صحيح البخاري (6) | كتاب الإيمان | باب الإيمان وقول النبي ﷺ: بني الإسلام على خمس

الدرس السادس — كتاب الإيمان: باب الإيمان وقول النبي ﷺ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»

المقدمة

الحَمدُ للهِ الحَيِّ القَيُّومِ، رَفَعَ السَّمَاءَ وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ، وَأَمسَكَ الأَرضَ بِجِبَالٍ فِي التُّخُومِ، صَوَّرَ بِقُدرَتِهِ هَذِهِ الجُسُومَ، ثُمَّ أَمَاتَهَا وَمَحَا الرُّسُومَ، ثُمَّ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَإِذَا المَيِّتُ يَقُومُ، فَفَرِيقٌ إِلَى دَارِ النَّعِيمِ وَفَرِيقٌ إِلَى نَارِ السَّمُومِ، تُفتَحُ أَبوَابُهَا فِي وُجُوهِهِم لِكُلِّ بَابٍ مِنهُم جُزءٌ مَقسُومٌ، وَتُوصَدُ عَلَيهِم فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ فِيهَا لِلهُمُومِ وَالغُمُومِ، يَومَ يَغشَاهُمُ العَذَابُ مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم فَمَا مِنهُم مَرحُومٌ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مَن لِلَنَّجَاةِ يَرُومُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي فَتحَ اللهُ بِدِينِهِ بِلَادَ الفُرسِ وَالرُّومِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا هَطَلَتِ الغُيُومُ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ كِتَابِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا أَكمَلنَا كِتَابَ بَدءِ الوَحيِ بِفَضلِ اللهِ، وَنَبدَأُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

كِتَابُ الْإِيمَانِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

فضل نعمة الإيمان

نِعمَةُ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ هِيَ أَعظَمُ النِّعَمِ الَّتِي أَعطَانَا اللهُ إِيَّاهَا، قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: «نِعمَةُ الإسلامِ هِي أَقوَى رَابِطَةٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تُوَازِي رَوَابِطَ أُخْرَى، فَمِنْ هُنَا يَكُونُ مُتَحَتِّمًا عَلَينَا أَنْ نَتَحَابَّ ونَتَوَاصَلَ ونَتَزَاوَرَ وَنَتَنَاصَحَ». وَقَالُوا: «إِنَّ أَعْظَمَ نِعَمِ اللهِ عَلَى المُؤمِنِينَ هُوَ الإِسْلَامُ، فَمَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا وَفَّقَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ سُوْءًا لَمْ يُوَفِقْهُ لِلْإِسْلَامِ». «الإِسْلَامُ أَفْضَلُ نِعْمَةٍ يُؤْتَاهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا». «مَنْ لَمْ يَخْسَرْ رَأْسَ مَالِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَخْسَرْ، رَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ العَقِيْدَةُ، عَقِيْدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ بِحَمْدِ اللهِ مَوْجُوْدَةٌ فِيْنَا، الْجُمْهُورُ بَعْدُ عَلَى تِلْكَ الْعَقِيْدَةِ وَإِنْ قَصَّرْنَا فِي الْأَعْمَالِ، نَحْمَدُ اللهَ عَلَى ذَلِكَ». وَقَالُوا: «أَعْظَمُ نِعْمَةٍ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنْ يَرْزُقَهُ اللهُ تَعَالَى الْإِيمَانَ فَيَتَوَفَّاهُ مُؤْمِنًا». وَقَالُوا: «الْإِيمَانُ، اللهُ تَعَالَى جَعَلَهُ نُورًا وَوَضَعَهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَكُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ». «مَنْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا وَلَمْ يُعْطَ الْإِيمَانَ فَكَأَنَّمَا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا وَمَنْ أُعْطِيَ الْإِيمَانَ وَلَمْ يُعْطَ الدُّنْـيَا فَكَأَنَّمَا مَا مُنِعَ شَيْئًا».

فَأَعظَمُ نِعمَةٍ أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَينَا هِيَ الإِسلَامُ وَأَن جَنَّبَنَا الكُفرَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نِعمَةُ الإِيمَانِ أَفضَلُ مِنْ نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ، وَقَدِ اعتَادَ بَعضُ المُسلِمِينَ قَولَ كَلِمَةٍ حُلوَةٍ هِيَ: «الحَمدُ للهِ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَكَفَى بِهَا مِن نِعمَةٍ». يَقُولُ ﷺ:

«وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ»

— رَوَاهُ أَحمَدُ

تعريف الإيمان والمؤمن

وَالإِيمَانُ هُوَ الِاعتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، مَعَ الإِقرَارِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، المُؤمِنُ هُوَ مَن وَصَفَ اللهَ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ هُوَ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وُجُودًا مُنَزَّهًا عَنِ التَّقَطُّعِ وَالزَّوَالِ، المُؤمِنُ مَن عَظَّمَ خَالِقَهُ وَنَزَّهَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ.

تنزيه الله عن المكان والجسمية

المُؤمِنُ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

اللهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنَّا، غَنِيٌّ عَنِ المَلَائِكَةِ، لَا يَحتَاجُ إِلَى المَلَائِكَةِ وَلَا إِلَى الأَنبِيَاءِ وَلَا إِلَى الإِنسِ وَلَا إِلَى الجَانِّ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى العَرشِ، فَلَا يُوصَفُ بِالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ عَلَى العَرشِ، غَنِيٌّ عَنِ السَّمَاءِ فَلَا يَسكُنُ السَّمَاءَ، غَنِيٌّ عَنِ المَكَانِ، خَلَقَ المَكَانَ وَكَانَ مَوجُودًا قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَلَمَّا خَلَقَ المَكَانَ لَم يَتَغَيَّر، فَهُوَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، لَا يُوصَفُ بِالِاتِّصَالِ وَلَا بِالِانفِصَالِ وَلَا بِالحُدُودِ وَلَا بِالنِّهَايَاتِ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ البَشَرِ، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ.

باب الإيمان وقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس»

الفرق بين الإيمان والإسلام لغةً وشرعًا

هُنَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَابُ الإِيمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ جُزءًا مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي سَيَأتِي، وَهُوَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، يُشِيرُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ مُتَلَازِمَانِ شَرعًا، أَمَّا مِن حَيثُ اللُّغَةُ فَلِهَذَا مَفهُومٌ وَلِهَذَا مَفهُومٌ، الإِسلَامُ فِي لُغَةِ العَرَبِ مَعنَاهُ الانقِيَادُ وَالخُضُوعُ، وَالإِيمَانُ فِي لُغَةِ العَرَبِ التَّصدِيقُ، أَمَّا مِن حَيثُ الشَّرعُ: الإِيمَانُ لَا يَنفَكُّ عَنِ الإِسلَامِ حُكمًا، بَل هُمَا مُتَّحِدَانِ وَإِن تَغَيَّرَا بِحَسَبِ المَفهُومِ، قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: الإِيمَانُ وَالإِسلَامُ مُتَلَازِمَانِ، كَالظَّهرِ مَعَ البَطنِ لَا يَفتَرِقَانِ، وَهَذَا مَا عَلَيهِ أَهلُ العِلمِ.

فَالإِيمَانُ وَالإِسلَامُ مُتَلَازِمَانِ، فَالمُؤمِنُ مُسلِمٌ، وَالمُسلِمُ مُؤمِنٌ عِندَ الإِطلَاقِ مِن حَيثُ الشَّرعُ لَا فَرقَ بَينَهُمَا، فَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ عَن شَخصٍ: إِنَّهُ مُؤمِنٌ وَلَيسَ مُسلِمًا، بَلِ المُسلِمُ مُؤمِنٌ وَالمُؤمِنُ مُسلِمٌ كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ:

﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

فَوَصَفَ الخَارِجِينَ مَرَّةً بِأَنَّهُم مُؤمِنِينَ وَمَرَّةً بِأَنَّهُم مُسلِمِينَ. وَقَالَ تَعَالَى:

﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾

وَقَالَ تَعَالَى:

﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾

فَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، فَهُمَا شَيءٌ وَاحِدٌ لَا فَرقَ بَينَهُمَا مِن حَيثُ الإِطلَاقُ الشَّرعِيُّ.

أَمَّا مِن حَيثُ اللُّغَةُ فَيُوجَدُ اختِلَافٌ بين الايمان والاسلام فِي مَعنَاهُمَا، فَالإِيمَانُ لُغَةً التَّصدِيقُ، قَالَ إِخوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِم يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾

أَي وَمَا أَنتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا. وَالإِسلَامُ لُغَةً يُطلَقُ عَلَى الِاستِسلَامِ وَالخُضُوعِ، وَفِي هَذَا المَعنَى يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

أَيِ استَسلَمُوا وَخَضَعُوا. وَفِي مَعنَى الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ لُغَةً يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾

قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَندَلُسِيُّ فِي النَّهرِ المَادِّ مِنَ البَحرِ المُحِيطِ: «﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَت فِي بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيمَةَ قَبِيلَةٍ تُجَاوِرُ المَدِينَةَ، أَظهَرُوا الإِسلَامَ وَقُلُوبُهُم دَخِلَةٌ، إِنَّمَا يُحِبُّونَ المَغَانِمَ وَعَرَضَ الدُّنيَا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ كَذَّبَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي دَعوَى الإِيمَانِ، وَهَذَا فِي أَعرَابٍ مَخصُوصِينَ ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وَهُوَ الِانقِيَادُ وَالِاستِسلَامُ ظَاهِرًا».اهـ

وَقَالَ القُرطُبِيُّ: وَمَعْنَى ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي ظَاهِرِ إِيمَانِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبُهُمْ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ نَقِيضَهُمَا أَي عَكسَهُمَا وَاحِدٌ، فَنَقِيضُ الإِيمَانِ الكُفرُ وَنَقِيضُ الإِسلَامِ الكُفرُ.

نص البخاري: الإيمان قول وفعل يزيد وينقص

وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ:

  • ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ — [سُورَةُ الفَتحِ: 4]
  • ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ — [سُورَةُ الكَهفِ: 13]
  • ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ — [سُورَةُ مَريَمَ: 76]
  • ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ — [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 17]
  • ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ المُدَّثِّرِ: 31]
  • ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ التَّوبَةِ: 124]
  • ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ: 173]
  • ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ — [سُورَةُ الأَحزَابِ: 22]

وَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ مِنَ الْإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ:

﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ — [سُورَةُ البَقَرَةِ: 260]

وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ — [سُورَةُ الشُّورَى: 13]

أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ — [سُورَةُ المَائِدَةِ: 48]

سَبِيلًا وَسُنَّةً.

شرح: الإيمان قول — النطق بالشهادتين

وَهُوَ (أَيِ الإِيمَانُ) قَوْلٌ — المُرَادُ: النُّطقُ بِالشَّهَادَتَينِ، لِأَنَّ مِفتَاحَ الدُّخُولِ إِلَى الإِسلَامِ هُوَ النُّطقُ بِالشَّهَادَتَينِ، فَلَا يُقبَلُ إِسلَامُ شَخصٍ لَم يَنطِق بِالشَّهَادَتَينِ وَإِن فَعَلَ مَا فَعَلَ مِن صُوَرِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ.

فَالتَّوبَةُ مِنَ الكُفرِ تَكُونُ بِتَركِ هَذَا الكُفرِ وَالعَودِ إِلَى الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ. فَمَن نَطَقَ بِلِسَانِهِ وَلَم يُصَدِّقْ بِقَلبِهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، لَكِنَّنَا نَحكُمُ بِإِسلَامِهِ لِخَفَاءِ مَا يُبطِنُ عَلَينَا، وَأَمَّا عِندَ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ خَالِدٌ فِي النَّارِ إِنْ مَاتَ مِنْ غَيرِ التَّوبَةِ كَمَا قَالَ رَبُّنَا:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾

قضية عبد الله بن أُبي بن سلول

كَمَا حَصَلَ مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَإِنَّهُ كَانَ زَعِيمَ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ وَمَاتَ كَافِرًا. قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: وَصَلَّى عَلَيهِ إِجرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكمِ الإِسلَامِ. وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ: وَمُحَالٌ أَن يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ رَاعَى ظَوَاهِرَهُ مِنَ الإِقرَارِ وَوَكَّلَ سَرِيرَتَهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدِ اتَّضَحَ الأَمرُ بِنُزُولِ قَوله تَعَالَى:

  • ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
  • ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

شروط الإيمان عند العلماء

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُسلِمٍ: وَاتَّفَقَ أَهلُ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ المُؤمِنَ الَّذِي يُحكَمُ بِأَنَّهُ مِن أَهلِ القِبلَةِ وَلَا يَخلُدُ فِي النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَنِ اعتَقَدَ بِقَلبِهِ دِينَ الإِسلَامِ اعتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِنَ الشُّكُوكِ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَينِ.اهـ

قَالَ الحَلِيمِيُّ فِي كِتَابِهِ المِنهَاجِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الإِيمَانَ يَصِحُّ بِغَيرِ كَلِمَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، حَتَّى لَو قَالَ: (لَا إِلَهَ غَيرُ اللهِ) أَو (لَا إِلَهَ سِوَى اللهِ) أَو (مَا مِن إِلَهٍ إِلَّا اللهُ) أَو (لَا إِلَهَ إِلَّا الرَّحمَنُ) فَكَقَولِهِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).اهـ

وَقَالَ الأَردَبِيلِيُّ فِي الأَنوَارِ: وَيَصِحُّ الإِسلَامُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ.اهـ

وَقَالَ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّوضَةِ: وَقَالَ ـ أَيِ الشَّافِعِيُّ ـ فِي مَوضِعٍ: إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ صَارَ مُسلِمًا.اهـ

وَكَذَلِكَ تَوبَةُ المُرتَدِّ هِيَ الإِقلَاعُ عَنِ الكُفرِ فَورًا وَالنُّطقُ بِالشَّهَادَتَينِ. قَالَ الفَقِيهُ الحَنبَلِيُّ مَنصُورُ بنُ إِدرِيسٍ البُهُوتِيُّ فِي كَشَّافِ القِنَاعِ: وَتَوبَةُ المُرتَدِّ إِسلَامُهُ بِأَن يَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.اهـ

كُلُّ هَذَا أَخَذَهُ أَهلُ العِلمِ مِنْ نَحوِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المُتَوَاتِرِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا:

«أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»

شرح: الإيمان فعل — زيادة الإيمان ونقصانه

وَفِعْلٌ — أَي أَعمَالٌ ظَاهِرَةٌ بِالجَوَارِحِ، وَيَدخُلُ فِيهَا الِاعتِقَادَاتُ وَالعِبَادَاتُ، فَعُلِمَ أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنقُصُ بِالمَعصِيَةِ، وَهَذَا مَا عَلَيهِ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ.

وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ — قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: أَصْلُ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيْقُ يَزِيْدُ وَيَنْقُصُ مِن حَيْثُ القُوَّةُ وَالضَّعْفُ وَالتَّصْدِيْقُ مِنَ الكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ فَهُوَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فنَفْسُ التَّصْدِيقِ يَزِيدُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوْحِ الْأَدِلَّةِ وَلِهَذَا يَكُونُ إِيمَانُ الصِّدِّيقِينَ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيهِمُ الشُّبَهُ وَلَا يَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُمْ بِعَارِضٍ بَلْ لَا تَزَالُ قُلُوبُهُمْ مُنْشَرِحَةً نَيِّرَةً وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَحْوَالُ.

فَالقَوْلُ بِزِيَادَةِ اْلإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ هو مَذْهَبُ جُمْهُوْرِ الأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيْدِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ وَالبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَحُذَيْفَةَ وَمَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ وَالحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ: «لَقِيْتُ أَكْثَرَ مِن أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَمَاءِ بِالأَمْصَارِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُم يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الإِيْمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَزِيْدُ وَيَنْقُصُ».اهـ

آيات ذكرها البخاري تدل على زيادة الإيمان — والحب في الله

وَاستَدَلَّ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِهَذِهِ الآيَاتِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنقُصُ:

  • ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ — [سُورَةُ الفَتحِ: 4]
  • ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ — [سُورَةُ الكَهفِ: 13]
  • ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ — [سُورَةُ مَريَمَ: 76]
  • ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ — [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 17]
  • ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ المُدَّثِّرِ: 31]
  • ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ التَّوبَةِ: 124]
  • ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ — [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ: 173]
  • ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ — [سُورَةُ الأَحزَابِ: 22]

الحب في الله والبغض في الله من الإيمان

وَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ — أَيِ الحُبُّ وَالبُغضُ لِأَجلِ اللهِ وَامتِثَالًا لِأَمرِهِ — مِنَ الْإِيمَانِ. وَهَذَا لَفظُ حَدِيثٍ أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ:

«أَفضَلُ الأَعمَالِ الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغضُ فِي اللهِ»

وَسُئِلَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ الحُبِّ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: هُوَ أَلَّا تُحِبَّ لِطَمَعِ دُنيَا.اهـ

وَرُوِيَ عَن أَبِي زُرعَةَ بنِ عَمرِو بنِ جَرِيرٍ قَالَ: مَا تَحَابَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا كَانَ أَفضَلُهُمَا أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ.اهـ

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:

«إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»

أَيْ فِي ظِلِّ العَرشِ فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَعَن صِفَاتِ الأَجسَامِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

«أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ»

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عز وجل عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ — هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَصَافَوْا، يَضَعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ لِيُجْلِسَهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»

وَعِندَ ابنِ أَبِي الدُّنيَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَمُودٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ فِي رَأْسِ الْعَمُودِ مِائَةُ أَلْفِ غَرْفَةٍ فَتُضِيءُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا مَكْتُوبٌ فِي جِبَاهِهِمْ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ»

وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «وُجُوهُ الْمُتَحَابِّينَ مِنْ نُورٍ».اهـ

رسالة عمر بن عبد العزيز — فرائض الإيمان وشرائعه وسننه

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ — وَهُوَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَالخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ، دُرَّةٌ مِن دُرَرِ هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَمِن صُلَحَاءِ زَمَانِهِ وَمُجَدِّدُ القَرنِ الأَوَّلِ الهِجرِيِّ وَمَاحِي الفَقرِ وَالظُّلمِ، وَحَفِيدُ الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

رَوَى الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَ بِنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا رَحَلَ قَالَ لِي مَوْلَايَ: ارْكَبْ مَعَهُ فَشَيِّعْهُ، قَالَ: فَرَكِبْتُ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَإِذَا نَحْنُ بِحَيَّةٍ مَيْتَةٍ مَطْرُوحَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَنَزَلَ عُمَرُ فَنَحَّاهَا وَوَارَاهَا ثُمَّ رَكِبَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا خَرْقَاءُ يَا خَرْقَاءُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَسْأَلُكَ بِاللهِ أَيُّهَا الْهَاتِفُ… قَالَ: الْحَيَّةُ الَّتِي دَفَنْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا يَوْمًا:

«يَا خَرْقَاءُ، تَمُوتِينَ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَدْفِنُكِ خَيْرُ مُؤْمِنٍ مِنَ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ»

فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَانْصَرَفْنَا.اهـ

أهمية العلم في أداء فرائض الإيمان

إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ — تَابِعِيٍّ مِنْ أَولَادِ الصَّحَابَةِ كَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ —: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ — أَي أَعمَالًا مَفرُوضَةً يَجِبُ أَدَاؤُهَا، وَهَذِهِ الفَرَائِضُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالعِلمِ. فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ قَبلَ أَن يَدخُلَ فِي شَيءٍ أَن يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ تَعَالَى مِنهُ وَمَا حَرَّمَ.

جَاءَ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

«طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ»

— رَوَاهُ البَيهَقِيُّ

وَرَوَى البَيهَقِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: مِن عُلُومِ الدِّينِ عِلمُ عَامَّةٍ لَا يَسَعُ العَاجِزَ مَغلُوبًا عَلَى عَقلِهِ جَهلُهُ، مِثلُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ خَمسٌ، وَأَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى النَّاسِ صَومَ شَهرِ رَمَضَانَ وَحَجَّ البَيتِ إِنِ استَطَاعُوا وَزَكَاةً فِي أَموَالِهِم، وَأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيهِمُ الزِّنَا وَالقَتلَ وَالسَّرِقَةَ وَالخَمرَ.اهـ

حدود الإيمان وسننه

وَحُدُودًا — أَي مَنهِيَّاتٍ مَمنُوعَةً — وَسُنَنًا — أَي مَندُوبَاتٍ يُستَحَبُّ فِعلُهَا —، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ — استَدَلَّ بِهِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنقُصُ.

قَالَ تَعَالَى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى الشَّخصِ بِتَركِ النَّوَافِلِ الحَدِيثُ المَرفُوعُ — حَدِيثُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأسِ — هُوَ ضِمَامُ بنُ ثَعلَبَةَ — جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرنِي بِمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرَائِضَ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا وَلَا أَنقُصُ مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيئًا، فَقَالَ ﷺ:

«أَفلَحَ الرَّجُلُ إِن صَدَقَ»

— رَوَاهُ البُخَارِيُّ

وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ: «سِتَّةٌ لَعَنتُهُم وَلَعَنَهُمُ اللهُ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ»، ثُمَّ ذَكَرَ مِنهُم: «وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي»، فَمَعنَاهُ مَن خَالَفَ الصَّحَابَةَ وَخَرَجَ عَنهُم فِي المُعتَقَدِ.

قصة إبراهيم عليه السلام وطمأنينة القلب

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ:

﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ — [سُورَةُ البَقَرَةِ: 260]

أَي لِيَزدَادَ بَصِيرَةً وَسُكُونًا، أو لِيَزدَادَ يَقِينِي، أَو لِأَزدَادَ طُمَأنِينَةً فَوقَ طُمَأنِينَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِأَزدَادَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِي، فَمَعنَاهُ إِنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ.

لَم يَكُن سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيهِ سَلَامُ اللهِ شَاكًّا فِي قُدرَةِ اللهِ، وَهَكَذَا حَالُ الأَنبِيَاءِ وَحَالُ جَمِيعِ المُسلِمِينَ، لِأَنَّ الشَّكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ يُفسِدُ العَقِيدَةَ وَيَضُرُّ فِي الدِّينِ.

قَالَ الحَسَنُ: رَأَى إِبرَاهِيمُ جِيفَةً نِصفُهَا فِي البَرِّ تُوَزِّعُهَا السِّباعُ، وَنِصفُهَا فِي البَحرِ تُوَزِّعُهَا دَوَابُّ البَحرِ، فَلَمَّا رَأَى تَفَرُّقَهَا أَحَبَّ أَن يَرَى انضِمَامَهَا، فَسَأَلَ لِيَطمَئِنَّ قَلبُهُ بِرُؤيَةِ كَيفِيَّةِ الجَمعِ كَمَا رَأَى كَيفِيَّةَ التَّفرِيقِ؛ فَقِيلَ لَهُ:

﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾

فَأَخَذَ هَذِهِ الطَّيرَ حَسَبَ مَا أُمِرَ وَذَكَّاهَا ثُمَّ قَطَّعَهَا قِطَعًا صِغَارًا، وَخَلَطَ لُحُومَ البَعضِ إِلَى لُحُومِ البَعضِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن ذَلِكَ المَجمُوعِ المُختَلِطِ جُزءًا عَلَى كُلِّ جَبَلٍ، وَأَمسَكَ رُؤُوسَ الطَّيرِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَينَ بِإِذنِ اللهِ، فَتَطَايَرَت تِلكَ الأَجزَاءُ حَتَّى التَأَمَتْ مِثلَ مَا كَانَت أَوَّلًا، ثُمَّ جَاءَتهُ سَعْيًا عَلَى أَرجُلِهِنَّ.

رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

«نَحنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إِبرَاهِيمَ ﷺ، إِذ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾»

فَمَعنَى الحَدِيثِ: إِذَا لَم نَشُكَّ نَحنُ فِي قُدرَةِ اللهِ عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى مَعَ أَنَّنَا لَم نَرَ مَا رَآهُ فَإِبرَاهِيمُ أَولَى بِأَن لَا يَشُكَّ فِيهِ.

قَالَ الخَازِنُ فِي تَفسِيرِهِ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي قَولِهِ ﷺ: «نَحنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إِبرَاهِيمَ» عَلَى أَقوَالٍ كَثِيرَةٍ، فَأَحسَنُهَا وَأَصَحُّهَا مَا نَقَلَهُ المُزَنِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ أَنَّ الشَّكَّ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ إِبرَاهِيمَ.

وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: لَيسَ فِي قَولِهِ «نَحنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إِبرَاهِيمَ» اعتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفسِهِ، وَلَا عَلَى إِبرَاهِيمَ، لَكِن فِيهِ نَفيُ الشَّكِّ عَنهُمَا، يَقُولُ: إِذَا لَم أَشُكَّ أَنَا فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى فَإِبرَاهِيمُ أَولَى بِأَن لَا يَشُكَّ.

وَقَالَ القُرطُبِيُّ: فَمَعنَاهُ أَنَّهُ لَو كَانَ شَاكًّا لَكُنَّا نَحنُ أَحَقَّ بِهِ، وَنَحنُ لَا نَشُكُّ فَإِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَحرَى أَلَّا يَشُكَّ، فَالحَدِيثُ مَبنِيٌّ عَلَى نَفيِ الشَّكِّ عَن إِبرَاهِيمَ.اهـ

اليقين وجوهر التوحيد — أقوال العلماء

أقوال الصحابة والتابعين في اليقين

وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً — أَي نَزدَدْ إِيمَانًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعنَاهُ نَتَذَاكَرُ الخَيرَ وَأَحكَامَ الآخِرَةِ وَأُمُورَ الدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِيمَانٌ، فَيَجلِسَانِ وَيَذكُرَانِ اللهَ وَيَحمَدَانِهِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ — مَعنَاهُ: الَّذِي أَيقَنَ حَقَّ اليَقِينِ يَبعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى الإِقبَالِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالِازدِيَادِ مِنهَا، وَتِتِمَّتُهُ: «وَالصَّبرُ نِصفُ الإِيمَانِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ سَهْلٌ: اليَقِينُ مِن زِيَادَةِ الإِيمَانِ.

اليقين وحقيقة التوحيد عند أهل التصوف

وَقَالَ الجُنَيدُ: سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ التَّوحِيدِ فَقَالَ: هُوَ اليَقِينُ، فَقَالَ السَّائِلُ: بَيِّنَ لِي مَا هُوَ، فَقَالَ: هُوَ مَعرِفَتُكَ أَنَّ حَرَكَاتِ الخَلقِ وَسُكُونَهُم فِعلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ فَقَدْ وَحَّدتَهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُوَّةَ اليَقِينِ هِيَ جَوهَرُ التَّوحِيدِ، وَمَعنَاهُ: قُوَّةُ اليَقِينِ هِيَ شِدَّةُ اعتِقَادِ المُؤمِنِ بِأَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ المَوجُودَاتِ، وَأَنَّهُ مَوجُودٌ بِلَا كَيفِيَّةٍ وَلَا مَكَانٍ، وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا يَحصُلُ شَيءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ سُبحَانَهُ.

وَقَالَ الرِّفَاعِيُّ: التَّوحِيدُ وُجدَانُ تَعظِيمٍ فِي القَلبِ يَمنَعُ مِنَ التَّعطِيلِ وَالتَّشبِيهِ. أَي مِن قُوَّةِ اليَقِينِ الَّذِي فِي قَلبِهِ يَمتَنِعُ عَنِ الوُقُوعِ فِي التَّشبِيهِ وَالتَّعطِيلِ.

يَعنِي كَلَامُ سَيِّدِنَا الرِّفَاعِيِّ أَنَّ تَوحِيدَ اللهِ يَكُونُ بِإِثبَاتِ ذَاتٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ مُتَّصِفٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى مِن صِفَاتِ الجَلَالِ وَالكَمَالِ، مُنَزَّهٍ عَن صِفَاتِ النُّقصَانِ وَالِاحتِيَاجِ كَالزَّمَانِ وَالجِهَةِ وَالمَكَانِ. وَالتَّعطِيلُ مَعنَاهُ إِنكَارُ وُجُودِ اللهِ أَو إِنكَارُ قُدرَتِهِ أَو عِلمِهِ. وَالتَّشبِيهُ يَكُونُ بِوَصفِ اللهِ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، كَالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالحَجمِ وَالكَيفِ وَالهَيئَةِ وَالصُّورَةِ.

ابن عمر في التقوى — ومجاهد وابن عباس في الشريعة

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى — التَّقوَى: وِقَايَةُ النَّفسِ عَنِ الشِّركِ وَالأَعمَالِ السَّيِّئَةِ، والمُوَاظَبَةُ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ — حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ — أَي يَترُكَ مَا اضطَرَبَ فِي الصَّدرِ وَلَم يَنشَرِح لَهُ وَخَافَ الإِثمَ فِيهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ — [سُورَةُ الشُّورَى: 13]

أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ — أَي نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ — دِينًا وَاحِدًا، وَهُوَ الإِسلَامُ، فَالإِسلَامُ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ — [سُورَةُ المَائِدَةِ: 48]

سَبِيلًا — تَفسِيرُ مِنهَاجًا — وَسُنَّةً — تَفسِيرُ شِرعَةً.

السؤال الفقهي: دم النفاس وحكم الصلاة

س: إِذَا انقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ عَنِ المَرأَةِ قَبلَ أَربَعِينَ يَومًا هَل تَكُونُ طَهُرَت وَعَلَيهَا الِاغتِسَالُ لِلصَّلَاةِ؟

تنبيه مهم جدًّا

انتَشَرَ بَينَ بَعضِ النَّاسِ أَنَّهُ إِذَا وَلَدَتِ امرَأَةٌ يَقُولُونَ لَهَا أَنتِ لَا تُصَلِّينَ لِمُدَّةِ أَربَعِينَ يَومًا أَو لَا تُقبَلُ صَلَاتُكِ لِمُدَّةِ أَربَعِينَ يَومًا أَو نَحوَ ذَلِكَ، وَهَذَا لَيسَ دَقِيقًا، بَلِ الصَّوَابُ أَن يُقَالَ لَهَا: أَنتِ مَمنُوعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَا يَجُوزُ لَكِ أَن تُصَلِّي حَتَّى يَنقَطِعَ دَمُ النِّفَاسِ عَنكِ فَتَغتَسِلِي لِرَفعِ الحَدَثِ وَلَو كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِن أَربَعِينَ يَومًا، فَقَد يَنزِلُ دَمُ النِّفَاسِ زَمَنًا يَسِيرًا وَقَد يَنزِلُ مُدَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا أَو أَقَلَّ أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، فَليُنتَبَه مِن مِثلِ هَذَا القَولِ.

مختارات من الأدعية والأذكار

ما يقول من ضاع له شيء

عَنْ عُمَرَ بنِ كَثِيرِ بنِ أَفلَحَ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَضَلَّ شَيئًا:

«قُلِ: اللهم رَبَّ الضَّالَّةِ، هَادِيَ الضَّالَّةِ، تَهدِي مِنَ الضَّلَالَةِ، رُدَّ عَلَيَّ ضَالَّتِي بِقُدرَتِكَ وَسُلطَانِكَ مِن عَطَائِكَ وَفَضلِكَ»

— رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ

وَرُوِيَ أَنَّ مَن ضَاعَ لَهُ شَيءٌ يَقرَأُ سُورَةَ الضُّحَى، وَأَنَّهُ يَقُولُ:

«اللهم يَا جَامِعَ النَّاسِ لِيَومٍ لَا رَيبَ فِيهِ اجمَعنِي مَعَ ضَالَّتِي»

الدعاء الختامي

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ،

الحَمدُ للهِ الَّذِي تَوَاضَعَ كُلُّ شَيءٍ لِعَظَمَتِهِ وَذَلَّ كُلُّ شَيءٍ لِعِزَّتِهِ وَخَضَعَ كُلُّ شَيءٍ لِمُلكِهِ وَاستَسلَمَ كُلُّ شَيءٍ لِقُدرَتِهِ وَتَصَاغَرَ كُلُّ شَيءٍ لِكِبرِيَائِهِ،

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمرِ وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشدِ وَنَسأَلُكَ شُكرَ نِعمَتِكَ وَحُسنَ عِبَادَتِكَ وَنَسأَلُكَ قَلبًا خَاشِعًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا وَنَسأَلُكَ مِن خَيرِ مَا تَعلَمُ وَنَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا تَعلَمُ وَنَستَغفِرُكَ لِمَا تَعلَمُ فَإِنَّكَ تَعلَمُ وَلَا نَعلَمُ وَأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ،

اللهم اغفِر لَنَا مَا قَدَّمنَا وَمَا أَخَّرنَا وَمَا أَسرَرنَا وَمَا أَعلَنَّا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا فَإِنَّكَ أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَعَلَى كُلِّ غَيبٍ شَهِيدٌ،

اللهم بِعِلمِكَ الغَيبَ وَقُدرَتِكَ عَلَى الخَلقِ أَحيِنَا مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لَنَا وَتَوَفَّنَا مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لَنَا وَنَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ العَدلِ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ وَالقَصدَ فِي الغِنَى وَالفَقرِ،

اللهم زَيِّنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ،

اللهم اجعَلنَا مِن أَولِيَائِكَ المُتَّقِينَ وَحِزبِكَ المُفلِحِينَ وَعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاستَعمِلنَا لِمَرضَاتِكَ عَنَّا،

اللهم ارزُق إِخوَانَنَا فِي فِلَسطِينَ الصُّمُودَ وَالقُوَّةَ فِي وَجهِ الطُّغيَانِ وَانصُرهُم. اللهم أَنجِ المُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ. اللهم وَرُدَّ إِلَينَا المَسجِدَ الأَقصَى رَدًّا جَمِيلًا.

اللهم إِنَّا نَبرَأُ مِن حَولِنَا وَقُوَّتِنَا وَتَدبِيرِنَا إِلَى حَولِكَ وَقُوَّتِكَ وَتَدبِيرِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ لَا يُعجِزُكَ شَيءٌ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.

﴿رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ.

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….