المحتويات
- المقدمة
- الحديث التاسع: الإيمان بضع وستون شعبة
- (5) بَابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
- (6) بَابٌ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ
- (7) بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ
- (8) بَابٌ: مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
- (9) بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ
- السؤال: تفسير «وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا» — صفة العلم الإلهي
- مختارات من الأدعية والأذكار
- الدعاء الختامي
الدرس الثامن — كتاب الإيمان: شعب الإيمان، المسلم الكامل، إطعام الطعام، وحب الرسول ﷺ
المقدمة
الحَمدُ للهِ فَالِقِ النَّوَى وَالحُبُوبِ، وَخَالِقِ الصَّبَا وَالجَنُوبِ، المُنَزَّهِ عَنِ الآفَاتِ وَالعُيُوبِ، المُطَّلِعِ عَلَى خَفِيَّاتِ الغُيُوبِ، رَدَّ بَعدَ البُعدِ يُوسُفَ عَلَى يَعقُوبَ، يُبصِرُ دَبِيبَ الدَّمِ فِي العُرُوقِ وَيَسمَعُ أَخفَى أَصوَاتِ الأَورَاقِ يَصطَفِقنَ عَن هُبُوبٍ، أَرسَلَ الرِّيَاحَ اللَّوَاقِحَ تَحمِلُ السَّحَابَ عَلَى أَن يَؤوبَ، فَانفَجَرَت عُيُونُ المُزنِ فَجَدَّت كَدَمعِ الخَرِيرِ المَسكُوبِ، فَبَرَزَتِ الثِّمَارُ مِنَ الآكَامِ، تُنَادِي بِلِسَانِ الإِعلَامِ: مَا يَقدِرُ شَيءٌ مِنَ الأَصنَامِ عَلَى إِنشَاءِ أُنبُوبٍ،
﴿وَإِن يَسلُبهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَستَنقِذُوهُ مِنهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطلُوبُ﴾
أَحمَدُهُ عَلَى سَترِ الخَطَايَا وَالاقتِرَافِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ ﴿ق﴾، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي أُمِنَ بِبَيعَتِهِ الخِلافُ، وَعَلَى عُمَرَ صَاحِبِ العَدلِ وَالإِنصَافِ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ صَبرَ النِّظَافِ، وَعَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ مَحبُوبِ أَهلِ السُّنَّةِ الأَشرَافِ. وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم السَّادَةِ الأَشرَافِ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ… نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
الحديث التاسع: الإيمان بضع وستون شعبة
السند والمتن
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
شرح الحديث: معنى البضع والشعبة
«الْإِيمَانُ (أَي خِصَالُ الإِيمَانِ) بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» — قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: البِضْعُ فِي الْعَدَدِ -بِالْكَسْرِ- مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ. وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ، لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ العَدَدِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ: بِضْعَ سِنِينَ، وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وَالبُضعَةُ: بِالضَّمِّ أَيْ قِطْعَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُصْلَةُ أَوِ الْجُزْءُ. وَالشُّعبَةُ هِيَ فِي الْأَصْلِ غُصْنُ الشَّجَرِ وَفَرْعُ كُلِّ أَصْلٍ، وَأُرِيدَ بِهَا هُنَا الْخَصْلَةُ الْحَمِيدَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، وَفِي أُخْرَى: أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ بَابًا.
فضل الحياء الشرعي
«وَالْحَيَاءُ» — أَيِ الحَيَاءُ الشَّرعِيُّ، وَهُوَ خُلُقٌ يَبعَثُ عَلَى اجتِنَابِ القَبِيحِ وَيَمنَعُ مِنَ التَّقصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الحَقِّ — «شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». الشَّرعُ (الإِسْلَامُ) دَائِرٌ عَلَى هَذَا، أَي كُلُّ شَرَائِعِ الإِسلَامِ هَذَا الَّذِي فِيهَا، إِمَّا هِيَ أَمرٌ بِوَاجِبٍ أَوْ بِمَسنُونٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ حَرَامٍ أَو مَكرُوهٍ، وَدَعوَةٌ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ الإِنْسَانُ بِذَلِكَ. وَلَم يَحصُرِ النَّبِيُّ ﷺ شُعَبَ الإِيمَانِ فِي الحَدِيثِ لِيَجتَهِدَ المُؤمِنُ فِي كُلِّ خَصلَةِ خَيرٍ جَاءَت فِي القُرءَانِ وَالحَدِيثِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَرَاتِبَهَا مُتَفَاوِتَةٌ، وَإِلَى أَنَّ أَعلَى هَذِهِ الخِصَالِ الإِيمَانُ بِاللهِ تَعَالَى.
تشبيه الإيمان بالشجرة وأهمية ضرب الأمثال
فِي الْحَدِيثِ تَشْبِيهُ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَشُعَبٍ، كَمَا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ تَشْبِيهَ الْكَلِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. وَضَرْبُ الأَمثِلَةِ أَبلَغُ فِي إِيصَالِ المَعلُومَةِ حَتَّى فِي التَّوحِيدِ وَشَرحِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ.
آيات القرآن في ضرب الأمثال
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَوَحدَانِيَّتِهِ:
﴿أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلقُ عَلَيهِم قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى فِي بَيَانِ ثَبَاتِ أَصلِ التَّوحِيدِ فِي قَلبِ المُؤمِنِ:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
وَبِالمُقَابِلِ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ كَلِمَةِ الكُفرِ:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾
وَقَالَ فِي حَالِ مَنْ يَكفُرُ بِنِعَمِهِ:
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي امتِدَاحِ مَن يَفهَمُ الأَمثَالَ وَيَعتَبِرُ:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
(5) بَابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
المراد بالمسلم الكامل
الْمُرَادُ المُسلِمُ الكَامِلُ. وَهَذِهِ العِبَارَةُ جُزءٌ مِن حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ شَرِيفٍ. فَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ مَن لَم يَسلَمِ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُسلِمًا.
موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة
أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ لَا يُكَفِّرُونَ بِالذَّنبِ الَّذِي هُوَ دُونَ الكُفرِ أَحَدًا. فَلَيسَ مُرتَكِبُ المَعَاصِي دُونَ الكُفرِ كَافِرًا بِاللهِ وَلَا مُخَلَّدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ كَمَا يَعتَقِدُ الخَوَارِجُ. وَالْخَوَارِجُ هُمْ أَوَّلُ فِرْقَةٍ شَذَّتْ فِي الِاعْتِقَادِ عَنْ مُعْتَقَدِ الصَّحَابَةِ فَقَاتَلَهُمْ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ فَأَبَادَهُمْ. وَبَعضُ المُعتَزِلَةِ قَالُوا: إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَن يَتُوبَ لا هُوَ مُؤْمِنٌ وَلا هُوَ كَافِرٌ لَكِنْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ. وَأَمَّا أَهلُ السُّنَّةِ فَقَالُوا: إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لا يَكْفُرُ إِذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا.
فِي الطَّحَاوِيَّةِ يَقُولُ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ». وَهَذِهِ كَلِمَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالإِمَامِ الأَشعَرِيِّ كَذَلِكَ.
حكم الأشعري في تكفير المجسّم — دفع الشبهة
لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُم لَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا بِالمَرَّةِ، فَبَعضُ مَن يُطَالِعُ الكُتُبَ دُونَ تَلَقٍّ وَتَحقِيقٍ يَزعُمُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوِ الأَشعَرِيَّ لَا يُكَفِّرُونَ المُجَسِّمَ والعِيَاذُ بِاللهِ. وَالنَّصُّ الثَّابِتُ عَنِ الأَشعَرِيِّ مَا نَقَلَهُ البَاقِلَّانِيُّ عَن الشَّيخِ أَبِي الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: «إِنَّ هَذَا القَائِلَ غَيرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ وإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ» — يَعنِي مَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بَكرٍ: كَذَلِكَ القَولُ عِندَهُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ مَخلُوقٌ.
وَابنُ عَسَاكِرَ فِي «تَبْيِينِ كَذِبِ المُفتَرِي» حَكَى النَّصَّ العَامَّ بِلَفظِ: «وَنَرَى أَنْ لَا نُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهلِ القِبلَةِ بِذَنبٍ يَرْتَكِبُهُ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الخَمرِ كَمَا دَانَتْ بِذَلِكَ الخَوَارِجُ…»، وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ مُخَالَفَتِهِ لِلخَوَارِجِ فِي التَّكفِيرِ بِالذَّنبِ، لَا نَفْيَ الكُفرِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ يَدَّعِي الإِسلَامَ مَهمَا قَالَ أَو فَعَلَ. فَالنَّصَّانِ: أَحَدُهُمَا خَاصٌّ وَالآخَرُ عَامٌّ، وَيُقضَى بِالخَاصِّ الصَّرِيحِ عَلَى العَامِّ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الفِقهِ.
الحديث العاشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»
شرح الحديث العاشر
ترجمة شعبة بن الحجاج
شُعبَةُ هُوَ شُعبَةُ بنُ الْحَجَّاجِ بنِ الْوَرْدِ الْعَتَكِيُّ أَبُو بَسطَامٍ الوَاسِطِيُّ، الحَافِظُ الْعَلَمُ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَا شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيثُ بِالعِرَاقِ. وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: شُعْبَةُ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَّشَ بِالعِرَاقِ عَنْ أَمرِ الْمُحَدِّثِينَ وَجَانَبَ الضُّعَفَاءَ وَالمَترُوكِينَ. وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ.
وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ إِسمَاعِيلُ بنُ أَبِي خَالِدٍ البَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ، عَالِمٌ مُتقِنٌ صَالِحٌ ثِقَةٌ، كَانَ يُسَمَّى: الْمِيزَانَ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ خَمسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
معنى المهاجر الكامل
«الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» — أَيِ المُهَاجِرُ الكَامِلُ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ. فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ. وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ.
روايات أخرى للحديث
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (يَعنِي البُخَارِيَّ): وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
(6) بَابٌ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ
كَأَنَّهُ قَالَ: أَيُّ ذَوِي الإِسلَامِ أَفضَلُ؟ أَي أَيُّ المُسلِمِينَ أَفضَلُ؟ وَهَذَا السُّؤَالُ وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ بِأَكثَرَ مِن مَوضِعٍ.
أحاديث في أفضل الناس
كَمَا وَرَدَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَدَّثَهُ قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»
قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:
«مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»
وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
«مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»
وَفِي مُسنَدِ الطَّيَالِسِيِّ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ:
«مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»
وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ أَحمَدَ عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ ﷺ:
«خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ، وَأَتْقَاهُمْ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»
الحديث الحادي عشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
«مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»
شرح الحديث الحادي عشر
هَذَا الحَدِيثُ وَالَّذِي بَعدَهُ وَالَّذِي بَعدَهُ مُسَلسَلَاتٌ بِالكُوفِيِّينَ، أَي كُلُّ رُوَاتِهَا مِنَ الكُوفَةِ. وَالمَقصُودُ بِـأَبِي مُوسَى هُوَ أَبُو مُوسَى الأَشعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَظَهَرَ مِن طُرُقٍ أُخرَى أَنَّ القَائِلَ هُوَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَفسُهُ. وَمَعنَى «أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ» أَي أَيُّ المُسلِمِينَ أَفضَلُ.
(7) بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ
الإيمان شرط لقبول العمل الصالح
إِطعَامُ الطَّعَامِ مِن خِصَالِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ، وَلِهَذِهِ الخَصلَةِ فَضلٌ عَظِيمٌ. لَكِن لَا يَنتَفِعُ أَحَدٌ يَعمَلُ بِهَذِهِ الخَصلَةِ إِلَّا مَن كَانَ مُؤمِنًا، فَالإِيمَانُ شَرطٌ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَو كَانَت هَذِهِ الأَعمَالُ صَغِيرَةً قَلِيلَةً أَو كَثِيرَةً. فَأَمَّا غَيرُ المُؤمِنِ لَو أَطعَمَ الفُقَرَاءَ وَتَصَدَّقَ وَأَنقَذَ مَليُونَ مُسلِمٍ مِنَ المَجَاعَةِ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَةَ وَاحِدَةٌ لَهُ وَلَا ذَرَّةَ ثَوَابٍ.
قصة عبد الله بن جُدعان
عَبدُ اللهِ بنُ جُدعَانَ بنِ عَمرِو بنِ كَعبِ بنِ سَعدِ بنِ تَيمِ بنِ مُرَّةَ، سَيِّدُ بَنِي تَيمٍ، ابنُ عَمِّ وَالِدِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. كَانَ مِنَ الْكُرَمَاءِ الْأَجْوَادِ الْمُطْعِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمرِهِ فَقِيرًا شِرِّيرًا حَتَّى أَبغَضَهُ قَومُهُ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ حَائِرًا فَرَأَى شَقًّا فِي جَبَلٍ فَقَصَدَهُ لَعَلَّهُ يَمُوتُ، فَإِذَا ثُعبَانٌ — فَلَمَّا دَنَا مِنهُ إِذَا هُوَ مِن ذَهَبٍ وَلَهُ عَيْنَانِ هُمَا يَاقُوتَتَانِ، فَكَسَرَهُ وَأَخَذَهُ وَدَخَلَ الْغَارَ فَإِذَا فِيهِ قُبُورٌ لِرِجَالٍ مِن مُلُوكِ جُرهُمٍ وَعِندَهُم مِنَ الجَوَاهِرِ وَاللَّآلِئِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ شَيءٌ كَثِيرٌ. فَانصَرَفَ إِلَى قَومِهِ فَأَعطَاهُم حَتَّى أَحَبُّوهُ وَسَادَهُم، وَكَانَت لَهُ جَفنَةٌ يَأكُلُ مِنهَا الرَّاكِبُ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ دُونَ أَن يَنزِلَ، وَأَرسَلَ إِلَى الشَّامِ أَلفَيِ بَعِيرٍ تَحمِلُ البُرَّ وَالشَّهدَ وَالسَّمنَ، وَجَعَلَ مُنَادِيًا يُنَادِي كُلَّ لَيلَةٍ عَلَى ظَهرِ الكَعبَةِ: هَلُمُّوا إِلَى جَفنَةِ ابنِ جُدعَانَ.
وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ:
«لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»
أَي لَم يَكُن مُسلِمًا يُؤمِنُ بِالبَعثِ. وَكَانَ مُشرِكُو مَكَّةَ يَقُولُونَ مَا أَخبَرَ اللهُ عَنهُم:
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
وَرَدَّت عَلَيهِمُ الآيَاتُ الكَرِيمَةُ بِقَولِهِ تَعَالَى:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾
الحديث الثاني عشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
«تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»
شرح الحديث الثاني عشر — فضل إطعام الطعام
«تُطْعِمُ الطَّعَامَ» يَشمَلُ الأَكلَ وَالشُّربَ وَالضِّيَافَةَ وَالإِعطَاءَ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِن أَبنَاءِ المُسلِمِينَ فِي أَيَّامِنَا لَا يَجِدُ مَا يَأكُلُهُ هُوَ وَأَولَادُهُ عَلَى الإِفطَارِ فِي رَمَضَانَ.
أحاديث في إغاثة الملهوف وإدخال السرور
وَرَدَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»
قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ:
«يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»
قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ:
«يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ»
وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفضَلُ؟ قَالَ:
«أَن تُدخِلَ عَلَى أَخِيكَ سُرُورًا، وَتَقضِيَ عَنهُ دَينًا، أَو تُطعِمَهُ خُبْزًا»
وَوَرَدَ عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤمِنٍ سُرُورًا فَقَدْ سَرَّنِي وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدِ اتَّخَذَ عِنْدِي عَهدًا وَمَنِ اتَّخَذَ عِنْدِي عَهدًا فَلَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ أَبَدًا»
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ أَغَاثَ مَلهُوفًا غُفِرَ لَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا صَلَاحُ أَمرِهِ وَدِينِهِ وَثِنتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ فِي الْآخِرَةِ»
وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُسلِمِ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى يُثبِتَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ»
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ أَجْرَى اللهُ عَلَى يَدَيْهِ فَرَجًا لِمُسلِمٍ فَرَّجَ اللهُ عَنهُ كَربَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ عَالَ أَهلَ بَيتٍ مِنَ الْمُسلِمِينَ يَومَهُمْ وَلَيلَتَهُمْ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذنُوبَهُ»
قصيدة وموعظة ابن الجوزي في الميزان
قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي «بُستَانِ الوَاعِظِينَ»: ذُكِرَ أَنَّ العَبْدَ إِذا قَدِمَ إِلَى مِيزَانِهِ وَأُخرِجَتْ سِجِلَّاتُ سَيِّئَاتِهِ أَعظَمُ مِنْ جِبَالِ الدُّنْيَا، فَإِذَا وُجِدَتْ لَهُ صَدَقَةٌ طَيِّبَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا لَمْ يُرِدْ بِهَا إِلَّا وَجْهَ اللهِ تَعَالَى وَلَمْ يَطلُبْ بِهَا جَزَاءً مِن مَخلُوقٍ وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمعَةً فَإِنَّ تِلكَ الصَّدَقَةَ تُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ فَتَرجَحُ عَلَى جَمِيعِ سَيِّئَاتِهِ، وَقَدْ قِيلَ:
يَا جَامِعَ المَالِ يَرْجُوْ أَنْ يَدُومَ لَهُ … كُلْ مَا اسْتَطَعْت وَقَدِّمْ لِلمَوَازِينِ
وَلَا تَكُنْ كَالَّذِي قَدْ قَالَ إِذْ حَضَرَتْ … وَفَاتُهُ: ثُلُثُ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ
ثُمَّ قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: وَاعْمَلُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمِيزَانَ إِذَا نُصِبَ لِلْعَبدِ فَهُوَ مِنْ أَعظَمِ الْأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ ثَقُلَ مِيزَانُهُ فَقَدْ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشقَى بَعْدَهَا أَبَدًا وَإِنْ خَفَّ مِيزَانُهُ فَقَدْ خَسِرَ خُسرَانًا مُبِينًا.
فضل إفشاء السلام وأحكامه
«وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» — مَعنَاهُ لَا تَقتَصِر فِي السَّلَامِ عَلَى مَن عَرَفتَ، بَل تُفشِي السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَهُ وَمَن لَم تَعرِفهُ مِنَ المُسلِمِينَ. وَجَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ أَن يَكُونَ السَّلَامُ عَلَى المَعرِفَةِ.
وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ إِرسَالُ السَّلَامِ إِلَى الغَائِبِ. وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبلِيغُ السَّلَامِ إِذَا أَمكَنَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصحَابُنَا: وَهَذَا الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَى الفَورِ، وَكَذَا لَو بَلَغَهُ سَلَامٌ فِي وَرَقَةٍ مِن غَائِبٍ لَزِمَهُ أَن يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَيهِ بِاللَّفظِ عَلَى الفَورِ إِذَا قَرَأَهُ.
وَيُستَحَبُّ أَن يَرُدَّ عَلَى المُبَلِّغِ، لِمَا أَخرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَن رَجُلٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ أَنَّهُ بَلَّغَ النَّبِيَّ ﷺ سَلَامَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ:
«وَعَلَيكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ»
وَقَالَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لَمَّا بَلَّغَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَن جِبرِيلَ سَلَامَ اللهِ عَلَيهَا: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ وَمِنهُ السَّلَامُ، وَعَلَيكَ وَعَلَى جِبرِيلَ السَّلَامُ.
(8) بَابٌ: مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
الحديث الثالث عشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
شرح الحديث — حسن الخلق بين المسلمين
مِن خِصَالِ المُؤمِنِ الكَامِلِ أَن يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِهَذَا الحَدِيثِ:
«مَن أَحَبَّ أَن يُزَحزَحَ عَنِ النّارِ ويُدخَلَ الجنَّةَ فَلتأتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، وليَأْتِ إلى النَّاسِ بِما يُحِبُّ أَن يؤتى إِليهِ»
قول شيخنا في التعافي وحسن الظن
كَانَ يَقُولُ شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ: «تَعَوَّدُوا التَّعَافِيَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَمَّا الْحِقْدُ عَمَّا هُوَ إِسَاءَةٌ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ. أَلَيْسَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ؟ وَمُقَابَلَتُهُ بِالْإِحْسَانِ بَدَلَ الْإِسَاءَةِ؟».
موقف عمر الفاروق في حسن الظن
قَالَ شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ: «قَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مِنَ الْخِصَالِ القَبِيحَةِ أَنْ يَظُنَّ المُسلِمُ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فَمِ أَخِيهِ المُسلِمِ سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَها فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا».
وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ:
«وَلْتَأْتِ إِلَى النَّاسِ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوكَ»
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
وَثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَد انْقَطَعَ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا غَيْرَ ذلِكَ لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ».
وَمِنَ الأَمرِ المُهِمِّ فِيمَا بَينَ المُسلِمِينَ أَن يَتَحَابُّوا وَلَا يَتَتَبَّعَ أَحَدُهُم مَسَاوِئَ أَخِيهِ، «طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عَيبُهُ عَن عُيُوبِ النَّاسِ»، وَيَنبَغِي أَيضًا أَن يَتَزَاوَرُوا وَيَتَنَاصَحُوا وَيَتَطَاوَعُوا عَلَى مَا يُوَافِقُ شَرِيعَةَ اللهِ.
(9) بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي بِسَبَبِ دَعوَتِهِ استَنقَذَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النَّارِ. مِنَّةُ الأَبِ وَالأُمِّ مِنَّةٌ دُنيَوِيَّةٌ، أَمَّا مِنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فَإِنَّمَا هِيَ مَنفَعَةٌ أُخرَوِيَّةٌ بَحتَةٌ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَن تَكُونَ مَحَبَّتُنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوقَ مَحَبَّتِنَا لِأَيِّ مَخلُوقٍ.
الحديث الرابع عشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ»
شرح الحديث — وجوب محبة الرسول ﷺ فوق كل محبة
تنزيه الله عن اليد الجارحة
أَبُو الزِّنَادِ هُوَ عَبدُ اللهِ بنُ ذَكوَانَ الْقُرَشِيُّ. قَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: كَانَ سُفيَانُ يُسَمِّي أَبَا الزِّنَادِ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ. وَقَالَ اللَّيثُ: رَأَيتُ أَبَا الزِّنَادِ وَخَلفَهُ ثَلَاثُمِائَةِ تَابِعٍ مِن طَالِبِ فِقهٍ وَعِلمٍ وَشِعرٍ. مَاتَ فَجأَةً فِي مُغتَسَلِهِ سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَن سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَالأَعرَجُ هُوَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ هُرمُزَ، أَبُو دَاوُدَ الْمَدَنِيُّ، كَثِيرُ الحَدِيثِ مِن أَصحَابِ أَبِي هُرَيرَةَ، مَاتَ سَنَةَ سَبعَ عَشرَةَ وَمِائَةٍ.
«فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» — أَي بِقُدرَتِهِ، وَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِاليَدِ الجَارِحَةِ. «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أَي لَا يَكُونُ إِيمَانُهُ كَامِلًا «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» أَي مِن أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَولَادِهِ. وَالمُرَادُ أَن يَجعَلَ هَوَاهُ تَبَعًا لِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
الحديث الخامس عشر: السند والمتن
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ (الحَافِظُ ابنُ عُلَيَّةَ هُوَ إِسمَاعِيلُ بنُ إِبرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ أَبُو بَشَرٍ)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح) وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
شرح الحديث — أنواع المحبة الثلاثة
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أَي لَا يَكُونُ إِيمَانُهُ كَامِلًا. المَحَبَّةُ تَنقَسِمُ -بِاعتِبَارٍ- إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ:
محبة التعظيم
مَحَبَّةُ تَعظِيمٍ، كَمَحَبَّةِ الوَلَدِ لِوَالِدِهِ، مِنَ الأَدنَى لِلأَعلَى. الِابنُ يُحِبُّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَرَاهُمَا عَظِيمَينِ فِي نَظَرِهِ فَيَحتَرِمُهُمَا وَيُجِلُّهُمَا.
محبة الشفقة
مَحَبَّةُ شَفَقَةٍ وَرَحمَةٍ وَحُنُوٍّ، كَمَحَبَّةِ الأَبِ لِوَلَدِهِ، مِنَ الأَعلَى لِلأَدنَى. الأَبُ مُشفِقٌ عَلَى وَلَدِهِ لِدَرَجَةِ أَن يَقُومَ مِن نَومِهِ فِي اللَّيلِ إِذَا مَرِضَ الوَلَدُ حَتَّى يَذهَبَ مِن طَبِيبٍ لِطَبِيبٍ.
محبة المشاكلة
مَحَبَّةُ مُشَاكَلَةٍ وَاستِحسَانٍ، كَمَحَبَّةِ المُسلِمِ لِأَخِيهِ المُسلِمِ الَّذِي لَا تَربِطُهُمَا قَرَابَةٌ وَلَا نَسَبٌ، وَهِيَ لَيسَت دَائِمًا مِنَ الأَدنَى لِلأَعلَى وَلَا مِنَ الأَعلَى لِلأَدنَى.
السؤال: تفسير «وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا» — صفة العلم الإلهي
سُئِلَ عَن تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى:
﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ — [سُورَةُ الأَنفَالِ: 66]
الجَوَابُ: عِلمُ اللهِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، يَعلَمُ بِهَا كُلَّ شَيءٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ. وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيسَ رَاجِعًا لِقَولِهِ تَعَالَى ﴿الآنَ﴾، بَل المَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلمِهِ السَّابِقِ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيكُم ضَعفٌ. فَقَد نُسِخَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيهِم مِن مُقَاوَمَةِ الوَاحِدِ لِأَضعَافٍ كَثِيرَةٍ، فَصَارَ الوَاجِبُ مُقَاوَمَةَ وَاحِدٍ لِاثنَينِ رَحمَةً بِهِم.
وَالدَّلِيلُ العَقلِيُّ عَلَى صِفَةِ العِلمِ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَو لَم يَكُن عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَالجَهلُ نَقصٌ وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقصِ. وَمِنَ النُّصُوصِ النَّقلِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ — [سُورَةُ الحَدِيدِ: 3]
قَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فِي تَفسِيرِهِ «تَأوِيلَاتِ أَهلِ السُّنَّةِ»: «أَمَرَ اللهُ بِذَلِكَ مَع عِلمِهِ أَنَّ فِيهِم ضَعفًا».
مختارات من الأدعية والأذكار
ما يقول عند الغضب
عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعوَةً أَدعُو بِهَا لِنَفسِي؟ قَالَ:
«بَلَى، قُولِي: اللهم رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ اغفِر لِي ذَنبِي، وَأَذهِب غَيظَ قَلبِي، وَأَجِرنِي مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ»
رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ.
الدعاء الختامي
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِأَنَّنَا نَشهَدُ أَنَّكَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا أَنتَ الأَحَد الصَّمَدُ الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَد، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَفِتنَةِ القَبرِ وَعَذَابِ القَبرِ وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الغِنَى وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الفَقرِ وَنَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ.
اللهم اغسِل خَطَايَانَا بِمَاءِ الثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِد بَينَنَا وَبَينَ خَطَايَانَا كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ وَالمَأثَمِ، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ وَالجُبنِ وَالبُخلِ وَالهَرَمِ وَعَذَابِ القَبرِ.
اللهم آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا.
اللهم أَصلِح لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِنَا، وَأَصلِح لَنَا دُنيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصلِح لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيرٍ وَاجعَلِ المَوتَ رَاحَةً لَنَا مِن كُلِّ شَرٍّ.
اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمرِ وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشدِ، وَنَسأَلُكَ شُكرَ نِعمَتِكَ، وَنَسأَلُكَ حُسنَ عِبَادَتِكَ، وَنَسأَلُكَ قَلبًا سَلِيمًا، وَنَسأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَنَسأَلُكَ مِن خَيرِ مَا تَعلَمُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا تَعلَمُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا تَعلَمُ، إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهم إِنَّنَا ضُعَفَاءُ فَقَوِّنَا فِي رِضَاكَ، وَخُذ إِلَى الخَيرِ بِنَاصِيَتِنَا، وَاجعَلِ الإِسلَامَ مُنتَهَى رِضَانَا، اللهم إِنَّا ضُعَفَاءُ فَقَوِّنَا وَإِنَّنَا أَذِلَّاءُ فَأَعِزَّنَا وَإِنَّنَا فُقَرَاءُ فَأَغنِنَا.
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ الطُف بِالمُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ، اللهم فَرِّج كَربَهُم، اللهم ءَامِن رَوعَاتِهِم وَاستُر عَورَاتِهِم وَءَامِنهُم فِي أَوطَانِهِم، اللهم اشفِ مَرضَاهُم وَسَكِّن ءَالَامَهُم وَخَفِّف مُصَابَهُم وَأَنزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيهِم وَأَمِدَّهُم بِأَمدَادٍ مِن عِندَكَ، اللهم اجعَلهُم مِنَ الصَّابِرِينَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، اللهم اصرِف عَنهُم بَأسَ الغَاصِبِينَ وَرُدَّ الكَيدَ عَنهُم يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ