المحتويات
- المقدمة
- (42) بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ
- (43) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
- (44) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوْا للهِ وَرَسُوْلِهِ﴾.
- السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
- مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
- الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ، تَبصِرَةً لِأُولِي الأَلبَابِ، وَأَودَعَهُ مِن فُنُونِ العُلُومِ وَالحِكَمِ العَجَبَ العُجَابَ، وَجَعَلَهُ أَجَلَّ الكُتُبِ قَدرًا وَأَغزَرَهَا عِلمًا، وَأَعذَبَهَا نَظمًا وَأَبلَغَهَا فِي الخِطَابِ، قُرآنَا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ، لَا شُبهَةَ فِيهِ وَلَا ارتِيَابَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الأَربَابِ، الَّذِي عَنَت لِقَيُّومَيَّتِهِ الوُجُوهُ وَخَضَعَت لِعَظَمَتِهِ الرِّقَابُ، فَهُوَ الخَالِقُ الَّذِي لَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ فَهُوَ الوَاحِدُ الوَهَّابُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ مِن أَكرَمِ الشُّعُوبِ وَأَشرَفِ الشِّعَابِ، إِلَى خَيرِ أُمَّةٍ بِأَفضَلِ كِتَابٍ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَينِ إِلَى يَومِ المَآبِ، وَبَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ… نُنهِيهِ هَذِهِ اللَّيلَةَ إِن شَاءَ اللهُ وَنَبدَأُ بِكِتَابِ العِلمِ…
نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
(42) بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ
الشَّرحُ: (42) بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ (أَي خُمُسِ الغَنِيمَةِ، وَالمُرَادُ أَن يُصرَفَ حَيثُ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى) مِنَ الْإِيمَانِ (أَي مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الإِيمَانُ، وَهِيَ مِن صِفَاتِ المُؤمِنِ الكَامِلِ)
53- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» أَوْ «مَنِ الْوَفْدُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ»، أَوْ «بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَراءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ، وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
الشَّرحُ: 53- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي (لِأَنَّ أَبَا جَمرَةَ كَانَ يُحسِنُ الفَارِسِيَّةَ، فَأَرَادَ أَن يُتَرجِمَ لِلنَّاسِ بِالأُجرَةِ)، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ (ذَكَرَ لَهُ مَا حَصَلَ مَعَهُم تَحدِيدًا لِأَنَّ أَبَا جَمرَةَ كَانَ مِنهُم، وَكَانُوا قَد أَسلَمُوا بِدُونِ قِتَالٍ)
(قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ الْوَفْدُ الْجَمَاعَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنَ الْقَوْمِ لِيَتَقَدَّمُوهُمْ فِي لُقِيِّ الْعُظَمَاءِ وَالْمَصِيرِ إِلَيْهِمْ فِي الْمُهِمَّاتِ وَاحِدُهُمْ وَافِدٌ قَالَ وَوَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ هَؤُلَاءِ تَقَدَّمُوا قَبَائِلَ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلْمُهَاجَرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَاكِبًا الْأَشَجُّ الْعَصْرِيُّ رَئِيسُهُمْ وَمَزِيدَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُحَارِبِيُّ وَعُبَيْدَةُ بْنُ هَمَّامٍ الْمُحَارِبِيُّ وَصَحَّارُ بْنُ العباس المرى وعمرو بن مرحوم الْعَصْرِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ شُعَيْبٍ الْعَصْرِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ بَنِي عَايِشٍ وَلَمْ نَعْثُرْ بَعْدَ طُولِ التَّتَبُّعِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ
قَالَ وَكَانَ سَبَبُ وُفُودِهِمْ أَنَّ مُنْقِذَ بْنَ حَيَّانَ أَحَدُ بَنِي غَنْمِ بْنِ وَدِيعَةَ كَانَ مَتْجَرُهُ إِلَى يَثْرِبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَشَخَصَ إِلَى يَثْرِبَ بِمَلَاحِفَ وَتَمْرٍ مِنْ هَجَرَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا مُنْقِذُ بْنُ حَيَّانَ قَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَنَهَضَ مُنْقِذٌ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمُنْقِذُ بْنُ حَيَّانَ كَيْفَ جَمِيعُ هَيْئَتِكَ وَقَوْمِكَ ثُمَّ سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فَأَسْلَمَ مُنْقِذٌ وَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثُمَّ رَحَلَ قِبَلَ هَجَرَ فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُ إِلَى جَمَاعَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ كِتَابًا فَذَهَبَ بِهِ وَكَتَمَهُ أَيَّامًا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَهِيَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بنِ عَائِذٍ بِالذَّالِ المُعْجَمَةِ بنِ الحَارِثِ وَالْمُنْذِرُ هُوَ الْأَشَجُّ سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ لِأَثَرٍ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَكَانَ مُنْقِذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ فَنَكِرَتِ امْرَأَتُهُ ذَلِكَ فَذَكَرَتْهُ لِأَبِيهَا الْمُنْذِرِ فَقَالَتْ أَنْكَرْتُ بَعْلِي مُنْذُ قَدِمَ مِنْ يَثْرِبَ إِنَّهُ يَغْسِلُ أَطْرَافَهُ وَيَسْتَقْبِلُ الْجِهَةَ تَعْنِي الْقِبْلَةَ فَيَحْنِي ظَهْرَهُ مَرَّةً وَيَضَعُ جَبِينَهُ مَرَّةً ذَلِكَ دَيْدَنُهُ مُنْذُ قَدِمَ فَتَلَاقَيَا فَتَجَارَيَا ذَلِكَ فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ ثُمَّ ثَارَ الْأَشَجُّ إِلَى قَوْمِهِ عَصَرٍ وَمُحَارِبٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى السَّيْرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَ الْوَفْدُ فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجُلَسَائِهِ أَتَاكُمْ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِمُ الْأَشَجُّ الْعَصَرِيُّ غَيْرَ نَاكِثِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ وَلَا مُرْتَابِينَ إِذْ لَمْ يُسْلِمْ قَوْمٌ حَتَّى وُتِرُوا) لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» أَوْ «مَنِ الْوَفْدُ؟» (الوَفدُ جَمَاعَةٌ يَنُوبُونَ عَنِ القَبِيلَةِ) قَالُوا: رَبِيعَةُ (أَيِ ابنُ نِزَارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدنَانَ)،
قَالَ: «مَرْحَبًا (أَي صَادَفتَ رَحبًا أَي سَعَةً فَاستَأنِس وَلَا تَستَوحِش) بِالْقَوْمِ»، أَوْ «بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا (جَمعُ خَزيَانٍ، وَهُوَ المُستَحِي، وَقِيلَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ المُفتَضِحُ، وَالمَعنَى أَنَّهُم أَسلَمُوا طَوعًا مِن غَيرِ حَربٍ أَو سَبيٍ يُخزِيهِم وَيَفضَحُهُم) وَلَا نَدَامَى» (جَمعُ نَدمَانٍ بِمَعنَى نَادِمٍ، وَالمَعنَى: لَم يَكُن تَأَخُّرٌ عَنِ الإِسلَامِ وَلَا أَصَابَكُم قِتَالٌ وَلَا سَبيٌ وَلَا غَيرُ ذَلِكَ مِمَّا تَستَحيُونَ أَو تَذِلُّونَ أَو تَفتَضِحُونَ بِسَبَبِهِ أَو تَندَمُونَ عَلَيهِ، قَالَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ: بَشَّرَهُم بِالخَيرِ عَاجِلًا وَآجِلًا لِأَنَّ النَّدَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي العَاقِبَةِ، فَإِذَا انتَفَت ثَبَتَ ضِدُّهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مَدحِ الإِنسَانِ فِي وَجهِهِ إِذَا أَمِنَ عَلَيهِ الفِتنَةَ) (لَم يَلحَقهُم هَوَانٌ وَخِزيٌ لِأَنَّهُم دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ طَوعًا بِلَا قِتَالٍ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ (أَي فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ، لِأَنَّهُم كَانُوا بَعِيدِينَ فِي نَاحِيَةٍ فِي البَحرَينِ، وَلَم يَكُونُوا يَأمَنُونَ عَلَى أَنفُسِهِم مِنَ الكُفَّارِ إِلَّا فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ، لِأَنَّ العَرَبَ مَا كَانَت تُقَاتِلُ فِيهَا أَحَدًا)، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ (أَيِ القَبِيلَةُ) مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ (لِأَنَّهُم لَم يَكُونُوا أَسلَمُوا فِي ذَلِكَ الوَقتِ، كُفَّارُ مَضَرَ كَانُوا بَينَ رَبِيعَةَ وَالمَدِينَةِ، وَلَا يُمكِنُهُمُ الوُصُولُ إِلَى المَدِينَةِ إِلَّا بِالمُرُورِ عَلَيهِم، وَكَانُوا يَخَافُونَ مِنهُم فِي غَيرِ الأَشهُرِ الحُرُمِ)، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ (أَي فَاصِلٍ يَفصِلُ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ) نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَراءَنَا (مَن تَرَكنَا فِي بِلَادِنَا وَمَن يَأتِي مِن أَولَادِنَا) وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ (أَي يَكُونُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ)، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ (أَي عَن أَنوَاعِ الأَسقِيَةِ وَالأَوعِيَةِ الَّتِي يَضَعُونَ فِيهَا الأَشرِبَةَ): فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ (أَي مِن أَنوَاعِ الأَوعِيَةِ)،
أَمَرَهُمْ: بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ (أَي وَالإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَبدَأُ بِالجَوَابِ بِمَا هُوَ الأَهَمُّ وَالآكَدُ، لِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَدَأَ أَوَّلًا بِالأَصلِ الَّذِي هُوَ الإِيمَانُ ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ أَجَابَ عَنِ الغَيرِ)،
قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّأَدُّبِ وَالِاحتِرَامِ مَعَ أَهلِ الفَضلِ وَالدِّينِ، لِأَنَّهُمُ التَزَمُوا الأَدَبَ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَدُّوا الأَمرَ إِلَيهِ فِيهِ فِيمَا استَفهَمَ عَنهُ تَأَدُّبًا وَاحتِرَامًا مِنهُم لَهُ، فَقَولُهُم: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ»، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُم لَا يَعلَمُونَ الإِيمَانَ، بَل مِن بَابِ الأَدَبِ، وَالمَعنَى أَنَّنَا نُرِيدُ أَن نَسمَعَ مِنكَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَزِيدُ اليَقِينَ فِينَا، وَفِي العِبَارَةِ حَذفٌ، وَالتَّقدِيرُ: أَتَدرُونَ ثَمَرَاتِ الإِيمَانِ)،
قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِسلَامَ وَالإِيمَانَ بِمَعنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ فَسَّرَ الإِسلَامَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الإِيمَانَ هُنَا، مَعَ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ مِن حَيثُ اللُّغَةُ، [وَالمُرَادُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الإِسلَامِ قَالَ: «أَن تَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»])،
وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ» (هُنَا مَوضِعُ الِاستِشهَادِ الَّذِي أَرَادَهُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن هَذَا الحَدِيثِ) (وَأَرَادَ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ مِن هَذَا أَن يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَسَّرَ الإِيمَانَ بِأَن تَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، وَلَمَّا جَاءَهُ جِبرِيلُ فَسَأَلَهُ عَنِ الإِسلَامِ فَسَّرَهُ لَهُ: أَن تَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَن تُقِيمَ الصَّلَاةَ، إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، مَعنَاهُ: الإِسلَامُ وَالإِيمَانُ شَرعًا مُتَلَازِمَانِ، فَهُمَا كَالظَّهرِ مَعَ البَطنِ لَا يَفتَرِقَانِ)
(وَمِن فَضلِهِ ﷺ مَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعطِيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أَحَدٌ قَبلِي، نُصِرتُ بِالرُّعبِ مَسِيرَةَ شَهرٍ، وَجُعِلَت لِيَ الأَرضُ مَسجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِن أُمَّتِي أَدرَكَتهُ الصَّلَاةُ فَليُصَلِّ، وَأُحِلَّت لِيَ المَغَانِمُ وَلَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبلِي، وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ (أَيِ الشَّفَاعَةَ العُظمَى) وَكَانَ النَّبِيُّ يُبعَثُ إِلَى قَومِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»، وَفِي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: «وَأُرسِلتُ إِلَى الخَلقِ كَافَّةً»، كَانَت عَادَةُ الأَنبِيَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ فِي الغَنَائِمِ أَن يَجمَعُوهَا فَتَجِيءُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأكُلُهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ قَبُولِهَا وَعَدَمِ الغُلُولِ فِيهَا.
فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ فَقَالَ لقوْمِهِ: لا يتْبعْني رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلا أَحدٌ بنَى بيُوتًا لَمْ يرفَع سُقوفَهَا، وَلا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا، فَغزَا فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ صلاةَ الْعصْرِ أَوْ قَريبًا مِنْ ذلكَ، فَقَال للشَّمس: إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ، اللهم احْبِسْهَا علَينا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عليْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم فَجاءَتْ –يَعْنِي النَّارَ- لتَأكُلهَا فَلَمْ تطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فليبايعْنِي منْ كُلِّ قبِيلَةٍ رجُلٌ، فلِزقتْ يدُ رَجُلٍ بِيدِهِ فَقَالَ: فِيكُم الْغُلولُ، فلتبايعنِي قبيلَتُك، فلزقَتْ يدُ رجُليْنِ أو ثلاثَةٍ بِيَدِهِ فقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجاءوا برَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهبِ، فوضَعها فَجَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، فَلَمْ تَحلَّ الْغَنَائِمُ لأحدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنا الغَنَائِمَ فلمَّا رأَى ضَعفَنَا وعجزنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا” مُتَفَّقٌ عَلَيهِ)
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: (أَي عَن تَعَاطِي وَشُربِ مَا يُنبَذُ وَيُلقَى فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ الأَربَعِ مِنَ النَّبِيذِ، فَهُوَ مِن إِطلَاقِ المَحَلِّ وَإِرَادَةِ الحَالِ، وَخُصَّت هَذِهِ الأَربَعُ بِالذِّكرِ لِأَنَّ مَا يُلقَى فِيهَا يُسرِعُ إِلَيهِ التَّغَيُّرُ وَالإِسكَارُ) عَنِ الْحَنْتَمِ، (أَيِ الوِعَاءِ المَطلِيِّ بِالقَارِ أَي بِالزِّفتِ، وَهُوَ الجَرَّةُ الخَضرَاءُ يَضَعُونَ فِيهَا الشَّرَابَ فَيُسرِعُ التَّخَمُّرُ فِيهِ، فَنَهَاهُم عَن هَذَا حَتَّى لَا يَشرَبُوا النَّبِيذَ الَّذِي صَارَ فِيهِ بَعدَ أَن صَارَ مُسكِرًا) وَالدُّبَّاءِ، (أَيِ القَرعِ اليَابِسِ، كَانُوا يُخرِجُونَ مَا فِيهِ أَي حَشوَهُ وَيُجَفِّفُونَهُ وَيَعمَلُونَهُ أَوَانِيَ ليَشرَبُوا مِنهُ مَا يُسكِرُ، فَيَشرَبُهُ النَّاسُ بَعدَ إِسكَارِهِ، وَمِنهُ مَا قَبلَ ذَلِكَ) وَالنَّقِيرِ، (كَانُوا يَنقُرُونَ أَصلَ النَّخلَةِ المَقطُوعَةِ وَيَضَعُونَ الشَّرَابَ فِيهِ، فَهُوَ أَصلُ النَّخلَةِ يُنقَرُ ثُمَّ يُوضَعُ فِيهِ الشَّرَابُ التَّمرُ أَوِ الزَّبِيبُ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ إِذَا تُرِكَ طَوِيلًا يَتَخَمَّرُ فَيَصِيرُ خَمرًا، فَنَهَاهُم عَنِ الِانتِبَاذِ فِي هَذَا) وَالْمُزَفَّتِ، (المَطلِيِّ بِالزِّفتِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَن هَذِهِ الأَوعِيَةِ لِأَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي فِيهَا يَسرُعُ تَخمِيرُهُ، فَقَد يُسكِرُ الشَّرَابُ دُونَ أَن يَنتَبِهَ الشَّخصُ لِأَنَّهُم كَانُوا مُعتَادِينَ عَلَى شُربِ الخَمرِ وَنُهِيَ عَنهُ قَرِيبًا، فَخَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِم ذَلِكَ، وَقَد نُسِخَ النَّهيُ عَنِ الشُّربِ فِي هَذِهِ الأَوعِيَةِ فِيمَا بَعدُ مَا لَم يَصِلِ الشَّرَابُ إِلَى حَدِّ الإِسكَارِ)،
وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ (وَهُوَ مَا طُلِيَ بِالقَارِ، وَيُقَالُ لَهُ: القَيرُ، وَهُوَ نَبتٌ يُحرَقُ إِذَا يَبِسَ وَيُطلَى بِهِ السُّفُنُ وَغَيرُهَا كَمَا يُطلَى بِالزِّفتِ)، وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ (فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الأَمرِ بِحِفظِ العِلمِ وَالوَصِيَّةُ عَلَيهِ) وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الحَضِّ عَلَى نَشرِ العِلمِ وَتَبيِينِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي العِلمِ)
(وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَبدَأُ أَوَّلًا بِالفَرَائِضِ، وَيَبدَأُ مِنَ الفَرَائِضِ بِالأَوكَدِ فَالأَوكَدِ، لِأَنَّ الفَرَائِضَ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ مِثلُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ،
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضلِ العِلمِ عَلَى غَيرِهِ مِنَ الأَعمَالِ، لِأَنَّهُ لَا يُعلَمُ هَذَا وَأَمثَالُهُ إِلَّا بِالعِلمِ، وَعَدَمُ العِلمِ بِهِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الخَلَلِ فِيهِ، وَإِذَا وَقَعَ الخَلَلُ فِيهِ أَو تُرِكَ وَقَعَ الحِرمَانُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ وَالهَلَاكُ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ).
(43) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
فَدَخَلَ فِيهِ: الْإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالْأَحْكَامُ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، عَلَى نِيَّتِهِ، نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ، وَقَالَ: وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ.
الشَّرحُ: (43) بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ (أَي طَلَبِ الأَجرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى) وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (وَهَذَا مِثلُ قَولِهِ ﷺ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ».اهـ وَإِذَا تَأَمَّلَ الَّذِي يَعمَلُ الصَّالِحَاتِ بَلَاغَةَ هَذِهِ الأَلفَاظِ الوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ بَعِيدًا عَنِ الرِّيَاءِ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ شِركٌ أَصغَرُ، وَخُصُوصًا قَولُهُ ﷺ: «لَكَ مَا نَوَيتَ»، فَبِمِقدَارِ خُلُوصِ نِيَّتِكَ يَكُونُ لَكَ الأَجرُ).
فَدَخَلَ فِيهِ: الْإِيمَانُ (المُرَادُ المَعنَى العَامُّ الَّذِي يَشمَلُ الأَعمَالَ وَالطَّاعَاتِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا كَمَالُ الإِيمَانِ) وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالْأَحْكَامُ (أَيِ المُعَامَلَاتُ)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، عَلَى نِيَّتِهِ، نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ (جُزءٌ مِن حَدِيثٍ، مَعنَاهُ: مَن أَنفَقَ عَلَى زَوجَتِهِ مُخلِصًا للهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجرٌ) يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ، وَقَالَ: وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ (وَهَذَا جُزءٌ مِن حَدِيثٍ سَيَأتِي، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْخَيْرِ بِسَبَبِ الْهِجْرَةِ قَدِ انْقَطَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، لَكِنْ حَصِّلُوهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَفِيهِ حَثٌ عَلَى نِيَّةِ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ مَعْنَاهُ إِذَا طَلَبَكُمُ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ فَاخْرُجُوا.اهـ
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ ابنُ أَبِي جَمرَةَ مَا مُحَصِّلُهُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ يُمكِنُ تَنزِيلُهُ عَلَى أَحوَالِ السَّالِكِ، لِأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤمَرُ بِهِجرَةِ مَألُوفَاتِهِ حَتَّى يَحصُلَ لَهُ الفَتحُ، فَإِذَا لَم يَحصُل لَهُ أُمِرَ بِالجِهَادِ، وَهُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفسِ وَالشَّيطَانِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فِي ذَلِكَ.اهـ).
54- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
الشَّرحُ: 54- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (شَرَحنَا هَذَا الحَدِيثَ فِي بِدَايَةِ الكِتَابِ، وَهُوَ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلَى تَصحِيحِ النِّيَّةِ للهِ تَعَالَى فِي كُلِّ عَمَلِ خَيرٍ) «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ (المُرَادُ الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ، وَلَا دَخلَ لِأَعمَالِ الشَّرِّ فِيهِ، لَا دَخلَ لِلحَرَامِ فِيهِ، فَهَذَا الحَدِيثُ لَا يَعنِي أَنَّ الحَرَامَ لَا يَكُونُ حَرَامًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَأَنَّ الكُفرَ لَا يَكُونُ كُفرًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَا، الرَّسُولُ ﷺ نَهَانَا عَنِ المُحَرَّمَاتِ، فَارتِكَابُهَا لَا يَحتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، مَن وَقَعَ فِي الحَرَامِ سُجِّلَ عَلَيهِ الحَرَامُ، وَمَن وَقَعَ فِيمَا هُوَ مُكَفِّرٌ فَقَد سُجِّلَ عَلَيهِ ذَلِكَ، لَا عِبرَةَ بِالنِّيَّةِ فِي ذَلِكَ)، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
55- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ».
الشَّرحُ: 55- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ (حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ أَبُو مُحَمَّدٍ البَصْرِيُّ الحَافِظُ، الإِمَامُ، القُدْوَةُ، العَابِدُ، الحُجَّةُ، أَبُو مُحَمَّدٍ البَصْرِيُّ، الأَنْمَاطِيُّ،. كَانَ حَجَّاجٌ صَاحِبَ سُنَّةٍ يُظهِرُهَا، مَاتَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَمائَتَيْنِ) قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ (عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ الكُوْفِيُّ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الوَاعِظُ، الأَنْصَارِيُّ، الكُوْفِيُّ) قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ (عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيْدَ بنِ زَيْدِ بنِ حُصَيْنٍ الخَطْمِيُّ الأَمِيْرُ، العَالِمُ، الأَكْمَلُ، أَبُو مُوْسَى الأَنْصَارِيُّ، الأَوْسِيُّ، الخَطْمِيُّ، المَدَنِيُّ، ثُمَّ الكُوْفِيُّ. أَحَدُ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. لَهُ أَحَادِيْثُ عَنِ: النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ: زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وَحُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ.. وَقَدْ كَانَ وَالِدُهُ يَزِيْدُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ تُوُفُّوا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ شَهِدَ عَبْدُ اللهِ مَعَ الإِمَامِ عَلِيٍّ صِفِّيْنَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ لابْنِ الزُّبَيْرِ، فَجَعَلَ الشَّعْبِيَّ كَاتِبَ سِرِّهِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ، مَاتَ: قَبْلَ السَّبْعِيْنَ، وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِيْنَ سَنَةً رضي الله عنه)، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ (عَلَى زَوجَتِهِ) يَحْتَسِبُهَا (يَطلُبُ الثَّوَابَ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ) فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (أَي يَكُونُ لَهُ بِهَا ثَوَابٌ، أَمَّا إِذَا أَغفَلَ النِّيَّةَ وَأَغفَلَ طَلَبَ الثَّوَابِ مِنَ اللهِ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ).
56- حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».
الشَّرحُ: 56- حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ (تَطلُبُ بِالنَّفَقَةِ الثَّوَابَ مِنَ اللهِ. وَقَد تَرِدُ كَلِمَةُ الوَجهِ بِمَعنَى الذَّاتِ، كَمَا قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وَالمَعنَى: كُلُّ شَىءٍ هَالِكٌ إِلَّا هُوَ، وَقِيلَ: إِلَّا مُلكَهُ، كَمَا قَالَ البُخَارِيُّ، وَقِيلَ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ ثَوَابُ اللهِ. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَبقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ﴾ المَعنَى: ذَاتُهُ.اهـ وَالوَجْهُ إِذَا أُطلِقَ عَلَى اللهِ لَا يُرَادُ مِنهُ الجَارِحَةُ، فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوَارِحِ وَالأَعضَاءِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾)
إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» (أَي فِي فَمِ امرَأَتِكَ، أَي حَتَّى اللُّقمَةَ الَّتِي تَضَعَهُا فِي فَمِ امرَأَتِكَ، وَفِي هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي بَيَانِ هَذِهِ القَاعِدَةِ وَبَيَانِ فَضلِ مَا إِذَا رَفَعَ لُقمَةً إِلَى فَمِ امرَأَتِهِ المُكتَفِيَةِ بِنَفَقَتِهِ فَأَكَلَتهَا وَنَفَعَت جَسَدَهَا أَنَّهُ يَعُودُ عَلَيهِ ذَلِكَ الأَجرُ إِذَا نَوَى للهِ تَعَالَى، فَكَيفَ إِذَا أَنفَقَ الإِنسَانُ عَلَى مَن يَحتَاجُ النَّفَقَةَ، أَو عَلَى مَن لَا غَرَضَ دُنيَوِيَّ لَهُ يَعُودُ عَلَيهِ بِالمَالِ، وَكَيفَ بِمَن أَنفَقَ فِي أَوجَبِ الوَاجِبَاتِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وَهِيَ الدَّعوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَعلِيمِ التَّوحِيدِ، يَكُونُ ذَلِكَ أَعظَمَ ثَوَابًا وَأَعظَمَ أَجرًا، وَتَكُونُ مُخَالَفَةُ النَّفسِ فِيهِ أَشَدَّ، لِأَنَّ الإِنسَانَ يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يُنفِقَ عَلَى أَهلِهِ مَا لَا يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يُنفِقَ عَلَى غَيرِهِم) (مَعنَاهُ: أَي إِلَّا أُجِرْتَ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللهِ، حَتَّى بِالشَّيءِ الَّذِي تَجعَلُهُ فِي فَمِ امرَأَتِكَ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الإِنفَاقَ عَلَى العِيَالِ يُثَابُ عَلَيهِ إِذَا قَصَدَ وَجهَ اللهِ تَعَالَى بِهِ.
وَفِيهِ أَنَّ المُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجهُ اللهِ صَارَ طَاعَةً ويَثُاَبُ عَلَيهِ، فَقَد أَخبَرَ الشَّارِعُ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤجَرُ عَلَيهِ بِالقَصدِ الجَمِيلِ. وَيُؤخَذُ مِنهُ أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا فَعَلَ مُبَاحًا مِن أَكلٍ أَو شُربٍ وَقَصَدَ بِهِ وَجهَ اللهِ كَالِاستِعَانَةِ بِذَلِكَ عَلَى الطَّاعَةِ وَبِالنَّومِ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ يُثَابُ عَلَيهِ. وَالمَعنَى كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَا تَستَقِلَّ الثُّلُثَ، فَإِنَّكَ إِذَا أَخرَجتَهُ أُثِبتَ الثَّوَابَ العَظِيمَ. وَأَبقَيتَ لِوَرَثَتِكَ مَا يَصُونُونَ بِهِ وُجُوهَهُم عَن ذُلِّ السُّؤَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَكُونُ قَد تَدَارَكتَ بِهِ مَا فَرَّطتَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَى البُخَارِيُّ عَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيرُ الصَّدَقَةِ عَن ظَهرِ غِنًى، وَمَن يَستَعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَسْتَغنِ يُغنِهِ اللهُ».اهـ).
(44) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوْا للهِ وَرَسُوْلِهِ﴾.
الشَّرحُ: (44) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ (لَم يَذكُرِ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي هَذَا البَابِ، بَل ذَكَرَهُ بِالمَعنَى لِأَنَّهُ لَيسَ عَلَى شَرطِهِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَم يَثبُت، وَهُوَ حَدِيثُ تَمِيمِ بنِ أَوسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) (مَعْنَاهُ عِمَادُ الدِّينِ وَقَوَامُ الدِّينِ النَّصِيحَةُ، يَعْنِى كَمَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ: «الحَجُّ عَرَفَة»، عِمَادُ الحَجِّ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، كَذَلِكَ عِمَادُ الدِّينِ النَّصِيحَةُ.
وَ”النَّصِيحَةُ” مَعْنَاهَا: إِرَادَةُ حِيَازَةِ الخَيْرِ جُمْلَةً لِلمَنْصُوحِ، النَّصِيحَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النُّصُحِ، النُّصُحُ هُوَ التَّصْفِيَةُ، تَقُولُ: نَصَحْتُ العَسَلَ، إِذا صَفَّيْتَهُ مِنْ غَيرِهِ فَصَارَ خَالِصًا، فَالنَّصِيحَةَ مَعْنَاهَا أَنْ تُرِيدَ بِقَلْبِكَ حِيَازَةِ الخَيْرِ جُمْلَةً لِلْمَنْصُوحِ. أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: خُلُوصُ القَلْبِ لِلمَنْصُوحِ فِي إِرَادَةِ الخَيْرِ لَهُ.
“لِلمَنْصُوحِ” كَائِنًا مَنْ كَانَ، لَيسَ فَقَط لِمَن كَانَ صَدِيقَهُ، أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ يَمْحَضُ الخَيْرَ لِغَيرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، صَدِيقًا أَو لَيْسَ صَدِيقًا، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَحِمٌ أَوْ لَيسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَحِمٌ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، يَمْحَضُ لَهُ الخَيرَ فِي قَلْبِهِ، هَذَا تَعْرِيفُ النَّصِيحَةِ: إِرَادَةُ حِيَازَةِ الخَيْرِ لِلمَنْصُوحِ.
وَهِيَ مِنَ الكَلِمَاتِ الَّتِي قَالُوا عَنهَا: لَوْ فَتَّشْتَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتِيَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى تَسُدُّ مَسَدَّهَا، مِثْلُ كَلِمَةِ “الفَلَاحِ”، كَلِمَةُ “الفَلَاحِ” لَا تَجِدُ كَلِمَةً غَيرَهَا تُعْطِيكَ المَعْنَى الَّذِي تُعْطِيكَ إِيَّاهُ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وَكَذَلِكَ “النَّصِيحَةُ” لَوْ فَتَّشْتَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ لَا تَجِدُ كَلِمَةً أُخْرَى تُعْطِيكَ مَا تُعْطِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِنَ المَعْنَى، يُمكِنُ أَن تَجِدَ جُملَةً، لَكِنْ لَنْ تَجِدَ كلَِمَةً وَاحِدَةً غَيْرَهَا.
وَأَمَّا قَولُ بَعضِ النَّاسِ: «الدِّينُ المُعَامَلَةُ»، فَغَيرُ صَحِيحٍ، وَبَعضُ النَّاسِ يَزعُمُونَ أَنَّهُ مِن كَلَامِ الرَّسُولِ وَهُوَ لَيسَ مِن كَلَامِ الرَّسُولِ، بَل هُوَ يُخَالِفُ الدِّينَ، لِأَنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ مَن لَم يَكُن عَلَى الإِسلَامِ مَهمَا فَعَلَ مِنَ الخَيرَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَنتَفِعُ فِي الآخِرَةِ، لَو كَانَ يُحسِنُ مُعَامَلَةَ النَّاسِ، لَو كَانَ لَا يَكذِبُ فِيمَا يَقُولُ لِلنَّاسِ مِن أُمُورِ الدُّنيَا وَيَلتَزِمُ بِالمَوَاعِيدِ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطعِمُ المِسكِينَ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يَنفَعُهُ إِذَا لَم يَكُن عَلَى الإِسلَامِ، لِأَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالصَّوَابُ أَن نَقُولَ أَنَّ الدِّينَ حَثَّ عَلَى المُعَامَلَةِ الحَسَنَةِ وَالخُلُقِ الحَسَنِ)
للهِ (النَّصِيحَةُ للهِ: أَي أَن يَكُونَ الإِنسَانُ مُؤمِنًا وَيَصِفُ اللهَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَيُنَزِّهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَأَن يَكُونَ خَاضِعًا لَهُ، وَأَن يُجَاهِدَ فِي رَدِّ مَن خَرَجَ عَن طَاعَةِ اللهِ، مَعْناهُ أَنْ يَنْصَحَ العَبْدُ نَفْسَهُ فِي مَرْضَاةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَعْنِى بِعِبَارَةٍ ثَانِيَةٍ، أَنْ يَسْعَى العَبْدُ فِي أَنْ يَحُوزَ الخَيرَ لِنَفْسِهِ فِيمَا يُرْضِي اللهَ تَبَارَكَ وَتعَالَى. يَكُونُ ذَلِكَ بِأَنْ يُؤْمِنَ العَبدُ بِأَنَّ اللهَ ذَاتٌ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتٍ، الصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِهِ الواجِبَةِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُنَزِّهَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّواقِصِ، عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مِنَ العَجْزِ، مِنَ الجَهْلِ، مِنَ المَكَانِ، مِنَ الحَيِّزِ، مِنَ الحَاجَةِ، كُلُّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنَزِّهُهُ عَنْهُ. وَأَنْ يَقُومَ بِطَاعَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وأَنْ يُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ وَأَنْ يَجْتَنِبَ مَا نَهَى عَنْهُ)
وَلِرَسُولِهِ (يَشمَلُ الإِيمَانَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ العِصمَةِ، بِاعتِقَادِ أَنَّهُ مَعصُومٌ عَنِ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَعَنِ الصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَتَشمَلُ النَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ تَعظِيمَهُ وَنُصرَتَهُ حَيًّا وَمَيتًا وَنَشرَ سُنَّتِهِ) (فَمِنْ جُملَةِ ما يَجِبُ النَّصِيحَةُ للرَّسُولِ ﷺ نُصْرَةُ شَرْعِهِ وَنُصْرَةُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَمُعَادَاةُ مَنْ يُعَادِيهِ ﷺ وَمُوَالَاةُ مَنْ يُوَالِيهِ وَإِعْظامُ حَقِّهِ، أَنْ يَعْرِفَ حَقَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّهُ ﷺ أَوْلَى مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ والزَّوجْةِ وَالوَلَدِ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُ حَقَّهُ وَأَنْ يُوَقِّرَهُ.
الصَّحَابَةُ كَانُوا أَمَامَ الرَّسُولِ ﷺ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ فِي مَجْلِسِهِ، هَكَذَا كَانُوا يَصِفُونَهُم، مَعَ أَنَّهُ كَانَ لَطِيفًا، مَا كَانَ غَلِيظًا وَلَا قَاسِيًا لَكِن كَانُوا فِي مَجْلِسِهِ مِنْ تَوْقِيرِهِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيرُ، لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُم لَا يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُم إِلَى رَسُولِ اللهِ، إِلَّا أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِذَا كَانَ يُكَلِّمُهُم فِي مَجْلِسِهِ. وَمِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ للرَّسُولِ ﷺ إِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ، أَنْ يَأْكُلَ الإِنْسَانُ كَمَا كَانَ يَأْكُلُ، أَنْ يَشْرَبَ وَيَلْبَسَ وَيَتَصَرَّفَ وَيُصَلِّيَ وَيَصُومَ كَمَا كَانَ يَشْرَبُ وَيَلْبَسُ ويَتَصَرَّفُ وَيُصَلِّي وَيَصُومُ إلخ. إِحْيَاءُ سُنَّتِهِ أَي طَرِيقَتِهِ وَنَشْرُ ذَلِكَ وَنَفْيُ التُّهَمَةِ عَنْهَا وَاكْتِسَابُ عُلُومِهَا، وَالنَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ مَعْنَاهَا تَصْدِيقُهُ ﷺ عَلَى الرِّسَالَةِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا وَالإِيمَانُ بِهِ وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ عَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ وَالْمَصْلَحَةُ حَاصِلَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّأيِ، أَيُّ شَىءٍ كَانَ، رَأْيُ فُلَانٍ أَوْ رَأَيُ فُلَانٍ، مَهْمَا كَانَ فُلَانٌ ذَكِيًّا وَمَهْمَا كَانَ فُلَانٌ رَفِيعَ القَدْرِ، النَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ مَعنَاهَا الإِيمَانُ بِهِ وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ وَأَنَّهُ صَادِقٌ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَأَنَّهُ تَجِبُ طاعَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مَهْمَا أَمَرَ بِهِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَمَهْمَا نَهَى عَنهُ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، أَيْ يَجِبُ اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ ﷺ. وَكذلِكَ مِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، التَّأَدُّبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُنَّتِهِ وَحَدِيثِهِ وَالإِمْسَاكُ عَنِ الكَلَامِ بِغَيرِ عِلْمٍ فِيهَا، الأَصْمَعِيُّ مِنَ العُلَمَاءِ الكِبَارِ فِي مُخْتَلَفِ فُنُونِ العِلْمِ، وَهُوَ لُغَوِيٌّ كَبِيرٌ، مَرَّةً سُئِلَ عَنْ كَلِمَةٍ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ: أَمَّا العَرَبُ، فَيَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا)
وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ (أَي أَن يُعِينَهُم عَلَى مَا يَقُومُونَ بِهِ مِن نَشرِ الدِّينِ، وَأَن يَترُكَ البَغيَ عَلَى أَئِمَّةِ المُسلِمِينَ، وَأَن يَسُدَّ خُلَّتَهُم عِندَ الهَفوَةِ، وَأَن يَدفَعَهُم عَنِ الظُّلمِ إِلَى مَا هُوَ أَحسَنُ)
(فَمِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ النَّصِيحَةُ لأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ بِمُعَاوَنَتِهِم عَلَى الحَقِّ، وَالأَئِمَّةُ يَعْنِى الحُكَّامَ، فِي الأَصْلِ الإِمَامُ يُطْلَقُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلخَلِيفَةِ، “لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ” أَيْ لِخُلَفَائِهِم، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُم، مَنْ كَانَ نَحْوَهُم، فَإِذًا تَكُونُ النَّصِيحَةُ لأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ بِمُعَاوَنَتِهِم عَلَى الحَقِّ بِعَدَمِ التَّهَاوُنِ عَلَى مُعَاوَنَتِهِم عَلَى الحَقِّ، لِأَنَّكَ إِنْ لَمْ تُعاوِنْهُم مَنْ يُعاوِنُهُم؟؟ هُم يَقْوَوْنَ بِكَ، وَهَكَذَا كَانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، كَانَ لَهُ وَلَدٌ، وَهَذَا الوَلَدُ كَانَ نَاصِحًا طَيِّبًا مِنْ أَهْلِ الفَضلِ، كَانَ عُمَرُ يُحِبُّهُ، كَانَ يَنْصَحُ والِدَهُ يَوْمًا قَالَ لَهُ: يا أَبِي، لَوْ أَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا وَلَوْ فَارَت بِكَ وَبِيَ القُدُورُ، يَعْنِى افْعَل هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي يَنْبَغِي إِصْلَاحُهَا مَهمَا جَرَى بِي وَبِكَ، لَوْ وَضَعُونَا فِي القِدرِ وَغَلَوُا النَّارَ تَحْتَنَا، عُمَرُ كَانَ حَكِيمًا، قَالَ لَهُ: إِنَّ مَنْ سَبَقَنِي قَدْ عَمِلُوا أَشيَاءَ فَاسِدَةً كَثِيرَةً وَعَقَدُوا لَهَا عُقَدًا، يَعنِي مَكَّنُوهَا، وَإِنِّي أخْشَى لَوْ تَصَدَّيْتُ لَهَا جَمِيعًا أَنْ يَنفَتِقَ عَلَيَّ فَتقٌ تَكثُرُ فِيهِ الدِّمَاءُ، لَكِنْ أَلَا تَرضَى أَن لَا يَمضِيَ عَلَى أَبِيكَ يَومٌ إِلَّا وَقَد أَحْيَا فِيهِ حَقًّا وَأَمَاتَ بَاطِلًا؟ وَبَارَكَ اللهُ فِيكَ لِنَصِيحَتِكَ هَذِهِ، دَعَا لَهُ لِنَصِيحَتِهِ، وَأَبلَغَهُ عُذرَهُ لِمَاذَا لَا يَفعَلُ كُلَّ مَا طَلَبَ، لَكِن قَالَ لَهُ: أَنَا أَمشِي فِي هَذَا الطَّرِيقَ، كُلَّ يَومٍ أُحيِي حَقًّا وَأُمِيتُ بَاطِلًا، أَلَا تَرضَى بِهَذَا؟ هَذَا الَّذِي أَستَطِيعُهُ بِحَسَبِ الحَالِ، وَمَا تَضَايَقَ مِنهُ، بَل دَعَا لَهُ، وَهَذَا شَأنُ الإِنسَانِ أَنْ يَنصَحَ وُلَاةَ الأَمرِ بِالرِّفقِ، بِالطَّرِيقَةِ المُنَاسِبَةِ)
وَعَامَّتِهِمْ» (بِالشَّفَقَةِ عَلَيهِم، وَالسَّعيِ فِيمَا يَعُودُ نَفعُهُ عَلَيهِم، وَأَن يُحِبَّ لَهُم مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ، وَيَكرَهَ لَهُم مَا يَكرَهُ لِنَفسِهِ) (عَامَّةُ المُسْلِمِينَ الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا غَيرُ الإِمَامِ، غَيْرُ الخَلِيفَةِ، هُنَا المُرَادُ كُلُّ مَنْ كَانَ غَيْرَ الأَئِمَّةِ، غَيرُ الخُلَفَاءِ هُمُ العَامَّةُ، هُنَا لَيسَ المَقصُودُ المُجتَهِدَ وَالعَامِّيَّ، لَا! فَيَنْبَغِي بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ المُسلِمِينَ، كَيْفَ؟ بِإِرْشَادِهِم إِلَى مَا فِيهِ مَصَالِحُهُم، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَيَّامِنَا يَغْفُلُونَ عَنْ هَذَا، مِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ المُسلِمِينَ إِرْشَادُهُم إِلَى مَا فِيهِ مَصَالِحُهُم فِى ءَاخِرَتِهِم وَفِي دُنْيَاهُم وَإِعَانَتُهُم عَلَيْهَا، وَتَعلِيمُهُم عُلُومَ الدِّينِ، وَلَا سِيَّمَا العُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَنَشرُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ بَينَهُم صِغَارًا كَانُوا أَم كِبَارًا، رِجَالًا أَم نِسَاءً)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوْا للهِ وَرَسُوْلِهِ﴾.
57- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
الشَّرحُ: 57- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (هُوَ جَرِيرُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَابِرِ بنِ مَالِكٍ بنِ نَصرِ بنِ ثَعلَبَةَ بنِ جُشَمِ بنِ عَوفٍ، الأَمِيرُ، النَّبِيلُ، الجَمِيلُ، أَبُو عَمرٍو – وَقِيلَ: أَبُو عَبدِ اللهِ – البَجَلِيُّ، القَسرِيُّ. وَقَسرٌ: مِن قَحطَانَ. هُوَ مِن أَعيَانِ الصَّحَابَةِ. حَدَّثَ عَنهُ: أَنَسٌ، وَالشَّعبِيُّ، وَأَولَادُهُ الأَربَعَةُ: المُنذِرُ، وَعُبَيدُ اللهِ، وَإِبرَاهِيمُ وَأَيُّوبُ، وَشَهرُ بنُ حَوشَبٍ، وَزِيَادُ بنُ عِلاقَةَ، وَحَفِيدُهُ أَبُو زُرعَةَ بنُ عَمرِو بنِ جَرِيرٍ، وَأَبُو إِسحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ. فَاقَ أَكثَرَ النَّاسِ فِي الجَمَالِ وَالقَامَةِ، قَالَ أَبُو عُثمَانَ النَّهدِيُّ: هُوَ مَولَى آلِ عُمَرَ بنِ حُرَيثٍ عَن عَبدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، وَقَالَ: رَأَيتُ جَرِيرَ بنَ عَبدِ اللهِ وَكَأَنَّ وَجهَهُ شِقَّةُ قَمَرٍ، وَقَالَ أَبُو نُعَيمٍ: طُولُهُ سِتَّةُ أَذرُعٍ وَطُولُ نَعلِهِ ذِرَاعٌ، وَكَانَ طَوِيلًا يَتفُلُ فِي ذِروَةِ -أَي أَعلَى- البَعِيرِ مِن طُولِهِ. كَانَ يَخضُبُ لِحيَتَهُ بِالزَّعفَرَانِ بِاللَّيلِ، وَيَغسِلُهَا إِذَا أَصبَحَ، فَتَخرُجُ مِثلَ لَونِ الذَّهَبِ. كَانَ مِن أَحسَنِ النَّاسِ وَجهًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِن أَغَضِّ النَّاسِ طَرفًا، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: «سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن نَظَرِ الفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَن أَصرِفَ بَصَرِي».اهـ وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُسَمِّيهِ يُوسُفَ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِجَمَالِهِ يَعنِي فِي حُسنِهِ، بَارَزَ مِهرَانَ أَحَدَ قَادَةِ الفُرسِ يَومَ القَادِسِيَّةِ فَقَتَلَهُ، كَانَ يَخضِبُ بِالصُّفرَةِ، هُوَ سَيِّدُ بَجِيلَةَ، وَلَم يَختَلِف أَهلُ الأَنسَابِ أَنَّ بَجِيلَةَ أُمُّهُم نُسِبُوا إِلَيهَا، وَقِيلَ فِي نَسَبِهَا: هِيَ بَجِيلَةُ بِنتُ صَعبِ بنِ عَليِّ بنِ سَعدِ العَشِيرَةِ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَفِي جَرِيرٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَولَا جَرِيرٌ هَلَكَت بَجِيلَه … نِعمَ الفَتَى، وَبَئِسَتِ القَبِيلَه
قِيلَ: أَسلَمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالثَّبَاتِ وَالهِدَايَةِ، وَقِيلَ أَسلَمَ قَبلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَربَعِينَ يَومًا، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَاختُلِفَ فِي إِسلَامِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي سَنَةِ الوُفُودِ سَنَةَ تِسعٍ، وَوَهَمَ مَن قَالَ: إِنَّهُ أَسلَمَ قَبلَ مَوتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَربَعِينَ يَومًا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: استَنصِتِ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَذَلِكَ قَبلَ مَوتِهِ ﷺ بِأَكثَرَ مِن ثَمَانِينَ يَومًا، وَكَانَ مَوتُ جَرِيرٍ سَنَةَ خَمسِينَ وَقِيلَ: بَعدَهَا. وَقَالَ البَغَوِيُّ: أَسلَمَ سَنَةَ عَشرٍ فِي رَمَضَانَ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَن يُنَاصِحَ المُسلِمَ، وَيُفَارِقَ المُشرِكِينَ.اهـ قَالَ جَرِيرٌ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: لَمَّا دَنَوتُ مِنَ المَدِينَةِ، أَنَختُ رَاحِلَتِي، وَحَلَلتُ عَيبَتِي [العَيبَةُ: وِعَاءٌ مِن أَدَمٍ، يَكُونُ فِيهَا المَتَاعُ]، وَلَبِستُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلتُ المَسجِدَ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَخطُبُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالحِدَقِ [الحِدَقُ جَمعُ حَدَقَةٍ بِالتَّحرِيكِ وَهِيَ العَينُ وَالتَّحدِيقُ شِدَّةُ النَّظَرِ، أَي نَظَرُوا إِلَيَّ]، فَقُلتُ لِجَلِيسِي: يَا عَبدَ اللهِ، هَل ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ مِن أَمرِي شَيئًا؟ قَالَ: نَعَم، ذَكَرَكَ بِأَحسَنِ الذِّكرِ، بَينَمَا هُوَ يَخطُبُ، إِذ عَرَضَ لَهُ فِي خُطبَتِهِ، فَقَالَ: (إِنَّهُ سَيَدخُلُ عَلَيكُم مِن هَذَا الفَجِّ مِن خَيرِ ذِي [أَي صَاحِبِ] يَمَنٍ [أَي مِن خَيرِ أَهلِ اليَمَنِ]، أَلَا وَإِنَّ عَلَى وَجهِهِ مَسحَةَ مَلَكٍ) [قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: يُقَالُ: عَلَى وَجهِهِ مَسحَةُ مَلَكٍ، ومَسحَةُ جَمالٍ: أَي أثرٌ ظَاهرٌ مِنهُ. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إلَّا فِي المَدحِ. أَي أثَرٌ مِنَ الجَمالِ، لِأَنَّهُم أَبَدًا يَصِفُونَ المَلَائِكَةَ بالجَمالِ.اهـ وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى جَمَالِهِ]. قَالَ: فَحَمِدتُ اللهَ. وَرُوِيَ عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ جَرِيرٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَلقَى لَهُ وِسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَى الأَرضِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَشهَدُ أَنَّكَ لَا تَبغِي عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلَا فَسَادًا)، فَأَسلَمَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا أَتَاكُم كَرِيمُ قَومٍ، فَأَكرِمُوهُ).اهـ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ قَد قَدِمَ جَرِيرٌ البَجَلِيُّ المَدِينَةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ عَشرٍ وَمَعَهُ مِن قَومِهِ خَمسُونَ وَمائَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (يَطلُعُ عَلَيكُم مِن هَذَا الفَجِّ مِن خَيرِ ذِي يَمَنٍ). فَطَلَعَ جَرِيرٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ قَومُهُ، فَأَسلَمُوا.اهـ) قَالَ: بَايَعْتُ (أَي عَاهَدتُ) رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (فَكَانَ جَرِيرٌ إِذَا اشتَرَى مِنهُ أَحَدٌ قَالَ: اعلَم أَنَّ مَا نَأخُذُ مِنكَ أَحَبُّ إِلَينَا مِمَّا نُعطِيكَ، فَانُظر مَاذَا تَرَى) (مِنْ جُمْلَةِ النّصِيحَةِ لِلمُسلِمِينَ أَنْ يُحِبَّ لَهُم ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهَ لَهُم ما يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لا يَغُشَّهُم، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ جَرِيرَ بنَ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيَّ مَرَّةً كَانَ فِي السُّوقِ فَرَأَى فَرَسًا أَعْجَبَهُ، وَكَانَ مَعَهُ عَبْدٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَب وَاشْتَرِ لِي هَذَا الفَرَسَ، ذَهَبَ مَوْلَاهُ إِلَى صَاحِبِ الفَرَسِ وَقَالَ: تَبِيعُهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ؟؟ قَالَ: لَا، فَصَارَ يُمَاكِسُهُ، قَالَ مَعِي هُنَا صَاحِبِي، تَذْهَبُ تُكَلِّمُهُ؟ قَالَ: نَعَم، ذَهَبَ إِلَيهِ فَقَالَ صَاحِبُ الفَرَسِ لِجَرِيرٍ: هَذَا مَوْلَاكَ قَالَ تَبِيعُهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ، أَلَيسَ فَرَسِي يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟؟ قَالَ لَهُ: بَلَى، فَرَسُكَ تُسَاوِي أَكْثَرَ، تَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؟؟ قَالَ: لَا، تَبِيعُهُ بِسَبْعِمِائَةٍ؟؟ قَالَ: لَا، تَبِيعُهُ بِثَمَانِمِائَةٍ؟؟ قَالَ: نَعَم، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِمَوْلَاهُ: إِنَّا قَدْ بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنَّهُ قَدْ سَأَلَنِي: فَرَسِي أَلَيسَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟؟ مَعْنَاهُ مَا أَغُشُّهُ، بَلْ لَا أَقُولَ لَهُ إِلَّا الحَقَّ!! لِأَنَّا قَدْ بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لِلمُسلِمِينَ أَنْ لَا يَغُشَّهُم، وَأَنْ يَسْعَى فِيمَا فِيهِ مَصلَحَتُهُم، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُم مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ لَهُم مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يُدافِعَ عَنْ أَمْوالِهِم وَأَعرَاضِهِم).
58- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيْكُمُ الْآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
الشَّرحُ: 58- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (وَكَانَ وَالِيًا عَلَى الكُوفَةِ زَمَنَ بَنِي أُمَيَّةَ فَمَاتَ، وَكَانَ جَرِيرٌ يَعرِفُ أَنَّ مَوتَ الأُمَرَاءِ كَثِيرًا مَا يَعقُبُهُ الفَوضَى وَالنِّزَاعَاتُ وَأُمُورٌ لَا تَنبَغِي، فَقَامَ نَاصِحًا لِأَهلِ الكُوفَةِ)، قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْوَقَارِ (أَيْ عَلَيكُمْ بِالرَّزَانَةِ) وَالسَّكِينَةِ (أَيِ السُّكُونِ، أَي هُوَ يَمنَعُهُم عَنِ الِاختِلَافِ وَالفِتَنِ) حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ (أَي حَتَّى يُعَيَّنَ لَكُم أَمِيرٌ)، فَإِنَّمَا يَأْتِيْكُمُ الْآنَ (يُهَوِّنُ عَلَيهِم ذَلِكَ، أَي يَأتِيكُم قَرِيبًا)، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ (أَيِ اطلُبُوا العَفوَ وَالمَغفِرَةَ مِنَ اللهِ لِأَمِيرِكُم)، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ (أَي فَإِنَّ الأَمِيرَ كَانَ يُحِبُّ أَن يَعفُوَ عَنكُم، وَالجَزَاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ)، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ (يُشِيرُ لَهُم إِلَى أَنَّهُ لَيسَ لَهُ غَرَضٌ دُنيَوِيٌّ فِيمَا يَعِظُهُم بِهِ، وَأَنَّهُ مُخلِصٌ فِي نَصِيحَتِهِ، وَيَعمَلُ بِمَا بَايَعَ عَلَيهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ): «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. (وَمِنَ النُّصحِ لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ أَن تَأمُرَهُم بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ، وَأَشَدُّ المُنكَرَاتِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِذَا رَأَينَا مَن وَقَعَ فِي كُفرٍ نَنهَاهُ وَنَأمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ).
السُّؤَالُ الفِقهِيُّ
هَل لِي أَن أَقضِيَ صَومَ قَرِيبِي مَاتَ وَلَم يَصُم؟
مَن مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ فَائِتٌ مِن رَمَضَانَ بِعُذرٍ أَو بِغَيرِ عُذرٍ وَمَاتَ بَعدَ التَّمَكُّنِ مِن قَضَائِهِ وَلَم يَقضِ أَي قَصَّرَ أُطعِمَ عَنهُ لِكُلِّ يَومٍ فَاتَ مِن تَرِكَتِهِ مُدُّ طَعَامٍ، عَلَى القَولِ الجَدِيدِ، وَالقَدِيمُ الَّذِي صَوَّبَ فِي الرَّوضَةِ الجَزمَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الإِطعَامُ بَل يَجُوزُ لِلوَلِيِّ أَيضًا أَن يَصُومَ عَنهُ بَل يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي شَرحِ المُهَذَّبِ. وَالوَلِيُّ يَصُومُ مُطلَقًا بِلَا إِذنِ أَحَدٍ، وَالوَلِيُّ هُوَ كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى المُختَارِ لِخَبَرِ مُسلِمٍ: «صُومِي عَن أُمِّكِ»، لِمَن قَالَت لَهُ: أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ نَذرٍ.
وَلَو كَانَ عَلَيهِ ثَلَاثُونَ يَومًا أَو أَكثَرَ فَصَامَهَا أَقَارِبُهُ أَي مَأذُونُو المَيِّتِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ، أَمَّا شَيخُنَا فَقَالَ إِنَّ الوَلِيَّ هُوَ القَرِيبُ الوَارِثُ، وَأَمَّا الأَجنَبِيُّ فَإِذَا أَرَادَ أَن يَصُومَ فَيَصُومُ بِإِذنٍ، يَستَأذِنُ وَلِيَّهُ وَيَصُومُ.
مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ
مِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ “الرَّحمَنِ”.
صَرفُ المَكرُوهِ عَن ذَاكِرِهِ وَحَامِلِهِ، وَيُذكَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ بَعدَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي جَمَاعَةٍ وَخَلوَةٍ فَيُخرِجُ الغَفلَةَ وَالنِّسيَانَ.
الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ..
سُبحَانَ الَّذِي لَا يَنبَغِي التَّسبِيحُ إِلَّا لَهُ، سُبحَانَ ذِي الفَضلِ وَالنِّعَمِ، سُبحَانَ ذِي العِزَّةِ وَالكَرَمِ، سُبحَانَ الَّذِي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ بِعِلمِهِ.
اللهم إِنَّا نسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغفِرَتِك، وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِن كُلِّ إِثمٍ، اللهم لا تَدَع لنا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلا هَمًّا إِلَّا فَرَّجتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللهم صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ؛ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَن ذِكرِكَ الغَافِلُونَ. رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. إِلَٰهِي أَعِنَّا عَلَى مَا تَبَقَّىٰ مِن شَهرِ رَمَضَانَ وَاجعَلهُ شَاهِدًا لَنَا لَا عَلَينَا. اللهم بَلِّغنَا بِفَضلِكَ لَيلَةَ القَدرِ، وَلَا تَحرِمنَا نُورَهَا وَبَرَكَتَهَا وَأجرَهَا وَسِرَّهَا. اللهم مَا تُنزِلهُ من خَيرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ وَمِنَحٍ وَهِبَاتٍ فِي هَٰذِهِ الأيَّامِ واللَّيَالِي المُبَارَكَةِ فَاجعَل لَنَا مِن ذَٰلِكَ نَصِيبًا وَحَظًّا وَافِرًا. وَاجعَلنَا مِنَ المَقبُولِينَ ومِنَ المَرحُومِينَ ومِنَ المَغفُورِ لهم وَمِن عُتَقَاءِ شَهرِ رَمَضَان يَا حَنَّانُ يَا مَنَّان.
اللهم اجعَل لَنَا فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ المُبَارَكَةِ وَمَا بَعدَهَا رَحمَةً وَهَنَاءً، وَأَبعِد عَنَّا ضِيقَ المَعِيشَةِ وَالعَنَاءَ، وَاجعَل عَيشَنَا فِي سَعَةٍ وَرَخَاءٍ، وَارفَع عَنا كُلَّ بَلَاءٍ، وَسَلِّمنَا مِن كُلِّ دَاءٍ، وَأَبدِل لَنا الكَدَرَ بِالصَّفَاءِ، وَاستَجِب لَنا كُلَّ دُعَاءٍ، وَحَقِّقَ لَنَا كُلَّ رَجَاءٍ، وَاجزِنَا اللهم خَيرَ الجَزَاءِ، وَارزُقنَا رُؤيَةَ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَزِيَارَتَهُ وَمُجَاوَرَتَهُ وَالمَوتَ فِي بَلَدِهِ وَشَفَاعَتَهُ وَالحَشرَ مَعَهُ وَشَربَةً مِن حَوضِهِ وَصُحبَتَهُ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى. اللهم ارزُقنَا رِزقًا حَلَالًا طَيِّبًا وَقَنِّعنَا بِمَا رَزَقتَنَا اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ وَحُسنَ اليَقِينِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخلِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ وَنَعُوذُ بِكَ أَن نُرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ وَنعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدُّنيَا وَنعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ. اللهم بِحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَبِكُلِّ أَسمَاءِكَ الحُسنَى وَعَظَمَتِهَا، يَا مَن يَقُولُ لِلشَّيءِ كُن فَيَكُونُ، أَن تُنزِلَ عَلَى الأَقصَى مِن جُنُودِكَ وَمَلَائِكَتِكَ مَن يُدَافِعُونَ عَنهُ، يَا قَدِيرُ يَا جَبَّارُ يَا كَرِيمُ اللهم بِقُوَّتِكَ وَبِغَوثِكَ وَبِحِفظِكَ لِمَنِ احتَمَى بِآيَاتِكَ، نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا شَدِيدَ البَطشِ، يَا عَظِيمَ القَهرِ يَا مَن لَا يُعجِزُهُ قَهرُ الجَبَابِرَةِ، وَلَا يَعظُمُ عَلَيهِ هَلَاكُ المُتَمَرِّدِينَ مِنَ المُلُوكِ وَالأَكَاسِرَةِ، أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم. اللهم اجعَل لِلمُرَابِطِينَ النُّصرَةَ وَالعِزَّةَ وَالغَلَبَةَ وَالقُوَّةَ وَالهَيبَةَ فِي قُلُوبِ أَعدَائِهِم يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللهم أَغِث أهلَ القُدسِ وأهلَ غَزَّةَ وأهلَ فِلَسطِينَ. اللهم اُشدُد أَزرَهُم، اللهم اربِط عَلَى قُلُوبِهِم، اللهم اُنشُرِ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِم. اللهم أَنزِل علَيهِمُ دِفئًا وسَلامًا وأمنًا وأمَانًا، وتَقَبَّل شُهَدَاءَهُم واشفِ مَرضَاهُم. اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم. رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ……