مقدمة
الحَمدُ لِلَّهِ فَاتِحِ أَبوَابِ المَقَالِ، وَمَانِحِ أَسبَابِ النَّوَالِ، وَمُلهِمِ جَوَابِ السُّؤَالِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا يَستَغرِقُ البُكَرَ وَالآصَالَ، وَيَستَوعِبُ الأَمَاكِنَ وَيُضِيءُ الزَّمَنَ وَالأَطلَالَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ وَلَا
مِثَالَ، وَلَا جَسَدَ وَلَا مَكَانَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ الِانتِقَالُ وَالزَّوَال، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا الكَبِيرُ المُتَعَالِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ جَامِعُ
صِفَاتِ الجَلَالِ وَالجَمَالِ، وَمَن أُوتِيَ فَصلَ المَقَالِ، ﷺ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ فُرسَانِ الجِلَادِ
وَالجِدَالِ، مَا ارتَفَعَت لِلعُلَمَاءِ رَايَةٌ تُمَحِّصُ عَارِضَ الشُّكُوكِ وَالإِشكَالِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى دَربِهِم وَاقتَفَى أَثَرَهُم وَاستَنَّ بِسُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالمَآلِ، أَمَّا بَعدُ:
نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ
بِكِتَابِ الإِيمَانِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…
نُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لَنَا شَرحُهُ بِإِذنِ اللهِ…
الباب (13): باب: من الدين الفرار من الفتن
الحديث
19- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
معنى الفتنة في اللغة وأقوال أهل العلم
بَابٌ: مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ (وَالفِتنَةُ بِالأَصلِ مَعنَاهَا:
الِاختِبَارُ وَالِامتِحَانُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُسنَدِهِ:
الفِتنَةُ الِاختِبَارُ وَالِامتِحَانُ.اهـ
قَالَ أَبُو زَيدٍ: فُتِنَ الرَّجُلُ يُفتَنُ فُتُونًا إِذَا وَقَعَ فِي الفِتنَةِ وَتَحَوَّلَ مِن حَالٍ حَسَنَةٍ إِلَى سَيِّئَةٍ. وَفِتنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ضُرُوبٌ مِن فَرطِ مَحَبَّتِهِ لَهُم وَشُحِّهِ عَلَيهِم وَشُغلِهِ بِهِم عَن كَثِيرٍ مِنَ الخَيرِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولَادُكُم فِتنَةٌ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾. أَيِ اختَبَرنَاهُم.
وَاللهُ تَعَالَى يَختَبِرُ النَّاسَ أَي يَبتَلِيهِم لِيُظهِرَ لِلنَّاسِ مَنِ الصَّابِرُ وَمَن غَيرُ الصَّابِرِ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَيَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ وَلَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ.
قَالَ الأَزهَرِيُّ وَهُوَ مِن أَكَابِرِ اللُّغَوِيِّينَ:
«جِمَاعُ مَعنَى الفِتنَةِ فِي كَلَامِ العَرَبِ: الِابتِلَاءُ وَالِامتِحَانُ، وَأَصلُهَا مَأخُوذٌ مِن قَولِكَ: فَتَنتُ الفِضَّةَ وَالذَّهَبَ أَذَبتُهُمَا بِالنَّارِ لِيَتَمَيَّزَ الرَّدِيءُ مِنَ الجَيِّدِ، وَقَد لَخَّصَ ابنُ الأَعرَابِيِّ مَعَانِيَ الفِتنَةِ بِقَولِهِ: «الفِتنَةُ: الِاختِبَارُ، وَالفِتنَةُ: المِحنَةُ، وَالفِتنَةُ: المَالُ، وَالفِتنَةُ: الأَولَادُ، وَالفِتنَةُ: الكُفرُ وَالشِّركُ، وَالفِتنَةُ: اختِلَافُ النَّاسِ بِالآرَاءِ، وَالفِتنَةُ: الإِحرَاقُ بِالنَّارِ»، وَمِن هَذَا قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَومَ هُم عَلَى النَّارِ يُفتَنُونَ﴾
أَي يُحرَقُونَ بِالنَّارِ».
الفتنة في القرآن الكريم وشرح الحديث
وَجَاءَ ذِكرُ الفِتنَةِ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَشهَرُهَا الآيَةُ المُتَدَاوَلَةُ بَينَ النَّاسِ وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى:
﴿وَالفِتنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتلِ﴾ فَهُنَا الفِتنَةُ عَلَى مَعنَى أَنَّ الكُفرَ وَالشِّركَ أَشَدُّ مِن قَتلِ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، لِأَنَّ القَتلَ هُوَ أَكبَرُ ذَنبٍ بَعدَ الكُفرِ بِاللهِ تَعَالَى. إِذًا فَمَعنَى الفِتنَةِ بِالأَصلِ الِاختِبَارُ وَالِامتِحَانُ،
والفِتنَةُ عِندَمَا تَنزِلُ بِالنَّاسِ يُعلَمُ مَنِ الثَّابِتُ عَلَى الصَّوَابِ وَالحَقِّ وَمَن غَيرُ الثَّابِتِ، عِندَ الرَّخَاءِ تَجِدُونَ النَّاسَ يُظهِرُونَ الثَّبَاتَ وَالشِّدَّةَ، وَهُنَا لَا يَتَمَيَّزُ الأَمرُ لَهُم، لَا يَظهَرُ الثَّابِتُ وَغَيرُ الثَّابِتِ إِلَّا عِندَ نُزُولِ البَلَاءِ، عِندَ نُزُولِ الفِتَنِ يَظهَرُ بِحَقٍّ مَنِ الثَّابِتُ مِمَّن هُوَ رِخوٌ يَتَزَعزَعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ فَإِن أَصَابَهُ خَيرٌ اطمَأَنَّ بِهِ وَإِن أَصَابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ، وَلَقَد فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾. فَالبَلَاءُ وَالفِتَنُ تَنزِلُ بِالنَّاسِ، مِنهُم مَن يَثبُتُ وَيَنجُو مِن هَذِهِ الفِتَنِ لِرُسُوخِ إِيمَانِهِ وَقُوَّةِ يَقِينِهِ وَاعتِقَادِهِ، وَمِنهُم مَن يَهلِكُ).
19- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ(أَي يَقرُبُ)أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ(أَي رُؤُوسَ الجِبَالِ، لِيَبعُدَ عَنِ النَّاسِ مَخَافَةَ أَن يَهلِكَ وَيَنضَرَّ فِي دِينِهِ)وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ(أَي بُطُونَ الأَودِيَةِ الَّتِي يَجتَمِعُ فِيهَا المَطَرُ، وَذَكَرَ الجِبَالَ وَالأَودِيَةَ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ وُجُودِ الكَلَأ لِلرَّعيِ)يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»(أَي يَهرُبُ مَعَ دِينِهِ أَو بِسَبَبِ دِينِهِ خَوفَ أَن يَقَعَ فِي الفِتَنِ، فَالعُزلَةُ عِندَ الفِتنَةِ مَمدُوحَةٌ إِلَّا لِقَادِرٍ عَلَى إِزَالَتِهَا، لَكِن إِذَا كَانَ رَأَى مُنكَرًا وَكَانَ يَستَطِيعُ أَن يُنكِرَهُ لَا يَهرُبُ وَيَترُكُ، بَل هَذَا فِيهِ تَفصِيلٌ وَيَختَلِفُ بِاختِلَافِ أَحوَالِ النَّاسِ)
(وَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِنُزُولِ الفِتَنِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ وَكَثرَتِهَا حَتَّى إِنَّهَا لَا تَترُكُ بَيتًا إِلَّا وَدَخَلَتهُ، فَفِي البُخَارِيِّ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: أَشرَفَ النَّبِيُّ ﷺ
عَلَى أُطُمٍ مِن آطَامِ المَدِينَةِ، فَقَالَ:
«هَل تَرَونَ مَا أَرَى؟»
قَالُوا: لَا، قَالَ:
«فَإِنِّي لَأَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُم كَوَقعِ القَطرِ».اهـ قَالَ النَّوَوِيُّ:
وَالتَّشبِيهُ بِمَوَاقِعِ القَطرِ فِي الكَثرَةِ وَالعُمُومِ، أَي إِنَّهَا كَثِيرَةٌ وَتَعُمُّ النَّاسَ لَا تَختَصُّ بِهَا طَائِفَةٌ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الحُرُوبِ الجَارِيَةِ بَينَهُم، وَفِيهِ مُعجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ
ﷺ.اهـ)
الباب (14): باب قول النبي ﷺ: «أنا أعلمكم بالله» وأن المعرفة فعل القلب
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبِكُمْ﴾،
[سُورَةُ البَقَرَةِ:225].
الشرح والتعليق على اسم الباب:
تمكن النبي في علم التوحيد ودور ابن عباس
(14)بَابُ قَوْلُِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ»(هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ فَضِيلَةٌ لِعِلمِ التَّوحِيدِ، فَقَد تَمَدَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّرَقِّي فِي عِلمِ التَّوحِيدِ، وَهُوَ مَا يُفِيدُ مَعرِفَةَ اللهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَتَنزِيهَهُ عَنِ النَّقَائِصِ كَالجِسمِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَيُفِيدُ أَيضًا مَعرِفَةَ رَسُولِهِ ﷺ
عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَالَّذِي يَعرِفُ اللهَ هُوَ مَن وَحَّدَهُ وَنَزَّهَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، لِأَنَّ دَأبَ المُجَسِّمَةِ أَنَّهُم يَأتُونَ عَلَى آيَاتِ القُرآنِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ التي يوهم ظاهرها ما لا يليق بالله فَيَحمِلُونَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فَيَصِفُونَ اللهَ بِصِفَاتِ البَشَرِ.
وَقَد ثَبَتَ فِي عِلمِ التَّوحِيدِ تَأوِيلُ النُّصُوصِ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ وَعَدَمُ الأَخذِ بِالظَّاهِرِ، فَإِنَّ الأَخذَ بِالظَّاهِرِ يُفضِي إِلَى التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ قَالَ:
مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالحِكْمَةِ.
وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لَهُ فَقَالَ: «اللهم عَلِّمْهُ تَأْوِيْلَ القُرْآنِ».
وثبت أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ:
إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْمًا، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ».
وَهُنَا يُقَالُ لِلمُجَسِّمَةِ: كَيْفَ تُنْكِرُونَ التَّأْوِيلَ وَالرَّسُولُ دَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّأْوِيلِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ فَيَكُونُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى زَعْمِكُمْ دَعَا بِدُعَاءٍ غَيْرِ جَائِزٍ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ دَعوَةَ نَبِيِّهِ ﷺ
لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَقَد كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ تَرجُمَانَ القُرآنِ، وَهُوَ مِن أَشهَرِ مَن فَسَّرَ كِتَابَ اللهِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَوَّلَ آيَاتِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يُطفِئُ فِتنَةَ المُجَسِّمَةِ وَالمُشَبِّهَةِ وَالخَوَارِجِ وَالمُعتَزِلَةِ وَغَيرِهِم مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ الَّتِي ضَلَّت عَن مَنهَجِ الحَقِّ.
وَقَد رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ:
«وَاللهِ مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ اليَومَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيطَانِ هَلَاكًا مِنِّي، فَقِيلَ: وَكَيفَ؟ فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّهُ لَيُحدِثُ البِدعَةَ فِي مَشرِقٍ أَو مَغرِبٍ، فَيَحمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ، فَإِذَا انتَهَت إِلَيَّ قَمَعتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتُرَدُّ عَلَيهِ كَمَا أَخرَجَهَا».
المحكمات والمتشابهات وحكم التأويل
وَيَظهَرُ هَذَا جَلِيًّا مِن خِلَالِ تَأوِيلَاتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ، وَمِنْهُ:
قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ،
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.اهـ يَقصِدُ فِي قَولِهِ تَعَالَى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾.
فَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الآيَةِ قَالَ العُلَمُاءُ:
يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْقُرْءَانَ تُوجَدُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ، وَالْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ وَاضِحَةٌ، وَالْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الَّتِي دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ، وَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ الزَّيْغِ أَيِ ابْتِغَاءَ الإِيقَاعِ فِي الأَمْرِ الْمَحْظُورِ لِأَنَّ الْمُشَبِّهَةَ غَرَضُهُمْ فِي جِدَالِهِمْ أَنْ يُوقِعُوا السُّنِّيَّ فِي اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ حَصَلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ كَانَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَضَرَبَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ ثُمَّ نَفَاهُ وَأَمَرَ أَنْ لا يَخْتَلِطَ النَّاسُ بِهِ.
وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَيْ أُمَّ الْقُرْءَانِ لِأَنَّهَا الأَصْلُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهَا الْمُتَشَابِهَاتُ، ثُمَّ الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ، وَالثَّانِي يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ كَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فَسَّرُوهُ بِالْقَهْرِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيمَانِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، أَيْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، فَكَيْف يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا)
المعرفة من فعل القلب وبيان معنى الكسب وصفات الله
وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ(فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنقُصُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النُّطقَ وَحدَهُ لَا يَكفِي إِن لَم يَقتَرِن بِاعتِقَادٍ وَيُؤمِن بِقَلبِهِ)لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبِكُمْ﴾.(أَي بِمَا عَزَمَت عَلَيهِ قُلُوبُكُم، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ)(يقول أهل السنة والجماعة:
لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا إِلَّا الْكَسْبُ وَهُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ أَىِ الِاخْتِيَارِىِّ فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْخَلْقُ أَىِ الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَىْ لِلنَّفْسِ جَزَاءُ مَا كَسَبَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ أَىْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أَىْ وعَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ أَىْ تَنْضَرُ بِذَلِكَ.اهـ
فكل ما يحصل في الوجود يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ أَىْ بِإِيجَادِ اللهِ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَيَحْصُلُ بِخَلْقِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾، أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَفْظَةُ شَىْءٍ فِى الآيَةِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾، أَيْ لا خَالِقَ إِلَّا اللهُ وَقَالَ الإِمَامُ عُمَرُ النَّسَفِىُّ صَاحِبُ الْعَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ وَالْكَسْرُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي فَعَلَهُ فِى الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ بِالْحَجَرِ وَالِانْكِسَارُ وَهُوَ الأَثَرُ الْحَاصِلُ فِى الزُّجَاجِ مِنْ تَشَقُّقٍ وَتَنَاثُرٍ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لا بِخَلْقِ الْعَبْدِ).
20- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
رجال السند وتراجمهم
20- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ(هُوَ مُحَمَّدُ
بنُ سَلَامِ بنِ الْفَرَجِ البِيكَندِيُّ البُخَارِيُّ أَبُو عَبدِ اللهِ السُّلَمِيُّ، مَوْلَاهُمُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ وَلَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ وَرِحلَةٌ وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي كُلِّ بَابٍ مِنَ الْعِلمِ مَاتَ سَنَةَ خَمسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ)قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ(عَبدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ الْكِلَابِيُّ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ)، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ(أَي بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ، لِأَنَّ الإِنسَانَ إِذَا أُمِرَ بِمَا لَا يُطِيقُ يَنقَطِعُ عَنِ العَمَلِ فَيَنقَطِعُ الأَجرُ وَالثَّوَابُ عَنهُ، أَمَّا إِن كُلِّفَ بِمَا يُطِيقُ يَستَمِرُّ عَلَى العَمَلِ فَيَدُومُ لَهُ الأَجرُ)قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ(أَي حَالُنَا لَيسَ كَحَالِكَ، فَضَّلَكَ اللهُ عَلَينَا وَعَصَمَكَ وَغَفَرَ لَكَ ذَنبَكَ، أَمَّا نَحنُ فَذُنُوبُنَا وَأَخطَاؤُنَا كَثِيرَةٌ، فَنَحتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ العَمَلِ لِجَبرِ مَا عِندَنَا مِنَ النَّقصِ، وَهَذَا لَيسَ اعتِرَاضًا مِنهُم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ)، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(وَمِثلُ هَذَا وَنَحوِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآيَاتِ استَدَلَّ بِهَا العُلَمَاءُ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ المَعصِيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ عَلَى الأَنبِيَاءِ، فَإِنَّ لِعُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ قَولَينِ فِي جَوَازِ صُدُورِ المَعصِيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا خِسَّةَ فِيهَا وَلَا دَنَاءَةَ مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَقَد ذَهَبَ إِلَى تَجوِيزِ ذَلِكَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وَغَيرُهُمَا.
خلاف العلماء في عصمة الأنبياء من الصغائر التي ليس فيها خسة
وَبَيَّنَ العُلَمَاءُ أَنَّ فِعلَ ذَنبٍ أَوِ اثنَينِ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي لَا دَنَاءَةَ فِيهَا لَا يُسقِطُ العَدَالَةَ وَلَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالأَمَانَةِ، وَلَا يُسقِطُ الشَّخصَ مِن أَعيُنِ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا مَعَ التَّوبَةِ وَالإِسرَاعِ بِالإِنَابَةِ، وَهَذَا إِجمَاعٌ بِلَا خِلَافٍ أَنَّهُ لَا يُسقِطُ العَدَالَةَ.
وَمِمَّا اختَلَفَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾، فَقَالَ بَعضُهُم:
لَيسَ المُرَادُ بِالذَّنبِ هُنَا المَعصِيَةُ الَّتِي فِيهَا إِثمٌ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الذَّنبَ فِيهَا هُوَ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: وَسَلْهُ غُفْرَانَ ذَنبِكَ وَعَفْوَهُ لَكَ عَنْهُ.. وَظَاهِرُ الذَّنبِ عِندَ الإِطلَاقِ المَعصِيَةُ كَمَا لَا يَخفَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ:
وَاختَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم فَذَهَبَ مُعظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنهُم وَحُجَّتُهُم ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالأَخبَارِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ التَّحقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِن أَئِمَّتنَا إِلَى عِصمَتِهِم مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصمَتِهِم مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَن مُوَاقَعَتِهَا وَعَن مُخَالَفَةِ اللهِ تَعَالَى عَمدًا.
وَقَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ:
وَالعِصْيَانُ: خِلَافُ الطَّاعَةِ.
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ
«أَحكَامِ القُرآنِ»: أَنْزَلَ الله تعالى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: أَنْ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ يَعْنِي وَاَللهُ أَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَمَا تَأَخَّرَ أَنْ يَعْصِمَهُ فَلَا يُذْنِبُ)،
شرح قول النبي وبيان علم النبي بالله
فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ(أَي لَا يُعجِبُهُ قَولُهُم، حَتَّى يَظهَرَ هَذَا فِي وَجهِهِ)، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا»(يُبَيِّنُ لَهُم أَنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَ الإِنسَانُ فِي دِينِهِ كَانَ عَمَلُهُ أَكثَرَ، وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ إِيمَانِ النَّبِيِّ
ﷺ وَقُوَّةِ عِلمِهِ كَذَلِكَ وَفَضلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الخَلقِ)(وَالعِلمُ بِاللهِ لَيسَ عَلَى سَبِيلِ الإِحَاطَةِ وَالتَّصَوُّرِ بَلِ العِلمُ بِاللهِ أَن تَعرِفَ صِفَاتِهِ الوَاجِبَةَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ تَنزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالجِسمِيَّةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ
كَانَ أَكثَرَ النَّاسِ مَعرِفَةً بِاللهِ تَعَالَى وَأَكثَرَهُم تَعظِيمًا لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِالتَّالِي هُوَ أَشَدُّ خَلقِ اللهِ خَشيَةً مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ)
(وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ وَبَرَكَةِ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ مَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الله سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍ مِثْلُ مَدّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحافِظُونَ؟ فيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا ربِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَع هَذِهِ السِّجِلاَّتُ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ. قالَ: فَتُوْضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالِبطَاقَةُ في كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ».اهـ وَالمَعنَى: لَا يُقَاوِمُهُ شَيءٌ مِنَ المَعَاصِي؛ بَلْ يَتَرَجَّحُ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ المَعَاصِي.
وَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ السِّجِلَّ الَّذِي كُتِبَتْ فِيهِ الأَعمَالُ يُوزَنُ، وَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الحَدِيثُ لَيسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَادِثَةُ عَينٍ، لِشَخصٍ وَاحِدٍ يُكرِمُهُ اللهُ بِرَحمَتِهِ، فَلَا يَنبَغِي أَنْ يَتَّكِلَ الإِنسَانُ عَلَى إِسلَامِهِ وَيَتَمَادَى فِي فِعْلِ المَعَاصِي، قَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ بِأَنَّ بَعضَ عُصَاةِ المُوَحِّدِينَ يَدخُلُونَ النَّارَ حَتَّى يُطَهَّرُوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ ثُمَّ يَخرُجُونَ مِنهَا إِلَى الجَنَّةِ)
(وَالعِلمُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ يَتَضَمَّنُ مَعنَى الشَّهَادَتَينِ، لِذَلِكَ يَجِبُ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَتَينِ وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ بِالإِذْعَانِ لَهُمَا وَالرِّضَا بِهِمَا، وَلِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ بِوُجُوبِ مَعرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَبِالتَّالِي مَعرِفَةِ ثَلَاثَ عَشرَةَ صِفَةً للهِ تَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكرُهَا فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ كَثِيرًا وَهِيَ: الْوُجُودُ أَىْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لا شَكَّ فِي وُجُودِهِ
وَالْوَحْدَانِيَّةُ أَيْ أَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ
وَالْقِدَمُ أَيِ الأَزَلِيَّةُ أَيْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ
وَالْبَقَاءُ أَيْ أَنَّهُ لا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ لا يَمُوتُ وَلا يَهْلِكُ وَلا يَتَغَيَّرُ
وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ أَيْ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ وَالْقُدْرَةُ أَيْ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ أَيْ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ عَقْلِيٍّ وَهُوَ مَا يَجُوزُ عَقْلًا وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخْرَى
وَالإِرَادَةُ أَىِ الْمَشِيئَةُ وَهِيَ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِىِّ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ
وَالعِلمُ أَيْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ يَعْلَمُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ شَامِلٍ لِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ لا يَتَجَدَّدُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَلا يَنْقُصُ وَلا يَزِيدُ
وَالسَّمْعُ أَيْ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ كَسَمْعِ غَيْرِهِ فَسَمْعُ اللهِ قَدِيمٌ وَسَمْعُ غَيْرِهِ حَادِثٌ يَسْمَعُ اللهُ بِسَمْعِهِ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى أُذُنٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى
وَالْبَصَرُ أَيْ أَنَّ اللهَ يَرَى بِرُؤْيَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِ فَبَصَرُ اللهِ قَدِيمٌ وَبَصَرُ غَيْرِهِ حَادِثٌ، يَرَى رَبُّنَا بِبَصَرِهِ كُلَّ الْمُبْصَرَاتِ فَيَرَى ذَاتَهُ وَمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى
وَالحَيَاةُ أَيْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ لا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ وَعَصَبٍ وَمُخٍّ
وَالْكَلامُ أَيْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ وَاحِدٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً
[قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ
«وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالحُرُوفِ وَاللهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ وَكَلامُ اللهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ»
وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ أَيْ أَنَّهُ لا يُشبِهُ شَيْئًا مِنَ المَخلُوقَاتِ.اهـ).
الباب 15: باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان
الحديث
21- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ -بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
15- بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْإِيمَانِ:
تراجم رواة الحديث وشروط حلاوة الإيمان
21- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ(قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ إِمَامٌ مِنَ الأَئِمَّةِ، كَانَ لَا يُدَلِّسُ، وَيَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ وَالفِقهِ، وَقَد ظَهَرَ مِن حَدِيثِهِ نَحوُ عَشَرَةِ آلَافٍ، مَا رَأَيتُ فِي يَدِهِ كِتَابًا قَطُّ)قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ(قَتَادَة بنُ دِعَامَةَ بنِ سَدُوسٍ، أَبُو الخَطَّابِ السَّدُوسِيُّ البِصْرِيُّ، وُلِدَ أَكمَهَ أَيْ أَعْمًى، رَوَى عَن: أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، وَعِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، وَرَوَى عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وَعِكرِمَةَ، وَالحَسَنِ البِصرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ. وَقَالَ سَلَامُ بنُ مِسكِينَ: حَدَّثَنِي عَمرُو بنُ عَبدِ اللهِ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ قَتَادَةُ عَلَى سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ فَجَعَلَ يَسأَلُهُ أَيَّامًا وَأَكثَرَ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: أَكُلَّ مَا سَأَلتَنِي عَنهُ تَحفَظُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَأَلتُكَ عَن كَذَا فَقُلتَ فِيهِ كَذَا، وَسَأَلتُكَ عَن كَذَا فَقُلتَ فِيهِ كَذَا، حَتَّى رَدَّ عَلَيهِ حَدِيثًا كَثِيرًا قَالَ:
فَقَالَ سَعِيدٌ: مَا كُنتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ خَلَقَ مِثلَكَ. وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمَاتَ سَنَةَ سَبعَ عَشرَةَ وَمِائَةٍ)، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ(أَي مَن حَصَلَت لَهُ هَذِهِ أَصَابَ الِاستِلذَاذَ بِالطَّاعَاتِ وَالعِبَادَاتِ، فَيَتَحَمَّلُ المَشَقَّاتِ فِي سَبِيلِ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَيُعرِضُ بِذَلِكَ عَن مَلَذَّاتِ الدُّنيَا): مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا(لَم يَقُل:
«مِمَّن»، لِيَشمَلَ المَالَ وَالوَلَدَ وَالوَالِدَ وَغَيرَ ذَلِكَ)، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ -بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ-(أَي أَن يَقَعَ فِي الكُفرِ)كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ»(أَي هُوَ شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِالإِيمَانِ شَدِيدُ البُغضِ لِلكُفرِ)
تعريف الكفر لغة وأنواعه الثلاثة
(الْكُفْرُ عَكسُ الإِيْمَانِ كَمَا أَنَّ الْظَّلَامَ عَكسُ النُّورِ، وَمَعنَاهُ اللُّغَوِيُّ: التَّغطِيَةُ وَالسَّترُ، فَكَأَنَّ الأَصلَ لِقَولِهِم:
كَافِرٌ، أَنَّهُ يَستُرُ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ، أَو لِأَنَّ قَلبَهُ مَستُورٌ مُغَطًّى. وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
التَّشْبِيهُ وَالتَّكْذِيبُ وَالتَّعْطِيلُ.
التَّشْبِيهُ: أَي تَشْبِيهُ اللهِ بِخَلْقِهِ، كَالَّذِي يَصِفُ اللهَ بِأَنَّهُ جَالِسٌ أَو أَنَّ لَهُ شَكلًا وَهَيئَةً أَو يَصِفُهُ بِأَنَّ لَهُ مَكَانًا أَو جِهَةً.
التَّكْذِيبُ: أَي تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ أَو مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجْهٍ ثَابِتٍ كَإنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا وَإِنكَارِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ.
التَّعْطِيلُ: وَهُوَ نَفْيُ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَهُو أشَدُّ الكُفْرِ).
الباب (16): باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
16- بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ
(أَي تَفَاضُلُهُم بِمَا فَعَلُوا مِنَ الأَعمَالِ).
الحديث
22- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا»
أَوِ «الْحَيَاةِ»
شَكَّ مَالِكٌ «فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً»، قَالَ وُهَيْبٌ:
حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الْحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
تراجم رواة الحديث ومسألة بقاء الجنة والنار
22- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ(يَحْيَى بنُ عُمَارَةَ بنِ أَبِي حَسَنٍ الأَنصَارِيُّ المَازِنِيُّ المَدَنِيُّ، وَالِدُ عَمرِو بنِ يَحْيَى بنِ عُمَارَةَ)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ(أَهلُ النَّارِ مِنهُمُ المُؤمِنُ الَّذِي استَحَقَّ أَن يُعَذَّبَ بِذُنُوبِهِ الَّتِي هِيَ دُونَ الكُفرِ، فَهَذَا يُعَذَّبُ فَترَةً ثُمَّ يَخرُجُ إِلَى الجَنَّةِ وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنهُمُ الكَافِرُ المُخَلَّدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ الَّذِي يَدخُلُ النَّارَ وَلَا يَخرُجُ مِنهَا إِلَى أَبَدِ الآبَادِ.
وَقَدِ استَشكَلَ بَقَاءُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ عَلَى بَعضِ النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيفَ نَقُولُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ بَاقِيَتَانِ؟ أَلَيسَ يَكُونُ ذَلِكَ تَشرِيكًا مَعَ اللهِ حَيثُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيهِ الفَنَاءُ، فَإِذَا قُلنَا الجَنَّةُ وَالنَّارُ بَاقِيَتَانِ أَلَيسَ ذَلِكَ تَشرِيكًا لَهُمَا مَعَ اللهِ فِي البَقَاءِ؟ وَهَذَا جَوَابُهُم أَن يُقَالَ لَهُم: لَيسَ هَذَا تَشرِيكًا لِلجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ اللهِ بِصِفَةِ البَقَاءِ، لِأَنَّ بَقَاءَ اللهِ تَعَالَى ذَاتِيٌّ أَي وَاجِبٌ لَا يَقبَلُ العَقلُ خِلَافَهُ، أَمَّا بَقَاءُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَلَيسَ بَقَاءً ذَاتِيًّا، فَيَجُوزُ مِن حَيثُ العَقلُ أَن يَنقَطِعَ بَقَاؤُهُمَا فَيَنعَدِمَانِ، فَلَا تَشرِيكَ، فَبِهَذَا يَزُولُ الإِشكَالُ وَيَطمَئِنُّ القَلبُ لِاعتِقَادِ بَقَاءِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ إِلَى غَيرِ نِهَايَةٍ.
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهلُ الحَقِّ عَلَى أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ بَاقِيَتَانِ لَا تَفنَيَانِ وَلَم يُخَالِف فِي ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا جَهمُ بنُ صَفوَانَ فَكَفَّرَهُ المُسلِمُونَ، وَتَبِعَ جَهمًا فِي قَولِهِ هَذَا بَعضُ المُجَسِّمَةِ فِي القَرنِ السَّابِعِ وَالثَّامِنِ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ بَعضُ الجُهَّالِ فَشَذُّوا عَن مُعتَقَدِ أَهلِ السُّنَّةِ، وَمَن شَذَّ عَنِ المُسلِمِينَ شَذَّ فِي النَّارِ.
وَليُعلَم أَنَّهُ لَا مُتَمَسَّكَ لَهُم مَهمَا أَعمَلُوا فِكرَهُم وَأَجهَدُوا ذِهنَهُم، وَلن يَجِدَ مُتَّبِعُهُ فِي كُتُبِ العُلَمَاءِ –مَهمَا نَقَّبَ فِيهَا وَبَحَثَ- نَقلًا وَاحِدًا عَن أَئِمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِمَّن يَقُولُ بِقَولِهِ هَذَا، وَغَايَةُ أَمرِهِم فِي هَذَا أَن قَالُوا:
«إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ عَن نَارِ جَهَنَّمَ:
﴿لَابِثِيْنَ فِيْهَا أَحْقَابًا﴾، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَنَاءِ النَّارِ» بِزَعمِهِ.
فَنَقُولُ المُرَادُ بِقَولِهِ تَعَالَى:
﴿لَابِثِيْنَ فِيْهَا أَحْقَابًا﴾ الدَّوَامُ، مَعنَاهُ أَنَّهُم دَائِمُونَ فِيهَا لَا يَخرُجُونَ وَلَا يَفنَونَ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُم يَمكُثُونَ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً إِلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ ثُمَّ يَفنَونَ، بَل قَولُهُ تَعَالَى:
﴿أَحْقَابًا﴾، الأَحقَابُ هِيَ جَمعُ حُقبٍ وَالحُقبُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَالمَعنَى أَحْقَابًا لَا نِهَايَةَ لَهَا، أَي أَزمِنَةً لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَهَذَا هُوَ المَعنَى، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ فِي القُرآنِ بِأَنَّ خُلُودَ الكُفَّارِ أَبَدِيٌّ أَي لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَعَلِمنَا مِن ذَلِكَ أَنَّ قَولَهُ تَعَالَى:
﴿أَحْقَابًا﴾، لَيسَ بِتَحدِيدِ مُدَّةٍ بَل هُوَ عِبَارَةٌ عَن دَوَامِ المُكثِ وَاللُّبثِ هُنَاكَ، إِذِ القُرءَانُ يَجِبُ التَّوفِيقُ بَينَ ءَايَاتِهِ، لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّنَاقُضِ.
وَمَا يُروَى عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِإِسنَادٍ مَقطُوعٍ غَيرِ مُتَّصِلٍ أَنَّهُ يَأتِي عَلَى جَهَنَّمَ يَومٌ يَنبُتُ فِيهَا الجَرجِيرُ، يَعنِي تَفنَى، فَلَيسَ هُنَاكَ نَارٌ يَنبُتُ فِيهَا الجَرجِيرُ، وَهَذَا مَقطُوعٌ لَيسَ مُتَّصِلًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
كَانَ بَعضُ العُلَمَاءِ يَأمُرُ بِشِرَاءِ البَقلِ، بِالإِكثَارِ مِنهُ وَمِنَ الجَرجِيرِ، فَيُشتَرَى لَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا أَحمَقَ بَعضَ النَّاسِ! يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَنبُتُ فِي وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، فَكَيفَ تُنبِتُ البَقلَ؟ هَذَا بِالإِضَافَةِ إِلَى وُجُودِ آيَاتٍ وَرِوَايَاتٍ مُتَكَاثِرَةٍ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ، مِثلِ قَولِهِ سُبحَانَهُ:
﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. وَقَالَ سُبحَانَهُ:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾.اهـ)،
شرح ألفاظ الحديث وخروج عصاة المؤمنين من النار
ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى(أَي لِلمَلَائِكَةِ): أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ(أَي أَنَّهُ لَو لَم يَكُن لَهُ إِلَّا الإِيمَانُ فَإِنَّهُ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ وَلَا يُخَلَّدُ فِيهَا وَلَو كَانَ عُذِّبَ عَلَى بَعضِ السَّيِّئَاتِ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى المُرجِئَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنبٌ وَبَيَانُ أَنَّ المَعَاصِيَ تَضُرُّ المُؤمِنَ كَمَا أَنَّ الطَّاعَاتِ تَنفَعُهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى القَائِلِينَ بِأَنَّ مُرتَكِبَ الكَبِيرَةِ كَافِرٌ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَعَلَى القَائِلِينَ بِالمَنزِلَةِ بَينَ المَنزِلَتَينِ)، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا(صَارُوا سُودًا مِن أَثَرِ النَّارِ)، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا» أَوِ «الْحَيَاةِ» شَكَّ مَالِكٌ «فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ(أَي يَنبُتُونَ بِسُرعَةٍ نَبَاتًا حَسَنًا عَلَى نَضَارَةٍ وَسُرُورٍ، وَيَزُولُ عَنهُم مَا كَانَ بِهِم مِن أَثَرِ النَّارِ، وَالحِبَّةُ:
نُبَيتَةٌ تُعرَفُ بِالبَقلَةِ الحَمقَاءِ، وَهِيَ تَنبُتُ نَبَاتًا سَرِيعًا، وَيَكُونُ مَنظَرُهَا جَمِيلًا صَفرَاءَ مُلتَوِيَةً)، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً»، قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الْحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ.
23- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ»، قَالُوا:
فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
«الدِّينَ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
نوم النبي ﷺ ويقظة قلبه الشريف
23- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ(وَالنَّبِيُّ ﷺ يَجُوزُ عَلَيهِ النَّومُ لَكِنْ تَنَامُ عَينُه وَلَا يَنَامُ قَلبُهُ الشَّرِيفُ ﷺ، فَفِي البُخَاريِّ: بَابٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ.اهـ
وَفِي البُخَارِيِّ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا:
مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا ﷺ
فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا ﷺ
فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ.اهـ أَي: هُوَ الفَارِقُ بَينَ المُؤمِنِ وَالكَافِرِ، وَالصَّالِحِ وَالطَّالِحِ؛ إِذ بِهِ تَمَيَّزَتِ الأَعمَالُ وَالعُمَّالُ.
وَفِي البُخَارِيِّ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ:
يَا رَسُولَ اللهِ، تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ:
«تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي».اهـ
قَالَ القَسطَلَّانِيُّ: إِنَّهُ ﷺ
لَا يَنتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّومِ لِأَنَّ قَلبَهُ لَا يَنَامُ وَأَنَّ عَينَهُ هِيَ الَّتِي تَنَامُ، وَهَذَا مِن خَصَائِصِهِ ﷺ، فَيَقَظَةُ قَلبِهِ تَمنَعُهُ مِنَ الحَدَثِ.اهـ
وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ. قَالَ الطِّيبِيُّ:
فَيَقَظَةُ قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ
مِنَ الْحَدَثِ وَمَا مَنَعَ النَّوْمُ قَلْبَهُ لِيَعِيَ الْوَحْيَ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ.اهـ
وَفِي البُخَارِيِّ: قَالَ أَنَسٌ:
وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ.اهـ
وَأَمَّا نِسبَةُ النَّومِ وَالنُّعَاسِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهِيَ لَا تَجُوزُ كَمَا يَنسُبُهَا إِلَيهِ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِن هَذَا الكُفرِ-
اليَهُودُ، وَقَد جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ فِي آيَةِ الكُرسِيِّ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، قَالَ البَغَوِيُّ وَغَيرُهُ:
السِّنَةُ: النُّعَاسُ وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ، وَالْوَسْنَانُ
بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَالنَّوْمُ هُوَ الثَّقِيلُ الْمُزِيلُ لِلْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ،
وقيل: السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ، فَالسِّنَةُ أَوَّلُ النَّوْمِ وَهُوَ النُّعَاسُ، وَقِيلَ السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، نَفَى اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ لِأَنَّهُ آفَةٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْآفَاتِ وَلِأَنَّهُ تُغَيُّرٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ) رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ (جَمعُ قَمِيصٍ)، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ (جَمعُ ثَديٍ)، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ»
(أَي مِن طُولِ قَمِيصِهِ)، قَالُوا:
فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
«الدِّينَ» (وَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الإِيمَانِ كَمَا هُوَ مَفهُومُ تَأوِيلِ القَمِيصِ)
فضائل عمر بن الخطاب وكراماته
(وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ أُلَخِّصُهَا تَبَرُّكًا بِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، فَقَد قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: إِذَا أَرَدتُم أَن يَطِيبَ المَجلِسُ فَعَلَيكُم بِذِكرِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَأَقُولُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ بِالْمَدِينَةِ، وَحَمَلَ الدِّرَّةَ وَأَدَّبَ بِهَا، وَجَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَفَتَحَ الْفُتُوحَ، وَمَصَّرَ الْأَمْصَارَ، وَجَنَّدَ الْأَجْنَادَ، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَفَتَحَ الشَّامَ كُلَّهُ، وَالْجَزِيرَةَ وَالْمَوْصِلَ، وَمَاتَ وَعَسَاكِرُهُ عَلَى بِلَادِ الرَّيِّ.
فَتَحَ مِنَ الشَّامِ الْيَرْمُوكَ، وَبُصْرَى، وَدِمَشْقَ، وَالْأُرْدُنَّ، وَبَيْسَانَ، وَطَبَرِيَّةَ، وَالْجَابِيَةَ، وَفِلَسْطِينَ، وَالرَّمْلَةَ، وَعَسْقَلَانَ، وَغَزَّةَ، وَالسَّوَاحِلَ وَالْقُدْسَ. وَغِيرَها الكَثِيرَ.
وَكَانَ مُتَوَاضِعًا فِي اللهِ، خَشِنَ الْعَيْشِ، خَشِنَ الْمَطْعَمِ، شَدِيدًا فِي ذَاتِ اللهِ، يُرَقِّعُ الثَّوْبَ بِالْأَدِيمِ، وَيَحْمِلُ الْقِرْبَةَ عَلَى كَتِفَيْهِ، مَعَ عِظَمِ هَيْبَتِهِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْيًا، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ لَا يُمَازِحُ أَحَدًا، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ:
كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ. وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّكَ فَظٌّ. فَقَالَ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَلَأَ قَلْبِي لَهُمْ رُحْمًا، وَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ لِي رُعْبًا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ فَيَكْذِبُ فِيهِ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ، فَيَقُولُ عُمَرُ:
احْبِسْ هَذِهِ احْبِسْ هَذِهِ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: وَاللهِ كُلُّ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ حَقٌّ غَيْرَ مَا أَرَدْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَرَادَتْهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ.
وَعُوتِبَ عُمَرُ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَكَلْتَ طَعَامًا طَيِّبًا، كَانَ أَقْوَى لَكَ عَلَى الْحَقِّ؟ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ صَاحِبَيَّ(يَقصِدُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكرٍ)عَلَى جَادَّةٍ فَإِنْ تَرَكْتُ جَادَّتَهُمَا لَمْ أُدْرِكْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعُ رِقَاعٍ، وَإِزَارُهُ مَرْقُوعٌ بِأُدُمٍ.
وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً، وَكَانَ لَا يَسْتَظِلُّ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُلْقِي كِسَاءَهُ عَلَى الشَّجَرِ وَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ، وَلَيْسَ لَهُ خَيْمَةٌ وَلَا فُسْطَاطٌ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِحَاجَتِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ – بَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارُ الْحَائِطِ -: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ!
بَخٍ بَخٍ، وَاللهِ لِتَتَّقِيَنَّ اللهَ بُنَيَّ الْخَطَّابِ أَوْ لِيُعَذِّبَنَّكَ.
وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي إِلَى الْفَجْرِ. وَمَا مَاتَ حَتَّى سَرَدَ الصَّوْمَ، وَكَانَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، حَتَّى اسْوَدَّ جِلْدُهُ وَيَقُولُ:
بِئْسَ الْوَالِي أَنَا إِنْ شَبِعْتُ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ.
وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يَسْمَعُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ، فَيُحْمَلُ صَرِيعًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيُعَادُ أَيَّامًا لَيْسَ بِهِ مَرَضٌ إِلَّا الْخَوْفُ. وَقِيلَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأَى عُمَرَ وَهُوَ يَعْدُو إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَدْ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ. فَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ)
(وَمِنْ كَرَامَاتِهِ مَا رَوَاهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ
وَاسْتَنَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المِحرَابِ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ بِطَبَقِ رُطَبٍ فَوُضِعَ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
فَأَخَذَ مِنهَا رُطَبَةً وَقَالَ: “يَا عَلِيُّ، تَأْخُذُ هَذِهِ الرُّطَبَةَ؟” فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَدَّ يَدَهُ وَجَعَلَهُ فِي فَمِيْ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى وَقَالَ لِي مِثلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ:
نَعَمْ فَجَعَلَهَا فِي فَمِي، فَانْتَبَهْتُ وَفِي قَلبِي شَوقٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَحَلَاوَةُ الرُّطَبِ فِي فَمِي، فَتَوَضَّأتُ وَذَهَبْتُ إِلَى المَسجِدِ فَصَلَّيتُ خَلفَ عُمَرَ وَاسْتَنَدَ إِلَى الْمِحرَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِالرُّؤيَا فَمِنْ قَبلِ أَنْ أَتَكَلَّمَ جَاءَتِ امرَأَةٌ وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِ المَسجِدِ وَمَعَهَا طَبَقُ رُطَبٍ فَوُضِعَ بَينَ يَدَيْ عُمَرَ فَأَخَذَ رُطَبَةً، وَقَالَ: تَأْكُلُ مِنْ هَذَا يَا عَلِيُّ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ، فَجَعَلَهَا فِي فَمِيْ، ثُمَّ أَخَذَ أُخرَى وَقَالَ لِي مِثلَ ذَلِكَ فَقُلتُ: نَعَمْ، ثُمَّ فَرَّقَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
يَمنَةً وَيَسْرَةً وَكُنتُ أَشتَهِي مِنهُ، فَقَالَ:
يَا أَخِي، لَوْ زَادَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيلَتَكَ لَزِدْنَاكَ، فَعَجِبْتُ وَقُلتُ: قَدْ أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَى مَا رَأَيْتُ البَارِحَةَ، فَنَظَرَ وَقَالَ: يَا عَلِيُّ المُؤمِنُ يَنظُرُ بِنُورِ اللهِ، قُلتُ: صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ، وَكَذَا رَأَيْتُ طَعمَهُ وَلَذَّتَهُ مِنْ يَدِكَ كَمَا وَجَدْتُ طَعْمَهُ وَلَذَّتَهُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)
(وكذلك وَفِي إِثبَاتِ هَذَا مِنَ المَروِيَّاتِ كَثِيرٌ مِنهَا مَا رَوَى البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ فَبَيْنَمَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَخْطُبُ فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِيَةُ، الجَبَلَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَكَتَبْتُ تَارِيخَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، فَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الجَيشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقِينَا عَدُوَّنَا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ: يَا سَارِيَة، الجَبَلَ، فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ فَهَزَمَهُمُ اللهُ، وَظَفِرْنَا بِالغَنَائِمِ العَظِيمَةِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الصَّوْتِ، فَقُلنَا لِعُمَرَ: كُنْتَ تَصِيحُ بِذَلِكَ.اهـ
قَالَ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ:
سَمِعْتُ بَعْضَ المُذَكِّرِينَ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنْتُمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بِمَنْزِلَةِ البَصَرِ لِمُحَمَّدٍ
ﷺ، لَا شَكَّ قَدِرَ عَلَى أَنْ يَرَى مِنْ ذَلِكَ البُعدِ العَظِيمِ.اهـ
وَهَذَا مَعنَى إِلْهَامِ اللهِ لِهَذَا الوَلِيِّ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، فَاللهُ يُلْهِمُهُ الصَّوَابَ وَيَكشِفُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ المَسَافَةِ أَنْ يَعلَمَ وَيَرَى مَا يَجْرِي فِي تِلْكَ البِلَادِ مَعَ جَيشِهِ الَّذِي أَرسَلَهُ لِلجِهَادِ فِي تِلكَ البِقَاعِ مِنَ الدُّنيَا، وَهَذَا مَعنَى مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الصَّحِيحِ:
«فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ».اهـ أَيْ يُعْطِيهِ اللهُ قُوَّةً فِي بَصَرِهِ وَقُوَّةً فِي سَمعِهِ بِبَرَكَةِ تَقوَاهُ وَوِلَايَتِهِ وَصَلَاحِهِ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لَا شَكَّ فِي وِلَايَتِهِ وَتَقوَاهُ وَخَشيَتِهِ مِنَ اللهِ).
السؤال الفقهي
مَا الحُكمُ الشَّرعِيُّ فِي دَفعِ الزَّكَاةِ فِي الأَعمَالِ التَّطَوُّعِيَّةِ كَبِنَاءِ مَسجِدٍ أَو مُستَشفًى أَو مَدرَسَةٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ؟ وَهَل تُجزِئُ فِي دَفعِ الزَّكَاةِ؟
الجواب
أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِدَفعِ الزَّكَاةِ إِلَى الأَصنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ فِي القُرءَانِ بِقَولِهِ:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابنِ السَّبِيلِ﴾، وَأَمرُ الشَّرعِ مَبنِيٌّ عَلَى
الِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الِابتِدَاعِ، فَلَا يَجُوزُ استِحدَاثُ مَصَارِفَ لِلزَّكَاةِ فِي غَيرِ هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةِ كَبِنَاءِ مَسجِدٍ أَو مَدرَسَةٍ أَو مُستَشفًى أَو نَحوِ ذَلِكَ مِن مَصَارِفِ الخَيرِ فَهِيَ وَإِن كَانَت مَصرِفَ خَيرٍ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُجزِئُ فِي الزَّكَاةِ وَلَا تَبرَأُ بِهَا ذِمَّةُ المُزَكِّي.
مختارات من الأدعية والأذكار
ما يقول عند الخروج من البيت
جَاءَ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِن بَيتِهِ فَقَالَ: بِاسمِ اللهِ، تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ شَيطَانٌ آخَرُ: كَيفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَد هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟» رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ.
الدعاء الختامي
اللهم إِنا نسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
اللهم لَكَ أَسلَمنا وَبِكَ آمَنا، وَعَلَيكَ تَوَكَّلنا وَإِلَيكَ أَنَبنا وَبِكَ خَاصَمنَا، اللهم إِنا نعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَن تُضِلَّنَا، أَنتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالجِنُّ وَالإِنسُ يَمُوتُونَ.
اللهم يَا اللهُ يا اللهُ أَذهِبِ الضِّيقَ وَالغُمُومَ عَنَّا، وَأَبعِد كَدَرَ الدُّنيَا وَالهُمُومَ عَن قُلُوبِنَا، وحَسِّن بِفَضلِكَ سِيرَتَنا، وَجَمِّل في الدُّنيَا هَيئَتَنَا، وَسَدِّد في الخَيرِ مَسِيرَتَنَا، وَانشُر بَينَ الملائِكَةِ ذِكرَنَا، وَاحفَظ بَينَ الخَلقِ كَرَامَتَنَا، وَعَطِّر بَينَ
النَّاسِ سُمعَتَنَا، وَارفَع بَينَ الحُسَّادِ مَهَابَتَنَا، وَإِلى جَنَّاتِ الخُلدِ أَدخِلنَا، وَفي الدَّرجَاتِ العَالِيَةِ أَنزلنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَطَهِّر قُلُوبَنا، وَاحَفَظ فُرُوجَنا، وسَدِّد خُطَانا، وَأَلهِمنَا الطَّاعَاتِ فِي مَحيَانَا، وَأَسعدنَا فِي دُنيَانا وَأُخرَانا يَا اللهُ يا
اللهُ.
اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ البُخلِ، وَنعُوذُ بِكَ مِن أَن نرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ، وَنعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدُّنيَا وَعَذَابِ القَبر.
اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ
يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ
ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ
مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ
وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ…..