صحيح البخاري (12) | كتاب الإيمان | الإيمان القلبي وأعمال الجوارح

صحيح الإمام البخاري

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ الشَّرَائِعَ رَحمَةً وَحِكمَةً طَرِيقًا وَسَنَنًا، وَأَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ لَا لِحَاجَتِهِ بَل لَنَا، يَغفِرُ الذُّنُوبَ لِكُلِّ مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَدَنَا، وَيُجزِلُ العَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحسِنًا، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، أَحْمَدُهُ عَلَى فَضَائِلِهِ سِرًّا
وَعَلَنًا، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرْجُو بِهَا الفَوزَ بِدَارِ النَّعِيمِ وَالْهَنَا، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي رَفَعَهُ فَوقَ السَّمَاوَاتِ فَدَنَا.

صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ بِالعِبَادَةِ رَاضِيًا بِالعَنَا، وَعَلَى عُمَرَ المُجِدِّ فِي ظُهُورِ الإِسلَامِ فَمَا ضَعُفَ وَلَا وَنَى، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي رَضِيَ بِالْقَدَرِ وَقَد حَلَّ فِي الفِنَاءِ الفَنَا، وَعَلَى عَلِيٍّ الْقَرِيبِ فِي النَّسَبِ وَقَد نَالَ المُنَى، وَعَلَى آلِهِ
وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ الأُمَنَا، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ
بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…

الباب (20): بَابٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ

الْقَتْلِ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فَإِذَا

كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.

الشَّرحُ:

مَعنَى الإِسلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ وَعَلَى الاستِسلَامِ

‌بَابٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ (أَي لَم يَكُن عَلَى المَعنَى الشَّرعِيِّ)
وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ (أَي عَلَى المَعنَى اللُّغَوِيِّ) أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ
(يُشِيرُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا لَم يَكُن إِسلَامُهُ عَلَى الحَقِيقَةِ بَل نَطَقَ
بِلِسَانِهِ الشَّهَادَتَينِ لَكِنَّهُ لَم يَعتَقِد بِقَلبِهِ ذَلِكَ، أَي كَانَ استِسلَامًا أَو خَوفًا مِنَ القَتلِ دُونَ اعتِقَادٍ فَإِنَّ هَذَا لَا يُنجِيهِ وَلَا يَنفَعُهُ، وَإِن كُنَّا نَحكُمُ عَلَيهِ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَنَا، لَكِن فِي الحَقِيقَةِ هَذَا لَا يُنجِيهِ عِندَ اللهِ)

شَرطُ صِحَّةِ الإِيمَانِ وَخَطَأُ الكَرَّامِيَّةِ

(هَذَا مَعنَاهُ أَنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَنطِقُ بِالشَّهَادَتَينِ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا، لِأَنَّهُ اعتَقَدَ خِلَافَ الحَقِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَالمُجَسِّمَةِ فَإِنَّهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ لَهُ حَدٌّ وَأَعضَاءٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَلَو نَطَقَ هَؤُلَاءِ بِالشَّهَادَتَينِ وَهُم يَعتَقِدُونَ هَذَا
الفَسَادَ فَلَا يُقَالُ عَنهُم مُؤمِنِينَ، وَلِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ:
فَلَا بُدَّ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ مِنَ الإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الِاعْتِقَادِ بِمَعْنَاهُمَا بِالْقَلْبِ وَقَدْ نَصَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ نَقَلَ الْحَافِظُ النَّوَوِيُّ الإِجْمَاعَ عَلَيْه)

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ (وَهُم جَمَاعَةٌ جَاؤُوا مِنَ البَادِيَةِ أَظهَرُوا الإِيمَانَ

خَوفًا مِنَ القَتلِ وَنَطَقُوا بِالشَّهَادَتَينِ بِأَلسِنَتِهِم وَلَم يُصَدِّقُوا بِقُلُوبِهِم حَقِيقَةً) آمَنَّا (أَي صَدَّقنَا بِقُلُوبِنَا بِحَقِّيَّةِ الإِسلَامِ)، قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (أَيِ استَسلَمنَا خَوفَ القَتلِ أَوِ السَّبيِ، أَي كَانَ إِسلَامُنَا عَلَى المَعنَى اللُّغَوِيِّ)

(نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ وَهُم قَبِيلَةٌ مِنَ الأَعرَابِ قُربَ المَدِينَةِ وَكَانُوا قَد أَظهَرُوا الإِسلَامَ فِي سَنَةٍ مُُجدِبَةٍ، فَأَفسَدُوا طُرُقَ المَدِينَةِ بِالقَذَارَاتِ وَأَغلَوا أَسعَارَهَا، وَكَانُوا يَغدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
فَيَقُولُونَ: أَتَتكَ الأَعرَابُ
بِأَنفُسِهِم عَلَى ظُهُورِ رَوَاحِلِهَا، وَجِئنَاكَ بِالأَثقَالِ وَالعِيَالِ وَلَم نُقَاتِلكَ كَمَا قَاتَلَتكَ بَنُو فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ، يَمُنُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ لِيَأخُذُوا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلَم
تَكُن قُلُوبُهُم مُطمَئِنَّةً بِالإِيمَانِ، أَظهَرُوا الإِسلَامَ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ صُورَةَ الصَّلَاةِ وَالعِبَادَاتِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ
لَم يُكشَف لَهُ أَمرُهُم إِلَّا بَعدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَأَخبَرَهُمُ اللهُ
تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّ الإِيمَانَ لَيسَ بِالقَولِ فَقَط، إِنَّمَا هُوَ بِالقَلبِ، وَلَا تَقُولُوا آمَنَّا وَلَكِن قُولُوا أَسلَمنَا، أَيِ انقَدنَا وَاستَسلَمنَا لَكُم ظَاهِرًا فَقَط، كَالمَعنَى الوَارِدِ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، أَيِ انقَادَ وَاستَسلَمَ، إِذ لَيسَ كُلُّ أَهلِ الأَرضِ مِنَ المُسلِمِينَ.

الأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ الإِسلَامَ وَالإِيمَانَ وَاحِدٌ

وَمِن أَقوَى الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الإِسلَامَ وَالإِيمَانَ شَىءٌ وَاحِدٌ لَا فَرقَ بَينَهُمَا قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ:
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *
فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قَالَ الإِمَامُ عَبدُ الرَّحمَنِ ابنُ الجَوزِيِّ فِي كِتَابِهِ زَادِ المَسِيرِ: «وَصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالإِيمَانِ وَالإِسلَامِ لِأَنَّهُ مَا مِن مُؤمِنٍ إِلَّا وَهُوَ
مُسلِمٌ».اهـ

وَقَالَ الإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ:
«وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِسلَامَ
وَالإِيمَانَ وَاحِدٌ لِأَنَّ المَلَائِكَةَ سَمَّوهُم مُؤمِنِينَ وَمُسلِمِينَ هُنَا».اهـ)،

فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
(أَي أَنَّ هَذَا هُوَ النَّافِعُ المُنجِي يَومَ القِيَامَةِ)
(فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَصَرِيحٌ فِي أَنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي رَضِيَهُ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَاحِدٌ هُوَ الإِسلَامُ، وَلَيسَ كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ فَيَقُولُونَ:
«أَديَانٌ سَمَاوِيَّةٌ»، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَدِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ، وَهُنَا نُؤَكِّدُ أَنَّ جَمِيعَ الأَنبِيَاءِ دِينُهُم هُوَ الإِسلَامُ، لَا دِينَ صَحِيحٌ إِلَّا الإِسلَامُ، كُلُّ الأَنبِيَاءِ مُسلِمُونَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾، دَلَّتِ الآيَتَانِ الكَرِيمَتَانِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الإِسلَامِيَّ هُوَ الدِّينُ الَّذِي ارتَضَاهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَبَعَثَ بِهِ كُلَّ الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوهُ لِلنَّاسِ).

الحديث

27- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا»، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ:
مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ:
«أَوْ مُسْلِمًا»، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ». وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

تَرجَمَةُ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمَنَاقِبُهُ

27- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ(قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ:
كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَقْضِي (أَي يَمُوتُ)، قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبِي فَقَالَ:
مَا يُبْكِيكَ يا بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ، قَالَ: فَلا تَبْكِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. بَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ بِالجِنَانِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، سَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الإِسْلَامِ، أَسَدٌ هَصُورٌ مِقْدَامٌ، هُوَ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. كَانَ عُمُرُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ أَسْلَمَ سَبْعَ عَشَرَة سَنَةً،

وَرَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ:(رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ كَأَنِّي فِي ظُلْمَةٍ لَا أُبْصِرُ شَيْئًا، إِذْ أَضَاءَ لِي قَمَرٌ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مَنْ سَبَقَنِي إِلَى ذَلِكَ الْقَمَرِ، فَأَنْظُرُ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَإِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَأَنِّي أَسْأَلُهُمْ: مَتَى انْتَهَيْتُمْ إِلَى هَهُنَا؟ قَالُوا:
السَّاعَةَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَقِيتُهُ فِي شِعْبِ أَجْيَادَ فَأَسْلَمتُ).

شَهِدَ سَعْدٌ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ ثَبَتُوا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ وَلَّى النَّاسُ، وَهُوَ مِنْ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى السِّتَّةِ الَّذِينَ اِسْتَخْلَفَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَمِنْ مَنَاقِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الإِسْلامِ بِسَهْمٍ، قَالَ سَعْدٌ:(إِنِّى لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ
(ثَمَرٌ يُشْبِهُ اللُّوبِيَاءَ)، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ ـ أَي يُخرِجُ كَمَا تُخرِجُ الشَّاةُ ـ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَيْضًا مَا رَوَى التِّرمِذِيُّ فِي السُّنَنِ وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ عَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ النَّبِيِّ
ﷺ: فَأَقبَلَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ.اهـ صَحَّحَهُ الحَاكِمُ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ فِي التَّلخِيصِ أَنَّ خُؤُولَةِ سَعدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ
مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ آمِنَةَ، لِأَنَّهَا مِنْ فَخِذِهِ بَنِي زُهرَةُ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَعَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ:
مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلَّا سَعْدًا، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: “ارْمِ سَعْد فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وكَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَالعُلَمَاءِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَوْلُهُ:
“اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ“، رَوَاهُ أَحمَدُ وَالحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ،

وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ وَالهَيثَمِيِّ فِي مَجمَعِ الزَّوَائِدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ: “اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ“،

فَكَانَ النَّاسُ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُمْ دَعْوَتُهُ، وَكَانَ هُنَاكَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أصَابَتْهُ دَعْوَتُهُ، مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدَةَ وَذَلِكَ عِنْدَمَا شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَن سَعدٍ فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُحسِنُ الصَّلَاةَ، فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِجَالًا يَسْأَلُونَ عَنْهُ بِالكُوفَةِ(وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ عُمَرَ يُخَوِّنُ سَعْدًا، لَا، بَلْ حَتَّى يُبَيِّنَ للنَّاسِ كَذِبَ مَنِ افْتَرَى عَلَى سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، فَكَانُوا لَا يَأْتُونَ مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ الكُوفَةِ إِلَّا قِيلَ لَهُمْ فِيهِ خَيْرٌ، حَتَّى أَتَوْا مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَعْدَةَ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ كَاذِبًا فَأَعْمِ بَصَرَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَرَّضُ لِلْإِمَاءِ فِي السِّكَكِ، فَإِذَا سُئِلَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَقُولُ: كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ)

شَرحُ الحَدِيثِ وَحُكمُ إِعطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ(الرَّهطُ هُوَ العَدَدُ مِنَ الرِّجَالِ لَا امرَأَةَ فِيهِم، مِن ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، كَانُوا مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم، وَخَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ
إِن لَم يُعطِهِم أَن يَرتَدُّوا فَأَعطَاهُم لِيَتَأَلَّفَهُم، وَكَانَ أَعطَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ أَن أَسلَمُوا، فَلَا يُتَوَهَّم جَوَازُ إِعطَاءِ الزَّكَاةِ لِغَيرِ المُسلِمِ، وَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
أَعطَى بَعضَ الكُفَّارِ رَجَاءَ إِسلَامِهِم فَهُوَ مِن أَحكَامِ النَّبِيِّ ﷺ
الخَاصَّةِ)، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ(أَي أَفضَلُهُم وَأَصلَحُهُم فِي اعتِقَادِهِ بِسَبَبِ مَا يَعرِفُهُ عَنهُ، فَقَد كَانَ يَعرِفُ حُسنَ حَالِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَن يُعطِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟(أَي مَا سَبَبُ عُدُولِكَ عَنهُ وَعَدَمِ إِعطَائِهِ)فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا»(النَّبِيُّ ﷺ لَم يُنكِر أَن يَقَالَ عَن هَذَا الإِنسَانِ
«مُؤمِنٌ»، لَكِن أَرَادَ أَن يُرشِدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَفضَلُ، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الإِيمَانَ إِنَّمَا هُوَ التَّصدِيقُ بِالقَلبِ، وَأَمرُ القَلبِ خَفِيٌّ وَلَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيهِ، وَأَمَّا الإِسلَامُ فَظَاهِرٌ حَيثُ يَنطِقُ الإِنسَانُ بِالشَّهَادَتَينِ فَنَشهَدُ لَهُ بِهِ عَلَى حَسَبِ الظَّاهِرِ)، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا»، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ(أَي مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم ضَعِيفِي الإِيمَانِ خَشيَةَ أَن يَرتَدُّوا)وَغَيْرُهُ(مِنَ الَّذِينَ لَا أَخَافُ عَلَيهِمُ الِارتِدَادَ بِسَبَبِ الدُّنيَا، فَأَكِلُهُم لِإِيمَانِهِم)أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ»(أَي خَوفًا مِن أَن يَرتَدَّ فَيَدخُلَ النَّارَ إِذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ الإِمَامَ يَتَصَرَّفُ بِأَموَالِ المَصَالِحِ عَلَى حَسَبِ المَصلَحَةِ، الأَهَمَّ فَالأَهَمَّ، لَا عَلَى أَيِّ وَجهٍ كَانَ)

(وَهَذَا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ رَحمَةَ النَّبِيِّ ﷺ
بِأُمَّتِهِ، وَمِثلُهُ مَا صَحَّ عَنْ جَابِرٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدَيَّ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.

لَقَد زَيَّنَ الله تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكَانَت جَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ أَصَابَهُ شَيءٌ مَنْ
‌رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَممَاتُهُ رَحْمَةً كَمَا قَالَ ﷺ: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ»، كَمْ مِنَ النَّاسِ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ
هِدَايَتَهُ، وَسَعَى لِهِدَايَتِهِ لَيْلَ نَهَارَ، وَهُوَ هَالِكٌ، ضَالٌّ، مُضِلٌّ، مَاتَ كَافِرًا، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَكَمْ مِنَ النَّاسِ عَادَى رَسُولَ اللهِ ﷺ
وَحَارَبَهُ، فَآمَنَ بعد ذلك وَنَجَا).

وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

فَوَائِدُ الحَدِيثِ وَشُرُوطُ صِحَّةِ الإِيمَانِ

(قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ لَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ يَكْفِي الْإِقْرَارُ، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ يَرَده إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالنُّصُوصُ فِي إِكْفَارِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذِهِ صِفَتُهُمْ، وَفِيهِ الشَّفَاعَةُ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ فِيمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْمَسْؤُولِ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ، وَفِيهِ تَنْبِيهُ الْمَفْضُولِ الْفَاضِلَ عَلَى مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَقْبَلُ مَا يُشَارُ عَلَيْهِ بِهِ مُطْلَقًا بَلْ يَتَأَمَّلُهُ فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَصْلَحَتُهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَفِيهِ الأَمرُ بِالتَّثَبُّتِ وَتَرْكِ الْقَطْعِ بِمَا لَا يُعْلَم الْقَطْعُ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَصْرِفُ الْمَالَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِأَحَدٍ بِالْجَنَّةِ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ فِيهِ نَصٌّ كَالْعَشَرَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ).

الباب (21): بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلَامُِ مِنَ الْإِسْلَامِ

وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ
لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ.

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى اسمِ البَابِ:

مَعنَى إِفشَاءِ السَّلَامِ وثلاث صفات من الإيمان

21- بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلَامُِ مِنَ الْإِسْلَامِ(أَي مِن خِصَالِ المُسلِمِ الكَامِلِ، وَمِنَ الخِصَالِ الَّتِي حَثَّ عَلَيهَا الإِسلَامُ، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: إِفْشَاءَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِإِفْشَائِهِ نَشْرُهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا).

الشَّرحُ: وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ(لِأَنَّ مَن أَنصَفَ مِن نَفسِهِ لَم يَترُك حَقًّا مِن حُقُوقِ اللهِ إِلَّا أَدَّاهُ وَلَا حَقًّا مِن حُقُوقِ العِبَادِ إِلَّا أَدَّاهُ)، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلعَالَمِ(مَن عَرَفتَ مِنهُم وَمَن لَم تَعرِف، وَهَذَا عَلَامَةٌ عَلَى حُسنِ خُلُقِ الإِنسَانِ الَّذِي يَفعَلُ ذَلِكَ)، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ(أَي أَن يُنفِقَ الإِنسَانُ مَعَ أَنَّهُ مُحتَاجٌ لِمَا يُنفِقُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَوَكُّلِ الإِنسَانِ عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَثِقَتِهِ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الكَرَمِ وَالجُودِ)(قَالَ ابنُ حَجَرٍ:
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ بْنُ سِرَاجٍ وَغَيْرُهُ:
إِنَّمَا كَانَ مَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ مُسْتَكْمِلًا لِلْإِيمَانِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَيْهَا; لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا اتَّصَفَ بِالْإِنْصَافِ لَمْ يَتْرُكْ لِمَوْلَاهُ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ إِلَّا أَدَّاهُ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ إِلَّا اجْتَنَبَهُ، وَهَذَا يَجْمَعُ أَرْكَانَ الْإِيمَانِ.

وَبَذْلُ السَّلَامِ يَتَضَمَّنُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَالتَّوَاضُعَ وَعَدَمَ الِاحْتِقَارِ، وَيَحْصُلُ بِهِ التَّآلُفُ وَالتَّحَابُبُ،

وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ يَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْكَرَمِ لِأَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ مِنَ الِاحْتِيَاجِ كَانَ مَعَ التَّوَسُّعِ أَكْثَرَ إِنْفَاقًا، وَالنَّفَقَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً، أَوْ عَلَى الضَّيْفِ وَالزَّائِرِ، وَكَوْنُهُ مِنَ الْإِقْتَارِ يَسْتَلْزِمُ الْوُثُوقَ بِاللَّهِ وَالزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَقِصَرَ الْأَمَلِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُهِمَّاتِ الْآخِرَةِ.
وَهَذَا التَّقْرِيرُ يُقَوِّي أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

28- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
«تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

شَرحُ حَدِيثِ إِطعَامِ الطَّعَامِ وَإِفشَاءِ السَّلَامِ

28- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(قُتَيبَةُ بنُ سَعِيدِ بنِ جَمِيلِ بنِ طَرِيفِ بنِ عَبدِ اللهِ أَبُو رَجَاءٍ الثَّقَفِيُّ البَلخِيُّ.
قَالَ أَبُو أَحمَدَ بنُ عَدِيٍّ: اسمُهُ يَحيَى، وَقُتَيبَةُ لَقَبٌ مَاتَ سَنَةَ أَربَعِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ ثِقَةٌ وَحَضَرتُهُ بِبَغدَادَ، وَقَد جَاءَهُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ فَسَأَلَهُ عَن أَحَادِيثَ؟ فَحَدَّثَهُ ثُمَّ جَاءَهُ أَبُو بَكرِ بنُ أَبِي شَيبَةَ وَابنُ نُمَيرٍ بِالكُوفَةِ لَيلًا وَحَضَرتُ مَعَهُمَا إِلَى الصُّبحِ. قَالَ ابنُ مَعِينٍ:
هُوَ ثِقَةٌ)قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»(فِيهِ بَيَانُ هَذَا الخُلُقِ العَظِيمِ، وَأَنَّ مَن فَعَلَ هَذَا حَازَ كَمَالَ الإِيمَانِ، وَمُرَادُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الإِيمَانَ يَقبَلُ الزِّيَادَةَ بِهَذَا العَمَلِ فَتَرتَفِعُ بِهِ دَرَجَاتُ هَذَا العَبدِ المُسلِمِ)(وَهَذِهِ مِنَ الخِصَالِ الَّتِي حَثَّ عَلَيهَا النَّبِيُّ
ﷺ فِي أَكثَرَ مِن حَدِيثٍ، وَمِن ذَلِكَ مَا رَوَى البَيهَقِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا وَرَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
المَدِينَةَ انجَفَلَ النَّاسُ إِلَيهِ، وَقِيلَ:
قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ:
فَجِئتُ فِي النَّاسِ لِأَنظُرَ إِلَيهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنتُ وَجهَهُ عَرَفتُ أَنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِوَجهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ سَمِعتُهُ يَتَكَلَّمُ أَن قَالَ:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفشُوا السَّلَامَ، وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ».اهـ).

الباب (22): بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ

الشرح: (22) بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ

مَعنَى كُفرَانِ العَشِيرِ وَأَحكَامُ الكُفرِ غَيرِ المُخرِجِ مِنَ المِلَّةِ

(فِيمَا مَضَى ذَكَرَ أَنَّ بَعضَ الطَّاعَاتِ سُمِّيَت إِيمَانًا، وَالآنَ يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ بَعضَ المَعَاصِي وَرَدَ فِي النُّصُوصِ تَسمِيَتُهَا كُفرًا وَلَم يُرَد بِهَا الكُفرُ المُخرِجُ مِنَ الإِسلَامِ، بَل يُرَادُ بِهَا غَيرُ ذَلِكَ أَيِ المَعَاصِي الكَبَائِرُ كَمَا سَيَأتِي).

(يُوجَدُ بَعضُ الذُّنُوبِ أَطلَقَ الشَّرعُ عَلَيهَا لَفظَ الكُفرِ، وَالمُرَادُ التَّشبِيهُ بِالكُفرِ، كَقَولِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُوْنَ﴾، فقَد قَالَ عَبدُ
اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِها
«إِنَّهُ لَيسَ بِالكُفْرِ الَّذِي تَذهَبُونَ إِلَيهِ،
إِنَّهُ لَيسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَمَنْ لَم يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»، أَيْ ذَنبٌ كَبِيرٌ. وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي الْمُستَدرَكِ فِي كِتَابِ التَّفسِيرِ وَصَحَّحَهُ).

قِصَّةُ ابنِ صُورِيَا وَنُزُولِ آيَاتِ المَائِدَةِ

(وَهَذِهِ الآيَةُ لَهَا سَبَبٌ فِي النُّزُولِ وَلَهَا قِصَّةٌ وَهِيَ:

رَوَى البَيهَقِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
الْمَدِينَةَ، وَقَدْ زَنَى مِنْهُمْ رَجُلٌ بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِهَذَا الرَّجُلِ وَبِهَذِهِ الْمَرْأَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ فَسَلُوهُ: كَيْفَ الْحَكَمُ فِيهِمَا؟ وَوَلُّوهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ عَمِلَ بِعَمَلِكُمْ فِيهِمَا مِنَ التَّجْبِيَةِ، وَهُوَ الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقَارٍ [يَعنِي الزِّفتَ] ثُمَّ يُسَوَّدُ وُجُوهُهُمَا ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ وَيُحَوَّلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قُبُلٍ إِلَى دُبُرِ الْحِمَارِ، فَاتَّبِعُوهُ وَصَدِّقُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلِكٌ، وَإِنْ
هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلُبَكُمُوهُ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا فَقَدْ
وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا، فَمَشَى رَسُولُ اللهِ ﷺ
حَتَّى أَتَى أَحْبَارَهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ
فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ»، فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ صُورِيَا
الْأَعْوَرَ، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ غُلَامًا شَابًّا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَأَلَظَّ بِهِ (أَلَحَّ
وَلَازَمَهُ) الْمَسْأَلَةَ رَسُولُ اللهِ
ﷺ يَقُولُ لَهُ: «يَا ابْنَ صُورِيَا، أَنْشُدُكَ اللهَ (أُذَكِّرُكَ أَو سَأَلتُكَ بِهِ مُقسِمًا عَلَيكَ) وَأُذَكِّرُكَ أَيَّامَهُ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ حَكَمَ فِيمَنْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ؟»، فَقَالَ: اللهم نَعَمْ، أَمَا وَاللهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسِدُونَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ فِي بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ ابْنُ صُورِيَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ
فِي الْكُفْرِ﴾.

فَفِيهِم نَزَلَت هَذِهِ الآيَاتُ الثَّلَاثُ الَّتِي فِي سُورَةِ المَائِدَةِ، وَهِيَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُوْنَ﴾،
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُوْنَ﴾،
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُوْنَ﴾،

فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ أَنَّ اليَهُودَ حَرَّفُوا حُكْمَ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي التَّوْرَاةِ حَيثُ حَكَمُوا عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ -هُوَ تَسوِيدُ الْوَجْهِ
بِالْحُمَمِ أَيْ بالْفَحْمِ- وَقَد أَنزَلَ اللهُ الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ فنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَاتُ
المَذكُورَةُ..

حُكمُ التَّكفِيرِ بِالحُكمِ بِغَيرِ الشَّرعِ

وَلَيسَ فِي الآيَةِ الأُولَى تَكفِيرُ الحَاكِمِ المُسلِمِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيرِ الشَّرْعِ، فَلَا يَجُوزُ تَكفِيرُ المُسلِمِ الَّذِي يَحكُمُ بِغَيرِ شَرْعِ اللهِ مِن غَيرِ أَنْ يَجْحَدَ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي قَلبِهِ أَو بِلِسَانِهِ، أَو يُفَضِّلَ حُكْمَ القَانُونِ عَلَى حُكْمِ القُرءَانِ، أَو يَستَحِلَّ تَركَ العَمَلِ
بِحُكْمِ القُرءَانِ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الأَحكَامِ العُرْفِيَّةِ الَّتِي تَعَارَفَهَا النَّاسُ فِيمَا بَينَهُم لِكَونِهَا مُوَافِقَةً لِأَهوَاءِ النَّاسِ مُتَدَاوَلَةً بَينَ الدُّوَلِ، وَهُوَ غَيرُ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّتِهَا عَلَى الحَقِيقَةِ وَلَا مُعْتَقِدٌ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يَقُولُهُ إِنَّهُ حُكْمٌ بِالقَانُونِ..

إِنَّ تَكفِيرَ المُسلِمِ أَيِ اعتِبَارَهُ خَارِجًا مِنَ الإِسلَامِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِالقَانُونِ بِلَا تَفصِيلٍ خَطَأٌ كَبِيرٌ).

فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

(قَولُ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فِيهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ»: أَي فِي هَذَا البَابِ
حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
يُشبِهُ الحَدِيثَ الَّذِي سَيَذكُرُهُ البُخَارِيُّ الآنَ، وَلَم يَذكُرهُ كَامِلًا هُنَا).

الحديث

29- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

شَرحُ حَدِيثِ «أُرِيتُ النَّارَ» وَتَأوِيلُ كُفرَانِ العَشِيرِ

29- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ(أَي أَرَانِي اللهُ النَّارَ)فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ»(أَي وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُنَّ يَكفُرنَ)

(هَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي سَمَّاهَا الشَّرعُ كُفرًا مِن بَابِ التَّشبِيهِ، وَلَيسَت مُخرِجَةً عَنِ المِلَّةِ، وَمِثلُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ في الْحَدِيثِ مِمَّا ظَاهِرُهُ تَكْفِيرُ تَارِكِ الصَّلاةِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ وَذَلِكَ كَحَدِيثِ «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ»، فَلَيْسَ مُرَادُ النَّبِيِّ ﷺ
أَنَّ الإِنْسَانَ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الصَّلاةِ يَصِيرُ كَافِرًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَافِرَ، وَذَلِكَ تَعْبِيرٌ عَنْ عُظْمِ ذَنْبِهِ حَيْثُ شَبَّهَهُ بِالْكَافِرِ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَتَارِكُهَا كَسَلًا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ الإِسْلامِ بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ
ﷺ قَالَ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ بِتَمَامِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ الأَوَّلُ رَوَاهُ مسلم والثاني رواه الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي وَعِيدِ تَارِكِ الصَّلاةِ أَنَّهُ لا نُورَ لَهُ وَلا نَجَاةَ وَلا بُرْهَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ، هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ رُؤُوسُ الكُفرِ، أَمَّا فِرعَونُ فَأَمرُهُ أَشهَرُ، وَأَمَّا هَامَانُ فَكَانَ هُوَ وَزِيرَهُ يُنَفِّذُ لَهُ أَوَامِرَهُ فِي الكُفرِ وَالمَعَاصِي، فَهُوَ رَأسٌ مِن رُؤُوسِ الكُفرِ، وَأَمَّا أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ كَانَ مِن أَشَدِّ المُشرِكِينَ مِن قُرَيشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَكَّةَ، فَتَارِكُ الصَّلَاةِ يَكُونَ مَعَهُم فِي بَعضِ مَوَاقِفِ القِيَامَةِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ عَذَابِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ دَائِمًا فِي الآخِرَةِ مَعَ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةِ الكُفرِ فِرعَونَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ.

وَهَذَا يُبَيِّنُ بَرَكَةَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقتِهَا وَالمُحَافَظَةِ عَلَيهَا وَعَدَمِ تَأخِيرِهَا وَعَدَمِ تَقدِيمِ غَيرِهَا عَلَيهَا، وَأَكثَرُ صَلَاةٍ تُحَصِّلُ أَجرًا فِي أَدَائِهَا عَلَى وَقتِهَا هِيَ صَلَاةُ العَصرِ، وَأَكثَرُهَا إِثمًا لِمَن ضَيَّعَهَا هِيَ صَلَاةُ العَصرِ أَيضًا، لِذَلِكَ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ الآيَةَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ بِهَا، وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات والصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُوْمُوا للهِ قَانِتِيْنَ﴾، بِصَلَاةِ العَصرِ، مَعَ الِاختِلَافِ فِي تَفسِيرِهَا كَذَلِكَ، وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ‌صَلَاةَ ‌الْعَصْرِ ‌فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ»، مَعنَاهُ:
مَن تَرَكَ صَلَاةَ العَصرِ عَمدًا بِلَا عُذرٍ ذَهَبَ عَلَيهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَهُ مِنَ العَصرِ إِلَى المَغرِبِ، أَي ذَهَبَ ثَوَابُ آخِرِ نَهَارِهِ، أَيِ الحَسَنَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا بَينَ العَصرِ وَالمَغرِبِ، وَلَيسَ ثَوَابَ كُلِّ اليَومِ وَلَا ثَوَابَ كُلِّ عَمَلِهِ.
فَالهَلَاكُ كُلُّ الهَلَاكِ هُوَ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ لِغَيرِ عُذرٍ عَن وَقتِهَا حَتَّى يَدخُلَ وَقتُ الصَّلَاةِ الأُخرَى، هَذَا ذَنبٌ كَبِيرٌ كَبِيرٌ)،

قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ(يَعنِي المُعَاشِرَ وَهُوَ الزَّوجُ، مَعنَاهُ يُنكِرْنَ إِحسَانَ الزَّوجِ، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ استَحَقَّ كَثِيرٌ مِنهُنَّ دُخُولَ النَّارِ)، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ(أَي يُنكِرنَ إِحسَانَ الزَّوجِ)، لَوْ أَحْسَنْتَ(أَي إِن أَحسَنتَ)إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ(أَي مُدَّةَ حَيَاتِكَ)ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا(أَي شَيئًا قَلِيلًا لَا يُوَافِقُ هَوَاهَا وَلَا يُعجِبُهَا وَلَيسَ كَمَا تُحِبُّ)قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»(أَي فِيمَا مَضَى، فَهَذَا تَفسِيرُ قَولِهِ ﷺ: «يَكفُرنَ الإِحسَانَ»، فَلَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ حَالُ المَرأَةِ أَوِ الإِنسَانِ عَلَى هَذَا، وَلَا يَنبَغِي أَن تَكُونَ هَذِهِ الخَصلَةُ فِينَا، بَل عَلَى المُسلِمِ أَن يَحفَظَ المَعرُوفَ وَالفَضلَ لِأَهلِ الفَضلِ)

آدَابُ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ وَالتَّلَطُّفُ بِالنِّسَاءِ

(هَذَا حَالُ أَغلَبِ النِّسَاءِ، وَيَنبَغِي عَلَى المَرأَةِ أَن تَعرِفَ حَقَّ زَوجِهَا فَتُؤَدِّيَهُ عَلَى أَكمَلِ وَجهٍ، وَيَنبَغِي عَلَى الرَّجُلِ أَن يَعرِفَ حَقَّ زَوجَتِهِ فَيُؤَدِّيَهُ عَلَى أَكمَلِ وَجهٍ وَلَا يُقَصِّرَ الوَاحِدُ فِي حَقِّ الآخَرِ وَيُقَدِّمَ الِاثنَانِ حُكمَ الشَّرعِ فِي حَيَاتِهِم، وَبِهَذَا يَنصَلِحُ الحَالُ وَتَخِفُّ المَشَاكِلُ الزَّوجِيَّةُ وَفِي البُيُوتِ، أَمَّا إِذَا نَظَرَ الزَّوجَانِ لِحُظُوظِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ وَقَدَّمُوا شَهوَةَ النَّفسِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خَسَارَةً وَهَلَاكًا عَظِيمَينِ، فَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ يُنكِرنَ الإِحسَانَ، وَلَيسَ كُلُّهُنَّ هَكَذَا، بَل كَثِيرٌ مِنهُنَّ، مَعَ التَّنبِيهِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَمُّ النِّسَاءِ عَلَى الإِطلَاقِ، لَا يَجُوزُ أَن يَأتِيَ شَخصٌ فَيَسُبَّ أَو يَذُمَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ، لِأَنَّ فِيهِنَّ نِسَاءً صَالِحَاتٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ، مَعَ وُجُودِ بَعضِ النِّسَاءِ فِيهِنَّ مَا فِيهِنَّ مِنَ الفَسَادِ.

فَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الرِّجَالِ حَصَلَ لَهُ مَوقِفٌ أَو أَمرٌ مَعَ إِحدَى النِّسَاءِ، سَوَاءٌ كَانَت زَوجَتَهُ أَو غَيرَهَا فَلَا يَجُوزُ أَن يَذُمَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَنبَغِي أَن يَصبِرَ الوَاحِدُ مِنَ الأَزوَاجِ أَوِ الرِّجَالِ عَلَى مَا يَجِدُهُ مِن خُلُقٍ سَيِّئٍ عِندَ بَعضِ النِّسَاءِ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ ‌مِنْهَا ‌خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
«يَفْرَكُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَيْنَهُمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ يَفرَكُهُ بِفَتحِهَا إِذَا أَبْغَضَهُ، وَالْفَرْكُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْبُغْضُ، فَهَذَا نَهْيٌ أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ أَوْ جَمِيلَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ».

فَيَنبَغِي التَّلَطُّفُ بِالنِّسَاءِ خَوفًا مِن أَن يَعصِينَ اللهَ وَيَقَعنَ بِالنُّشُوزِ، فَإِنَّ أَكثَرَهُنَّ يَكفُرنَ العَشِيرَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ، وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، ‌وَتَكْفُرْنَ ‌الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ».
قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟»، قُلْنَ:
بَلَى. قَالَ:
«فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟»، قُلْنَ: بَلَى.
قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».اهـ

وَفِي رِوَايَةٍ فِي البُخَارِيِّ: ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ:
«أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». فَقِيلَ:
امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «نَعَم، ائْذَنُوا لَهَا». فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ:
يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».

وَفِي البُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ ‌كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ».اهـ).

الباب (23): بَابٌ: الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغفِرُ

أَنْ يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

الشَّرحُ:

مَعنَى المَعَاصِي مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ وَلَا تَكفِيرَ بِغَيرِ الشِّركِ

‌بَابٌ: الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ (المُرَادُ المَعَاصِي كَبِيرُهَا وَصَغِيرُهَا مِن خُلُقِ الجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ الحَالَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيهَا النَّاسُ قَبلَ بِعثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، تِلكَ الحَالَةُ
مِن كَثرَةِ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الجَهلِ وَالجَهَالَةِ سُمِّيَت جَاهِلِيَّةً)، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا
بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ (يَعنِي إِلَّا بِالكُفرِ، يَعنِي مَن حَصَّلَ أَصلَ الإِيمَانِ وَاجتَنَبَ الشِّركَ وَارتَكَبَ المَعَاصِيَ فَلَا يَخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ بِمَا دُونَ الشِّركِ مِنَ الذُّنُوبِ)

رَدُّ عَقِيدَةِ الخَوَارِجِ فِي تَكفِيرِ مُرتَكِبِ المَعصِيَةِ

(مِنْ عَقَائِدِ أَهلِ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيهَا أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُسلِمٌ بِذَنبٍ إِنْ لَم يَستَحِلَّهُ، فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ تَكفِيرَ مَنْ يَحكُمُ بِغَيرِ شَرعِ اللهِ تَكفِيرًا مُطْلَقًا بِلَا تَفصِيلٍ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبًا مِنَ المَذَاهِبِ الإِسلَامِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِن رَأيِ الخَوَارِجِ الَّذِينَ
قَاعِدَتُهُم تَكفِيرُ مُرتَكِبِ المَعصِيَةِ. فَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ (الفَرْقِ بَينَ الفِرَقِ) وَكِتَابِهِ (تَفسِيرِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ) أَنَّ صِنْفًا مِنَ الطَّائِفَةِ
البَيْهَسِيَّةِ مِنَ الخَوَارِجِ كَانَتْ تُكَفِّرُ السُّلْطَانَ إِذَا حَكَمَ بِغَيرِ الشَّرْعِ، وَتُكَفِّرُ الرَّعَايَا مَنْ تَابَعَهُ وَمَنْ لَم يُتَابِعْهُ، كَانُوا يَقُولُونَ أَيْ طَائِفَةٌ مِنهُم: إِذَا كَفَرَ الإِمَامُ كَفَرَتِ الرَّعِيَّةُ. هَذَا يَنبَغِي بَيَانُهُ لِلنَّاسِ حَتَّى نُغلِقَ البَابَ أَمَامَ التَّكفِيرِيِّينَ الَّذِينَ
يُكَفِّرُونَ المُسلِمِينَ بِغَيرِ حَقٍّ، وَاحِدٌ مِن هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: إِنَّ المُسلِمِينَ اليَومَ لَا يُجَاهِدُونَ! ذَلِكَ أَنَّ المُسلِمِينَ اليَومَ لَا يُوجَدُونَ.اهـ هَذَا كَلَامُهُ
بِحُرُوفِهِ، وَوَاحِدٌ آخَرُ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ:
كُلُّ مَن تَحتَ السَّبعِ الطِّبَاقِ مُشرِكٌ عَلَى
الإِطلَاقِ، وَمَن قَتَلَ مُشرِكًا فَلَهُ الجَنَّةُ.اهـ وَآخَرُ مِنهُم يَغلُو فَيَقُولُ:
ذَلِكَ أَنَّ الشِّركَ اليَومَ عَمَّ البَسِيطَةَ وَأَطبَقَ عَلَى تَركِ الإِسلَامِ كُلُّ مَن فِي الأَرضِ.اهـ).

لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغفِرُ

أَنْ يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
(وَالحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَن وَقَعَ فِي
الكُفرِ يُقَالُ لَهُ: كَفَرتَ، أَمَّا مَنِ ارتَكَبَ مَعصِيَةً دُونَ الكُفرِ فَلَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ، فَالحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ المَعَاصِيَ مِن أَخلَاقِ الجَاهِلِيَّةِ، وَالآيَةُ بَيَّنَت أَنَّ مَنِ ارتَكَبَ المَعَاصِيَ وَمَاتَ
عَلَى الإِيمَانِ فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ، وَقَد يَغفِرُ اللهُ لَهُ هَذِهِ الذُّنُوبَ، أَمَّا مَن مَاتَ عَلَى الكُفرِ فَإِنَّ اللهَ لَا يَغفِرُ لَهُ ذَلِكَ)

الشِّركُ وَحدَهُ لَا يُغفَرُ وَحُكمُ الدُّعَاءِ لِلكَافِرِ

(وَمِن هَذِهِ الآيَةِ يُعلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ لِلْكَافِرِ الْحَىِّ اللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ إِنْ قَصَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ إِلَى الْموْتِ لِأَنَّ هَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾،

فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ جَاءَتِ امرَأَةٌ مِنْ سَبَايَا طَيِّئٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ
فَقَالَت: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ رَأَيتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنَّا وَلَا تُشَمِّتَ بِي أَحيَاءَ العَرَبِ، فَإِنِّي ابنَةُ سَيِّدِ قَومِي، وَإِنَّ أَبِي كَانَ يَحمِي الذِّمَارَ (الذِّمَارُ:
مَا يَلزَمُكَ حِفْظُهُ وَحِمَايَتُهُ وَالذَّودُ عَنهُ كَالأَهلِ وَالعِرضِ وَالشَّرَفِ وَالمُلكِ. وَيَحمِي:
أَي يُدَافِعُ وَيَذُودُ وَيَحُوطُ وَيَمنَعُ) وَيَفُكُّ العَانِيَ، وَيُشبِعُ الجَائِعَ، وَيكسُو العَارِيَ، وَيَقرِي الضَّيفَ، وَيُطعِمُ الطَّعَامَ، وَيُفشِي السَّلَامَ، وَلَا يَرُدُّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، أَنَا ابنَةُ حَاتِمِ طَيِّئٍ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ: «يَا جَارِيَةُ، لَوْ كَانَ أَبُوْكِ مُسْلِمًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيِهِ». فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّحمَةَ بَعدَ المَوتِ تَشمَلُ المُؤمِنِينَ فَقَط، وَلَا رَحمَةَ لِكَافِرٍ بَعدَ المَوتِ.اهـ

وَمِن هُنَا يُعلَمُ أَيضًا أَنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَىْ أَعْظَمَ الْفَرَائِضِ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ بِهَا هُوَ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ، لِأَنَّ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ هُوَ أَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمـَنْ يَشَاءُ قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ
تَوْبَةٍ أَيْضًا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لا يَغْفِرُهَا اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
فَالشَّرْطُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِى الآيَةِ لِامْتِنَاعِ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ هُوَ وَفَاتُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّهَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِرًا لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْكُفْرُ شِرْكًا أَمْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ مِمَّنْ يَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنِ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَمْ لمْ يَكُنْ كَذَلِكَ
فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ مَحْرُومٌ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.

وَالشِّرْكُ هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى فَكُلُّ شِرْكٍ كُفْرٌ وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ شِرْكًا).

الحديث

30- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ:
لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».

الشَّرحُ:

الحديث

30- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ:
لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ (هُوَ اسمُ نَاحِيَةٍ) وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ (هُمَا ثَوبَانِ أَعلَى وَأَسفَلُ) وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ
(أَي مِثلُهَا، فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ، لِأَنَّ العَادَةَ جَرَت عَلَى أَن لَا يَكُونَ ثَوبُ الشَّخصِ كَثَوبِ خَادِمِهِ)، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا (أَي فِي يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ)
فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ:
«يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟
(استِفهَامُ إِنكَارٍ وَتَوبِيخٍ، لَيسَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
يَنتَظِرُ جَوَابًا مِن أَبِي ذَرٍّ، بَل مَعنَاهُ:
لَا يَنبَغِي أَن تَفعَلَ ذَلِكَ)

شَرحُ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَسَالِيبُ الاستِفهَامِ البَلَاغِيَّةِ

(لَيسَ مُرَادُهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُجِيبَهُ عَلَى سُؤَالِهِ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا استِفهَامُ إِنكَارٍ وَتَوبِيخٍ فَالعِبَارَةُ أَحيَانًا تَرِدُ عَلَى صِيغَةِ السُّؤَالِ وَيُرَادُ مِنهَا التَّنبِيهُ أَوِ التَّقرِيرُ وَغَيرُ ذَلِكَ، مِثلُ مَا وَرَدَ عَن سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَد
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ
وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ
كَانَ يَعرِفُ أَنَّهُم يَعبُدُونَ الأَصنَامَ، إِذًا مَا فَائِدَةُ سُؤَالِهِم؟ مَا فَائِدَةُ سُؤَالِهِ؟ لَيسَ حَتَّى يَقُولُوا لَهُ:
نَحنُ نَعبُدُ الأَصنَامَ، فَهُوَ يَعرِفُ حَالَهُم، أَيُّ بَلَاغَةٍ فِي هَذَا، وَالقُرآنُ أَعلَى البَلَاغَةِ، قَولُهُ:
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، كَانَ سُؤَالُهُ لِتَبكِيتِهِم، يَعنِي مَا هَذَا الَّذِي تَعبُدُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، مَا سَأَلَهُم حَتَّى يَقُولُوا نَعبُدُ الأَصنَامَ، فَهُوَ يَعلَمُ حَالَهُم وَمَا يَعبُدُونَ، فَإِنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَم يَسأَل لِيُجِيبُوهُ أَنَّهُم
كُفَّارٌ يَعبُدُونَ الأَصنَامَ، إِنَّمَا سَأَلَهُم لِتَبكِيتِهِم، لَكِن هُم مِن شِدَّةِ تَكَبُّرِهِم أَجَابُوا بِأَوسَعَ مِمَّا سَأَلَ عَنهُ كَمَا قَالَ المُفَسِّرُونَ، أَي أَنَّهُ سَأَلَهُم: أَلَيسَ مَا تَعبُدُونَهُ حِجَارَةً
وَخَشَبًا وَمَعَادِنَ قَد صَوَّرتُمُوهَا بِأَيدِيكُم وَنَقَشتُمُوهَا أَنتُم وَأَثَّرتُم فِيهَا؟ فَكَيفَ تَعبُدُونَهَا؟

فَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى جَوَازِ سُؤَالِ الكَافِرِ عَن دِينِهِ لِيُجِيبَ بِالكُفرِ، هَذِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
فَهُوَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَذُمُّهُم عَلَى عِبَادَتِهِم لَهَا، فَإِنَّ المَعبُودَ يُعبَدُ لِفِعلٍ يَكُونُ مِنهُ إِلَى مَن يَعبُدُهُ، إِلَى العَابِدِ، أَمَّا أَن يَعبُدَ الشَّخصُ مَا يَفعَلُهُ هُوَ فَلَا يُقبَلُ كَمَا قَالَهُ المَاتُرِيدِيُّ فِي تَفسِيرِهِ، لِذَلِكَ سَأَلَهُم، أَي أَنتُم تَعبُدُونَ شَيئًا
تَصنَعُونَهُ أَنتُم فَكَيفَ تَعبُدُونَهُ؟ هَذَا لَا يَستَحِقُّ العِبَادَةَ، هَذَا أَنتُم تَصنَعُونَهُ، مَا سَأَلَهُم حَتَّى يَقُولُوا:
نَعبُدُ أَصنَامًا، قَالَ المَاتُرِيدِيُّ:
يُسَفِّهُهُم وَيَعِيبُ عَلَيهِم لِعِبَادَتِهِم مَا يَنحِتُونَ هُم بِأَيدِيهِم وَيَترُكُونَ عِبَادَةَ مَن خَلَقَهُم وَخَلَقَ أَعمَالَهُم.
لِذَلِكَ صَرَّحَ فِي ذَمِّهِم فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا
تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، فَإِنَّهُ نَصٌّ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ فِي أَنَّ سُؤَالَ سَيِّدِنَا
إِبرَاهِيمَ لَم يَكُن لِيُجِيبَهُ قَومُهُ بِجَوَابِ كُفرٍ، وَإِنَّمَا كَانَ إِنكَارًا لَهُم وَإِظهَارًا لِفَسَادِ دِينِهِم وَعِبَادَتِهِم.

وَلَا يُستَنكَرُ مِثلُ هَذَا الأُسلُوبِ مِنَ الكَلَامِ عِندَ أَهلِ المَعرِفَةِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ اللُّغَةِ جَعَلُوا لِلِاستِفهَامِ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، مِنهَا الإِنكَارُ وَالتَّوبِيخُ وَالتَّعَجُّبُ وَالعِتَابُ وَالتَّهوِيلُ وَالتَّخوِيفُ وَالتَّهدِيدُ وَالوَعِيدُ وَالتَّنبِيهُ وَالنَّهيُ وَالتَّحقِيرُ وَالِاستِبعَادُ
وَالتَّهَكُّمُ وَالِاستِهزَاءُ وَغَيرُ ذَلِكَ.

وَلِذَلِكَ قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي تَفسِيرِهِ:
استِفهَامٌ بِمَعنَى التَّقرِيرِ، أَي أَنَّهُ كَانَ يَعلَمُ مَا
يَعبُدُونَ، وَإِنَّمَا سَأَلَ لِتَقرِيرِ الحُجَّةِ لِيُقَرِّرَ الحُجَّةَ عَلَيهِم.

وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي البَحرِ المُحِيطِ:
استِفهَامٌ بِمَعنَى التَّحقِيرِ وَالتَّقرِيرِ
(أَي تَقرِيرِ الحُجَّةِ عَلَيهِم)، وَالمُرَادُ بِالتَّقرِيرِ عِندَ أَهلِ البَلَاغَةِ هُوَ الإِقرَارُ وَالتَّوكِيدُ، لَا طَلَبُ الجَوَابِ، لَا يَسأَلُهُم وَيُرِيدُهُم أَن يُجِيبُوا.

وَقَالَ البَيضَاوِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: سَأَلَهُم لِيُرِيَهُم أَنَّ مَا يَعبُدُونَهُ لَا يَستَحِقُّ العِبَادَةَ.

وَقَالَ الرَّازِيُّ: فَقَالَ لَهُم:
مَا تَعبُدُونَ؟ وَكَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَعلَمُ أَنَّهُم
عَبَدَةُ أَصنَامٍ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُم لِيُرِيَهُم أَنَّ مَا يَعبُدُونَهُ لَيسَ مِنَ استِحقَاقِ العِبَادَةِ فِي شَيءٍ.

وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الوَاحِدِيُّ فِي الوَسِيطِ:
هَذَا استِفهَامُ تَوبِيخٍ، كَأَنَّهُ وَبَّخَهُم عَلَى
عِبَادَةِ الأَصنَامِ)

حُقُوقُ الخَادِمِ وَالمُسَاوَاةُ الإِسلَامِيَّةُ وَفَوَائِدُ الحَدِيثِ

إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ (أَي إِنَّكَ فِي تَعيِيرِهِ بِأُمِّهِ عَلَى خُلُقٍ مِن أَخلَاقِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلَستَ جَاهِلِيًّا مَحضًا، ولَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ هَذَا الصَّحَابِيَّ كَفَرَ، بَل هَذَا فِيهِ تَعلِيمٌ لِأَبِي
ذَرٍّ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ وَضِيعُ القَدرِ، بَل قَدرُهُ عَالٍ رَفِيعٌ)، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ
(خَدَمُكُم أَو عَبِيدُكُمُ الَّذِينَ يَتَخَوَّلُونَ الأُمُورَ ويُصلِحُونَهَا هُم إِخوَانُكُم فِي الإِسلَامِ، وَقَدَّمَ
«إِخوَانَكُم» تَنبِيهًا عَلَى أَهَمِّيَّةِ ذَلِكَ)، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ
(هَذَا مَجَازٌ عَنِ القُدرَةِ أَوِ المِلكِ، أَي مَلَّكَكُمُ اللهُ إِيَّاهُم بِفَضلِهِ)، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ (أَيِ العَمَلَ
الشَّاقَّ الَّذِي تَعجِزُ قُدرَتُهُم عَنهُ)، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ (أَيِ العَمَلَ الشَّاقَّ الَّذِي يَغلِبُهُم)
فَأَعِينُوهُمْ» (لَا تَترُكُوهُم يَعمَلُونَ وَحدَهُم، بَل أَعِينُوهُم عَلَيهِ) (وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ
النَّهيُ عَن سَبِّ العَبِيدِ وَمَن فِي مَعنَاهُم، وَالنَّهيُ عَن تَعيِيرِهِم بِآبَائِهِم، وفِيهِ الحَثُّ عَلَى الإِحسَانِ إِلَى الخَدَمِ وَالعَبِيدِ والرِّفقِ بِهِم، وفِيهِ بَيَانُ أَنَّ التَّفَاضُلَ الحَقِيقِيَّ بَينَ المُسلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّقوَى، فَلَا يُفِيدُ الشَّرِيفَ النَّسَبِ نَسَبُهُ إِذَا لَم يَكُن مِن أَهلِ التَّقوَى).

السُّؤَالُ الفِقهِيُّ

لا يجوز الاستغفار للكافر

السؤال: ما معنى استغفار إبراهيم لأبيه الوارد في القرآن؟

الجواب: قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ
وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [سورة التوبة]
مَعنَى استِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ الَّذِي كَانَ كَافِرًا وَهُوَ عَلَى كُفرِهِ، أَن يَطلُبَ مِنَ اللهِ المَغفِرَةَ لِأَبِيهِ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ لِأَنَّ الإِسلَامَ كَفَّارَةُ الكُفرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}
[سورة الأنفال]
وَانتِهَاؤُهُم يَكُونُ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، وَالدُّخُولُ فِي الإِسلَامِ يَكُونُ بِالشَّهَادَتِينِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحمَلُ قَولُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيهِ الإِسلَامُ فَأَبَى: «لَأَستَغفِرَنَّ لَكَ مَا لَم أُنْهَ عَنكَ» أَي أَطلُبُ لَكَ مِنَ اللهِ الهِدَايَةَ لِلإِسلَامِ فيُغفَرُ لَكَ بِالإِسلَامِ ، أَي مَا لَم يُوحِ اللهُ إليَّ أَنَّكَ
تَمُوتُ كَافِرًا.

قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي «التَّفسِيرِ الكَبِيرِ» مَا نَصُّهُ: «المُرَادُ مِنَ استِغفَارِ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ دُعَاؤُهُ لَهُ إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: آمِن حَتَّى تَتَخَلَّصَ مِنَ
العِقَابِ وَتَفُوزَ بِالغُفرَانِ، وَكَانَ يَتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ –
يَدعُو لِوَالِدِهِ – فِي أَن يَرزُقَهُ
الإِيمَانَ الَّذِي يُثبِتُ لَهُ المَغفِرَةَ، فَهَذَا هُوَ الاستِغفَارُ، فَلَمَّا أَخبَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَمُوتُ مُصِرًّا عَلَى الكُفرِ، تَرَكَ تِلكَ الدَّعوَةَ».اهـ

مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ

لِقَضَاءِ الدَّينِ

عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
افتَقَدَهُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ
أَتَى مُعَاذًا فَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَاذُ، مَا لِي لَم أَرَكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِيَهُودِيٍّ عَلَيَّ أُوقِيَّةٌ مِن تِبرٍ فَخَرَجتُ إِلَيكَ فَحَبَسَنِي عَنكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا مُعَاذُ،
أَلَا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدعُو بِهِ فَلَو كَانَ عَلَيكَ مِنَ الدّينِ مِثلُ جَبَلِ صَبِرٍ أَدَّاهُ اللهُ عَنكَ -وَصَبِرٌ جَبَلٌ بِاليَمَنِ-
فَادعُ بِهِ يَا مُعَاذُ قُلِ:

اللهم مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ، وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ، وتُولِجُ
النَّهَارَ فِي اللَّيلِ، وَتُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، وَتُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، وَتَرزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ رَحمَنَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، تُعطِي مَن تَشَاءُ مِنهُمَا، وتَمنَعُ مَن تَشَاءُ، ارحَمنِي رَحمَةً تُغنِيني بِهَا عَن رَحمَةِ مَن سِوَاكَ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ.

الدعاء الختامي

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ

اللهم بِعِلمِكَ بِحَالِنَا وَقُدرَتِكَ عَلَى إِصلَاحِنَا وَرَحمَتِكَ أَتمِم عَلَينَا نِعمَتَكَ وَأَنلنا رِضَاكَ وَرَحمَتَكَ وَأَجزِل نَصِيبَنَا مِن جَزِيلِ لُطفِكَ.

اللهم بِجَاهِ هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ وَفِّقنَا لِلعَمَلِ بِمُوجِبَاتِ رِضَاكَ وَلَا تَحرِمنَا عَطَاءَكَ وَلَا تُوَلِّنَا أَحَدًا غَيرَكَ وَلَا تَحرِمنَا خَيرَكَ يَا مَن خَيرَيِ الدُّنيَا
وَالآخِرَة فِي خَزَائِنِهِ وَأَهلُ السَّمَوَات وَالأَرضِ مُفتَقِرُونَ لِرَحمَتِهِ.

اللهم إِنَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَأَسَأنَا فِي مُعَامَلَتِنَا وَقَد نَدِمنَا عَلَى قُبحِ مَا فَعَلنَا وَارتَكَبنَا، وَبَدَا لَنَا سَيِّئَاتُ مَا كَسَبنَا. اللهم اغفِر لَنَا مَغفِرَةً مِن عِندِكَ يَحسُنُ لَنَا بِهَا تَوفِيقُكَ وَتَكشِفُ بِهَا عَنَّا عَذَابَكَ وَتُغَشِّينَا بِهَا رَحمَتَكَ يَا مَن أَظهَرَ الجَمِيلَ وَسَتَرَ القَبِيحَ وَلَم يُؤَاخِذ بِالجَرِيرَةِ وَلَم يَهتِكِ السَّرِيرَةَ.

اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

اللهم الطُف بِالمُسلِمِينَ فِي شَتَّى بِقَاعِ الأَرضِ وَوَحِّد كَلِمَتَهُم وَانصُرهُم عَلَى أَعدَاءِ الدِّينِ،

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ.

وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطيبين وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….