صحيح البخاري (7) | كتاب الإيمان | دعاؤكم إيمانكم – أعمال تزيد الإيمان وأخرى تُضعفه

الدرس السابع — كتاب الإيمان: دعاؤكم إيمانكم، وبُنِيَ الإسلام على خمس، وباب أمور الإيمان

المقدمة

الحَمدُ للهِ العَظِيمِ فِي قَدرِهِ، العَزِيزِ فِي قَهرِهِ، العَالِمِ بِحَالِ العَبدِ فِي سِرِّهِ وَجَهرِهِ، الجَائِدِ عَلَى المُجَاهِدِ بِنَصرِهِ، وَعَلَى المُتَوَاضِعِ مِن أَجلِهِ بِرَفعِهِ، يَسمَعُ صَرِيفَ القَلَمِ عِندَ خَطِّ سَطرِهِ، وَيَرَى النَّملَ يَدُبُّ فِي فَيَافِي قَفرِهِ، وَمِن آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَمَاءُ وَالأَرضُ بِأَمرِهِ، أَحمَدُهُ عَلَى القَضَاءِ حُلوِهِ وَمُرِّهِ.

وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِقَامَةً لِذِكرِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِالبِرِّ إِلَى الخَلقِ فِي بِرِّهِ وَبَحرِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ السَّابِقِ بِمَا وَقَرَ مِنَ الإِيمَانِ فِي صَدرِهِ، وَعَلَى عُمَرَ مُعِزِّ الإِسلَامِ بَحَزمِهِ وَقَهرِهِ، وَعَلَى عُثمَانَ ذِي النُّورَينِ الصَّابِرِ مِن أَمرِهِ عَلَى مُرِّهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَصِهرِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ مَا جَادَ السَّحَابُ بِقَطرِهِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ… نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…

(3) بَابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ

هُوَ قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وَالدُّعَاءُ عَمَلٌ، فَاستَدَلَّ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنقُصُ.

يَأتِي الدُّعَاءُ فِي الشَّرعِ وَاللُّغَةِ عَلَى أَكثَرَ مِن مَعنًى، وَمِن أَعظَمِهَا أَن تَدعُوَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

فضل الدعاء وأحاديثه

وَقَد حَثَّنَا الشَّرعُ الحَنِيفُ أَن نُكثِرَ مِن دُعَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا نَقتَصِرَ فِي دُعَائِهِ عِندَ الشَّدَائِدِ فَقَط، فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»

وَفِي التِّرمِذِيِّ أَيضًا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:

«مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ العَافِيَةَ»

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ:

«إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ»

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

«مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» — أَخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

«الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»

الْعِبَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهَا الْحَسَنَاتُ؛ أَيِ الطَّاعَةُ وَالقُربَةُ إِلَى اللهِ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ:

«الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةُ»

جواز النداء بأسماء الأنبياء والصالحين

وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الشَخصَ إِذَا قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ» أَو «يَا عَلِيُّ» أَو «يَا رِفَاعِيُّ» أَو «يَا جَيلَانِيُّ»، أَنَّهُ صَارَ عَابِدًا لَهُ وَصَارَ مُشرِكًا بِاللهِ، لَا. فَقَد وَرَدَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا خَدِرَت رِجلُهُ، فَقَالَ لَهُ بَعضُ النَّاسِ: اذكُر أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ»، فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِن عِقَالٍ، أَي تَعَافَى فَورًا وَقَامَ يَمشِي، رَوَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ.

وَهَذَا لَيسَ شِركًا، وَلَيسَ مَعصِيَةً مِن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بَل هُوَ أَمرٌ جَائِزٌ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ هُوَ مَن قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ:

«إِنَّ عَبدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ»

— رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ

أوقات إجابة الدعاء ومواضعه

تُوجَدُ أَوقَاتٌ الدُّعَاءُ فِيهَا أَقرَبُ إِلَى الإِجَابَةِ كَمَا وَرَدَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ:

«جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ»

فَيُرجَى استِجَابَةُ الدُّعَاءِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ قَبلَ الصُّبحِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَفِي مَوَاطِنَ وَرَدَت فِي الشَّرعِ، كَالدُّعَاءِ عِندَ رُؤيَةِ الكَعبَةِ، عِندَ بِئرِ زَمزَمَ، فِي الطَّوَافِ، عِندَ الصَّفَا، عِندَ المَروَةِ، عِندَ الحَجَرِ الأَسوَدِ، فِي أَثنَاءِ السَّعيِ، كَذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ، وَفِي المَشعَرِ الحَرَامِ.

وَقَد ذَكَرَ العُلَمَاءُ الكِبَارُ وَالحُفَّاظُ أَنَّ قُبُورَ الصَّالِحِينَ مِن مَوَاضِعِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَكَيفَ بِقَبرِ النَّبِيِّ ﷺ؟ خَالِقُ الضَّرَرِ وَخَالِقُ النَّفعِ هُوَ اللهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَخلُقُ شَيئًا، لَكِنَّهُ مُبَارَكٌ وَأَشرَفُ الخَلقِ وَأَفضَلُ الخَلقِ وَسَيِّدُ العَالَمِينَ، وَالدُّعَاءُ عِندَ قَبرِهِ يُستَجَابُ بِإِذنِ اللهِ.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

مسألة التوسل

تعريف التوسل وأنواعه

فَلَو تَوَسَّلَ دَاعٍ إِلَى اللهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَعَ سَلَامَةِ المُعتَقَدِ أَي أَنَّهُ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ سَبَبًا فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ.

قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: وَسَلَ إِلَيهِ: تَقَرَّبَ. وَقَالَ البَغَوِيُّ: الْوَسِيلَةُ كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.اهـ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: الوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ.

فَيَظهَرُ لَنَا مِمَّا سَبَقَ أَنَّ التَّوَسُّلَ إِلَى اللهِ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيهِ، وَهَذَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ مِن بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ الوَارِدِ فِي الشَّرعِ الَّذِي لَا يُخَالِفُ الدِّينَ وَلَا يَقدَحُ فِي التَّوحِيدِ.

وَقَد يَكُونُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ أَخذًا بِالأَسبَابِ، كَحَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِم فَفَرَّجَ اللهُ عَنهُم، وَقَد يَكُونُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ الأَعمَى الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.

رد شبهة مخالفي التوسل

وَالغَرِيبُ أَنَّ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ التَّوَسُّلَ لَا يُنَازِعُونَنَا فِي التَّوَسُّلِ بِالأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يُنَازِعُونَنَا فِي التَّوَسُّلِ بِالأَعمَالِ كَحَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينِ انطَبَقَت عَلَيهِمُ الصَّخرَةُ، وَلَا يُنَازِعُونَنَا فِي التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الحَيِّ، إِنَّمَا يُنَازِعُونَنَا فِي التَّوَسُّلِ بِالذَّوَاتِ وَخَاصَّةً بَعدَ المَوتِ.

شعر الشاعر الشنقيطي في التوسل

قَالَ شَاعِرٌ شَنقِيطِيٌّ:

قَالُوا: التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ نَعُدُّهُ شِركًا، وَمَا مَنَعُوهُ بِالأَعمَالِ

قُلتُ: النَّبِيُّ أَحَبُّ مِنْ أَعمَالِنَا قَطعًا إِلَى المُتَكَبِّرِ المُتَعَالِ

ثُمَّ يُقَالُ لَهُم: أَنتُم جَوَّزتُمُ التَّوَسُّلَ بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَم تُجَوِّزُوهُ بِالذَّوَاتِ الصَّالِحَةِ خَاصَّةً ذَوَاتُ الأَنبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالأَولِيَاءِ.

نَقُولُ لَهُم: العَمَلُ، أَوِ الأَعمَالُ، أَعرَاضٌ أَم جَوَاهِرٌ؟ وَهَلِ الأَعرَاضُ تَقُومُ بِنَفسِهَا؟ هَل هُنَاكَ عَمَلٌ صَالِحٌ مِن غَيرِ صَالِحٍ؟ فَالأَعرَاضُ قَائِمَةٌ بِالجَوَاهِرِ، وَلَا يُمكِنُ انفِكَاكُ العَرَضِ عَنِ الجَوهَرِ، فَإِذَا جَازَ بِالأَعرَاضِ وَهِيَ لَا تُفَارِقُ الجَوَاهِرَ فَكَيفَ بِالجَوَاهِرِ؟

التوسل ليس عبادة للمتوسَّل به

فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِذَوَاتِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيسَ عِبَادَةً لَهُم، وَإِنَّمَا هُوَ أَخذٌ بِالأَسبَابِ. وَاللهُ يُحِبُّ مِن عِبَادِهِ الأَخذَ بِالأَسبَابِ فِي عَمَلِ الخَيرَاتِ، فَهَذَا لَا يُنَافِي مَبدَأَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى إِخبَارًا عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

وَمِن أَمثِلَةِ هَذَا فِي القُرآن:

﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾

﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾

﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾

الأسباب في الدعاء

وَكَذَلِكَ أَثبَتَ الشَّرعُ وُجُودَ الأَسبَابِ فِي الدُّعَاءِ، فَهُنَاكَ أَسبَابٌ تُقَوِّي إِجَابَةَ الدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ الَّذِي يُجِيبُ الدُّعَاءَ هُوَ اللهُ، وَقَد أَرشَدَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ:

«خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ»

— رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ

وَمِنَ الأَسبَابِ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ، فَهُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ لِحَدِيثِ أَحمَدَ فِي المُسنَدِ:

«أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»

وَكُلُّ هَذِهِ أَسبَابٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَمِن هَذِهِ الأَسبَابِ دُعَاءُ اللهِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَالأَسبَابُ إِمَّا ضَرُورِيَّةٌ، كَالأَكلِ وَالشُّربِ، وَإِمَّا غَيرُ ضَرُورِيَّةٍ، كَالتَّوَسُّلِ، وَكُلٌّ مِن جُملَةِ الأَسبَابِ. وَلَا يَعتَقِدُ المُؤمِنُ الَّذِي يَتَوَسَّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ أَنَّ اللهَ يَستَعِينُ بِهِم، بَل يَرَاهُم أَسبَابًا جَعَلَهَا اللهُ لِحُصُولِ النَّفعِ بِإِذنِهِ.

فَالَّذِي يَقُولُ: «اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِنَبِيِّكَ» أَو «بِجَاهِ نَبِيِّكَ» فَقَد سَأَلَ اللهَ، كَمَا أَنَّ الَّذِي يَقُولُ: «اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ كَذَا وَكَذَا» قَد سَأَلَ اللهَ، فَكِلَا الأَمرَينِ سُؤَالٌ مِنَ العَبدِ لِرَبِّهِ، وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ تَحتَ حَدِيثِ التِّرمِذِيِّ:

«إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ»

تعريف العبادة

أَمَّا مَن يَقُولُ عَمَّن يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ عَبَدَ النَّبِيَّ فَنَقُولُ: مَا مَعنَى العِبَادَةِ فِي لُغَةِ العَرَبِ؟! العِبَادَةُ كَمَا عَرَّفَهَا عُلَمَاءُ اللُّغَةِ كَـالسُّبْكِيِّ: أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ عِندَ شَرحِ قَولِهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئا»: أَمَّا العِبَادَةُ فَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ خُضُوعٍ.

وَأَمَّا خُلَاصَةُ مَا جَاءَ فِي مَعنَى التَّوَسُّلِ فَهُوَ: طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ أَوِ اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللهِ بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ.اهـ

فَمُجَرَّدُ التَّوَسُّلِ وَالِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ لَيسَ شِركًا، وَقَد ثَبَتَ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَمَا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ:

«مَا هَذَا؟»

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَأَيتُ أَهلَ الشَّامِ يَسجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِم وَأَسَاقِفَتِهِم، وَأَنتَ أَولَى بِذَلِكَ، فَقَالَ:

«لَا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»

وَلَم يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَفَرْتَ، وَلَا قَالَ لَهُ: أَشْرَكْتَ.

دليل حديث الأعمى على جواز التوسل

وَمِن أَصرَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ وَفَاتِهِ حَدِيثُ الأَعمَى، فَقَد أَخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ عَن عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَختَلِفُ إِلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَلَقِيَ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ فَشَكَى إِلَيهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: ائتِ المِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ ثُمَّ قُلْ:

«اللهم إنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِتُقْضَى لِي حَاجَتِي»

فَانطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ عُثمَانُ لَهُ، فَجَاءَ البَوَّابُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَأَدخَلَهُ عَلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانٍ فَقَضَاهَا لَهُ.

ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِن عِندِهِ فَلَقِيَ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا، مَا كَانَ يَنظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلتَفِتُ حَتَّى كَلَّمتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمتُهُ، وَلَكِنْ شَهِدتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَد أَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:

«أَوَ تَصْبِرْ؟»

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:

«ائتِ الِميضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَعَوَاتِ»

قَالَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ: فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ بِنَا الحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَم يَكُن بِهِ ضُرٌّ قَطُّ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ.اهـ

الحديث الثامن: بُنِيَ الإسلام على خمس

السند والمتن

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:

«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»

أعظم أمور الإسلام الخمسة

الأول: الشهادتان

شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ — وَهِيَ أَصلُ دَعَائِمِ الإِسلَامِ، مَن أَفسَدَ الشَّهَادَتَينِ كَمَنِ اعتَقَدَ خِلَافَهُمَا فَلَا يُسَمَّى مُسلِمًا. وَهَذَا مَا عَلَيهِ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ سَلَفًا وَخَلَفًا. فَهَذَا العَالِمُ الفَقِيهُ المُلَّا أَحمَدُ بنُ إِسمَاعِيلَ الكُورَانِيُّ (تُوُفِّيَ سَنَةَ 893هـ)، ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ أَنَّهُ أَوَّلُ مُعَلِّمٍ لِلسُّلطَانِ العُثمَانِيِّ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ (الَّذِي أَكرَمَهُ اللهُ بِفَتحِ القُسطَنطِينِيَّةِ). قَالَ فِي كِتَابِهِ (الدُرَرُ اللَّوَامِعُ): «إِذِ المُجَسِّمُ كَافِرٌ وَإِن صَامَ وَصَلَّى [أَي صُورَةً]» (ص327).اهـ

وَقَالَ بَعضُ المُجَسِّمَةِ الَّذِي يُسَمَّى بَيَانُ بنُ سَمعَانَ: اللهُ تَعَالَى يَفنَى كُلُّهُ إِلَّا الوَجهَ مِنهُ، وَاستَدَلَّ بِزَعمِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

وَرَدَّ عَلَيهِمُ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيُّ الحَنبَلِيُّ الأَشعَرِيُّ فِي أَكثَرَ مِن كِتَابٍ.

الثاني: إقامة الصلاة

وَإِقَامِ الصَّلَاةِ — أَي أَدَائِهَا كَمَا يَنبَغِي عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، بِأَن يُرَاعِيَ شُرُوطَهَا، وَيُرَاعِيَ أَركَانَهَا، وَأَن يُحَافِظَ عَلَيهَا فِي كُلِّ أَوقَاتِهِ وَأَحوَالِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيضًا:

«رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ»

فَهِيَ مِنْ أَظْهَرِ مَعالِمِهِ وَأَعْظَمِ شَعائِرِهِ وَأَنْفَعِ ذَخائِرِهِ، وَهِيَ بَعْدَ الشَّهادَتَيْنِ آكَدُ مَفْرُوضٍ وَأَعْظَمُ مَعْرُوضٍ وَأَجَلُّ طاعَةٍ وَأَرْجَى بِضاعَةٍ، خُضُوعٌ وَخُشُوعٌ، وَافْتِقارٌ وَاضْطِرارٌ، وَدُعاءٌ وَثَناءٌ، وَتَحْمِيدٌ وَتَمْجِيدٌ، وَتَذَلُّلٌ للهِ العَلِيِّ الْمَجِيدِ.

الثالث: إيتاء الزكاة

وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ — أَي فِي حَقِّ مَن وَجَبَت عَلَيهِ، وَعَلَيهِ أَن يَصرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا الَّتِي حَدَّدَهَا الشَّرعُ، وَلَا بُدَّ مِن تَعَلُّمِ أَحكَامِهَا. رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ:

﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾

حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ:

«يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي — وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾ — [سُورَةُ البَقَرَةِ: 43]

الرابع: الحج

وَالْحَجِّ — بِأَنَّ يُؤَدِّيَ الحَجَّ عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَعَلَّمُ المُؤمِنُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيهِ الحَجُّ أَركَانَهُ وَوَاجِبَاتِهِ وَشُرُوطَهُ وَمُحَرَّمَاتِهِ وَغَيرَ ذَلِكَ، كُلُّ هَذَا لَا سَبِيلَ لِمَعرِفَتِهِ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ مِن أَهلِ العِلمِ الثِّقَاتِ الشَّفُوقِينَ عَلَيهِ وَعَلَى دِينِهِ.

الخامس: صوم رمضان

وَصَوْمِ رَمَضَانَ — بِأَن يَصُومَ رَمَضَانَ كَمَا أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُوَ شَهرٌ عَظِيمٌ فَضلُهُ، كَثِيرٌ خَيرُهُ، عَدِيدَةٌ بَرَكَاتُهُ، فِيهِ تَنَالُ النُّفُوسُ مَطلَبَهَا، وَتَجِدُ الأَروَاحُ المُشتَاقَةُ تِريَاقَهَا. قَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ:

«هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ إِذَا لَمْ يُغْفَرَ لَهُ فِيهِ فَمَتَى»

وَكَانَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ يَقُولُ: السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ فُرُوعُهَا وَالأَيَّامُ أَغْصَانُهَا وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا وَأَنْفَاسُ الْعِبَادِ ثَمَرَتُهَا، فَشَهْرُ رَجَبٍ أَيَّامُ تَوْرِيقِهَا، وَشَعْبَانُ أَيَّامُ تَفْرِيعِهَا، وَرَمَضَانُ أَيَّامُ قَطْفِهَا، وَالْمُؤْمِنُونَ قُطَّافُهَا.

(4) بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ

هَذِهِ الأُمُورُ مِنَ الإِيمَانِ، وَهِيَ أَشيَاءُ حَسَنَةٌ يَنبَغِي فِعلُهَا. وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ — [سُورَةُ البَقَرَةِ: 177]

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ — [سُورَةُ المُؤمِنُونَ: 1]

شرح آية البر

الإيمان بالله

البِرُّ هُوَ اسمٌ لِكُلِّ خَيرٍ وَفِعلٍ مَرضِيٍّ. وَلَيْسَ الْبِرَّ مَقصُورًا عَلَى أَمرِ القِبلَةِ. وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ — أَي أَن يَعتَقِدَ الشَّخصُ اعتِقَادًا جَازِمًا أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَوجُودٌ لَا كَالمَوجُودَاتِ، وَلَا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، أَي لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ أَن نَتَذَلَّلَ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى. وَمَعرِفَتُنَا بِاللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَيسَت عَلَى سَبِيلِ الإِحَاطَةِ، بَل بِمَعرِفَةِ مَا يَجِبُ لَهُ سُبحَانَهُ وَمَا يَستَحِيلُ عَلَيهِ وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ — أَي بِمَعرِفَةِ مَا يَجِبُ لَهُ مِن صِفَاتٍ، وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ لَا يُشبِهُ ذَلِكَ، وَالخَالِقُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ وَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ.

الإيمان باليوم الآخر

وَالْيَوْمِ الآخِرِ — أَي بِمَا يَشمَلُ أُمُورَ البَعثِ وَالحَشرِ وَمَا بَعدَ ذَلِكَ.

اليَوْمُ الآخِر هُوَ اليَوْمُ الذي تَنْتَهِي فِيهِ الدُّنْيَا وَيَحْصُلُ فِيهِ البَعْثُ. وَاليَوْمُ الآخِرُ مِقْدارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَة، كَما قالَ اللهُ:

﴿إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾

﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾

وَالبَعثُ هُوَ خُرُوجُ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ بَعْدَ إِعادَةِ الأَجْسَادِ وَإِعادَةِ الأَروَاحِ إِلَى الأَجْسَادِ.

الإيمان بالملائكة

وَالْمَلائِكَةِ — أَي أَن نُؤمِنَ جَازِمِينَ بِوُجُودِ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيهِم سَلَامُ اللهِ، وهم عِبَادٌ للهِ مُكرَمُونَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِن نُورٍ، لَيسُوا ذُكُورًا وَلَيسُوا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ، وَلَا أَحَدَ يَعلَمُ عَدَدَهُم إِلَّا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ:

«أَن تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»

﴿فَالمُدَبِّرَاتِ أَمرًا﴾

﴿فَالمُقَسِّمَاتِ أَمرًا﴾

﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرقًا﴾

وَمِنهُم مَلَكُ المَوتِ:

﴿قُل يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾

وَاسمُهُ عَزرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ.اهـ

الإيمان بالكتاب والنبيين

وَالْكِتَابِ — وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَكِنْ أَشْهَرُهَا التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ أَيِ الْقُرْءَانُ. قَالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ سَبْعِينَ كِتَابًا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ.

وَالنَّبِيِّينَ — أَي أَن نُؤمِنَ جَازِمِينَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى اصطَفَى مِن بَينِ البَشَرِ جَمَاعَةً فَضَّلَهُم عَلَى سَائِرِ البَشَرِ، وَهُمُ الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، أَوَّلُهُم آدَمُ وَآخِرُهُم مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِم أَجمَعِينَ، وكُلُّهُم جَاؤُوا بِدِينٍ وَاحِدٍ هُوَ الإِسلَامُ.

إيتاء المال على حُبِّهِ

وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ — أَي مَعَ أَنَّهُ يُحِبُّ المَالَ لَكِنَّهُ يُؤثِرُ طَاعَةَ اللهِ عَلَى أَن يَحتَفِظَ بِالمَالِ لِنَفسِهِ. وَقالَ تَعَالَى:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾

رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ اتَّخَذَ حَيْسًا فَجَاءَهُ مِسْكِينٌ فَأَخَذَهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يَدْرِي هَذَا الْمِسْكِينُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنَّ رَبَّ المِسكِينِ يَعلَمُ مَا هُوَ.

وَقالَ تَعَالَى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

وَيَنبَغِي عَلَى المُوسِرِ أَن يَبحَثَ عَن حَاجَاتِ إِخوَانِهِ مِنَ المُسلِمِينَ فَيَقضِيَهَا لَهُم مِن غَيرِ تَمَنُّنٍ، بَلِ ابتِغَاءَ الأَجرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلفَقِيرِ حَقًّا مِن مَالِ الغَنِيِّ.

الوفاء بالعهود والصبر

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا — أَي يَلتَزِمُونَ بِالعَهدِ وَيُنَفِّذُونَهُ. وَأَمَرَ الشَّرعُ بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ وَنَهَى عَنِ الغَدرِ وَلَو بِكَافِرٍ، الْغَدْرُ مِنَ الْمَعَاصِى الْمُحَرَّمَةِ وَهُوَ مِنْ قِسْمِ الْكَبَائِرِ.

وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ — يَصبِرُونَ عَلَى الفَقرِ وَالمَرَضِ — وَحِينَ الْبَأْسِ — فِي الجِهَادِ. وَالصَّبرُ ثَلَاثُ أَنوَاعٍ:

صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ

وَصَبرٌ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ

وَصَبْرٌ عَلَى البَلَايَا وَالمَصَائِبِ

وَهَذِهِ الأَنوَاعُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهَا وَجَعَلَ البِشَارَةَ لأَصْحَابِهَا:

﴿وَبَشِّرِ الصابِرِين﴾

وَأَبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ: «الصّبرُ أَنْ لَا يُعْتَرَضَ عَلَى المَقْدُورِ».

خاتمة آية البر

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ — [سُورَةُ البَقَرَةِ: 177]

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ — [سُورَةُ المُؤمِنُونَ: 1]

أَي قَد فَازَ المُؤمِنُونَ، وَتِتِمَّتُهَا ﴿الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ﴾ [سُورَةُ المُؤمِنُونَ: 2]، مَعنَاهُ الإِيمَانُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ.

السؤال: معنى فوقية الله في القرآن

س: مَا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى:

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ — [سُورَةُ النَّحلِ]

ج: هَذِهِ الآيةُ مُفَسَّرَةٌ بِقَولِ اللهِ تَعَالى:

﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ — [سُورَةُ الأنعام]

أَي أَنَّهُ تَعَالى مَوصُوفٌ بِالعُلُوِّ وَفَوقِيَّةِ الرُّتبَةِ وَالعَظَمَةِ وَمُنَزَّهٌ عَنِ الكَونِ فِي المَكانِ وَعن المُحَاذَاةِ، وَتَعنِي فَوقِيَّةَ القَهرِ دُونَ المَكَانِ وَالجِهَةِ.

قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي «التَّفسِيرِ الكَبِيرِ»: «قَولُه ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مَعنَاهُ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِن أَن يُنزِّلَ عَلَيهِمُ العَذَابَ مِن فَوقِهِم». وَقَالَ: «وَقَد بَيَّنَّا بِالدَّلِيلِ أَنَّ هَذِهِ الفَوقِيَّةَ عِبَارَةٌ عَنِ الفَوقِيَّةِ بِالرُّتبَةِ وَالشَّرَفِ وَالقُدرَةِ وَالقُوَّةِ» اهـ.

مختارات من الأدعية والأذكار

دعاء نفيس يكرره صاحب الحاجة

«اللهم يَا مُيَسِّرَ كُلِّ عَسِيرٍ يَسِّرْ مُرَادِي مِنَ الخَيرِ بِفَضلِكَ الوَاسِعِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ»

الدعاء الختامي

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمدَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ وَحدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ الحَنَّانُ المَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ وَقَلبٍ لَا يَخشَعُ وَدُعَاءٍ لَا يُسمَعُ وَنَفسٍ لَا تَشبَعُ وَنعُوذُ بِكَ مِنَ الجُوعِ فَإِنَّهُ بِئسَ الضَّجِيعُ وَمِنَ الخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئسَتِ البِطَانَةُ وَمِنَ الكَسَلِ وَالبُخلِ وَالجُبنِ وَالهَرَمِ وَمِن أَن نُرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ وَمِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ القَبرِ وَمِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ قُلُوبًا أَوَّاهَةً مُخبِتَةً مُنِيبَةً فِي سَبِيلِكَ، اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ عَزَائِمَ مَغفِرَتِكَ وَمُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَالسَّلَامَةَ مِن كُلِّ إِثمٍ وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ وَالفَوزَ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.

اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الغَمِّ وَالغَرَقِ وَالهَدمِ وَنَعُوذُ بِكَ مِن أَن نَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدبِرِينَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن أَن نَمُوتَ فِي طَلَبِ الدُّنيَا.

اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ القَسوَةِ وَالغَفلَةِ وَالعِيلَةِ وَالذِّلَّةِ وَالمَسكَنَةِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفرِ وَالفُسُوقِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَالسُّمعَةِ وَالرِّيَاءِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ وَالبَكَمِ وَالجُنُونِ وَالجُذَامِ وَالبَرَصِ وَسَيِّئِ الأَسقَامِ اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن زَوَالِ نِعمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَمِن فَجأَةِ نِقمَتِكَ وَمِن جَمِيعِ سَخَطِكَ.

اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

اللهم انصُر أَهلَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ.

اللهم استَخدِمنَا وَلَا تَستَبدِلنَا.

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ.

وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ