المحتويات
- المقدمة
- (39) بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ
- (40) بَابٌ
- (41) بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
- سُؤَالٌ فِقهِيٌّ
- أَذكَارٌ: يُقَالُ لِرُؤيَةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ ﷺ فِي المَنَامِ:
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الْحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذ وَلَدًا، وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلكِ، وَخلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ، وَلَهُ الْحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ البَشِيرُ النَّذِيرُ، الدَّاعِي إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ، السِّرَاجُ الْمُنِيرُ، أَرْسلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ الْمُشْركُونَ.
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعظَمَ عَلَينَا الْمِنَّةَ بِالْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَوَفَّقَنَا بِفَضلِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَعَصَمَنَا بِرَحمَتِهِ مِنَ الِابتِدَاعِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلَحظَةٍ عَلَى دَوَامِ الْأَبَدِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحتَ الْعَدَدِ، وَلَا يَنْقَطِعُ عَنهُ المَدَدُ، وَعَلَى إِخوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَصْحَابِهِ وَعِترَتِهِ، وَعََلَى مُتَّبِعِي سُنَّتِهِ، وَأَهلِ إِجَابَةِ دَعوَتِهِ بِمَنِّهِ وَفَضلِهِ وَسَعَةِ رَحمَتِهِ. أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
(39) بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ
ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ﴾.
الشَّرحُ:
(39) بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ (أَي وَقتِهَا، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: هو تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ فِي السُّؤَالِ مَتَى السَّاعَةُ؟ أَيْ: مَتَى عِلْمُ السَّاعَةِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ آخَرَ، أَيْ: مَتَى عِلْمُ وَقْتِ السَّاعَةِ؟)، وَبَيَانِ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: مَعَ بَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ دِينٌ) النَّبِيِّ ﷺ لَهُ: (أَرَادَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي هَذَا البَابِ أَن يُبَيِّنَ أَنَّ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ مُتَلَازِمَانِ) (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابُهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْإِسْلَامَ إِظْهَارُ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى طَرِيقَتِهِ)
ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا (أَي مَعرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَهَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَمِنهَا الإِيمَانُ وَالإِسلَامُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ مُتَلَازِمَانِ)، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الْإِيمَانِ (أَيْ: مَعَ مَا بَيَّنَ لِلْوَفْدِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ حَيْثُ فَسَّرَهُ فِي قِصَّتِهِمْ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ هُنَا)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى (أَيْ: مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الدِّينُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ أَمْرٌ وَاحِدٌ):﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ﴾ (بَيَّنَ أَنَّ الدِّينَ الحَقَّ الَّذِي لَا يُقبَلُ غَيرُهُ هُوَ الإِسلَامُ).
50- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ»، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ»، قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُِ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ»، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: «رُدُّوهُ»، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ.
الشَّرحُ:
50- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، (النَّبِيُّ ﷺ مَا كَانَ يَتَرَفَّعُ عَلَى أَصحَابِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَجلِسُ لَا عَلَى شَيءٍ مُرتَفِعٍ، فَلَا يُمَيِّزُهُ الغَرِيبُ مُبَاشَرَةً، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الصَّحَابَةُ شَيئًا مُرتَفِعًا يَجلِسُ عَلَيهِ حَتَّى يُعرَفَ، فَكَانَ يَومًا جَالِسًا عَلَى هَذَا المُرتَفِعِ ، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَيْ: ظَاهِرًا لَهُمْ غَيْرَ مُحْتَجِبٍ عَنْهُمْ وَلَا مُلْتَبِسٍ بِغَيْرِهِ، وَالْبُرُوزُ الظُّهُورُ.
وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِحْبَابَ جُلُوسِ الْعَالِمِ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ)
فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ (وَفِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ: عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ) فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ (بِأَنَّهُ مَوجُودٌ لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ وَلَا يُشبِهُ المَوجُودَاتِ وَمُنَزَّهٌ عَن صِفَاتِ النَّقصِ، بِأَنْ تـَعْقِدَ قَلْبَكَ جازِمًا أَنَّهُ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى الذَّاتُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الذَّواتِ، الْمُتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ)،
وَمَلَائِكَتِهِ (وَ(مَلَائِكَةُ) جَمْعُ مَلَكٍ. أَي أَنَّهُم مَوجُودُونَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللهُ بِهَا، وَهُم عِبَادٌ مُكرَمُونَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ) (أَيْ يَجِبُ الإِيمَانُ بِمَلَائِكَةِ اللهِ، وَالتَّاءُ فِي (مَلَائِكَةُ) لَيسَت لِلتَّأْنِيثِ! بَلْ هَذِهِ دِلَالَةٌ عَلَى الجَمَاعَةِ. (فَاطِمَةُ)، (مُعَلِّمَة) التَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ. أَحيَانًا التَّاءُ فِي ءَاخِرِ الكَلِمَةِ تَكُونُ دِلَالَةً عَلَى الوَاحِدِ.
كَلِمَةُ بَقَرٍ جَمْعُ بَقَرَةٍ. هَذِهِ التَّاءُ لِلتَّفرِيقِ بَينَ الوَاحِدِ وَالجَمْعِ، الثَّوْرُ يُسَمَّى أَيضًا بَقَرَةً فِى اللُّغَةِ. البَقَرَةُ لَيسَ فَقَط لِلأُنْثَى. النَّملُ وَنَملَةٌ هَذِهِ التَّاءُ لِلوَحْدَةِ.
وَإِبلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ لَم يَكُن مَلَكًا كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعضُ النَّاسِ فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ إِبلِيسَ كَانَ مِنَ المَلَائِكَةِ ثُمَّ عَصَى أَمرَ اللهِ تَعَالَى، حَتَّى إِنَّ بَعضَهُم يَظُنُّونَ أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَالحَقِيقَةُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلمَلَائِكَةِ اسجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ﴾، فَإِبلِيسُ كَانَ مِنَ الجِنِّ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ أَمرِهِ مُؤمِنًا يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ، فَلِذَلِكَ لَحِقَهُ الأَمرُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَكِنَّهُ فَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ وَرَفَضَ السُّجُودَ وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَطُرِدَ مِن رَحمَةِ اللهِ وَلُعِنَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.
وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ المَلَائِكَةَ مِن نُورٍ كَمَا قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خَلَقَ اللهُ المَلَائِكَةَ مِن نُورٍ وَخَلَقَ الجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ (أَي مِن لَهِيبِ النَّارِ الصَّافِي) وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُم»، (أَي مِن مَاءٍ وَتُرَابٍ)
وَبِلِقَائِهِ (أَي بِأَنَّ المَوتَ حَقٌّ، يُعَبَّرُ عَن لِقَاءِ اللهِ بِالمَوتِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ الِاجتِمَاعَ بِهِ فِي مَكَانٍ، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالجِهَاتِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ سُبحَانَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي كِتَابِهِ الوَصِيَّةِ: «وَلِقَاءُ اللهِ تَعَالَى لِأَهلِ الجَنَّةِ بِلَا كَيفٍ وَلَا تَشبِيهٍ وَلَا جِهَةٍ حَقٌّ».اهـ)،
وَرُسُلِهِ (أَنَّهُم مُرسَلُونَ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى مَوصُوفُونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، مُنَزَّهُونَ عَن كُلِّ مَا يُنَفِّرُ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ مِنهُم)
(يَجِبُ الإِيمَانُ بِرُسُلِ اللهِ مَن كَانَ مِنهُم نَبِيًّا غَيرَ رَسُولٍ وَمَن كَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَليُعلَم أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ: مَن أُوحِيَ إِلَيهِ بِشَرعِ مَن قَبلَهُ، أَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ: مَن أُوحِيَ إِلَيهِ بِشَرعٍ جَدِيدٍ، وَكُلٌّ مَأمُورٌ بِالتَّبلِيغِ، وَقَد غَلِطَ بَعضُهُم فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ غَيرُ مَأمُورٍ بِالتَّبلِيغِ، وَهَذَا غَلَطٌ شَنِيعٌ، لِأَنَّهُ لَو لَم يَكُن مَأمُورًا بِالتَّبلِيغِ فَأَيُّ مَعنًى لِرِسَالَتِهِ؟وَمَعنَى قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾، أَي بِالإِيمَانِ، مَعنَاهُ: نُؤمِنُ بِالكُلِّ، أَمَّا مِن حَيثُ الفَضلُ فَبَعضُ الرُّسُلِ أَفضَلُ مِن بَعضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾.اهـ)،
وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ»، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الْإِسْلَامُ (فَالإِسْلَامُ هُوَ الِاعْتِرَافُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ. الإِنْسَانُ يُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ بِمَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَهَذَا أَقَلُّ الإِيمَانِ، وَيَعْتَرِفُ بِالشَّهَادَتَيِْن بِلِسَانِهِ لِيُحَصِّلَ أَقَلَّ الإِسْلَامِ)
أَنْ تَعْبُدَ اللهَ (أَن تُوَحِّدَ اللهَ) وَلَا تُشْرِكَ بِهِ (وَفِي الرِّوَايَةِ المَشهُورَةِ عِندَ مُسلِمٍ الَّتِي رُوِيَت عَن طَرِيقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الإِسلَامُ: أَنْ تَشْهدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَالمُرَادُ أَن يَقُولَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ المُتَمَكِّنُ مِنَ النُّطقِ، فَهُوَ مُعتَبَرٌ فِي الإِسلَامِ، فَمَن صَدَّقَ بِمَضمُونِهَا وَلَم يَأتِ بِهَا مَعَ عَدَمِ مَانِعٍ مِنَ النُّطقِ فَلَيسَ بِمُسلِمٍ وَلَا مُؤمِنٍ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ الإِجمَاعَ عَلَيهِ فِي «شَرحِ مُسلِمٍ» وَحُكمُ الإِسلَامِ فِي الظَّاهِرِ يَثبُتُ بِالشَّهَادَتَينِ،
قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَنَحوُهَا لِكَونِهَا أَظهَرَ شَعَائِرِ الإِسلَامِ وَأَعظَمَهَا، وَبِقِيَامِهِ بِهَا يَتِمُّ استِسلَامُهُ وَانقِيَادُهُ، وَتَركُهُ لَهَا يُشعِرُ بِانحِلَالِ قَيدِ انقِيَادِهِ، فَالمَقصُودُ مِن ذِكرِ الأَركَانِ الخَمسَةِ فِي الحَدِيثِ بَيَانُ كَمَالِ الإِسلَامِ وَتَمَامِهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ مَعَ الشَّهَادَتَينِ، أَمَّا أَصلُ الإِسلَامِ فَالشَّهَادَتَانِ كَافِيَتَانِ فِيهِ)،
وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ (أن تَأتِيَ بِهَا عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّرعُ) (أَي تُدِيمَ إِقَامَتَهَا، وَالصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيرٍ، وَشَرعًا: أَقوَالٌ وَأَفعَالٌ مُفتَتَحَةٌ بِالتَّكبِيرِ مُختَتَمَةٌ بِالتَّسلِيمِ بِشَرَائِطَ مَخصُوصَةٍ غَالِبًا، وَقَد ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ فِى مِائَةِ آيَةٍ مِنَ القُرآنِ العَظِيمِ. وَفِى كُلِّ آيَةٍ إِمَّا وَعَدَ المُصَلِّينَ بِالكَرَامَةِ، أَو أَوعَدَ التَّارِكِينَ لَهَا بِالعُقُوبَةِ وَالمَلَامَةِ. أَوَّلُهَا: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، وَآخِرُهَا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾.اهـ)،
وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ (أَيِ الوَاجِبَةَ فِي الأَنوَاعِ الوَاجِبَةِ المُقَرَّرَةِ فِي كُتُبِ الفِقهِ. وَالزَّكَاةُ لُغَةً النَّمَاءُ وَالتَّطهِيرُ. وَشَرعًا اسمٌ لِلمُخرَجِ مِن ذَلِكَ)، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» (الرَّمَضُ بِالتَّحرِيكِ: شِدَّةُ حَرِّ الشَّمسِ عَلَى الرَّملِ وَغَيرِهِ. وَقَد رَمِضَ يَومُنَا -كَعَلِمَ- رَمَضًا -بِالتَّحرِيكِ-: اشتَدَّ حَرُّهُ. وَقَدَمُهُ: احتَرَقَت مِنَ الرَّمضَاءِ، لِلأَرضِ الشَّدِيدَةِ الحَرِّ. وَشَهرُ رَمَضَانَ مَعرُوفٌ. وَالجَمعُ: رَمَضَانَاتٌ، وَرَمَضَانُونَ، وَأَرْمِضَةٌ)،
قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ (مَعْناهُ عَنْ أَعْلَى مَراتِبِهِ، أَخَصِّ مَراتِبِهِ) قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ (أَن تُدِيمَ المُرَاقَبَةَ للهِ فَتُخلِصَ فِي العَمَلِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَتُدِيمَ مُلَاحَظَةَ وَتَذكُرَ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَينَا فِي كُلِّ الأَحوَالِ)،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (وَلا يَخْفَى أَنَّ العَبْدَ إِذَا كَانَ يَرَى مَوْلَاهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ النِّهَايَةُ مِنَ الخُشُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، أَلَيسَ كَذَلِكَ؟ إِذًا المَطْلُوبُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الإِحْسَانِ، أَنْ يَصِلَ الإِنْسَانُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ. هُوَ لَا يَرَاهُ، لَكِنْ كَأَنَّهُ يَرَاهُ. هَذَا أَعْلَى دَرَجَاتِ الإِحْسَانِ، أَخَصُّ أَنْواعِهِ. كَانُوا يَقُولُونَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ شِدَّةِ إِقْبالِهِم عَلَى الطَّاعَةِ وَمِنْ شِدَّةِ خَشْيَتِهِم للهِ: لَوْ قِيلَ لَهُ تَمُوتُ غَدًا، لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ يَمُوتُ غَدًا، مَا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا عَلَى مَا يَفعَلُهُ، مِنْ شِدَّةِ إِقْبالِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَمِنْ شِدَّةِ خَشْيَتِهِ مِنَ اللهِ، مِثْلُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ وَصَلُوا إِلَى الدَّرَجَاتِ العَالِيَةِ العَالِيَةِ، بِحَيثُ إِنَّهُم فِي كُلِّ أَوْقاتِهِم قُلُوبُهُم مَشْغُولَةٌ فِي طَاعَةِ اللهِ وَبِعِبَادَتِهِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ سُبحَانَهُ وَشِدَّةِ الخَشْيَةِ لَهُ.
قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
إِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَلَا تَغْفُل عَنْ أَنَّهُ يَرَاكَ فِي كُلِّ أَحْوَالِكَ، فَانْظُر مَاذَا تَفْعَلُ. إِذَا اسْتَحْضَرَ الإِنْسَانُ هَذَا فِي قَلْبِهِ هَذَا يَكُونُ مِنْ خَيرِ العَوْنِ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
سَهْل بْنُ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ كَانَ لَهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَقَارِبِهِ مِنَ الأَكَابِرِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ سِوَارٍ، كَانَ يُرَبِّيهِ تَرْبِيَةً حَسَنَةً، فَقَالَ لَهُ وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ: «يَا سَهْلُ، قُلْ (رَدِّد) فِي قَلْبِكَ: اللهُ يَرَانِي، اللهُ يرَانِي». سَهْلٌ كَانَ مُطِيعًا. بَقِيَ سَنَةً يُرَدِّدُ فِي قَلْبِهِ: «اللهُ يَرَانِي، اللهُ يَرَانِي»، بَعْدَ سَنَةٍ، قَالَ لَهُ: «يَا سَهْلُ، مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَرَاهُ وَأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ هَلْ يَعْصِيهِ؟»، فَانْتَفَعَ بِذَلِكَ انْتِفَاعًا عَظِيمًا. بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ مِنْ أَكَابِرِ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ)،
قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ (بَل هَذَا مِمَّا استَأثَرَ بِهِ اللهُ فِي عِلمِ الغَيبِ فَلَم يُطلِع عَلَيهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرسَلًا) (وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، وَقَد تَمَدَّحَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِإِحَاطَتِهِ بِالغَيبِ وَالشَّهَادَةِ عِلمًا. وَمِمَّا يَرُدُّ مَقَالَتَهُم هَذِهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، وَمَا رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيهَا صَبِيحَةَ عُرسِهَا وَعِندَهَا جَارِيَتَانِ يَتَغَنَّيَانِ وَتَقُولَانِِ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعلَمُ مَا فِي غَدِ، فَقَالَ: «أَمَّا هَذَا فَلَا تَقُولُوهُ، مَا يَعلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ».اهـ)،
وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: (وَالقِيَامَةُ لَهَا عَلَامَاتٌ صُغرَى وَعَلَامَاتٌ كُبرَى، وَمِنَ العَلَامَاتِ الصُّغرَى: التَّطَاوُلُ فِي البُنيَانِ مِن قِبَلِ الحُفَاةِ العُرَاةِ الفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَرعَونَ الغَنَمَ، وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ، وَتَقَارُبُ الأَسوَاقِ، وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ، وَكَثرَةُ الزَّلَازِلِ، وَكَثرَةُ القَتلِ بِلَا سَبَبٍ، وَكَثرَةُ شُربِ الخَمرِ، وَكَثرَةُ الزِّنَى، وَكَثرَةُ الِاستِمَاعِ لِلمُوسِيقَى مِن آلَاتِ اللَّهوِ المُحَرَّمَةِ، وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ، وَظُهُورُ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَلبِسنَ الثِّيَابَ الَّتِي تُظهِرُ العَورَةَ بِكَثرَةٍ مَعَ إِمَالَتِهِنَّ الرِّجَالَ لِلزِّنَى، وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ. وَمِنْ أَوَاخِرِ العَلَامَاتِ الصُّغرَى ظُهُورُ المَهدِيِّ، رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَملِكَ رَجُلٌ مِن أَهلِ بَيتِي، يُوَاطِئُ اسمُهُ اسمِي وَاسمُ أَبِيهِ اسمَ أَبِي، يَملَأُ الأَرضَ قِسطًا وَعَدلًا كَمَا مُلِئَت ظُلمًا وَجَوْرًا»، مَعنَاهُ: أَنَّ منِ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ أَن تَمتَلِئَ الأَرضُ بِالظُّلمِ وَالجَورِ، وَقَد حَصَلَ ذَلِكَ.
وَتَلِي العَلَامَاتِ الصُّغرَى عَلَامَاتٌ كُبرَى، مِنهَا: ثَلَاثَةُ خُسُوفٍ، خَسفٌ فِي المَشرِقِ وَخَسفٌ فِي المَغرِبِ وَخَسفٌ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَمِنهَا نُزُولُ المَسِيحِ، ثُمَّ ظُهُورُ قَومِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ. وَمِنهَا – – ظُهُورُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ المَوجُودِ فِي جَزِيرَةٍ فِي البَحرِ قَيَّدَتهُ المَلَائِكَةُ بِالسَّلَاسِلِ، وَهُوَ كَافِرٌ يَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنَا رَبُّكُم، وَهُوَ أَعوَرُ وَيَأمُرُ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَتبَعُهُ كَثِيرٌ لِأَنَّ فِتنَتَهُ كَبِيرَةٌ، يَقُولُ لِلأَرضِ: أَخرِجِي نَبَاتَكِ، فَتُخرِجُ، وَلِلسَّمَاءِ: أَنزِلِي مَطَرَكِ، فَتُنزِلُ، وَذَلِكَ ابتِلَاءٌ مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ. وَمِنهَا نُزُولُ دُخَانٍ مِنَ السَّمَاءِ يَغشَى النَّاسَ فَيُصِيبُهُم مِثلُ الزُّكَامِ. وَمِن آخِرِ العَلَامَاتِ الكُبرَى خُرُوجُ دَابَّةِ الأَرضِ. وَمِنهَا نَارٌ تَخرُجُ مِن عَدَنٍ فِي اليَمَنِ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى بَرِّ الشَّامِ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ العَلَامَاتِ)
إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا (فُسِّرَت هَذِهِ العِبَارَةُ عَلَى أَكثَرَ مِن وَجهٍ، وَمِنهَا: أَن تَصِيرَ البِنتُ تُعَامِلُ وَالِدَتَهَا كَأَنَّهَا أَمَةٌ عِندَهَا، وَيَصِيرَ الوَلَدُ يُعَامِلُ أَبَاهُ كَأَنَّهُ عَبدٌ عِندَهُ، وَهَذَا حَاصِلٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شُؤمِ عُقُوقِ الوَالِدَينِ)، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُِ فِي الْبُنْيَانِ (أَي يَصِيرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَأكُلُونَ وَيَلبَسُونَ مِنَ الفَقرِ وَالحَاجَةِ مِن أَغنَى النَّاسِ حَتَّى يَتَنَافَسُوا فِي البِنَاءِ افتِخَارًا وَتَكَبُّرًا)، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ» (قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: هِيَ المَذكُورَةُ فِي الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.اهـ)، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ (أَي ذَهَبَ الَّذِي ظَنُّوهُ رَجُلًا، وَهُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: «رُدُّوهُ» (أَي قُولُوا لَهُ أَن يَرجِعَ)، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا (أَي لَم يَجِدُوهُ)، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ (قَالَ الزَّبِيدِيُّ: (وَجَبْرَائِيلُ): عَلَمُ مَلَكٍ، مَمنُوعٌ مِنَ الصَّرفِ لِلعَلَمِيَّةِ وَالعُجْمَةِ وَالتَّرْكِيبِ المَزْجِيِّ عَلَى قَولٍ، (أَي عَبدُ اللهِ).اهـ)، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» (بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدِّينَ الحَقَّ هُوَ الإِسلَامُ، وَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا أَي هُوَ مِنَ الدِّينِ).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ (أَي أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ جِبرِيلُ مِن مَعنَى الإِيمَانِ والإِسلَامِ والإِحسَانِ وعِلمِ السَّاعَةِ جَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ كُلَّهُ دِينًا أَي هُوَ مِنَ الدِّينِ، وَأَرَادَ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي هَذَا البَابِ أَن يُبَيِّنَ أَنَّ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ مُتَلَازِمَانِ، قَالَ القَسطَلَّانِيُّ فِي شَرحِ كَلَامِ البُخَارِيِّ: يَدخُلُ فِيهِ اعتِقَادُ وُجُودِ السَّاعَةِ وَعَدَمِ العِلمِ بِوَقتِهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى لِأَنهُمَا مِنَ الدِّينِ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ بَعدَ شَرحِهِ هَذَا الحَدِيثَ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أُمُّ السُّنَّةِ، لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ جُمَلِ عِلْمِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمِيعِ وَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ مِنْ عُقُودِ الْإِيمَانِ ابْتِدَاءً وَحَالًا وَمَآلًا، وَمِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَمِنْ إِخْلَاصِ السَّرَائِرِ وَالتَّحَفُّظِ مِنْ آفَاتِ الْأَعْمَالِ، حَتَّى إِنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَمُتَشَعِّبَةٌ مِنْهُ).
(40) بَابٌ
الشَّرحُ: (40) بَابٌ: (ذَكَرَ البَابَ بِلَا تَرجَمَةٍ وَجَعَلَهُ كَالفَصلِ لِمَا قَبلَهُ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ).
51- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
الشَّرحُ: 51- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. (شَرَحنَا هَذَا الحَدِيثَ فِي بِدَايَةِ شَرحِنَا لِصَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ)
(41) بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
الشَّرحُ: (41) بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ (هَذَا البَابُ يَذكُرُ فِيهِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فَضلَ مَن بَرَّأَ دِينَهُ مِنَ النَّقصِ، وَفِيهِ الحَضُّ عَلَى الوَرَعِ، وَأَنَّ الوَرَعَ مِن مُكَمِّلَاتِ الدِّينِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ فِي بَابِ الإِيمَانِ).
52- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَِّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
الشَّرحُ:
52- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَِّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ (مَعنَاهُ أَنَّ فِي دِينِنَا أُمُورًا وَاضِحٌ لِلنَّاسِ أَنَّهَا حَلَالٌ، وَهُنَاكَ أُمُورٌ مَعرُوفٌ وَوَاضِحٌ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَهُنَاكَ أُمُورٌ تَشتَبِهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَتَّضِحُ لَهُم حُكمُهَا هَل هِيَ مِنَ الحَلَالِ أَم مِنَ الحَرَامِ، لِأَنَّ الأَدِلَّةَ الوَارِدَةَ فِيهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ تَتَعَارَضُ، أَمَّا الأَئِمَّةُ فَيَعرِفُونَ حُكمَهَا بِالِاجتِهَادِ)
(مَثَلًا: أَكْلُ التَّمرِ وَالخُبزِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، أَكْلُ الأَطْعِمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ نَحوِ الشَّعِيرِ وَالقَمْحِ وَالتَّمْرِ وَاللَّحْمِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، الزِّوَاجُ، مِثْلُ هَذَا مِنَ الحَلَالِ البَيِّنِ الظَّاهِرِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى وَنَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.وَهُنَاكَ أُمُورٌ حَرَامٌ مَحْضٌ نَصَّ الشَّرعُ عَلَيهَا، جَاءَ فِى القُرْءَانِ النَّصُّ عَلَيْهَا أَنَّهَا حَرَامٌ. هَذِهِ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، مِثَالُ ذَلِكَ إِيذَاءُ المُسْلِمِ، قَتْلُهُ، السَّرِقَةُ، الكَذِبُ، الزِّنَى، إِلخ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ الحَلَالِ الوَاضِحِ حِلُّهُا وَالأُمُورِ الحَرَامِ الوَاضِحِ حُرْمَتُهَا هُنَاكَ أَشْيَاءُ مُشْتَبِهَةٌ يَخْتَلِطُ أَمْرُها عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، بَعْضُ الأَشيَاءِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةٍ مَنْ لَيسَ هُوَ صَاحِبَ العِلْمِ الكَافِي فَيَرَاهَا مِنْ نَاحِيَةٍ تُشْبِهُ مَا هُوَ حَلَالٌ بَيِّنٌ، مِنْ نَاحِيَةٍ ثَانِيَةٍ تُشْبِهُ مَا هُوَ حَرَامٌ بَيِّنٌ. تَعَارَضَت فِيهَا فِي الظَّاهِرِ الأَدِلَّةُ. يَسْمَعُ حَدِيثًا فَيَخْطُرُ لَهُ أَنَّ هَذَا حَلَالٌ! يَسْمَعُ حَدِيثًا ءَاخَرَ فَيَخْطُرُ لَهُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ حَرَامٌ! هُنَاكَ أُمُورٌ هٰكَذَا. لَيسَت هِيَ حَلَالًا مَحضًا مَعرُوفًا ظَاهِرًا جَاءَ النَّصُّ عَلَيهِ، وَلَا هِيَ حَرَامٌ مَحضٌ جَاءَ النَّصُّ عَلَيهِ، إِنَّمَا تَجَاذَبَتْهَا الأَدِلَّةُ، يَعْنِى بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بَعْضُ الأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهَا وَبَعْضُ الأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى حِلِّهَا. تَجَاذَبَتْهَا الأَدِلَّةُ، فَمَا عَادَ ظَاهِرًا لِلَّذِي لَيسَ عِنْدَهُ العِلْمُ الكافِي هَلْ هِيَ حَلَالٌ أَوْ هِيَ حَرَامٌ. مِثَالُ ذَلِكَ القُنْفُذُ. يَجُوزُ أَكْلُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ مِثَالُ ذَلِكَ: الضَّبعُ. يَجُوزُ أَكْلُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ مِثَالُ ذَلِكَ: العِدَّةُ، بعَدَدِ الأَطْهَارِ أَوْ بِعَدَدِ الحَيْضَاتِ؟؟ إِلَخ. أُمُورٌ تَجاذَبَتْها الأَدِلَّةُ وَلِذَلِكَ اْخَتَلَفَ اجْتِهادُ الأَئِمَّةِ فِى بَعْضِهَا. مِنْ نَاحِيَةٍ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الحِلِّ. مِنْ نَاحِيَةٍ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الحُرْمَةِ. بَيْعُ الحَدِيدِ بِالحَدِيدِ إِذَا لَمْ يَتَسَاوَيَا. كِيلُو حَدِيدٍ بِـ۱۰ كِيلُو حَدِيدٍ، يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟؟! بَيْعُ النُّحَاسِ بِالنُّحَاسِ إِذَا لَمْ يَتَسَاوَيَا، يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟؟! الشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: يَجُوزُ، وَلَكِنْ غَيرُ الشَّافِعِيَّةِ يَقُولُونَ حَرَامٌ! إِذًا هُناكَ أُمُورٌ تَجاذَبَتْهَا الأَدِلَّةُ، مِنْ نَاحِيَةٍ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الحِلِّ، مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الحُرْمَةِ، فَالَّذِي لَيسَ عِنْدَهُ العِلْمُ الكَافِي يَنْظُرُ فِيهَا فَتَشْتَبِهُ عَلَيْهِ)،
فَمَنِ اتَّقَى (حَذِرَ) الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (بَرِئَ دِينُهُ مِنَ النَّقصِ بِالوُقُوعِ فِي الحَرَامِ، وَبَرِئَ عِرضُهُ مِن أَن يُطعَنَ فِيهِ، أَمَّا مَن لَم يُعرَف بِاجتِنَابِ هَذِهِ المُشَبَّهَاتِ فَكَثِيرًا مَا لَا يَسلَمُ مِنَ الطَّعنِ فِي عِرضِهِ، وَقَالَ العُلَمَاءُ: يَنبَغِي اجتِنَابُ المَكرُوهِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ التَّهَاوُنُ فِيهِ إِلَى الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ، فَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الوَرَعِ وَأَنَّهُ مِن مُكَمِّلَاتِ الدِّينِ) (اتَّقَاهَا يَعْنِى ابْتَعَدَ عَنْهَا، سَلِمَ فِي دِينِهِ وَسَلِمَ فِي عِرْضِهِ.
العِرْضُ هُوَ مَحَلُّ الذَّمِّ وَالمَدْحِ. الأَشيَاءُ الَّتِي يَذُمُّ النَّاسُ عَلَيْهَا وَيَمْدَحُونَ عَلَيْهَا. الأَشيَاءُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ بَيْنَ النَّاسِ ذَا مَقَامٍ عَالٍ أَوْ مَقَامٍ هُوَ مُنْخَفِضٌ.فَإِذًا، مَنِ اتَّقَى الشُّبُهات اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، سَلِمَ فِى دِينِهِ وَسَلِمَ مِنْ ذَمِّ النّاسِ لَهُ. لَا يَتَّهِمُونَهُ بارْتِكَابِ المَعَاصِي لِأَنَّهَا مُشْتَبِهَةٌ، لَيسَت وَاضِحَةً. فَمَنْ أَرادَ أَنْ يَسْلَمَ فِي دِينِهِ، مِنَ الْمُؤاخَذَةِ فِي الآخِرَةِ وَأَنْ يَسْلَمَ عِرْضُهُ مِنْ ذَمِّ النّاسِ لَهُ فَلْيَتَّقِ هَذِهِ الأُمُورَ وَلَا يَقْرَبْها، وَهِيَ الَّتِي تَجَاذَبَتْهَا الأَدِلَّةُ فَلَا يَتَّضِحُ وُضُوحًا ظَاهِرًا أَنَّهَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، لَكِنْ هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِف حُكْمَهَا)،
وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ (أَمَّا مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، بَاشَرَهَا، عَمِلَهَا، وَقَعَ فِيهَا، مِنْ غَيرِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُهَا، إِمَّا بِاجْتِهَادِهِ إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا، وَما أَقَلَّ هَؤُلَاءِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَتَّبِعَ مُجْتَهِدًا مِنَ المجْتَهِدِينَ، فَوَقَعَ فِى المُشْتَبِهَاتِ، فَإِنَّ هَذَا مَآلُهُ سَيَصِلُ إِلَى وُقُوعِهِ فِي الحَرَامِ الوَاضِحِ البِيِّنِ. لِأَنَّ الَّذِي يَتَجَرَّأُ عَلَى مُبَاشِرَةِ الشُّبْهَةِ هَذَا يَجُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِي الحَرَامِ البَيِّنِ الظَّاهِرِ وَيَسُوءُ حَالُهُ، هُوَ أَسَاسًا حَرَامٌ عَلَيَهْ أَنْ يُبَاشِرَ بِأَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنْهُ وَمَا حَلَّلَ)
كَرَاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ (يَقرُبُ) أَنْ يُوَاقِعَهُ (أَي أَن يَرعَى فِيهِ، أَي أَنَّ الَذِي لَا يَجتَنِبُ هَذِهِ الشُّبُهُاتِ قَرِيبٌ جِدًّا مِنَ الوُقُوعِ فِي المُحَرَّمَاتِ، وَمَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ بِأَنَّ المُلُوكَ كَانَ لَهُم حِمًى لَا يَرعَى فِيهَا إِلَّا نَعَمُ المَلِكِ، وَمَن رَعَى فِيهِ نَعَمَهُ يُعَاقَبُ، فَالإِنسَانُ إِن كَانَ حَرِيصًا أَن لَا يُعَاقَبَ لَا يَأتِي بِقُربِهِ مَعَ نَعَمِهِ بَل يَبعُدُ عَنهُ، وَمَن لَا يَكُونُ حَرِيصًا يَرعَى قُربَهَا، ثُمَّ قَد لَا يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الخُصُوبَةِ أَو قَد تَشُذُّ نَعَمُهُ فَتَرعَى فِي هَذِهِ الحِمَى فَيُعَاقَبُ)
(حَالُهُ يَكُونُ كَحالِ الرَّاعِي الَّذِي يَرْعَى مَاشِيَتَهُ حَوْلَ الحِمَى.
فِى الجَاهِلِيَّةِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُلُوكِ العَرَبِ وَحُكَّامِهِمُ الأَقْوِيَاءِ حِمًى، أَيْ مَكَانٌ تَرْعَى فِيهِ مَواشِيهِ وَلَا يَرْعَى غَيرُهَا، فَمَنْ فَعَلَ عُوقِبَ!! إِذَا أَتَى رَاعٍ وَرَعَى ماشِيَتَهُ بِقُرْبِ هَذِهِ الحِمَى، هَلْ يَضْمَن أَنْ لَا تَنْفَرِدَ الشَّاذَّةُ وَأَنْ لَا تَدْخُلَ وَاحِدَةٌ إِلَى الحِمَى بِغَيرِ انْتِباهٍ مِنْهُ. أَليسَ يَصِيرُ الخَطَرُ كَبِيرًا؟؟ فَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِعُقُوبَةِ الْمَلِكِ. أَلَيسَ كَذلِكَ؟؟ النَّبِيُّ يَضْرِبُ لَنَا هَذَا مَثَلًا: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى» كَالرّاعِي يَأْخُذُ ماشِيَتَهُ وَرَعَاها قُرْبَ الحِمَى. عَمَّا قَلِيلٍ، تَدْخُلُ ماشِيَتُهُ إِلَى الحِمَى فَيَقَع فِيمَا كَانَ يَحْذَرُهُ، وَهَكَذَا الإِنْسَانُ إِذَا وَاقَعَ الأُمُورَ الْمُشْتَبِهَةَ عَمَّا قَلِيلٌ هُوَ مُوَاقِعٌ الحَرَامَ المَحضَ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ تَسَاهَلَ فِى حِفْظِ نَفْسِهِ مِنَ الوُقُوعِ فِى الشُّبُهَاتِ، فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الوُقُوعِ فِى الحَرَامِ المَحضِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِى حُرْمَتِهِ.
أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ (أَي الَّذِي نَهَانَا اللهُ عَن إِتيَانِهِ وَهُوَ الحَرَامُ، وَكَذَلِكَ الشُّبُهَاتُ يَنبَغِي أَن نَبتَعِدَ عَنهَا حَتَّى لَا نَقَعَ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنهُ) (اللهُ تَعَالَى مَلِكُ الْمُلُوكِ حِمَاهُ هُوَ الْمَحَارِمُ. الْمُحَرَّمَاتُ. مَا حَرَّمَهُ. هَذَا هُوَ حِمَى اللهِ. إِذَا وَقَعْتَ فِيهِ تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ مِنَ اللهِ. كَمَا أَنَّ كُلَّ مَلِكٍ قَدْ حَمَى قِطْعَةَ أَرْضٍ إِذَا وَقَعْتَ فِيهَا يُعاقِبُكَ، فَإِنَّ مَلِكَ الْمُلُوكِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى لَهُ حِمًى، وَحِمَى اللهِ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ فَجَعَلَ مَمْنُوعًا عَلَيْنَا إِتْيَانُهُ. فَكَيْفَ الِاحْتِيَاطُ؟ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْهُ. أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ بِحَيْثُ يَحْتَاطُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيهِ. هَذِهِ المَسَافَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلمُحَرَّمَاتِ المَحْضَةِ، كَيْفَ يَفْعَلُهَا الشَّخْصُ؟؟ بِأَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ المشْتَبِهَاتِ. لَا يَقْرَبَ المُشْتَبِهَاتِ. فَإِذَا أَرَدْتَ السَّلَامَةَ لَا تَقْرَبِ المُشْتَبِهَاتِ، لَا تَقْرَبِ المُحَرَّمَاتِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا)،
أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً (أَي شَيئًا بِقَدرِ مَا يُمضَغُ) (إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَعْمَلَ ذَلِكَ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَبْتَعِدَ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، فَاعْرِف أَنَّ الَّذِي يَقُودُكَ إِلَى ذَلِكَ هُوَ مُضْغَةٌ فِى الجَسَدِ، وَالمُضْغَةُ عُضُوٌ صَغِيرٌ بِحَجْمِ اللُّقْمَةِ الَّتِي تَمْضَغُهَا. القَلبُ بِهَذَا الحَجمِ. عُضُوٌ صَغِيرٌ مِنْ حَيثُ الحَجْمُ)
إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ (إِذا صَلَحَت هٰذه المضْغَة فالجَسَدُ كُلُّهُ قَدْ صَلَحَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا العُضُوَ هُوَ أَمِيرُ الجَوارِحِ. مَا فِيهِ يَظْهَرُ عَلَى الجَوارِحِ. إِذَا كَانَ هٰذَا القَلبُ مَمْلُوءًا خَيرًا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَى الجَوارِحِ فَفَعَلَتِ الخَيرَ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ غَيرُ ذَلِكَ يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَى الجَوَارِحِ فَفَعَلَتِ الشَّرَّ. لِأَنَّ الجَوارِحَ إِنَّمَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمْرِهِ)
وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ (لِأَنَّ القَلبَ كَمَا قُلْنَا أَمِيرُ الجَوَارِحِ، لِذَلِكَ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَحَدٌ سَأَلَهُ عَنْ الوُقُوفِ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فِي الجَمَاعَةِ، أَلَيسَ الوُقُوفُ فِي الصَّفِّ الأَوَّل فِي الجَمَاعَةِ مَمْدُوحًا؟؟ بَلَى! فِيهِ ثَوَابٌ، يَنبَغِي أَنْ يَسْعَى لَهُ الإِنْسَانُ. وَلَكِن سُفيَانُ نَظَرَ إِلَيْهِ وَرَأَى شَيئًا ءَاخَرَ يَنبَغِي أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَيْه قَبْلَ هَذَا؟ قَالَ لَهُ: «انظُر كِسرَتُكَ الَّتِي تَأْكُلُهَا مِنْ أَيْنَ هِيَ؟ ثُمَّ قِف فِي الصَّفِّ الأَخِيرِ»، إِنْ كَانَ طَعَامُكَ حَلَالًا وَوَقَفْتَ فِى الصَّفِّ الأَخِيرِ لَا يَضُرَّكَ فِي ءَاخِرَتِكَ!! نَعَم، أَنْقَصُ ثَوَابًا، لَكِن إِنْ فَعَلْتَ حَرَامًا وَوَقَفْتَ فِي الصَّفِّ تَكُونُ وَقَعْتَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ!!
بَعْضُ العُلَمَاءِ قَالَ: «الطَّعَامُ بَذْرُ العَمَلِ»، إِذَا زَرَعْتَ قَمْحًا يَطلُعُ قَمحٌ، وَالطَّعَامُ الَّذِي تُدْخِلُهُ إِلَى جَوْفِكَ مِثلُ البَذرِ لِعَمَلِكَ، إِذَا كَانَ حَرَامًا، فََهَذَا سَيُؤَثِّرُ فِي قَلْبِكَ وسَيَقَعُ فِي المُحَرَّمَاتِ!! إِذَا كَانَ حَلَالًا، فَهَذَا سَيُؤَثِّرُ فِي قَلْبِكِ وَيَجْتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ، فَإِذًا ينْبَغِي أَنْ يُراعِيَ الإِنْسَانُ طَعَامَهُ.
أَتَى شَخْصٌ ءَاخَرُ إِلَى سُفيَانَ وَسَأَلَهُ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَأَجَابَهُ بِشَىء شَبِيهٍ بِذَلِكَ. قَالَ لَهُ: «انْظُر دِرهَمَكَ هَذَا الَّذِي تَأْتِي بِهِ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي بِهِ؟ ثُمَّ قِفْ فِى الصَّفِّ الأَخِيرِ»، يَعْنِى لِيَكُن دِرهَمُكَ هَذَا حَلَالًا ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ لَوْ وَقَفْتَ فِي الصَّفِّ الأَخِيرِ لَا حَرَجَ عَلَيكَ)،
أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (فَالقَلبُ أَمِيرُ الجَوَارِحِ، إِن كَانَ صَالِحًا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الجَوَارِحِ، وَبِالعَكسِ)
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ بَعدَ شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ: وَقَدْ عَظَّمَ الْعُلَمَاءُ أَمْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فَعَدُّوهُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ تَدُورُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبَى دَاوُدَ، وَفِيهِ الْبَيْتَانِ الْمَشْهُورَانِ وَهُمَا:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ … مُسْنَدَاتٌ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّهِ
اتْرُكِ الْمُشْبِهَاتِ، وَازْهَدْ، وَدَعْ مَا … لَيْسَ يَعْنِيكَ، وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ
وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَزَعَ مِنْهُ وَحْدَهُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى تَعَلُّقِ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِالْقَلْبِ، فَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ).
سُؤَالٌ فِقهِيٌّ
هَل يَجِبُ عَلَيَّ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتنِي بِسَبَبِ النَّومِ وَالنِّسيَانِ مَثَلًا؟
الجَوَابُ:
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.
قَالَ الإِمَامُ الشِّيرَازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا».
أَذكَارٌ: يُقَالُ لِرُؤيَةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ ﷺ فِي المَنَامِ:
اللهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهلِ بَيتِهِ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى ءَالِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
هَذِهِ الصِّيغَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَارِدَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتُسَمَّى صِيغَةَ المِكيَالِ الأَوفَى، وَهِيَ مُجَرَّبَةٌ لِرُؤيَةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ ﷺ، تُقَالُ فِي اللَّيلِ أَو فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ مِائَةَ مَرَّةٍ أَو أَكثَرَ عَلَى حَسَبِ النَّشَاطِ: اللهم صَلِّ علَى بَدرِ التَّمَامِ، وَمِصبَاحِ الظَّلَامِ، وَمِفتَاحِ دَارِ السَّلَامِ، وَشَمسِ دِينِ الإِسلَامِ، مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
هَذَا الدُّعَاءُ يَقُالَ لِرُؤيَةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ ﷺ، يُقرَأُ كُلَّ يَومٍ عَشرَ مَرَّاتٍ، وَيَومَ الجُمُعَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ.
اللهم صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طِبِّ القُلُوبِ وَدَوَائِهَا، وَعَافِيَةِ الأَبدَانِ وَشِفَائِهَا، وَنُورِ الأَبصَارِ وَضِيَائِهَا، وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم.
فَائِدَةٌ: مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى رُؤيَةِ النَّبِيِّ الأَعظَمِ ﷺ: الإِكثَارُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيلًا وَنَهَارًا، وَيَستَشعِرُ المُصَلِّي عَلَيهِ فِي قَلبِهِ أَثنَاءَ الصَّلَاةِ عَلَيهِ عَظَمَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَظِيمَ جَاهِهِ عِندَ اللهِ تَعَالَى.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ..
سُبحَانَ الَّذِي لَا يَنبَغِي التَّسبِيحُ إِلَّا لَهُ، سُبحَانَ ذِي الفَضلِ وَالنِّعَمِ، سُبحَانَ ذِي العِزَّةِ وَالكَرَمِ، سُبحَانَ الَّذِي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ بِعِلمِهِ.
اللهم إِنَّا نسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغفِرَتِك، وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِن كُلِّ إِثمٍ، اللهم لا تَدَع لنا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلا هَمًّا إِلَّا فَرَّجتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهم صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ؛ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَن ذِكرِكَ الغَافِلُونَ. رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
إِلَٰهِي أَعِنَّا عَلَى مَا تَبَقَّىٰ مِن شَهرِ رَمَضَانَ وَاجعَلهُ شَاهِدًا لَنَا لَا عَلَينَا. اللهم بَلِّغنَا بِفَضلِكَ لَيلَةَ القَدرِ، وَلَا تَحرِمنَا نُورَهَا وَبَرَكَتَهَا وَأجرَهَا وَسِرَّهَا. اللهم مَا تُنزِلهُ من خَيرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ وَمِنَحٍ وَهِبَاتٍ فِي هَٰذِهِ الأيَّامِ واللَّيَالِي المُبَارَكَةِ فَاجعَل لَنَا مِن ذَٰلِكَ نَصِيبًا وَحَظًّا وَافِرًا. وَاجعَلنَا مِنَ المَقبُولِينَ ومِنَ المَرحُومِينَ ومِنَ المَغفُورِ لهم وَمِن عُتَقَاءِ شَهرِ رَمَضَان يَا حَنَّانُ يَا مَنَّان.
اللهم اجعَل لَنَا فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ المُبَارَكَةِ وَمَا بَعدَهَا رَحمَةً وَهَنَاءً، وَأَبعِد عَنَّا ضِيقَ المَعِيشَةِ وَالعَنَاءَ، وَاجعَل عَيشَنَا فِي سَعَةٍ وَرَخَاءٍ، وَارفَع عَنا كُلَّ بَلَاءٍ، وَسَلِّمنَا مِن كُلِّ دَاءٍ، وَأَبدِل لَنا الكَدَرَ بِالصَّفَاءِ، وَاستَجِبَ لَنا كُلَّ دُعَاءٍ، وَحَقِّقَ لَنَا كُلَّ رَجَاءٍ، وَاجزِنَا اللهم خَيرَ الجَزَاءِ، وَارزُقنَا رُؤيَةَ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَزِيَارَتَهُ وَمُجَاوَرَتَهُ وَالمَوتَ فِي بَلَدِهِ وَشَفَاعَتَهُ وَالحَشرَ مَعَهُ وَشَربَةً مِن حَوضِهِ وَصُحبَتَهُ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى.
اللهم ارزُقنَا رِزقًا حَلَالًا طَيِّبًا وَقَنِّعنَا بِمَا رَزَقتَنَا اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ وَحُسنَ اليَقِينِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخلِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ وَنَعُوذُ بِكَ أَن نُرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ وَنعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدُّنيَا وَنعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…..