صحيح البخاري (13) | كتاب الإيمان | منهج أهل السنة في بيان معنى الإيمان والوعيد

صحيح الإمام البخاري

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ،
وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ.

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّفَقُّهَ فِي
الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ
بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…

الباب (24): بَابٌ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوْا فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُمَا﴾، [سُورَةُ

الحُجُرَاتِ:9]، فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ

دَلَالَةُ الآيَةِ عَلَى بَقَاءِ إِيمَانِ مُرتَكِبِ الكَبِيرَةِ التي هي دون الكفر

الشرح: (24) بَابٌ:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوْا فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُمَا﴾ (أَيِ ادعُوا الظَّالِمَ مِنهُمَا إِلَى حُكمِ اللهِ)، فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ (يُبَيِّنُ أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا
ارتَكَبَ مَعصِيَةً دُونَ الكُفرِ لَا يَخرُجُ عَنِ الإِيمَانِ، لِأَنَّ اللهَ سَمَّاهُم مُؤمِنِينَ مَعَ أَنَّهُمُ اقتَتَلُوا، وَمَعلُومٌ أَنَّ قِتَالَ المُؤمِنِ بِغَيرِ حَقٍّ حَرَامٌ، فَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ
مُرتَكِبَ الكَبِيرَةِ كَافِرٌ، أَو إِنَّهُ يَخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ وَيَكُونُ بِمَنزِلَةٍ بَينَ مَنزِلَتَينِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّاهُم مُؤمِنِينَ)

الآيةُ الكَرِيمَةُ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ وَتَصحِيحُ حُكمِ القِتَالِ

(وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوْا فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُمَا﴾، رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ الَّذِينَ كَفَّرُوا سَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَجَيشَهُ وَكَفَّرُوا مُعَاوِيَةَ
بنَ أَبِي سُفيَانَ وَجَيشَهُ عِندَمَا حَصَلَ القِتَالُ بَينَهُم فِي صِفِّينَ وَقَبلَ ذَلِكَ اقتِتَالُ النَّاسِ فِي مَعرَكَةِ الجَمَلِ، فَقَد سَمَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى (مُؤمِنِينَ) مَعَ أَنَّهُمُ اقتَتَلُوا، وَليُعلَم أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ وَاجِبُ الطَّاعَةِ عَلَى المُؤمِنِينَ، وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ مَن كَانَ مِنهُم بَدرِيًّا أَو أُحُدِيًّا، وَكَذَا كُلُّ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ
المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، فَلِذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا خَرَجُوا عَن طَاعَةِ الإِمَامِ، وَهُوَ أَي سَيِّدُنَا عَلِيٌّ كَانَ مَأمُورًا بِقِتَالِ مَن خَرَجَ عَلَيهِ، فَقَد رَوَى البَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ: «أُمِرتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالقَاسِطِينَ وَالمَارِقِينَ»، وَالنَّاكِثُونَ هُم أَهلُ
الجَمَلِ لِأَنَّهُم نَكَثُوا بَيعَتَهُ (أَي نَقَضُوا بَيعَتَهُ)، وَالقَاسِطُونَ هُم أَهلُ الشَّامِ لِأَنَّهُم
جَارُوا عَنِ الحَقِّ فِي عَدَمِ مُبَايَعَتِهِ، وَالمَارِقُونَ هُمُ الخَوَارِجُ أَهلُ النَّهرَوَانِ لِثُبُوتِ الخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِم أَنَّهُم يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ).

الحديث

31- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:
ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ:
أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ
يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».

تَرَاجِمُ رُوَاةِ الحَدِيثِ: حَمَّادُ بنُ زَيدٍ وَأَيُّوبُ وَالأَحنَفُ

الشَّرحُ: 31- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (حَمّادُ بنُ زَيد
بن دِرْهَم الأَزْدِي الجَهْضَمِي، أبو إِسْمَاعِيلَ البِصْرِيُّ الأَزْرَقُ. قَالَ ابنُ حِبَّانَ:
كَانَ ضَرِيرًا.
قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ: أَئِمَّةُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِم أَربَعَةٌ: سُفيَانُ الثَّورِيُّ
بِالكُوفَةِ، وَمَالِكٌ بِالحِجَازِ، وَالأَوزَاعِيُّ بِالشَّامِ، وَحَمَّادُ بنُ زَيدٍ بِالبَصرَةِ. وَقَالَ ابنُ
مَهدِيٍّ: مَا رَأَيتُ أَعلَمَ مِن هَؤُلَاءِ فَذَكَرَهُم سِوَى الأَوزَاعِيّ. وَلَم أَرَ أَحَدًا قَطُّ أَعلَمَ
بِالسُّنَّةِ وَلَا بِالحَدِيثِ الَّذِي يَدخُلُ فِي السُّنَّةِ مِن حَمَّادِ بنِ زَيدٍ. تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسعٍ وَسَبعِينَ وَمِائَةٍ)، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (هَذَا أَيُّوبُ السَّختِيَانِيُّ شَيخُ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ مَالِكٌ وَقَد سُئِلَ عَن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ: مَا حَدَّثتُكُم عَن أَحَدٍ إِلَّا وَأيُّوبُ أَفضَلُ مِنهُ، كُنتُ أَرمُقُهُ فِي الحَجِّ وَلَا أَسمَعُ مِنهُ غَيرَ أنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى أَرحَمَهُ، فَلَمَّا رَأَيتُ مِنهُ مَا رَأَيتُ وَإِجلَالَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَتَبتُ عَنهُ.اهـ

يَعنِي أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِندَهُ النَّبِيُّ ﷺ
يَبكِي مِن شِدَّةِ الشَّوقِ وَالحُبِّ لِرَسُولِ اللهِ
ﷺ، فَفَكَّرَ مَالِكٌ وَقَالَ:
إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ عِندَ ذِكرِ النَّبِيِّ ﷺ
فَهَذَا يَكُونُ مِن أَبعَدِ النَّاسِ كَذِبًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ كَتَبَ عَنهُ الحَدِيثَ. قَالَ النَّوَوِيُّ:
أَيُّوبُ بنُ أَبِي تَمِيمَةَ، وَهُوَ أَيُّوبُ ‌السَّختِيَانِيُّ ‌بِفَتحِ السِّينِ، إِمَامٌ مَشهُورٌ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ بِصرِيٌّ وَأَبُوهُ أَبُو تَمِيمَةَ، اسمُهُ كَيسَانُ مَاتَ سَنَةَ إِحدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.اهـ)
وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ (الأَحْنَفُ بنُ قَيْسِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ حُصَيْنٍ التَّمِيْمِيُّ، الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ، العَالِمُ النَّبِيْلُ، أَبُو بَحْرٍ التَّمِيْمِيُّ، أَحَدُ مَنْ يُضْرَبُ بِحِلْمِهِ وَسُؤْدُدِهِ المَثَلُ. اسْمُهُ:
ضَحَّاكٌ، وَقِيْلَ: صَخْرٌ.
وَشُهِرَ بِالأَحْنَفِ؛ لِحَنَفِ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ العَوَجُ وَالمَيْلُ.
أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ
وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ. كَانَ مِنْ قادة جَيْشِ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّيْنَ. وَقِيْلَ:
عَاشَتْ بَنُوْ تَمِيْمٍ بِحِلْمِ الأَحْنَفِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً. وَقَالَ خَالِدُ بنُ صَفْوَانَ:
كَانَ الأَحْنَفُ يَفِرُّ مِنَ الشَّرَفِ، وَالشَّرَفُ يَتْبَعُهُ. قَالَ مُغِيْرَةُ: ذَهَبَتْ عَيْنُ الأَحْنَفِ، فَقَالَ: ذَهَبَتْ مِنْ أَرْبَعِيْنَ
سَنَةً، مَا شَكَوْتُهَا إِلَى أَحَدٍ.
وَقِيْلَ: إِنَّ رَجُلًا خَاصَمَ الأَحْنَفَ، وَقَالَ: لَئِنْ قُلْتَ وَاحِدَةً،
لَتَسْمَعَنَّ عَشْرًا. فَقَالَ:
لَكِنَّكَ إِنْ قُلْتَ عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً.

وَمِنْ أَخبَارِ ‌الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَهُ فَسَكَتَ عَنهُ، فَشَتَمَهُ الرَّجُلُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَسَكَتَ عَنهُ، فَأَعَادَ فَسَكَتَ عَنهُ، فَبَكَى الرَّجُلُ وَقَالَ: وَالَهَفَاهُ!
مَا يَمنَعُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ إِلَّا هَوَانِي عِندَهُ! وَشَتَمَهُ رَجُلٌ حَتَّى أَوصَلَهُ إِلَى خِيَامِ أَهلِهِ، أَيْ: إِلَى مَنَازِلِ أَهلِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ ‌الأَحنَفُ بنُ قَيسٍ قَالَ: يَا هَذَا! قَرُبتُ مِنْ مَنَازِلِ الحَيِّ، فَلَا يَسمَعُكَ بَعضُ
سُفَهَائِنَا فَتَلقَى مَا تَكرَهُ.
وَقَالَ ‌الأَحنَفُ:
مَا تَعَلَّمتُ الحِلمَ إِلَّا مِنْ قَيسِ بنِ عَاصِمٍ
المِنقَرِيِّ، فَقَدْ قَتَلَ ابنُ أَخٍ لَهُ بَعضَ بَنِيهِ، فَأُتِيَ بِالقَاتِلِ مَكتُوفًا يُقَادُ إِلَيهِ، فَقَالَ: ذَعَرْتُمُ الفَتَى -أَيْ: خَوَّفْتُمُ الفَتَى- ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى الفَتَى فَقَالَ:
بِئسَ مَا فَعَلْتَ، أَنْقَصْتَ عَدَدَكَ، وَأَوْهَنتَ عَضُدَكَ، وَأَسْنَدْتَ عَدُوَّكَ، وَأَسَأْتَ لِقَومِكَ، وَأَخَذتَ إِثْمًا مِنْ رَبِّكَ،
وَقَطَعْتَ رَحِمَكَ، وَرَمَيتَ نَفسَكَ بِسَهمِكَ، خَلُّوا سَبِيلَهُ وَاحمِلُوا إِلَى أُمِّ القَتِيلِ الدِّيَةَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ غَيرِ قَومِنَا.
ثُمَّ انْصَرَفَ القَاتِلُ وَمَا حَلَّ قَيسٌ حَبْوَتَهُ وَلَا تَغَيَّرَ وَجهُهُ.اهـ وَعَنْهُ، قَالَ:
جَنِّبُوا مَجَالِسَنَا ذِكْرَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ، إِنِّي أُبْغِضُ الرَّجُلَ يَكُوْنُ وَصَّافًا لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْهِ ‌الْأَحْنَفُ فَقَالَ لَهُ ‌مُعَاوِيَة وَاللهِ يَا أَحنَفُ مَا أَذكُرُ يَوْمَ صِفِّينَ إِلَّا كَانَتْ فِي قَلبِي حَزَازَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
فَقَالَ لَهُ ‌الْأَحْنَفُ وَاللهِ يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ الْقُلُوبَ الَّتِي أَبغَضْنَاكَ بِهَا لَفِي صُدُورِنَا وَإِنَّ السُّيُوفَ الَّتِي قَاتَلْنَاكَ بِهَا لَفِي أَغمَادِهَا وَإِنْ تَدْنُ مِنَ الْحَرْبِ فِتْرًا نَدْنُ مِنْهَا شِبْرًا
وَإِنْ تَمشِ إِلَيْهَا نُهَرْوِلْ ثُمَّ قَامَ وَخَرَجَ وَكَانَتْ أُخْتُ
‌مُعَاوِيَةَ وَرَاءَ حِجَابٍ فَسَمِعَتِ الْكَلَامَ
فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَتَهَدَّدُ وَيَتَوَعَّدُ؟ فَقَالَ هَذَا الَّذِي إِذَا غَضِبَ غَضِبَ لِغَضَبِهِ مِائَةُ أَلفٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لَا يَدْرُونَ فِيمَ غَضِبَ.

وروي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُمَارَةَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ:
حَضَرْتُ جَنَازَةَ الأَحْنَفِ بِالكُوْفَةِ، فَكُنْتُ فِيْمَنْ نَزَلَ قَبْرَهُ، فَلَمَّا سَوَّيْتُهُ، رَأَيْتُهُ قَدْ فُسِحَ لَهُ مَدَّ بَصَرِي، فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ
أَصْحَابِي، فَلَمْ يَرَوْا مَا رَأَيْتُ. وتُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ) قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا

شَرحُ حَدِيثِ التَّقَاتُلِ وَتَأوِيلُهُ لِلقِتَالِ الظَّالِمِ

الرَّجُلَ (لِيَنصُرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومَ الجَمَلِ)، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ:
أَيْنَ تُرِيدُ؟
(أَي أَينَ تَذهَبُ؟) قُلْتُ:
أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ
(وَكَأَنَّ أَبَا بَكرَةَ لَم يَعرِف حَقِيقَةَ الحَالِ، الأَحدَاثُ حَدَثَت بِسُرعَةٍ فَلَم يَعرِف حَقِيقَةَ أَمرِ القِتَالِ، لِذَلِكَ
أَمَرَهُ أَن يَرجِعَ، وَلَو عَرَفَ لَمَا نَهَاهُ لِأَنَّ نُصرَةَ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ لَا بُدَّ مِنهَا)، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا (يَضرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا الآخَرَ ظُلمًا بِقَصدِ قَتلِهِ، وَهَذَا الحَدِيثُ لَا يَنطَبِقُ عَلَى سَيِّدِنَا عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ لَم يَكُن ظَالِمًا)
(فَالمَعنَى: إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا قَصَدَ إِتلَافَ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْنَى إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَامِلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ السِّلَاحَ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا
التَّقْرِيرِ لِيُطَابِقَ الشَّرْطُ الْجَزَاءَ)
فَالْقَاتِلُ (بِسَبَبِ مُبَاشَرَتِهِ قَتلَ صَاحِبِهِ) وَالْمَقْتُولُ (لِحِرصِهِ عَلَى ذَلِكَ) فِي النَّارِ» (أَي يَستَحِقَّانِ النَّارَ، وَقَد يَعفُو اللهُ عَنهُمَا، أَي هُمَا كَائِنَانِ فِي النَّارِ أَي إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُمَا)، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ
(أَي: حِكمَةُ دُخُولِهِ النَّارَ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ ظَلَمَ أَخَاهُ)، فَمَا بَالُ
الْمَقْتُولِ؟ (أَيِ المَظلُومِ)
قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (أَي كَانَ جَازِمًا
مُصَمِّمًا سَاعِيًا حَالَ المُقَاتَلَةِ عَلَى قَتلِ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ ظُلمًا، فَهُوَ كَذَلِكَ مُستَحِقٌّ لِلعَذَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَهَذَا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرَهُ) (فَأَثبَتَ النَّبِيُّ ﷺ
لِلثَّانِي المَعصِيَةَ بِعَزمِهِ عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ، وَلَيسَ العَزمُ كَالخَاطِرِ الَّذِي يَرِدُ عَلَى القَلبِ بِلَا إِرَادَةٍ،
وَلَيسَ هُوَ كَذَلِكَ كَالهَمِّ، كَمَا سَيَأتِي فِي حَدِيثٍ آخَرَ.
وَقَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: فِيهِ أَنَّ
الْحِرْصَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهِ)
(وَلَيسَ مَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ أَيَّ قِتَالٍ يَحصُلُ
بَينَ اثنَينِ مُسلِمَينِ يَكُونَانِ فِي النَّارِ، بَل إِنَّ القِتَالَ أَحيَانًا يَكُونُ بِحَقٍّ، وَمَعرُوفٌ مَعلُومٌ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِذَا كَانَ القِتَالُ بَيْنَ المُسْلِمَينِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا عِنْدَ البَزَّارِ: «إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا لِلدُّنْيَا فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ»، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا ظَالِمًا مُتَعَدِّيًا وَالآخَرُ مَظْلُومًا مُدَافِعًا لَا يَكُونُ المَظْلُومُ المُدَافِعُ فِي النَّارِ، لَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ النَّارِ، عَلَى مَا فَصَّلَهُ الفُقَهَاءُ وَبَيَّنُوهُ فِي كُتُبِهِم.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْوَعِيدُ إِذَا لَم يَكُونَا يَتَقَاتَلَانِ عَلَى تَأْوِيلٍ، وَإِنَّمَا يَتَقَاتَلَانِ عَلَى عَدَاوَةٍ أَو طَلَبِ دُنيَا وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَن قَاتَلَ أَهلَ الْبَغيِ أَو دَفَعَ الصَّائِلَ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِتَالِ لِلذَّبِّ عَن نَفسِهِ غَيرَ قَاصِدٍ بِهِ قَتلَ صَاحِبِهِ).

الباب (25): بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

مَعنَى ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ وَمَرَاتِبُ الذُّنُوبِ

الشَّرحُ: (25) ‌بَابٌ:
ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

(أَي أَنَّ الظُّلمَ بَعضُهُ أَشَدُّ مِن بَعضٍ، وَأَشَدُّهُ الكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَشَدُّ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطلَاقِ، وَأَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ هُوَ الْكُفْرُ، فَالْكُفْرُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللهُ أَيْ لِمَنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ إِلَى حَالَةِ الْيَأْسِ
مِنَ الْحَيَاةِ بِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَمَلائِكَةِ الْعَذَابِ أَوْ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ بِحَيْثُ أَيْقَنَ بِالْهَلاكِ وَنَحْوِهِ فَذَاكَ مُلْحَقٌ بِالْمَوْتِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكُفْرَ لا يُغْفَرُ إِلَّا بِالإِسْلامِ فِي
الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ مَقْبُولًا فِيهِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ فَلا يَمْحُو إِسْلامُهُ كُفْرَهُ.
فَالْكُفْرُ هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ وَبَعْدَهُ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَالشِّرْكُ هُوَ أَعْظَمُ الظُّلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وَقَوْلِهِ:
﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَمَعْنَاهُ أَكْبَرُ الظُّلْمِ هُوَ الْكُفْرُ)

تَنزِيهُ اللهِ عَنِ الظُّلمِ وَتَحرِيمُ نِسبَتِهِ إِلَيهِ

(وحُكمُ اللهِ لَا يُوصَفُ بِالظُّلمِ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَن ظُلمِ العَبِيدِ، هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الظُّلمِ وَالجَورِ، لِأَنَّ الظُّلمَ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فَالظُّلمُ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَقِيلَ التَّصَرُّفُ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ، فَلَو أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهلَ الأَرضِ لَم يَكُن ظَالِمًا لَهُم،

فَقَد جَاءَ عَنِ ابنِ الدَّيلَمِيِّ قَالَ: أَتَيتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ فَقُلتُ: يَا أَبَا المُنذِرِ إِنَّهُ حَدَثَ
فِي نَفسِي شَيءٌ مِن هَذَا القَدَرِ فَحَدِّثنِي لَعَلَّ اللهَ يَنفَعُنِي، قَالَ: إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ
أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم، وَلَو أَنفَقتَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ الله، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حَتَّى تُؤمِنَ بِالقَدَرِ وَتَعلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ وَمَا أَخطَأَكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ
عَلَى غَيرِ هَذَا دَخَلتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيتُ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ فَحَدَّثَنِي مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيتُ حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ فَحَدَّثَنِي مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيتُ زَيدَ بنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي مِثلَ
ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَاللهُ تَعَالَى لَوِ ابتَلَى عَبدًا صَالِحًا بِبَلَاءٍ فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ابتَلَى صَغِيرًا فَفِي الزُّبَدِ فِي الفِقهِ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ ابنُ رَسلَانَ:

كَذَا لَهُ أَن يُؤلِمَ الأَطفَالَا ***
وَوَصفُهُ بِالظَّالِمِ استَحَالَا

وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَا يَقُولُهُ بَعضُ السُّفَهَاءِ لِشَخصٍ ظَلَمَهُ: اللهُ يَظلِمُكَ، أَو يَقُولُ لَهُ اللهُ يَظلِمُكَ كَمَا ظَلَمتَنِي، فَمَن نَسَبَ الظُّلمَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَيِّ لَفظٍ كَانَ فَهُوَ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَمَا ذَكَرَ عُلَمَاءُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَكذِيبًا لِلقُرآنِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾.اهـ).

دُعَاءُ المَظلُومِ وَقَصَصُ إِجَابَةِ اللهِ لَهُ

(فَلَا يَنبَغِي أَيضًا أَنْ يُستَهَانَ بِأَثَرِ دُعَاءِ المَظلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، يَروِي ابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُ عَنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ:
بَنَى جَبَّارٌ قَصْرًا وَشَيَّدَهُ فَجَاءَتْ عَجُوزٌ مُسْلِمَةٌ فَبَنَتْ إِلَى
ظَهْرِ قَصْرِهِ كُوخًا تَعْبُدُ اللهَ فِيهِ، فَرَكِبَ الْجَبَّارُ يَوْمًا فَطَافَ بِفِنَاءِ الْقَصْرِ، فَرَأَى الْكُوخَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: امْرَأَةٌ هَا هُنَا ثَاوِيَةٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً، فَجَاءَتْ فَرَأَتْهُ قَدْ هُدِمَ، فَدَعَتِ اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَخَرَجَ المَلِكُ فِي مَوكِبِهِ، وَلَمَّا رَآهَا ضَحِكَ هَازِئًا مِنهَا، وَقَالَ لَهَا: وَمَاذَا تَنتَظِرِينَ بَعدَ هَدْمِ دَارِكِ؟ قَالَتْ: أَنْتَظِرُ وَعدَ رَبِّي، فَذَهَبَ المَلِكُ غَيرَ مُبَالٍ بِقَولَتِهَا، فَلَمَّا جَنَّ
اللَّيلُ خُسِفَ بِالمَلِكِ وَقَصرِهِ وَوُجِدَتْ عَلَى بَعضِ حِيطَانِهِ هَذِهِ الأَبيَاتَ:

أَتَهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزدَرِيهِ ****
وَمَا يُدْرِيكَ مَا صَنَعَ الدُّعاءُ

سِهَامُ اللَّيْلِ لا تُخْطِي وَلكِنْ ****
لَهَا أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ انْقِضَاءُ

فَلَا تَأمَنْ سِهَامَ اللَّيلِ وَاحْذَرْ ****
عَوَاقِبَهَا وَإِنْ طَالَ الرِّشَاءُ

وَقَدْ شَاءَ الإلَّهُ بِمَا تَرَاهُ ****
فَمَا لِلْمُلْكِ عِنْدَكُمُ بَقَاءُ

وَقِيلَ لَمَّا حُبِسَ بَعْضُ الْبَرَامِكَةِ وَوَلَدُهُ قَالَ:
يَا أَبَتِ بَعْدَ الْعِزِّ ‌صِرْنَا
‌فِي ‌الْقَيْدِ
وَالْحَبْسِ. فَقَالَ:
يَا بُنَيَّ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ غَفَلْنَا عَنْهَا وَلَمْ يَغْفُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا.

وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ حَكِيمٍ يَقُولُ: مَا هِبْت أَحَدًا قَطُّ هَيْبَتِي رَجُلًا ظَلَمْته وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا نَاصِرَ لَهُ إلَّا اللهُ يَقُولُ لِي حَسْبِي اللهُ، اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَك. وَمِمَّا ذُكِرَ أَنَّ كِسْرَى اتَّخَذَ مُؤَدِّبًا لِوَلَدِهِ يُعَلِّمُهُ وَيُؤَدِّبُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْوَلَدُ الْغَايَةَ فِي الخُلُقِ وَالْأَدَبِ جَلَبَهُ الْمُؤَدِّبُ يَوْمًا وَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا سَبَبٍ، فَحَقَدَ الْوَلَدُ عَلَى
الْمُعَلِّمِ إلَى أَنْ كَبِرَ وَمَاتَ أَبُوهُ، فَتَوَلَّى الْمُلْكَ بَعْدَهُ، فَجَلَبَ الْمُعَلِّمَ وَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ ضَرَبْتنِي فِي يَوْمِ كَذَا ضَرْبًا وَجِيعًا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا سَبَبٍ؟ فَقَالَ لَهُ
الْمُعَلِّمُ؟ اعْلَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّك لَمَّا بَلَغْت الْغَايَةَ فِي الْفَضْلِ وَالْأَدَبِ، عَلِمْتُ أَنَّك تَنَالُ الْمُلْكَ بَعْدَ أَبِيكَ، فَأَرَدْت أَنْ أُذِيقَك طَعْمَ الضَّرْبِ وَأَلَمَ الظُّلْمِ حَتَّى لَا تَظْلِمَ أَحَدًا بَعْدُ، فَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ وَصَرَفَهُ).

الحديث

32- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) قَالَ:
وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلمٍ﴾، قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ﴾».

شَرحُ آيَةِ الظُّلمِ وَتَفسِيرُ الظُّلمِ بِالشِّركِ

الشرح: 32- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح)
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ (أَي عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) قَالَ:
«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلمٍ﴾ (أَي بِشِركٍ، وَتِتِمَّتُهَا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهتَدُونَ﴾.اهـ)، قَالَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ (لَم يَفهَمُوا المُرَادَ عَلَى التَّمَامِ فِي
البِدَايَةِ، لِأَنَّ المُرَادَ بِالظُّلمِ فِي الآيَةِ الشِّركُ، وَظَاهِرُ الظُّلمِ المَعَاصِي) فَأَنْزَلَ
اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ﴾» (فَبَيَّنَ أَنَّ المُرَادَ بِالظُّلمِ هُنَا الكُفرُ بِأَنوَاعِهِ، فَالظُّلمُ عَلَى مَرَاتِبَ، وَأَعلَى الظُّلمِ الكُفرُ بِاللهِ).

بَابُ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ وَمَعنَى النِّفَاقِ العَمَلِيِّ

بَابُ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ

الشرح: بَابُ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ
(وَأَصلُ النِّفَاقِ: أَن يُظهِرَ الإِنسَانُ خِلَافَ مَا يُبطِنُ، وَيَكُونُ أَحيَانًا يُبطِنُ الكُفرَ وَيُظهِرُ الإِيمَانَ، وَلَيسَ هَذَا المُرَادَ هُنَا، بَلِ المُرَادُ هُنَا المُرَائِي فِي الطَّاعَاتِ وَالأَعمَالِ، لَا يَعمَلُ الأَعمَالَ الحَسَنَةَ للهِ تَعَالَى بَل
لِأَجلِ مَمدَحَةِ النَّاسِ، هَذَا لَهُ عَلَامَةٌ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ).

الحديث

33- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

شَرحُ عَلَامَاتِ المُنَافِقِ وَتَحرِيمُ الكَذِبِ

الشَّرحُ: 33- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ
(أَي عَلَامَةُ المُنَافِقِ فِي العَمَلِ ثَلَاثُ خِصَالٍ إِذَا اجتَمَعَت
فِي شَخصٍ فَهُوَ مُنَافِقٌ): إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ (أَي غَالِبُ أَحوَالِهِ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، لَيسَ أَنَّهُ يَعمَلُ ذَلِكَ عَلَى النُّدرَةِ، وَإِلَّا هَذِهِ الأَشيَاءُ قَد تَحصُلُ مِن بَعضِ الفُضَلَاءِ نَادِرًا ثُمَّ يَتُوبُ مِنهَا)
(قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ
الصَّادِقِينَ﴾، وَالكَذِبُ سَوَاءٌ قَالَهُ مَازِحًا أَو جَادًّا حَرَامٌ، إِن أَرَادَ أَن يُضحِكَ القَومَ أَم لَا، فَهَذَا حَرَامٌ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَصْلُحُ الكَذِبُ فِي جِدٍّ وَلَا هَزْلٍ».اهـ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ القَوْمَ ثم يَكْذِبُ لِيُضْحِكَهُم، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لهُ».اهـ
وَالكَذِبُ لَا يَصْلُحُ فِي جِدٍّ وَلَا فِي هَزْلٍ أَي مَزْحٍ وَلَو كَانَ المَقصِدُ إِضحَاكَ الحَاضِرِينَ وَلَو لَم يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلنَّاسِ فَهُوَ حَرَامٌ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«إِنِّي لأَمْزحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا».اهـ فَأَخبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ يَمزَحُ وَلَكِنْ لَا يَقُولُ إِلَّا
حَقًّا أَي أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَكْذِبُ فِي مُزَاحِهِ)، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ (لَم يَفِ بِمَا يَعِدُ)، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (يَخُونُ الأَمَانَةَ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الشَّرعِ).

الحديث

34- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

الأَربَعُ خِصَالٌ التي للمنافق وَالفَرقُ بَينَ الحَدِيثَينِ

الشَّرحُ: 34- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
قَالَ: «أَرْبَعٌ
(أَي أَربَعُ خِصَالٍ)
مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا (أَي كَانَت هَذِهِ الأَعمَالُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ مُرَاءٍ فِي الأَعمَالِ)، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا (حَتَّى يَترُكَهَا):
إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ (أَي هُوَ خُلُقٌ غَالِبٌ عَلَيهِ)، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا
عَاهَدَ غَدَرَ (وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَولِهِ ﷺ: «إِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»، أَي تَرَكَ الوَفَاءَ بِمَا عَاهَدَ
عَلَيهِ)، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»
(مَالَ عَنِ الحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِالبَاطِلِ، وَهَذَا يَرجِعُ إِلَى قَولِهِ ﷺ:
«وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»، فَكُلُّهَا فِي الحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ المَذكُورَةِ فِي الحَدِيثِ
الأَوَّلِ فِي هَذَا البَابِ). تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

الباب (27): بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الْإِيمَانِ

الشَّرحُ:

فَضلُ لَيلَةِ القَدرِ وَأَقوَالُ العُلَمَاءِ فِي تَسمِيَتِهَا

‌بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الْإِيمَانِ (نَوَّهَ اللهُ تَعَالَى بِشَأنِ لَيلَةِ القَدرِ
وَسَمَّاهَا بِلَيلَةِ القَدرِ، قِيلَ: لِأَنَّهَا تُقَدَّرُ فِيهَا الآجَالُ وَالأَرزَاقُ وَمَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنَ التَّدَابِيرِ الإِلَهِيَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ:
قَالَ العُلَمَاءُ: سُمِّيَت لَيلَةُ القَدرِ لِمَا تَكتُبُ فِيهَا المَلَائِكَةُ مِنَ الأَقدَارِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، يُكتَبُ مِن أُمِّ الكِتَابِ
فِي لَيلَةِ القَدرِ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي السَّنَةِ مِنَ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالأَرزَاقِ وَالآجَالِ، حَتَّى الْحُجَّاجُ؛ يُقَالُ:
يَحُجُّ فُلَانٌ وَيَحُجُّ فُلَانٌ.

قِيلَ لِلحُسَينِ بنِ الفَضلِ: أَلَيسَ قَد قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ؟ قَالَ: بَلَى، قِيلَ: فَمَا مَعنَى لَيلَةِ القَدرِ؟ قَالَ: سَوْقُ المَقَادِيرِ إِلَى
المَوَاقِيتِ، وَتَنفِيذُ القَضَاءِ الْمُقَدَّرِ.

وَقِيلَ سُمِّيَت لَيلَةَ القَدرِ مِن بَابِ التَّعظِيمِ لِأَنَّهَا ذَاتَ قِيمَةٍ وَقَدرٍ وَمَنزِلَةٍ عِندَ اللهِ تَعَالَى لِنُزُولِ القُرآنِ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا
كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾،

وَقِيلَ سُمِّيَت بِلَيلَةِ القَدرِ لِمَا يَنزِلُ فِيهَا مِنَ البَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ، وَأَنَّ الَّذِي يُحيِيهَا يَصِيرُ ذَا قَدرٍ، وَلِأَنَّ الأَرضَ تَضِيقُ فِيهَا عَنِ المَلَائِكَةِ.

لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةٌ بَلْجَةٌ؛ أَي مُشرِقَةٌ.
لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَمِن عَلَامَةِ يَومِهَا تَطلُعُ
الشَّمسُ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَنُزُولُ المَلَائِكَةِ أَفوَاجًا؛ وَتَكُونُ أَكثَرَ مِنَ الحَصَى عَلَى الأَرضِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَرفُوعًا: «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ تِلكَ اللَّيلَةَ أَكْثَرُ فِي الأَرضِ مِن عَدَدِ الحَصَى».
فَفِي لَيلَةِ القَدرِ تَنتَشِرُ المَلَائِكَةُ فِي الأَرضِ فَيَبطُلُ سُلطَانُ الشَّيَاطِينِ، وَفِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي لَيلَةِ القَدرِ:
«لَا يَخرُجُ شَيطَانُهَا حَتَّى يَخرُجَ فَجرُهَا».

وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ مِن حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ
فِيهَا: «وَمِن أَمَارَتِهَا أَنَّ الشَّمسَ فِي صَبِيحَتِهَا تَخرُجُ مُستَوِيَةً لَيسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثلَ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ لَا يَحِلُّ لِلشَّيطَانِ أَن يَخرُجَ مَعَهَا يَومَئِذٍ»،

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، قَالَ سَلَامٌ أَن يَحدُثَ
فِيهَا دَاءٌ أَو أَن يَستَطِيعَ شَيطَانٌ العَمَلَ فِيهَا).

الحديث

35- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

الشَّرحُ:

الحديث

35- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ (أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نَافِعٍ، الحَافِظُ الإِمَامُ الحُجَّةُ، أَبُو اليَمَانِ البَهرَانِيُّ الحِمصِيُّ. مَاتَ سَنَةَ إِحدَى وَعِشرِينَ وَمِائَتَينِ وَقِيلَ سَنَةَ اثنَتَينِ وَعِشرِينَ بِحِمصَ) قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا (أَي تَصدِيقًا بِأَنَّهَا حَقٌّ) وَاحْتِسَابًا (طَلَبًا لِلثَّوَابِ لَا رِيَاءً) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
(أَي مِنَ الصَّغَائِرِ مِمَّا سِوَى حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، أَمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا وَالوَفَاءُ بِهَا وَالقِيَامُ بِحَقِّهَا).

شَرحُ حَدِيثِ قِيَامِ لَيلَةِ القَدرِ وَشُرُوطُ الغُفرَانِ

الباب (28): بَابٌ: الْجِهَادُِ مِنَ الْإِيمَانِ

تَعرِيفُ الجِهَادِ وَأَقسَامُهُ وَمَعنَى المُجَاهَدَةِ

الشَّرحُ: (28) ‌بَابٌ:
الْجِهَادُِ مِنَ الْإِيمَانِ (الجِهَادُ:
هُوَ قِتَالُ الكُفَّارِ لِإِعلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالْمَقْصُودُ الأَصْلِىُّ مِنَ الْجِهَادِ حِفْظُ دِينِ الإِسْلامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لا
يَفْتِنَهُمُ الْكُفَّارُ وَلِنَشْرِ دِينِ اللَّهِ وَلِإِنْقَاذِ الْكُفَّارِ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِىِّ فِى النَّارِ رَحْمَةً بِهِمْ)

(وَمِنهُ المُجَاهَدَةُ، وَالمُجَاهَدَةُ ثَلَاثَةُ أَضرُبٍ:
مُجَاهَدَةُ العَدُوِّ الظَّاهِرِ، وَمُجَاهَدَةُ
الشَّيطَانِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ. وَتَدخُلُ الأَضرُبُ الثَّلَاثَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا في
اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وَقَد قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: «جَاهِدُوا أَهوَاءَكُم كَمَا تُجَاهِدُونَ أَعدَاءَكُم».

وَالمُجَاهَدَةُ تَكُونُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ، رَوَى أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأَمْوَالِكُم وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُم».اهـ وَهَذَا الحَدِيثُ
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّ مِن أَنوَاعِ الجِهَادِ أَن يُجَاهِدَ الشَّخصُ أَعدَاءَ الدِّينِ بِالبَيَانِ

الجِهَادُ بِالبَيَانِ وَالرَّدُّ عَلَى المُبتَدِعَةِ وَالمُلحِدِينَ

وَرَدُّ الشُّبَهِ الَّتِي يُورِدُهَا المُخَالِفُونَ لِعَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَكَم فِي هَذِهِ الأَيَّامِ نَجِدُ المَلَاحِدَةَ وَالمُنتَسِبِينَ لِلدِّينِ وَهُم يَقذِفُونَ الشُّبَهَ فِي قُلُوبِ أَبنَاءِ
المُسلِمِينَ فَيَضِلُّ كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، صِرنَا إِلَى زَمَانٍ نَسمَعُ فِيهِ بِمَن يَطعَنُ بِصِدقِ النَّبِيِّ
ﷺ، وَيَنسُبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ الخَطَأَ فِي أَمرِ التَّشرِيعِ، وَصِرنَا إِلَى زَمَانٍ يُكَذَّبُ فِيهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ الثَّابِتُ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ وَالمُتَّفِقِ عَلَى صِحَّتِهِ.

أَلَا تَرَونَ أُنَاسًا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ القَبرِ وَيَقُولُونَ عَنهُ خُرَافَةٌ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ، نَعَم بَلَغَت أَحَادِيثُ عَذَابِ القَبرِ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَمَا يَقُولُ الحَافِظُ الكِتَّانِيُّ وَالزَّبِيدِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ وَغَيرُهُم، أَلَا تَرَونَ هَذِهِ الأَيَّامَ مَن
طَلَعَ لِلنَّاسِ مِمَّن يَنسُبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى القَبَائِحَ وَالجِسمَ وَالمَكَانَ وَصِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَيَستَدِلُّ بِزَعمِهِ بِآيَاتٍ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. سَمِعنَا عَن بَعضِ هَؤُلَاءِ
المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلَى عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ بِالتَّحرِيفِ، يَقُولُونَ عَنِ اللهِ إِنَّهُ جَالِسٌ عَلَى عَرشِهِ وَإِنَّهُ يُوصَفُ بِصِفَاتِ البَشَرِ فَوَصَفُوا اللهَ بِالمَلَلِ وَالخِدَاعِ وَالمَكرِ الحَقِيقِيِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. بَعضُ هَؤُلَاءِ المُجَسِّمَةِ صَارَ يَقُولُ عَنِ اللهِ إِنَّهُ يُوصَفُ بِحَاسَّةِ الشَّمِّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الكُفرِ، وَصِرنَا إِلَى زَمَانٍ نَسمَعُ فِيهِ بَعضَ أَدعِيَاءِ العِلمِ يَطعَنُونَ بِالصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَيَطعَنُونَ بِالبُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَعُلَمَاءِ
المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَعُلَمَاءِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَقَالَ بَعضُهُم عَنِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ: إِنَّهُمَا
يَهُودِيَّانِ، وَطَعَنُوا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن أَحَادِيثِ عَذَابِ القَبرِ وَأَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ وَنُزُولِ عِيسَى وَظُهُورِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَحَادِيثِ المَهدِيِّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ المُخَالِفِينَ الرَّدُّ عَلَيهِم مِن فُرُوضِ الدِّينِ، وَهُوَ المَقصُودُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ:
«جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُم».

وَلِذَلِكَ قَالَ شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
«الْجِهَادُ قِسْمَانِ: جِهَادٌ بِالسِّنَانِ أَيْ السِّلَاحِ وَجِهَادٌ بِالْبَيَانِ.
الْجِهَادُ بِالْبَيَانِ الْيَوْمَ فِي إِمْكَانِنَا، الْجِهادُ بِالْبَيَانِ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ فَرْضٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَتَعلُّمُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِإِبْطَالِ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَفْرَضِ الْفُرُوضِ، أَهَمُّ مِنَ الِاشتِغَالِ
بِالنَّوافِلِ، وَفِي هَذَا فَلْيَرْغَبِ الرَّاغِبُونَ وَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ».اهـ

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ (كَانَ أَبُو سُلَيمَانَ الدَّارَانِيُّ مَضرِبَ المَثَلِ فِي العِبَادَةِ مِن أَهلِ الشَّامِ مِثلَمَا كَانَ الحَسَنُ البِصرِيُّ بِالبَصرَةِ، وَهُوَ مِن أَبرَزِ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ
الحَقِيقِيَّةِ فِي القَرنِ الثَّالِثِ الهِجرِيِّ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِعَابِدِ أَهلِ الشَّامِ وَزَاهِدِ العَصرِ (140-205)، اسمُهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَطِيَّةَ): قَالَ: لَيْسَ الْجِهَادُ فِي الْآيَةِ قِتَالَ الْكُفَّارِ فَقَطْ بَلْ هُوَ نَصْرُ الدِّينِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَقَمْعُ الظَّالِمِينَ، وَعِظَمُهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْهُ مُجَاهَدَةُ النُّفُوسِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَهُوَ
الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ.اهـ).

الحديث

36- حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ».

الشَّرحُ:

الحديث

36- حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ (أَي تَكَفَّلَ اللهُ لَهُ بِالثَّوَابِ العَظِيمِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَن سُرعَةِ الإِثَابَةِ) لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي (أَي إِيمَانٌ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَي إِنَّ الدَّافِعَ وَالمُحَرِّكَ لَهُ عَلَى الخُرُوجِ لِلقِتَالِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَالتَّصدِيقِ بِالأَنبِيَاءِ الكِرَامِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ (أَي إِلَى بَلَدِهِ) بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ (وَإِن لَم يَغنَم فَإِنَّهُ رَجَعَ بِالثَّوَابِ العَظِيمِ) أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ (بَعدَ المَوتِ فَورًا إِذَا مَاتَ شَهِيدًا) (فَيَكُونُ مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ضَمِنَ أَنَّ الخَارِجَ لِلجِهَادِ يَنَالُ خَيرًا بِكُلِّ حَالٍ، فَإِمَّا أَن يُستَشهَدَ فَيَدخُلَ الجَنَّةَ، وَإِمَّا أَن يَرجِعَ بِأَجرٍ، وَإِمَّا أَن يَرجِعَ بِأَجرٍ وَغَنِيمَةٍ) (قال ﷺ: مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ، إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَة. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. مَعنَى الحَدِيثِ: أَنَّ المُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ إِذَا أَرَادَ اللهُ بِهِ الكَرَامَةَ فَقُتِلَ فِي سَبِيلِهِ شَهِيدًا فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ مِن أَلَمِ القَتلِ وَمُعَالَجَةِ المَوتِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا مِن أَلَمِ القَرصَةِ أَي: قَرصَةِ نَحوِ النَّملَةِ مِن كُلِّ مُؤلِمٍ أَلَمًا خَفِيفًا سَرِيعِ الِانقِضَاءِ لَا يُعَقِّبُ عِلَّةً وَلَا سَقَمًا)، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي (أَي لَولَا أَن تَلحَقَ المَشَقَّةُ أُمَّتِي وَأَصحَابِي) مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ (أَي لَخَرَجتُ خَلفَ كُلِّ سَرِيَّةٍ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، لَكِن لِأَنَّ الأُمَّةَ يَشُقُّ عَلَيهَا ذَلِكَ لَم أَخرُج، بَل كُنتُ أَخرُجُ مَرَّةً بَعدَ أُخرَى، لِأَنَّهُم لَو رَأَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخرُجُ لَأَصَابَهُم حُزنٌ شَدِيدٌ إِذَا لَم يَستَطِيعُوا الخُرُوجَ مَعَهُ، أَو لَتَكَلَّفُوا الخُرُوجَ عَلَى المَشَقَّةِ لِمَا بِهِم مِنَ الفَقرِ وَالحَاجَةِ، فَفِي هَذَا الحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الرِّفقِ بِالمُسلِمِينَ، وَالسَّعيُ فِي زَوَالِ المَكرُوهِ وَالمَشَقَّةِ عَنِ المُسلِمِينَ)، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» (لِيَتَكَرَّرَ لَهُ ثَوَابُ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ عَظِيمِ مَا لِلشَّهِيدِ مِنَ الثَّوَابِ وَالأَجرِ، وَيَدُلُّ عَلَى استِحبَابِ طَلَبِ المَوتِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) (وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ لِرَحمَتِهِ ﷺ، وَإِثبَاتُ هَذَا كَثِيرٌ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ ﷺ يَسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِهِ رَحمَةً بِأُمِّهِ، ومِن شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ ﷺ تَخفِيفُهُ وَتَسهِيلُهُ عَلَيهِم كَرَاهَتُهُ أَشيَاءَ مَخَافَةَ أَن تُفَرَضَ عَلَيهِم، كَقَولِهِ ﷺ:
«لَولَا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَنَهيُهُم عَنِ الوِصَالِ، وَلَمَّا كَذَّبَهُ قَومُهُ أَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيكَ، وَقَد أَمَرَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئتَ فِيهِم، فَنَادَاهُ مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَقَالَ:
مُرنِي بِمَا شِئتَ، إن شِئتَ أَن أُطبِقَ عَلَيهِمُ الأَخشَبَينِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللهُ مِن أَصلَابِهِم مَن يَعبُدُ اللهَ وَحدَهُ وَلَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ).

شَرحُ حَدِيثِ انتِدَابِ اللهِ لِلمُجَاهِدِ وَفَضلُ الشَّهَادَةِ

الباب (29): بَابٌ: تَطَوُّعُِ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَانِ

الشَّرحُ: (29) ‌بَابٌ:
تَطَوُّعُِ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَانِ (أَي بِالتَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ وَغَيرِهَا

فَضلُ قِيَامِ رَمَضَانَ وَالحَثُّ عَلَى اغتِنَامِ شَهرِهِ

مِنَ الطَّاعَاتِ، كَقِرَاءَةِ القُرآنِ وَكَحُضُورِ مَجَالِسِ العِلمِ)

الحديث

37- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

الشرح: 37- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ (تَنَفَّلَ فِي لَيَالِيهِ

شَرحُ حَدِيثِ «مَن قَامَ رَمَضَانَ» وَعَظَمَةُ شَهرِ رَمَضَانَ

بِالتَّرَاوِيحِ وَنَحوِ ذَلِكَ) إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (أَي مِنَ
الصَّغَائِرِ، وَقَد يَغفِرُ اللهُ لَهُ بَعضَ الكَبَائِرِ بِبَعضِ الحَسَنَاتِ)» (قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾. وقد فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى بِحِكمَتِهِ بعضَ الشُّهُورِ عَلَى بَعضٍ، وَذَلِكَ لِيُقبِلَ العِبَادُ
إِلَى إِعمَارِ تِلكَ الأَيَّامِ بِالتَّعَبُّدِ وَالنَّيلِ مِن فَضَائِلِهَا، وَهَا هُوَ أَفضَلُ الشُّهُورِ عَلَى الإِطلَاقِ، إِنَّهُ شَهرُ رَمَضَانَ، فِيهِ يُشَمِّرُ العَابِدُونَ، وَيَتَنَافَسُ المُتَنَافِسُونَ، ويُقبِلُ المُتَّقُونَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَد أَمَرَنا الشَّرعُ الحَنِيفِ بِتَقوَى اللهِ فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَقَصدِ رِضَا رَبِّنَا بِجَمِيعِ الأَقوَالِ وَالأَفعَالِ فِي كُلِّ أَيَّامِ العَامِ؛ فَإِيَّاكُم ومعصِيَتَهُ فإنَّها سَبَبُ الطَّردِ والنَّكَالِ، وَهَذَا رَمَضَانُ شَهرُ التَّوبةِ وَالإِقلَاعِ، وَالجِدِّ وَالإِسرَاعِ؛ أَنزَلَ اللهُ فيهِ
كَرِيمَ ذِكرِهِ، وَخَصَّهُ بلَيلَةِ قَدرِهِ. فَطُوبَى لِامرِئٍ أَحسَنَ الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَحَمَى جَوَارِحَهُ عن مَوارِد الآثَامِ، وَأَمسَكَ عَن فُضُولِ الكَلَامِ، وَلَم يَنطِق إِلَّا بِذِكرِ اللهِ، وَذَلِكَ مِمَّا
يُتَأَكَّدُ أَكثَرَ فِي رَمَضَانَ، فَهَنِيئًا لِمَنِ اغتَنَمَ الخَيرَاتِ خَيرَ اغتِنَامٍ، وَبُؤسًا وَتَعسًا وَبُعدًا لِامرِئٍ ظَلَمَ نَفسَهُ بِتَركِ الصِّيَامِ، أَو غَفَلَ عنِ الصَّلواتِ أَكثَرَ الأَيَّامِ، أَو سَوَّدَ
صَحِيفَتَهُ بِالآثَامِ، مُتَّخِذًا لَهُ رَاحَةً زَائِلَةً مَزعُومَةً فِي الدُّنيَا، وَتَنَعَّمَ وَتَفَنَّنَ بِالمَآكِلِ والمشَارِبِ بِالحَرَامِ، لَا وَاللهِ لَيسَ هَذَا حَالَ الفائِزِ بأَعَالِي المراتِبِ وَالدَّرَجَاتِ، وإنَّما الفَائِزُ مَن جرَّدَ نفسَهُ لِلطَّاعَةِ، وخَلَعَ ثيابَ الرَّاحةِ الدُّنيَوِيَّةِ
الزائلَةِ، واشتغَلَ بالخيرَاتِ لَيلَهُ ونهارَهُ.

رَوَى النَّسائِيُّ عن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
يَومًا فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبكِي لَا نَدرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فِي وَجهِهِ البُشرَى، فَكَانَت أَحَبَّ إِلَينَا مِن حُمرِ النَّعَمِ، ثُمَّ قَالَ:
«مَا ‌مِن
‌عَبدٍ ‌يُصَلِّي
‌الصَّلَوَاتِ ‌الخَمسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ الجَنَّةِ فَقِيلَ لَهُ: ادخُل بِسَلَامٍ».اهـ كُلُّ هَذَا يُرشِدُنَا إِلَى أَنَّ رَمَضَانَ فُرصَةٌ لَا تُعَوَّضُ، رَمَضَانُ لَن تَجِدَ شَهَرًا فِي السَّنَةِ
مِثلَهُ، قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ:
تَاللهِ لَو قِيلَ لِأَهلِ القُبُورِ تَمَنَّوا لَتَمَنَّوا
‌يَومًا ‌مِن
رَمَضَانَ.اهـ وَذَلِكَ لِمَا عَايَنُوا مِنَ الأَجرِ المُعَدِّ لِلصَّائِمِ).

الباب (30): بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ

الشَّرحُ:

‌بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ (أَي مُخلِصًا فِي النِّيَّةِ للهِ تَعَالَى

فَضلُ صِيَامِ رَمَضَانَ وَثَوَابُ المُخَالَفَةِ لِلنَّفسِ

طَالِبًا لِلثَّوَابِ)

الحديث

38- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

الشَّرحُ: 38- حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (اللهُ تَعَالَى يُعطِي الصَّائِمَ هَذَا الثَّوَابَ العَظِيمَ لِمَا لَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّفسِ وَالهَوَى، وَلَا يَخفَى مَا لِهَذَا الأَمرِ مِنَ الثَّوَابِ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ
يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ ‌بَعَّدَ ‌اللهُ
‌وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ
خَرِيفًا».اهـ فَكَيفَ إِذَا كَانَ هَذَا اليَومُ يَومًا مِنْ رَمَضَانَ، وَهَذَا لَهُ ثَوَابٌ عَظِيمٌ فِي صَحِيفَةِ العَبدِ المُؤمِنِ يَومَ القِيَامَةِ بِإِذنِ اللهِ،

رُؤَى الصَّالِحِينَ فِي ثَوَابِ الصِّيَامِ وَمَنزِلَتِهِ

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَتْحِ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَهُوَ المَعرُوفُ بِبِشرٍ الحَافِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَنَامِي وَهُوَ قَاعِدٌ فِي بُسْتَانٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَائِدَةٌ وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْهَا فَقُلْتُ لَهُ:
يَا أَبَا نَصْرٍ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَأَبَاحَنِي الْجَنَّةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ لِي: كُلْ مِنْ جَمِيعِ ثِمَارِهَا وَاشْرَبْ مِنْ أَنْهَارِهَا وَتَمَتَّعْ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا، كَمَا كُنْتَ تَمنعُ نَفْسَكَ عن الشَّهَوَاتِ فِي دَارِ الدُّنْيَا.اهـ

ورُوِيَ فِي فَضلِ الصِّيَامِ وَرُؤِيَ الشَّيءُ الكَثِيرُ وَمِنْ ذَلِكَ:

رُؤِيَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحمَةُ اللهِ عَلَيهِ فِي المَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ:
مَا كَانَ إِلَّا أَنْ وُضِعْتُ فِي اللَّحدِ فَإِذَا أَنَا وَاقِفٌ لِلحِسَابِ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِقَائِلٍ يَقُولُ سُفيَانُ؟ قُلتُ:
سُفيَانُ، قَالَ تَذكُرُ يَومًا آثَرتَ اللهَ عَلَى هَوَاكَ قُلتُ:
نَعَمْ، فَأَخَذَتْنِي صَوَانِي
(هِيَ الأَوَانِي وَهِيَ الأَوعِيَةُ الَّتِي يُصَانُ فِيهَا)
النِثَارِ (الدُّرِّ)
مِنَ
الجَنَّةِ.اهـ )

السُّؤَالُ الفِقهِيُّ

اذكُر شَيئًا مِن سُنَنِ الغُسلِ:

الجواب

التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِهِ مَعَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ.

وَالْوُضُوءُ كَامِلًا قَبْلَهُ وَهُوَ بَيَانٌ لِلأَكْمَلِ فَلَوْ أَخَّرَهُ حَصَلَتِ السُّنَّةُ وَيَنْوِي بِهِ الْمُغْتَسِلُ سُنَّةَ الْغُسْلِ إِنْ تَجَرَّدَتْ جَنَابَتُهُ عَنِ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ وَإِلَّا نَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ.

وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْجَسَدِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدَّلْكِ.

وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى مِنْ جِهَتَىْ بَدَنِهِ بَعْدَ غَسْلِ رَأْسِهِ عَلَى الْيُسْرَى فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ إِلَى أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُهُ إِلَى أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى.

وَالْمُوَالَاةُ وَهُوَ أَن يَغسِلَ الجُزءَ أَوِ العُضوَ مِن بَدَنِهِ قَبلَ جَفَافِ الآخَرِ.

والتَّثْلِيثُ أَي غَسلُ الأَعضَاءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.

وَتَخْلِيلُ الشَّعَرِ وَالأَصَابِعِ.

أَذكَارٌ لِمَن يُرِيدُ تَفرِيجَ الكَربِ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ لَهُ:

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً تُنجِينَا بِهَا مِن جَمِيعِ الأَهْوَالِ وَالآفَاتِ، وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ الحَاجَاتِ، وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِن جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ، وَتَرْفَعُنَا بِهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الغَايَاتِ مِن جَمِيعِ الخَيْرَاتِ فِي الحَيَاةِ وَبَعْدَ المَمَاتِ،
وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّم.

الدعاء الختامي

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ:

اللهم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفسِي وَشَرِّ الشَّيطَانِ وَشِركِهِ.

اللهم بِجَاهِ هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ اغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا اللهم ارحَمنَا إِذَا أَتَانَا اليَقِينُ، وَعَرِقَ مِنَّا الجَبِينُ، وَكَثُرَ مِنَّا الأَنِينُ. اللهم ارحَمنَا
إِذَا يَئِسَ مِنَّا الطَّبِيبُ، وَبَكَى عَلَينَا الحَبِيبُ، وَتَخَلَّى عَنَّا القَرِيبُّ. اللهم ارحَمنَا إِذَا اشتَدَّت عَلَينَا السَّكَرَاتُ، وَتَوَالَت عَلَينَا الحَسَرَاتُ وَفَاضَتِ العَبَرَاتُ، وَتَكَشَّفَتِ
العَورَاتُ، وتَعَطَّلَتِ القُوَى وَالقُدُرَاتُ.
اللهم ارحَمنَا إِذَا بَلَغَتِ التَرَاق وقِيلَ مَن رَاقَ
وتَأَكَّدَت فاجِعَةُ الفِرَاقِ لِلأَهلِ وَالرِّفَاقِ.

اللهم ارحَمنَا إِذَا كَفَّنُونَا وَعَلى الأَعنَاقِ حَمَلُونَا وَإِلَى قُبُورِنَا سَاقُونَا وَفِي التُّرَابِ وَضَعُونَا.
اللهم ارحَمنَا يَا رَبَّنَا إِذَا نُسِيَ اسمُنَا.

اللهم ارزُقنَا الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالنِّيَّةِ وَالعَمَلِ وَتَقَبَّل مِنَّا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالقِيَامَ وَالدُّعَاءَ، اللهم استَجِب دُعَاءَنَا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ…

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ، اللهم ارزُقنَا رُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ…

اللهم بِحَقِّ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ وَهَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ احفَظ أَهلَ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، بِعِزِّكَ الَّذِي لَا يُضَامُ أَرِنَا عَجَائِبَ قُدرَتِكَ فِي نَصرِهِم، اللهم اربِط عَلَى قُلُوبِهِم وَثَبِّتِ الأَرضَ تَحتَ أَقدَامِهِم، اللهم ثَبِّت أَقدَامَهُم عِندَ لِقَاءِ عَدُوِّكَ، اللهم إِنَّ اليَهُودَ
الغَاصِبِينَ قَد بَغَوا وَاستَكبَرُوا وَأَفسَدُوا فِي الأَرضِ فَزَلزِلهُم وَدَمِّرهُم وَأَرِنَا القُدسَ وَغَزَّةَ وَفِلَسطِينَ حُرَّةً أَبِيَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ يَا مُجِيبَ الدُّعَاءِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ وَمُجِيرَ المُستَضعَفِينَ…

اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ،
وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ… اللهم بِقُوَّتِكَ
نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم…

رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ…

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ
وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ…

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.