدَرُ دِمَاؤُهُم وَلَا تُستَبَاحُ أَموَالُهُم بَعدَ عِصمَتِهِم بِالإِسلَامِ)إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ(أَي إِلَّا إِذَا فَعَلُوا شَيئًا فِي الإِسلَامِ يُقتَلُونَ بِسَبَبِهِ، كَأَن قَتَلَ نَفسًا، أَو زَنَى وَهُوَ مُحصَنٌ، أَوِ ارتَكَبَ جِنَايَةً يُلزِمُهُ الشَّرعُ أَن يُؤَدِّيَ شَيئًا مِنَ المَالِ مُقَابِلَ ذَلِكَ)، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»(أَي أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى سَرَائِرِهِم وَضَمَائِرِهِم هَل ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ أَم لَا، وَهُوَ يُحَاسِبُهُم عَلَى ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ، أَمَّا نَحنُ فَقَد خَفِيَ عَلَينَا ذَلِكَ).
الباب 19: باب من قال: إن الإيمان هو العمل
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وَقَالَ عِدَّةٌ
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
معنى الباب: الإيمان لا يكتمل بالنطق وحده
الشَّرحُ: 19- بَابُ مَنْ قَالَ:
إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ (يُرِيدُ الإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ النُّطقَ بِاللِّسَانِ وَحدَهُ لَا يَكفِي مَا لَم يَقتَرِن بِاعتِقَادِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)
(وَفِي هَذَا قَالَ العلماء: وَيَجِبُ قَرْنُ الإِيمَانِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ ضَرُورِيٌّ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ، وَذَلِكَ أَىِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهُمَا أَقَلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِىِّ فِى النَّارِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ:
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وَإِنَّما اكْتُفِىَ فِى الْحَدِيثِ بِذِكْرِ الشَّهَادَةِ الأُولَى لِأَنَّ ذِكْرَهَا فِى هَذَا الْمَقَامِ مَلْحُوظٌ فِيهِ فِى عُرْفِ الشَّرْعِ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ)
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا (أَي أُعطِيتُمُوهَا وَصُيِّرَت لَكُم
إِرثًا، وَأَطلَقَ الإِرثَ مَجَازًا عَنِ الإِعطَاءِ لِتَحَقُّقِ الِاستِحقَاقِ)
وصف الجنة ونعيمها الدائم ومقارنتها بالدنيا
(فَالجَنَّةُ هِيَ دَارُ السَّلَامِ وَدَارُ السَّلَامَةِ مِنَ الآثَامِ وَالشُّرُورِ، هِيَ الجَزَاءُ الَّذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَمَن آمَنَ بِهِ، هِيَ المَكَانُ الَّذِي يَتَنَعَّمُ بِهِ المُتَنَعِّمُونَ، وَيُجَازَى بِهِ عِبَادُ اللهِ المُؤمِنُونَ، فَلَا يَدخُلُهَا إِلَّا مُؤمِنٌ، وَالمُؤمِنُ هُوَ مَن آمَنَ بِاللهِ
وَرَسُولِهِ) (رَوَى مُسلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُنَادِيْ مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوْتُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوْا فَلَا تَسْقَمُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوْا فَلَا تَهْرَمُوْا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوْا فَلَا تَبْأَسُوْا أَبَدًا».
وَءَاخِرُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ مِنَ المُؤمِنِينَ لَهُ مِثلُ الدُّنيَا وَعَشَرَةِ أَمثَالِهَا، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ. وَالوَاحِدُ مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ أَقَلُّ مَا يَكُونُ عِندَهُ مِنَ الوِلدَانِ المُخَلَّدِينَ عَشَرَةُ ءَالَافٍ، بِإِحدَى يَدَيْ كُلٍّ مِنهُم صَحِيفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَبِالأُخرَى صَحِيفَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، وَالأَكوَابُ جَمعُ
كُوبٍ وَهُوَ إِنَاءٌ مُستَدِيرٌ لَا عُروَةَ لَهُ أَيْ لَا أُذُنَ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ
غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾، أَيْ يَطُوفُ لِلخِدمَةِ غِلمَانٌ كَأَنَّهُم مِنَ الحُسْنِ وَالبَيَاضِ لُؤلُؤٌ مَكنُونٌ أَيْ لَم تَمَسَّهُ الأَيدِيْ.
فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ النَّعِيمَ المُقِيمَ فَلْيَتَّقِ اللهَ بِتَأدِيَتِهِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ، فَإِنَّ نَعِيمَ الدُّنيَا بِالنِّسبَةِ لِنَعِيمِ الآخِرَةِ كَلَا شَىءَ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّاْ مِثْلُ مَاْ يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ)
فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَمَعنَاهُ هَذَا البَلَلُ الَّذِي يَعلَقُ بِالإِصبَعِ مَاذَا يَكُونُ بِالنِّسبَةِ لِعِظَمِ البَحرِ؟ كَلَا شَىءَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكِمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»،
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَالسَّوطُ هُوَ الآلَةُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضَّربِ وَتَكُونُ غَالِبًا مِنَ الجِلدِ، أَيْ أَنَّ المَسَاحَةَ الَّتِي يَأخُذُهَا السَّوطُ إِذَا وُضِعَ عَلَى الأَرضِ مِنَ الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا)
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾،
(بِسَبَبِ أَعمَالِكُم، وَالمُرَادُ الإِيمَانُ)، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
مسألة محاسبة الله للعباد يوم القيامة وشرح صفة كلامه
(اللهُ تَعَالَى هُوَ يُحَاسِبُ العِبَادَ يَومَ القِيَامَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَسأَلُهُم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
:«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ وَلا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيَكُونُ الحِسَابُ بَعدَ خُرُوجِ النَّاسِ
مِن قُبُورِهِم وَحَشرِهِم إِلى المَوقِفِ بِتَكلِيمِ اللهِ لِلعِبَادِ جَمِيعِهِم مُؤمِنِهِم وَكَافِرِهِم، يَسمَعُونَ كلامَ اللهِ الذَّاتِيَّ الَّذِي لَا يُشبِهُ كَلَامَ المَخلُوقِينَ فَيَفهَمُونَ مِنهُ السُّؤالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِي أَعطَاهُمُ اللهُ إِيَّاهَا، وَهَذَا المَوقِفُ الَّذِي يَقِفُهُ العَبدُ يَومَ
القِيَامَةِ وَيَسمَعُ فِيهِ كَلَامَ اللهِ لَيسَ هُوَ كَوُقُوفِ إِنسَانٍ أَمَامَ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ بَأَن يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَينَ ذَلِكَ الْمَلِكِ مَسَافَةٌ وَمُقَابَلَةٌ بِجَهةٍ، بَل وُقُوفُ العَبدِ بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ لَيسَ بِحُصُولِ كَيفِيَّةٍ للهِ وَلَا هَيئَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم»، فَمَعْنَى:
«وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِم»، أَنَّهُ لَا يُكْرِمُهُم بَل يُهِينُهُم، ومَعْنَى «لَا يُكَلِّمُهُم» أنََّهُم لَا يَفْرَحُونَ حِينَ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ كَمَا يَفرَحُ الأَتقِيَاءُ،
أَمَّا سَمَاعُ كَلَامِهِ تَعَالَى فَهُوَ حَاصِلٌ لِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ وَلِغَيرِهِم مِنَ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ، فَالَّذِينَ يَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ حَالَ كَونِهِم مَرضِيِّينَ عِندَ اللهِ مَقبُولِينَ لَدَيهِ فَإِنَّهُ يَحصُلُ لَهُم مِن الفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يُوصَفُ، وَأَمَّا الكُفَّارُ فَإِنَّهُم لَا
يَشعُرُونَ بِأَمْنٍ بَل يُصِيبُهُم خَوفٌ عَظِيمٌ وَقَلَقٌ مَتِينٌ لَا يُوصَفُ، وَأَمَّا بَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ أَهلِ الكَبَائِرِ فَإِنَّهُم يَكُونُونَ فِي حَالَةٍ بَينَ هَؤُلَاءِ وَبَينَ هَؤُلَاءِ.
رد أهل السنة على المجسمة في صفة كلام الله
المُشَبِّهَةُ الَّذِينَ شَبَّهُوا اللهَ بِخَلقِهِ قَالُوا إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفٌ مُتَعَاقِبَةٌ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَتَخَلَّلُهُ سُكُوتٌ، فَجَعَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ، نَسَبُوا الْحُدُوثَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ مَنْ يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ فَهُوَ حَادِثٌ فَكَفَرُوا بِاللهِ العَظِيمِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ صِفَةَ اللهِ حَادِثَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ تَوَقَّفَ.اهـ وَذَلِكَ فِي إِحْدَى رَسَائِلِهِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ صَحِيحَةُ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ وَذَلِكَ فِي شَرْحِهِ عَلَى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ فِي أَوَائِلِ الْجُزْءِ الثَّانِي، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِي نِسْبَتِهَا إِلَيْهِ.
وَهَذَا دَلِيلُ فَسَادِ فَهمِهِم وَفَسَادِ عَقْلِهِم.
أَمَّا مَعنَى الآيَةِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.اهـ أَنَّ
اللهَ يُوجِدُ الأَشْيَاءَ بِدُونِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ لَهُ، أَيْ أَنَّهُ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ الَّتِي شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا بِسُرْعَةٍ بِلا تَأَخُّرٍ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَ وُجُودَهَا فِيهِ، فَمَعْنَى
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإِيْجَادِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيءٍ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَإِلَّا لَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كُلَّ الْوَقْتِ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَهَذَا
مُحَالٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ.
ثُمَّ (كُنْ)
لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَاللهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَقَبْلَ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِن قِيلَ اللهُ يَتَكلَّمُ بِلُغَةٍ وَحَرفٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللهُ سَاكِتًا قَبْلُ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ أَنَّ يَتَكَلَّمَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ الأَعْرَاضِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مُحَالٌ، وَاللَّهُ
تَعَالَى خَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا دَائِمًا كَالنُّجُومِ وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ سَاكِنًا دَائِمًا كَالسَّمَوَاتِ، وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا فِي وَقْتِ وَسَاكِنًا فِي وَقْتٍ وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ
وَالْمَلائِكَةُ وَالرِّيَاحُ وَالنُّورُ وَالظَّلامُ وَالظِّلالُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا.
وَأَمَّا مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُجَسِّمَةُ مِنْ أَنَّ اللهَ يَنْطِقُ بِالْكَافِ وَالنُّونِ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ سَفَهٌ لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا قَبْلَ إِيْجَادِ الْمَخْلُوقِ يَنْطِقُ اللهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ كَافٍ وَنُونٍ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ، وَإِنْ قَالُوا
إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِيْجَادِ الشَّيْءِ فَلا مَعْنَى لإِيْجَادِ الْمَوْجُودِ. وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الَّذِي
ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْمُجَسِّمَةِ بَشَاعَةٌ كَبِيرَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَتَفَرَّغُ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ كُنْ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَخْلُقُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ.
فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يُخَاطِبَ اللهُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا الْحَرْفِ. كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَنْطِقَ اللهُ تَعَالَى بِالْكَافِ وَالنُّونِ بِعَدَدِ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْلُقُهُ فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ اللهُ لَيْسَ لَهُ كَلامٌ إِلَّا الْكَافُ وَالنُّونُ. فَمَا أَبْشَعَ هَذَا الِاعْتِقَادَ الْمُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْبَشَاعَةِ.
ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ إِنَّ اللهَ يَخْلُقُ بِلَفْظِ كُنْ الَّذِي هُوَ لَفْظٌ مَرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ خَلْقُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ وَهَذَا مُحَالٌ، إِنَّمَا يَخْلُقُ اللهُ الْمَخْلُوقَاتِ بِقُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ الْقَدِيمِ)
التوحيد أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة
عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
(أَولُ مَا يُسأَلُ عَنهُ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ هُوَ التَّوحِيدُ،
هُوَ الإِيمَانُ، فَمَن كَانَ مُؤمِنًا سَلِمَ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَنَجَا مِنهُ، وَأَمَّا مَن لَم يَكُن مُؤمِنًا لَا يَنفَعُهُ أَيُّ عَمَلٍ عَمِلَهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، غَيرُ المُؤمِنِ لَو أَطعَمَ الفُقَرَاءَ وَتَصَدَّقَ فِيمَا يَظهَرُ لِلنَّاسِ وَأَنقَذَ مِليُونَ مُسلِمٍ مِنَ المَجَاعَةِ فَإِنَّهُ لَا
حَسَنَةَ وَاحِدَةٌ لَهُ، لَا شَيءَ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَلَا ذَرَّةَ حَسَنَةٍ)
﴿لِمِثْلِ هَٰذَا (أَي لِنَيلِ مِثلِ
هَذَا الفَوزِ العَظِيمِ وهو الجنة والفوز بها)
فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (أَي فِي الدُّنيَا).
الحديث
26- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
حرص الصحابة على أفضل الأعمال ومعنى السؤال
26- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟(هَذَا السُّؤَالُ تَكَرَّرَ فِي عَدَدٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَاختَلَفَ جَوَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حَسَبِ السَّائِلِ، وَمِمَّا قَالُوا فِي هَذَا أَنَّ مَعنَاهُ: مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ كَذَا)(وَهَذَا السُّؤَالُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَبحَثُونَ عَن أَعَالِي الدَّرَجَاتِ وَلَا يَكتفون بِالقَلِيلِ مِنَ العَمَلِ لِلآخِرَةِ، لِذَلِكَ تَجِدُ أَنَّهُ قَد رُوِيَ عَنهُم أَنَّهُم يَسأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ مِثلَ هَذِهِ الأَسئِلَةَ، فَهُم يُرِيدُونَ أَن يَعرِفُوا أَفضَلَ الأَعمَالِ المُوصِلَةَ إِلَى رِضَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَملَؤُوا أَوقَاتَهُم بِهَا، وَهَذِهِ نَظرَةُ وَعَزِيمَةُ البَاحِثِ عَن أَعَالِي المَرَاتِبِ فِي أَمرِ الآخِرَةِ.
وَقَد كَانَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ يُوصِي بِالتَّرَقِّي فِي أَمرِ الآخِرَةِ فَقَالَ: «لِيَكُنْ غَدُكُمْ خَيْرًا مِنْ أَمْسِكُمْ».
وَقَد قِيلَ:
تَزَوَّدْ لِلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ *** فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ العِبَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ *** لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ)
ترتيب الأعمال الفاضلة: الإيمان والجهاد والحج
فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»،(أَفضَلُ الأَعمَالِ عَلَى الإِطلَاقِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، هُوَ أَفضَلُ الأَعمَالِ عَلَى الإِطلَاقِ وَأَحَبُّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ)(رَوَى مُسلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»، وَمَعنَاهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤمِنٌ، وَفِي التِّرمِذِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
أَنَّهُ قَالَ: «وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ».اهـ)قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»(فِي بَعضِ الأَحَادِيثِ جَاءَ بَدَلَ الجِهَادِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ مَحمُولٌ عَلَى أَنَّ مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ بَعدَ الإِيمَانِ الجِهَادَ)، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»(أَي مَقبُولٌ).
السؤال الفقهي
مَعنَى تَبدِيلِ السَّيِّئَاتِ
السُّؤَالُ: مَا مَعنَى قَولِه ِتَعَالَى: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)
الجواب: قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [سورة الفرقان]. مَعنَاهُ إِخبَارٌ عَن فَضلِ اللهِ عَلَيهِم
وَتَوفِيقِهِ إِيَّاهُم أَنْ نَقَلَهُم مِن حَالِ الكُفرِ وَالشِّركِ إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَمِن حَالِ المَعصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ يَتَفَضَّلُ عَلَيهِم بِإِثَابَتِهِم عَلَى حَسَنَةِ التَّوبَةِ وَالإِيمَانِ وَِالطَّاعَاتِ. وَقَالَ النَّسَفِيُّ:
«فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ»
أَي يُوَفِّقُهُم لِلمَحَاسِنِ بَعدَ القَبَائِحِ أَو يَمحُوهَا بِالتَّوبَةِ وَيُثبِتُ مَكَانَهَا الحَسَنَاتِ، الإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ، وَلَم يَرِد أَنَّ السَّيِّئَةَ بِعَينِهَا حَسَنَةٌ وَلَكِنِ المُرَادُ مَا ذَكَرنَا»
اهـ. وَقَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي
«التَّفسِيرِ الكَبِيرِ»: «قَالَ الزَّجَّاجُ: السَّيِّئَةُ بِعَينِهَا لَا تَصِيرُ حَسَنَةً، وَلَكِنِ التَّأوِيلُ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُمحَى وَتُكتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوبَةِ»
اهـ. وَليَحذَر مِمَّا تَوَهَمَّهُ بَعضُ النَّاسِ وَهمًا لَم يَتَلَقَّوهُ بِطَرِيقِ التَّعَلُّمِ وَالسَّمَاعِ مِن أَهلِ
المَعرِفَةِ، فَصَدَقَ فِيهِم قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ
«فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، فَقَد تَصَوَّرُوا أَنَّ مَعنَى الآيَةِ أَنَّ الكَافِرَ الأَصلِيَّ إِن دَخَلَ فِي دِينِ الإِسلَامِ وَالمُؤمِنَ
المُذنِبَ إِن تَابَ مِن ذُنُوبِهِ تَحَوَّلَت سَيِّئَاتُهُم إِلَى حَسَنَاتٍ أَو أَنَّهُم يُثَابُونَ بِهَذِهِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ ذُو فَهمٍ، وَهِيَ دَعوَةٌ خَطِيرَةٌ لِلاستِكثَارِ مِنَ المَعَاصِي وَرَدٌّ صَرِيحٌ لِمَا دَلَّت عَلَيهِ النُّصُوصُ المُحكَمَةُ، وَقَد قَالَ النَّسَفِيُّ: «وَرَدُّ النُّصُوصِ كُفرٌ»،
وَلَا يَثبُتُ مَا رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَيَأتِيَنَّ نَاسٌ يَومَ القِيَامَةِ وَدُّوا أَنَّهُم استَكثَرُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ»، قِيلَ مَن هُم؟ قَالَ الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللهُ
سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ». قَالَ الأَلُوسِيُّ عَن هَذَا الحَدِيثِ: وَفِي كَلَامِ أَبِي العَالِيَةِ مَا هُوَ
ظَاهِرٌ فِي إِنكَارِ تَمَنِّي الاستِكثَارِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَقَد أَخرَجَ عَبدُ بنُ حُمَيدٍ عَنهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَزعُمُونَ أَنَّهُم يَتَمَنَّونَ أَن يَستَكثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ فَقَالَ:
وَلِمَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: «فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» وَكَانَ أَبُو العَالِيَةِ إِذَا أَخبَرَ بِمَا لَا يَعلَمُ قَالَ: ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ ذَلِكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ:
«يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ مَا عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَرًا وَمَا عَمِلَت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا»
وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ مَا تَلَاهُ مُنَافٍ لِمَا زَعَمُوهُ مِنَ
التَّمَنِّي بَل لَا يَوَدُّ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ أَنَّهُ استَكثَرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ لَا يَصِيرُ هَذَا. فَمَا افتَرَاهُ بَعضُ المُعَاصِرِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِن أَدعِيَاءِ المَشيَخَةِ وَالعِلمِ مِن أَنَّ المُسلِمَ
العَاصِيَ إِذَا تَابَ عَينُ مَعَاصِيهِ تَنقَلِبُ حَسَنَاتٍ، هُوَ قَولٌ سَاقِطٌ مَردُودٌ لَا يُعبَأُ بِهِ وَلَا بِقَائِلِهِ، وَهُوَ تَكذِيبٌ لِلإِسلَامِ وَتَشجِيعٌ لِلفَسَقَةِ عَلَى الإِكثَارِ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالقَتلِ وَالغَصبِ وَأكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، ثُمَّ يَقُولُونَ «نَتُوبُ فَتَنقَلِبُ مَعَاصِينَا حَسَنَاتٍ»، وَلَا يَقُولُ بِهَذَا ذُو لُبٍّ وَتَحصِيلٍ.
مختارات من الأدعية والأذكار
مَن قَرَأَ هَذَا الذِّكرَ بِمَرَضِهِ وَمَاتَ بِهَذَا المَرَضِ لَا يَمَسُّ جَسَدَهُ النَّارُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَهُ
المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
الدعاء الختامي
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَبِاسمِكَ العَظِيمِ الأَعظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلتَ بِهِ أَجَبتَ اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَءَاجِلِهِ مَا عَلِمنا مِنهُ وَمَا لَم نعلَم، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَءَاجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم، وَنَسأَلُكَ الجَنَّةَ
وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنسأَلُكَ مِمَا سَأَلَكَ بِهِ عَبدُكَ ونَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَنَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعَوَّذَ مِنهُ عَبدُكَ
وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا قَضَيتَ لَنَا مِن قَضَاءٍ فَاجعَل عَاقِبَتَهُ رَشَدًا.
اللهم اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا، اللهم مَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا، وَأَبصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا، وَاجعَلهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجعَل ثَأرَنَا
عَلَى مَن ظَلَمَنَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن عَادَانَا، وَلَا تَجعَل مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا تُسَلِّط عَلَينَا مَن لَا يَرحَمُنَا.
يَا لَطِيفًا بخَلقِهِ، يَا عَلِيمًا بخَلقِهِ يَا خَبِيرًا بخَلقِهِ الطُف بِنَا يَا لَطِيفُ يَا عَلِيمُ يَا خَبِيرُ
اللهم ارزُقنَا وَأَحبَابَنَا وَأَهلَنَا وَكُلَّ مَن سَأَلَنَا الدُّعَاءَ سُؤلَنَا مِنَ الخَيرِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ الحَبِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَى صُورَتِهِ الأَصلِيَّةِ فِي المَنَامِ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ وَكُلَّ لَيلَةٍ وَزِدنَا حُبًّا بِهِ وَاجعَلنَا مِنَ الصَّالِحِينَ الصَّابِرِينَ وَأَجِرنَا مِنَ النَّارِ وَمِن عَذَابِ القَبرِ وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ بِلَا سَابِقِ عَذَابٍ. اللهم اشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ وَيَسِّر أُمُورَنَا وَفَرِّج كُرُوبَنَا وَارزُقنَا مِن حَيثُ لَا نَحتَسِبُ وَأَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ وَتَركِ الكَسَلِ.
اللهم سَهِّل عَلَينَا تَربِيَةَ أَولَادِنَا تَربِيَةً حَسَنَةً وَاجعَلهُم مِنَ الأَولِيَاءِ الصَّالِحِينَ.
اللهم انصُرِ المُسلِمِينَ عَلَى أَعدَائِهِم فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ وَاليَمَنِ وَالعِرَاقِ وَالصِّينِ وَفِي جَمِيعِ أَنحَاءِ العَالَمِ.
اللهم ثَبِّت أَقدَامَهُم وَانصُرهُم عَلَى أَعدَائِهِم وَيَسِّر أَمرَهُم وَفَرِّج كَربَهُم وَاشفِ مَرضَاهُم وَارحَم مَوتَاهُم وَارزُقهُم مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُونَ. اللهم عَلَيكَ
بِاليَهُودِ الغَاصِبِينَ وَاجعَل كَيدَهُم فِي نَحرِهِم اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مُحَرَّرَةً وَاضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ وَأَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِهِم سَالِمِينَ
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ
يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ
ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ
مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا
إِلَيهِم.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ
يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ
ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ
مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا
إِلَيهِم.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ
وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….