الحديث (154) – (155) · فضل قيام الليل والثبات على الطاعة

المقدمة

الحَمدُ لله القَادِرِ، العَلِيمِ الفَاطِرِ، الحَكِيمِ المُتَّصِفِ بِالعِلمِ الشَّامِلِ، الَّذِي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، لَا يَخفَى عَلَيهِ الشَّاهِدُ وَالغَائِبُ، يَعلَمُ العَلَنَ وَالإِسرَارَ وَالجَهرَ وَالإِضمَارَ، وَالمُشكِلَ وَالجَلِيَّ، وَالبَادِيَ وَالخَفِيَّ، ﴿وَيَعلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرضِ وَلَا رَطبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، سُبحَانَهُ مِن عَالِمٍ لَا بِفِكرَةٍ وَاجتِهَادٍ، وَلَا بِضَمِيرٍ وَفُؤَادٍ، بَصِيرٌ بِلَا حَدَقَةٍ وَسَوَادٍ، وَعَزِيزٌ بِلَا عُدَّةٍ وَعَتَادٍ، وَمُتَكَلِّمٌ بِلَا لِسَانٍ وَلَهَاةٍ، وَصَانِعٌ بِلَا آلَةٍ وَأَدَاةٍ، تَعَالَى عَنِ الأَندَادِ وَالأَشكَالِ، وَالأَشبَاهِ وَالأَمثَالِ، استَأثَرَ بِنُعُوتِ الجَلَالِ، بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِن أَوسَطِهِم نَسَبًا، وَأَشرَفِهِم حَسَبًا، وَأَحسَنِهِم أَدَبًا، وَأَشهَرِهِم أُمًّا وَأَبًا، يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ، وَيُعَارِضُ أَبَاطِيلَهُم بِبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى انكَشَطَت غِشَاوَةُ الشَّكِّ عَن وَجهِ اليَقِينِ، أَنزَلَ عَلَيهِ النُّورَ المُبِينَ، وَالوَحيَ المُستَبِينَ، أَنقَذَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَهَدَى بِهِ مِن حَيرَةِ الجَهَالَةِ، فَبَهَرَت مُعجِزَتُهُ، وَظَهَرَت دِلَالَتُه، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ صَلَاةً تَنمُو أَبَدًا، وَتَتَّصِلُ مَدَدًا، مَا تَنَاوَبَ الصَّبَاحُ وَالمَسَاءُ سَرمَدًا، أَمَّا بَعدُ:

فقد وصلنَا في هذا الكتابِ المباركِ كتابِ رياضِ الصالحينَ إلى الحديثِ الثالثِ من بابِ المحافظةِ على الأعمالِ، وهو الحديثُ الرابعُ والخمسونَ بعدَ المائةِ مِنْ كتابِ رياضِ الصالحينَ:

متن الحديث: وعن عبدِ الله بن عَمْروِ بن العاصِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «يَا عبدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

 (قالَ ابنُ العربيِّ المالكيُّ: وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُ، بَلْ كَانَ يَذُمُّهُ غَايَةَ الذَّمِّ)

(قال النوويُّ: وفي هذَا الحديثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي الدَّوَامُ عَلَى مَا صَارَ عَادَةً مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يُفَرِّطُ فِيهِ.اهـ 

واستدلَّ النوويُّ في المجموعِ مِن هذا الحديثِ وغيرِه فقالَ: يستحبُّ لمن أرادَ قيامَ الليلِ أنْ لا يعتادَ منهُ إلا قدرًا يغلب على ظنِّه بقرائنِ حالِه أنَّه يمكنُه الدوامُ عليهِ مدةَ حياتِه. وقالَ الفقهاءُ أيضًا: ولْيَحذَرْ مَنْ لَهُ عادةٌ بقيامِ الليلِ أَنْ يتركَهَا)

 (قالَ السيوطيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْإِكْثَارَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِهِ رَأْسًا كَمَا فَعَلَ فُلَانٌ فَلَا تَفْعَلْ أَنْتَ ذَاكَ بَلْ خُذْ فِيهِ التَّوَسُّطَ وَالْقَصْدَ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ مَا تَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ قِيَامَ اللَّيْلِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى)

(فِي هذَا الحديثِ مِنَ الفقهِ أنَّ أحبَّ العملِ أدومُهُ وفيهِ دليلٌ على أنَّ قيامَ الليلِ ليسَ بواجبٍ وفيهِ الحثُّ على قيامِ الليلِ)

 (كانَ مِن هديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه إذَا أرادَ أنْ ينهَى عنْ شيءٍ فإنَّه لَا يذكرُ الأشخاصَ، وإنَّمَا يقولُ: مَا بالُ أقوامٍ يفعلونَ كذَا وكذَا ومَا أشبَهَ ذلكَ)

 (وفي هذَا الحديثِ الشريفِ  بيان رحمةِ النبيِّ ﷺ وشفقَتِهِ بأصحابِهِ الكرامِ رضيَ اللهُ عنهُم، فهوَ كانَ يتَعَهَّدُهُمْ بالنَّصِيحَةِ والإرشادِ، ما تركَ خيرًا إلَّا أمرَ بهِ ومَا تركَ شرًّا إلَّا حذرَ منهُ وممَّا يوصِلُ إليهِ، وهذا الحديثُ يثبتُ ذلكَ، يقولُﷺ: «يَا عبدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ»، هذَا مِنْ رحمتِهِ وشفقَتِهِ بالناسِ، وصدَقَ ربُّنَا عزَّ وجلَّ حيثُ قالَ: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ]، وَمِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ ﷺ تَخْفِيفُهُ وَتَسْهِيلُهُ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ“، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْوِصَالِ في الصومِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِهِ شَفَقَةً عَلَى أُمِّهِ، وَمِنْ شَفَقَتِهِ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَمَرَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَمَا كَانَ مِنهُ إِلَّا أَنْ قَالَ ﷺ: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا“، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ أنْ تُطِيعَكَ، فَقَالَ ﷺ: “أُؤَخِّرُ عَنْ أُمَّتِي لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)

(والنبيُّ ﷺ يحبُّ منَّا أنْ نَتَرَقَّى فِي الدَّرَجَاتِ الأُخرَوِيَّةِ ونتَرَقَّى فِي المَقَامَاتِ فِي عِبَادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ لننالَ أعظمَ وأرفعَ الدرجاتِ، النبيُّ ﷺ يحرصُ على إيصالِ أفضلِ الخيراتِ لنَا، وفِعْلُهُ هذَا أعظمُ مِنْ فِعلِ وَالِدِينَا معَنَا، بعضُ الناسِ يرحَمُكَ فيحبُّ أنْ يُعطِيَكَ مالًا، وبعضُ الناسِ كَوَالِدَيكَ يحبُّكَ ويرحَمُكَ فَيَسعَى جاهدًا لأنْ تَأكُلَ أطيبَ مَا يؤكلُ وتشرَبَ أنقَى مَا يشربُ وتَلبَسَ أحسَنَ مَا يلبَسُ ويسعَى والدَاكَ أيضًا لعونِكَ فِي طريقِكَ فِي هذِهِ الدنيَا غالبًا، فترَى كثيرًا مِنَ الآباءِ والأمهاتِ فِي هذهِ الأيامِ يُدْخِلُ أولادَهُ فِي مَا يسمَّى المدارسَ العصرِيَّةَ الَّتِي تعتَنِي بهذهِ العلومِ الدنيويةِ النافعةِ غالبًا لمجتمعِ المسلمينَ ويُدْخِلُ ولدَه لِمَا يسمونَهُ أفخمَ الجامعاتِ حتَّى ينالَ أعلَى الشهاداتِ وأرفعَها بينَ الناسِ في الدنيا، وبعضُهم يضربُ ولدَه ويعاقبُه لتدَنِّي درجَتِهِ فِي الدراسةِ ويُعَنِّفُ عليهِ ولَا يَهتَمُّ أغلبُ هؤلاءِ بأمرِ آخرةِ الولدِ والبنتِ، بعضُهم يرَى أولادَهُ لا يُصَلُّونَ فَلَا يُحَرِكُونَ سَاكِنًا وَلَا يَأمرونَهُم بالصلاةِ وبعضُهم يرونَ أولادَهم يكفرُ باللهِ والعياذُ باللهِ ويسبُّ اللهَ ولَا ينهاهُ أبدًا، ولكنْ لوْ نامَ هذَا الولدُ دونَ أنْ يَتَعَشَّى تَرَى الأبَ ينزعِجُ ويَصرخُ ويفعَلُ غيرَ ذلكَ.

هَذَا مِنْ سوءِ الحالِ وشؤمِ الحالِ الذِي وصلَ إليهِ البعضُ في أيامِنَا، ليسَ هذَا طريقَ وَلَا هديَ نبيِّنَا ﷺ، بالمقابلِ: النبيُّ ﷺ كانَ يراقبُ الصحابةَ ويَهتَمُّ بأمورِهِم فِي أمرِ آخرَتِهِم ويسعَى جَاهدًا لإسلامِ المشركينَ الذينَ كانوا يؤذونَه ويحاربُونه، وهذا مِنْ رأفتِهِ وشفقَتِهِ بالناسِ، وكانَ يراقبُ أصحابَهُ لئلَّا يتركوا قيامَ الليلِ، كمَا قالَ لعبدِ اللهِ بنِ عمروٍ في هذا الحديثِ، فالنبيُّ ﷺ أرحمُ بنا مِنْ آبائِنا وأمهاتِنا وأنفسِنا، وصدقَ ربُّنا حيثُ قالَ عنْ نبيِّهِ ﷺ: [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ]، نسألُ اللهَ أنْ يجمَعَنا بهِ فِي جناتِ النعيمِ)

(وهذَا الحديثُ يبين اهتمامَ النبيِّ ﷺ بقيامِ الليلِ والمداومةِ عليهِ يُبَيِّنُ فضلَ قيامِ الليلِ في دينِ اللهِ وأهميتِه في الشريعةِ الإسلاميةِ وبيانِ أنَّه عادةُ عبادِ اللهِ الصالحينَ، وقدْ وصَفَ اللهُ عبادَهُ المُتقينَ فِي كتابِهِ الكريمِ فقالَ سبحانَهُ: [إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ]، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ يَهْجَعُونَ، أَيْ يَنَامُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ.اهـ

قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلَّهُ وَرُبَّمَا نَشَطُوا فَجَدُّوا إِلَى السَّحَرِ.اهـ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَلَّتْ لَيْلَةٌ لَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ إِلَّا يُصَلُّونَ للهِ فِيهَا إِمَّا مِنْ أَوَّلِهَا وَإِمَّا مِنْ وَسَطِهَا.اهـ

رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَهَجِّدِينَ أَنَّهُ أَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَأَنْشَدَهُ:

وَكَيْفَ تَنَامُ اللَّيْلَ عَيْنٌ قَرِيرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِ الْمَجَالِسِ تَنْزِلُ

وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَزْدِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ لَا أَنَامُ اللَّيْلَ فَنِمْتُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَنَا بِشَابَّيْنِ أَحْسَنَ مَا رَأَيْتُ وَمَعَهُمَا حُلَلٌ، فَوَقَفَا عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ وَكَسَوَاهُ حُلَّةً، ثُمَّ انْتَهَيَا إِلَى النِّيَامِ فَلَمْ يَكْسُوَاهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمَا: اكْسُوَانِي مِنْ حُلَلِكُمَا هذِهِ، فَقَالَا لِي: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُلَّةَ لِبَاسٍ إِنَّمَا هِيَ رِضْوَانُ اللهِ يَحُلُّ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ.اهـ

وَيُرْوَى عَنْ أَبِي خَلَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبٌ لِي قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ مُثِّلَتْ لِيَ الْقِيَامَةُ، فَنَظَرْتُ إِلَى أَقْوَامٍ مِنْ إِخْوَانِي قَدْ أَضَاءَتْ وُجُوهُهُمْ، وَأَشْرَقَتْ أَلْوَانُهُمْ، وَعَلَيْهِمُ الْحُلَلُ مِنْ دُونِ الْخَلَائِقِ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ مُكْتَسُونَ وَأَكْثَرُ النَّاسِ عُرَاةٌ، وَوُجُوهُهُمْ مُشْرِقَةٌ وَوُجُوهُ أَكثَرِ النَّاسِ مُغْبَرَّةٌ! فَقَالَ لِي قَائِلٌ: الَّذِينَ رَأَيْتَهُمْ مُكْتَسُونَ فَهُمُ الْمُصَلُّونَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالَّذِينَ وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَةٌ فَأَصْحَابُ السَّهَرِ وَالتَّهَجُّدِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَقْوَامًا عَلَى نَجَائِبَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ رُكْبَانًا وَأَكثَرُ النَّاسِ مُشَاةٌ حُفَاةٌ؟ فَقَالَ لِي: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَامُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ تَقَرُّبًا للهِ تَعَالَى فَأَعْطَاهُمُ اللهُ بِذَلِكَ خَيْرَ الثَّوَابِ، قَالَ: فَصِحْتُ فِي مَنَامِي: وَاهًا لِلْعَابِدِينَ، مَا أَشْرَفَ مَقَامَهُمْ! ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مِنْ مَنَامِي وَأَنَا خائف.اهـ

قال القرطبي: وَالسَّحَرُ وَقْتٌ يُرْجَى فِيهِ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ.اهـ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)، مَدُّوا الصَّلَاةَ مِنْ أول الليل إِلَى السَّحَرِ ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا فِي السَّحَرِ.اهـ

وقدْ جاءَ وَصفُ هؤلاءِ الصالحينَ فِي كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ بقولِهِ تعالَى: [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ]، قالَ القرطبيُّ: وَخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَظَانُّ الْقَبُولِ وَوَقْتُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَعْقُوبَ عليه السلام لِبَنِيهِ:” سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي“:” إِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى السَّحَرِ”.اهـ وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ” أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ”؟ فَقَالَ:” لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ عِنْدَ السَّحَرِ”.اهـ 

وقالَ القرطبيُّ: أَصَحُّ مِنْ هَذَا مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “يَنْزِلُ اللهُ عز وجل إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ” فِي رِوَايَةٍ” حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ” لَفْظُ مُسْلِمٍ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ مُفَسَّرًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهما قَالَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:” إِنَّ اللهَ عز وجل يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى”. صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ، وَهُوَ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ كُلَّ احْتِمَالٍ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ يَنْزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا فَيَقُولُ. وَقَدْ رُوِيَ” يُنْزِلُ” بِضَمِ الْيَاءِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا، وَبِاللهِ تَوْفِيقُنَا.اهـ

وكان أحدُ علماءِ السلفِ مِنَ التابعينَ وهوَ الربيعُ بنُ خُثَيمٍ ويقالُ بنُ خَيثَمٍ كانَ يذهبُ لصلاةِ الفجرِ وينادِي جارَه ليذهبَ معهُ للصلاةِ ومرةً طرقَ بابَهُ قبلَ الفجرِ وهوَ كالعادةِ ذاهبٌ للصلاةِ فِي المسجدِ ويذهَبَا سوِيًّا، فقالَ لَهُ أحدُ أبنَاءِ جارِهِ إنَّهُ نائمٌ، فتَفَاجَأَ وغَضِبَ وانزَعَجَ كثيرًا وقالَ: الْمَلَكُ ينادِي فِي السماءِ فِي هذَا الوقتِ وقتِ السحرِ مُبَلِّغًا عنِ اللهِ: هَلْ مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ وأَبوكَ نائمٌ؟؟!!

وَمِمَّا يُبَيِّنُ شرَفَ وفَضلَ السَّحَرِ أَنَّ الشَّرعَ حَثَّ فيهِ عَلَى الإكثارِ مِنَ الاستغفارِ، وأيُّ خيرٍ أعظمُ مِنَ الثباتِ عَلَى الإيمانِ ومغفرةِ الذنوبِ وسترِ العيوبِ والتجاوزِ عنهَا، فالِاسْتِغْفَارُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ دائما ولا سيَّما في السَّحَرِ وفِي ثلثِ الليلِ الآخرِ.اهـ 

وقدْ حصل لبعضِ طلبةِ العلمِ ومَنْ يحضُرُ بمجالسِ العلمِ سمعَ هذهِ الفائدةَ مِنَ الشيخِ المُدَرِّسِ الذِي يعطِي الدرسَ أنَّهُ قالَ: مَنْ زَادَ بَلَاؤُهُ وكَثُرَ كَربُهُ واشْتَدَّ، لِيَستَيقِظْ فِي الثلثِ الأخيرِ مِنَ اللَّيلِ ولْيُكْثِرْ مِنَ الاستغفارِ والدعاءِ للهِ تعالَى برفعِ البلاءِ، فداوَمَ علَى الاستغفارِ فِي السَّحَرِ ألفَ مرةٍ أيَّامًا قَلِيلةً حتَّى انفَرَجَ كربُهُ وكانَ كربًا شديدًا عليهِ مِنْ دينٍ وقضَايا ماليةٍ مَعَ بعضِ الأشخاصِ، يَسَّرَ اللهُ لَهُ بِبَرَكَةِ استغفَارِهِ بالأسحارِ وملازَمَتِهِ لهَذا بِنِيَّةٍ صالحةٍ بخشوعٍ واستحضارٍ وصفاءِ قلبٍ، رفَعَ اللهُ عنهُ بلاءً كانَ مَعَهُ مِنْ سنينَ حتَّى اشتدَّ عليهِ. كيفَ لَا يُرفَعُ هذَا البلاءُ والنبيُّ ﷺ قالَ: مَنْ لَزِمَ الاستغفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا ويَرْزُقُهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحتَسِبُ.اهـ

رَجُلٌ تزوجَ سنينَ طويلةً لِمْ يأتِهِ أولادٌ قالَ لَهُ بعضُ المشايخِ: دَاوِمْ عَلَى الاستغفَارِ في وقتِ السَّحَرِ وستَرَى العجَائبَ، دَاوَمَ عَلَى الاستغفَارِ ولَزِمَهُ أسبُوعًا فحَمَلَتْ زَوجتُهُ بتَوأَمٍ بإِذنِ اللهِ.اهـ

اللهُ قادرٌ علَى كلِّ شيءٍ جعلَ فِي هذا الوقتِ بركاتٍ عجيبةً وفضائلَ كثيرةً. فَلَا تُغفِلُوهَا.

قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَّحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفَارَةً.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ اللَّيْلِ نَادَى مُنَادٍ [أَيْ مَلَكٌ] لِيَقُمِ الْقَانِتُونَ فَيَقُومُونَ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ إِلَى السَّحَرِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ السَّحَرِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الْمُسْتَغْفِرُونَ، فَيَسْتَغْفِرُ أُولَئِكَ، وَيَقُومُ آخَرُونَ فَيُصَلُّونَ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ. فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمِ الْغَافِلُونَ فَيَقُومُونَ مِنْ فُرُشِهِمْ كَالْمَوْتَى نُشِرُوا مِنْ قُبُورِهِمْ.

 وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْلَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُولُ لَا. فَيُعَاوِدُ الصلاةَ ثمَّ يسألُ، فإذَا قلتُ نعمْ فهُوَ يَسْتَغْفِرُ.

وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ: يَا رَبُّ، أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ، وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. قال القرطبي: فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ.

وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا يَكُنِ الدِّيكُ أَكْيَسَ مِنْكَ، يُنَادِي بِالْأَسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِمٌ”.

وصيغُ الاستغفارِ الَّتِي تَقُولُهَا فِي الأسحارِ كثيرةٌ ومضمونُهَا طلَبُ مغفرةِ الذنوبِ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ ومِنْ أفضَلِهَا مَا صَحَّ عَن رسولِ اللهِ ﷺ مما سماهُ سيدَ الاستغفاِر، وهيَ صيغةٌ عظيمةٌ لتقولَهَا فِي الأسحارِ، بلْ قالَ القرطبيُّ: وَالْمُخْتَارُ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِغْفَارِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَامِعِ -أي في الصحيحِ- غَيْرُهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللهم أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوَذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ– قَالَ- وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ“.اهـ 

ورويَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه ثُمَّ قَالَ: “أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ لَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكَ كَمَدَبِّ النَّمْلِ– أَوْ كَمَدَبِّ الذَّرِّ- لَغَفَرَهَا اللهُ لَكَ عَلَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ: اللهم لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنت). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

(وقيامُ الليلِ أحبابي لا يكونُ فقطْ بالصلاةِ، وإنَّمَا بقراءةِ القرآنِ وبالذكرِ للهِ عزَّ وجلَّ وبالصلاةِ علَى النبيِّ ﷺ، وهذَا الحديثُ الذِي نشرَحُهُ فيهِ الحثُّ على قيامِ الليلِ عمومًا وليسَ مقتَصِرًا علَى الصلاةِ فقَطْ فأَبوابُ الخيراتِ كثيرةٌ عظيمةٌ، فاجعلُوا ليلَكُمْ مَصروفًا للقيامِ بأصنافِ العباداتِ، بعضُ السلَفِ كانَ يحيي الليلَ كلَّهُ بالذِّكرِ اللِّسَانِيِّ وبعضُهُم بمذاكرةِ العلمِ وبمراجعَتِهِ كالإمامِ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ، فقدْ قَالَ الرَّبِيْعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ فَلَمْ أَرَهُ آكِلًا بِنَهَارٍ وَلَا نَائِمًا بِلَيْلٍ وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ تَخْدِمُهُ وَكَانَ يَعْمَلُ الْبَابَ مِنَ الْعِلْمِ ثُمَّ يَقُوْلُ: يَا جَارِيَةُ قُوْمِيْ إِلَىْ السِّرَاجِ، فَتَقُوْمُ فَتُسْرِجُ لَهُ فَيَكْتُبُ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْتُبَهُ وَيَرْسُمُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ السِّرَاجَ وَيَسْتَلْقِيْ عَلَىْ ظَهْرِهِ فَيَعْمَلُ الْبَابَ مِنَ الْعِلْمِ ثُمَّ يَقُوْلُ: يَا جَارِيَةُ قُوْمِيْ إِلَىْ الْقَدَّاحِ فَتَقُوْمُ وَتُسْرِجُ لَهُ فَيَكْتُبُ الْبَابَ مِنَ الْعِلْمِ وَيَرْسُمُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ السِّرَاجَ، فَكَانَ عَلَى هَذَا مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ لَوْ تَرَكْتَ السِّرَاجَ يَقِدُ فَإِنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ مِنْكَ فِيْ جَهْدٍ؟ قَالَ: إِنَّ السِّرَاجَ يَشْغَلُ قَلبِي.اهـ 

وقالَ الفقهاءُ: فأمَّا مَنْ صَعُبَتْ عليهِ الطهارةُ في الليلِ، وثَقُلَتْ عليهِ الصلاةُ، فَلْيَجْلِسْ مستَقْبِلَ القبلةِ ولْيَذكُرِ اللهَ تعالَى، ولَيَدْعُ مهمَا قَدَرَ. فَإِنْ لَم يجلسْ فَليَدْعُ وهوَ مُضطَجِعٌ، ومَنْ كانَ لَهُ وِردٌ فغَلَبَهُ النومُ وفاتَهُ، فَليَأتِ بِهِ بعدَ صلاةِ الضحَى. فقدْ وَرَدَ ذلِكَ في الحديثِ.

وبعضُ السلفِ كانَ يشغلُ ليلَهُ بقراءةِ القرآنِ، وهذَا مِمَّا ينبغِي الاعتِنَاءُ والاهتمامُ بهِ ليلًا ونهارًا فِي كلِّ العامِ وليسَ فِي رمضانَ فَحَسب، قالَ النوويُّ رحمَهُ اللهُ: وينبغِي المحافظةُ علَى القراءةِ بالليلِ ينبغِي أنْ يكونَ اعتناؤُهُ بقراءةِ الليلِ أكثرَ قالَ اللهُ تعالَى: [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ]، “وهذهِ الآيةُ تصفُ مَنْ كانَ علَى الإسلامِ مِنْ أهلِ الكتابِ”. وفِي الصحيحِ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ قاَلَ: نِعْمَ الرجلُ عبدُ اللهِ لوْ كانَ يصلِّي مِنَ الليلِ، وروَى الطبرانيُّ وغيرُهُ عنْ سهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: شرفُ المؤمنِ قيامُ الليلِ.

وقدْ جاءَ عنْ أبِي الأحوصِ الحَبَشِيِّ قالَ إِنْ كانَ الرجلُ ليَطرُقُ الفُسطَاطَ [وهو المكانُ الذي يجتمعونَ بهِ للقيامِ] طُرُوقًا أَي يَأتِيهِ ليلًا فيسمعُ لأهلِهِ دَوِيًّا كدَوِيِّ النحلِ قالَ فَمَا بَالُ هؤلاءِ يأمَنُونَ مَا كانَ أولئكَ يخافونَ، وعن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ كانَ يقولُ اقرؤوا مِنَ الليلِ ولَوْ حَلَبَ شاةٍ [أي مقدارَ مَا تُحْلَبُ الشاةُ].

قَالَ النوويُّ: وإنَّمَا رجَحَتْ صَلَاةُ اللَّيلِ وقِرَاءَتُهُ لِكَونِهَا أجمعَ للقلبِ وأبعَدَ عنِ الشَّاغِلَاتِ والمُلْهِيَاتِ والتَّصَرُّفِ فِي الحَاجَاتِ وأَصوَنَ عَنِ الرياءِ وغيرِهِ مِنَ المُحبِطَاتِ مَعَ ما جاءَ الشَّرعُ بِهِ مِنْ إيجادِ الخيراتِ فِي الليلِ فَإِنَّ الإِسرَاءَ بِرسولِ اللهِ ﷺ: كانَ ليلًا. وفِي الحديثِ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ: قالَ: “إِنَّ فِي الليلِ ساعةً يَستَجِيبُ اللهُ فيهَا الدعاءَ كُلَّ ليلةٍ”، ورُوِيَ عنْ سُلَيمَانَ الأَنمَاطِيِّ قَالَ: رأيْتُ علِيَّ بنَ أبي طالِبٍ رضيَ اللهُ عنهُ فِي المنامِ يقولُ:

لَولَا الَّذِينَ لَهُمْ وِرْدٌ يَقُومُونَا … وَآخَرُونَ ‌لَهُمْ ‌سَرْدٌ ‌يَصُومُونَا

لَدُكدِكَتْ أَرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سَحَرًا … لأَنَّكُمْ قَوْمُ سُوءٍ مَا تُطِيعُونَا

قالَ النوويُّ: واعْلَمْ أَنَّ فضيلَةَ القيامِ بالليلِ والقراءةِ فيهِ تحصلُ بالقليلِ والكثيرِ وكلَّمَا كَثُرَ كَانَ أفْضَلَ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ).

متن الحديث الذي بعده: وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً. رواه مسلم.

الشرح والتعليق على هذا الحديث: (هذا الحديثُ الخامسُ والخمسونَ بعدَ المِائةِ مِنْ كتابِ رياضِ الصالحينَ وهُوَ الحديثُ الأخيرُ مِنْ هذَا البابِ) وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيرِهِ (الوجعُ هُنَا أيِ الْمَرَضُ الذِي يليقُ بأنبياءِ اللهِ هوَ مرضٌ غيرُ مُنَفِّرٍ، فَالأنبياءُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ. المَرَضُ الَّذِي يُنَفِّرُ النَّاسَ عَنِ النَّبِيِّ اللهُ تَعَالَى لَا يُسَلِّطُهُ عَلَيْهِم» كَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ. عَنْ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ النَّاسُ الجُهَّالُ إِنَّ الدُّودَ أَكَلَ جِسْمَهُ فَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ ثُمَّ يَأْخُذُهُ وَيَقُولُ يَا مَخْلُوقَةَ رَبِّي كُلِّي مِنْ رِزْقِكِ ثُمَّ يُعِيدُهَا إِلَى مَكَانِهَا مَنْ جِسْمِهِ نَعُوذُ بِاللهِ هَذَا ضَلَالٌ مُبِين. أَمَّا المَرَضُ الْمُؤْلِمُ الشَّدِيد حَتَّى لَوْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ إِغْمَاءٌ غَشْيٌ فَيَجُوزُ عَلَيْهِم مِنْ شدَّةِ الأَلَمِ قَدْ يُغْمَى عَلَيْهِم أَمَّا الجُنُونُ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِم)، صَلَّى مِنَ النَّهارِ ثنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً. رواهُ مسلمٌ. (قالَ الفقهاءُ استدلالًا مِنْ هذَا الحديثِ: ويُسْتَحَب أَنْ يكونَ للإنْسانِ تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليهَا، وإذَا فاتَتْ يَقْضِيها) (في هذَا الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ قضاءِ صلاةِ الليلِ، وكذلكَ سائرِ النوافلِ) (يظهرُ لنَا مِنْ أحاديثِهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يعتَنِي بالنوافلِ ولَا سيَّمَا نوافلَ الصلاةِ، فمَا فاتَهُ شيءٌ مِنَ النوافلِ فِي الليلِ يصلِّي بدَلًا منهُ فِي النهارِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ»، وروي عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ، أَيُّ قِيَامِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: «نِصْفُ اللَّيْلِ – أَوْ آخِرُ اللَّيْلِ، شَكَّ عَوْفٌ – وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ»، روى ابنُ المباركِ وغيرُه عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: ” ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَتَرَكَ فِرَاشَهُ وَدِفَاءَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: مَا حَمَلَ عَبْدِي هَذَا عَلَى مَا صَنَعَ؟ فَتَقُولُ: أَنْتَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِهِ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي، فَيَقُولُونَ: خَوَّفْتَهُ شَيْئًا فَخَافَهُ، وَرَجَّيْتَهُ شَيْئًا فَرَجَاهُ، فَيَقُولُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ، وَأَوْجَبْتُ لَهُ مَا رَجَا، قَالَ: وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، وَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَثَبَتَ هُوَ حَتَّى قُتِلَ، أَوْ فَتْحَ اللهُ عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ سَرى لَيْلَتَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَامَ أَصْحَابُهُ وَقَامَ هُوَ يُصَلِّي”، قال البيهقي: الضَّحِكُ الَّذِي يَعْتَرِي الْبَشَرَ عِنْدَمَا يَسْتَخِفَّهُمُ الفَرَحُ، أَوْ يستفزهم الطَّرَبُ، غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللهِ عز وجل، وَهُوَ مَنْفِيٌ عَنْ صِفَاتِهِ، وَمَعْنَاهُ فِي صِفَةِ اللهِ عز وجل الْإِخْبَارُ عَنِ الرِّضَى بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا، وَالْقَبُولُ لِلْآخَرِ وَمُجَازَاتُهُمَا عَلَى صَنِيعِهِمَا الْجَنَّةَ، مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمَا وَتَبَايُنِ مَقَاصِدِهِمَا.

 قَالَ: وَنَظِيرُ هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ فِي صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَانِ. فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْلِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا الْعَشَاءَ. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْلَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تَصْلُحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، وَجَعَلَا يُرِيَانِهِ كَأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَقَدْ ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ مِنْ فَعَالِكُمَا». وَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]. روَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: «مَعْنَى الضَّحِكِ الرَّحْمَةُ». 

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: «قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَرِيبٌ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَى لِفِعْلِهَمَا أَقْرَبُ وَأَشْبَهُ.

وفي رواية: “عَجِبَ اللهُ مِنْ فِعَالِكُمَا“.

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: «قَوْلُهُ» عَجِبَ اللهُ «إِطْلَاقُ الْعَجَبِ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الرِّضَى، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّنِيعَ مِنْهُمَا حَلَّ مِنَ الرِّضَا عِنْدَ اللهِ، وَالْقَبُولِ لَهُ، وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، مَحِلَّ الْعَجَبِ عِنْدَكُمْ فِي الشَّيْءِ القَلِيلِ إِذَا رُفِعَ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَأُعْطِيَ بِهِ الْأَضْعَافُ مِنْ قِيمَتِهِ»)

 (هذهِ الأحاديثُ أحبابي تبينُ لنَا أهميةَ أنْ يبقى الواحدُ منَّا متواصِلًا علَى طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ولَا يَفتُرَ عنِ العبادةِ والصلاةِ ليلًا ونهارًا فِي كلِّ العامِّ، فالراحةُ إنْ شاءَ اللهُ فِي الجنةِ، وراحةُ طالبي الآخرةِ فِي العملِ للآخرةِ وليستْ فِي الانقطاعِ عنْ عملِ الآخرةِ، بلِ الراحةُ هنا هيَ الانتقالُ مِنْ عملٍ إلَى عملٍ حتَّى نلقَى مَلَكَ الموتِ ونُرْزَقَ حسنَ الختامِ..

يروى أنَّهُ مَرِضَتْ رابعةُ مرَّةً فصَارَتْ تصَلِّي وِردَهَا بالنَّهارِ فعُوفِيَتْ، وقدْ أَلِفَتْ ذَلِكَ وانقَطَعَ عنهَا قيامُ اللَّيلِ، فرَأَت ذاتَ ليلةٍ فِي نومِهَا كأنَّها أُدخِلَتْ إلَى روضةٍ خضراءَ عظيمةٍ، وفُتِحَ لَهَا فيهَا بابُ دارٍ، فسَطَعَ منهَا نورٌ حتَّى كادَ يَخطِفُ بصَرَهَا، فَخَرَجَ منهَا وُصَفَاءُ كَأَنَّ وجوهَهُمُ اللُّؤلُؤُ، بِأَيدِيهِم مَجَامِرُ، فَقَالَتْ لَهُمُ امرأةٌ كانتْ مَعَ رابعةَ: أينَ تريدُونَ؟ قالوا: نريدُ فُلَانًا قُتِلَ شَهِيدًا فِي البَحرِ، فَنُجَمِّرَهُ، فَقَالَتْ لَهُمْ: أَفَلَا تُجَمِّرُونَ هَذِهِ المَرأَةَ؟ تَعنِي رَابِعَةَ، فَنَظَرُوا إِلَيهَا وَقَالُوا: قَدْ كَانَ لَهَا حَظٌّ فِي ذَلِكَ فَتَرَكَتْهُ، فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ المَرأَةُ إلَى رَابِعَةَ وَأَنْشَدَتْ:

‌صَلَاتُكِ ‌نُورٌ ‌وَالْعِبَادُ ‌رُقُودُ … وَنَوْمُكِ ضِدٌّ لِلصَّلَاةِ عَمِيدُ

وَعُمْرُكِ غَنْمٌ إِنْ عَقَلْتِ وَمُهْلَةٌ … يَسِيرُ وَيَفْنَى دَائِبٌ وَيَبِيدُ

فَرَجَعَتْ تُحَافِظُ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ…

وكانَ بعضُ العلماءِ يقومُ السّحَرَ، فنَامَ عَنْ ذلِكَ ليالِيَ، فرَأَى فِي منَامِهِ رجُلَينِ وَقَفَا عليهِ وقَالَ أحدُهُمَا للآخرِ: هذَا كانَ مِنَ المستغفرينَ بالأسحارِ، فترَكَ ذلكَ.

 يَا مَن كَانَ لَهُ قلْبٌ فَانقَلَبَ، يَا مَنْ كَانَ لَهُ وَقتٌ مَعَ طاعةِ اللهِ فَذَهَبَ؛ قِيَامُ السَّحَرِ يَستَوحِشُ لَكَ، وَصِيَامُ النَّهَارِ يَسأَلُ عَنكَ، وَليالِي الوِصَالِ تُعَاتِبُكَ عَلَى الهَجْرِ.

كانَ سريٌّ السَّقَطِيُّ يقولُ: رأيتُ الفوائدَ تَرِدُ أي تأتِي فِي ظُلمَةِ الليلِ، ماذَا فَاتَ مَنْ فَاتَهُ خيرُ اللَّيلِ؟ لقَدْ حَصَلَ أهلُ الغَفلَةِ والنَّومِ علَى الحِرمَانِ والويلِ.

 كانَ بعضُ السلفِ يقومُ الليلَ، فنامَ ليلَةً فأتَاهُ آتٍ فِي منامِهِ، فقَالَ لَهُ: قُمْ فَصَلِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ مَفَاتِيحَ الجنَّةِ مَعَ أصحابِ اللَّيلِ هُمْ خُزَّانُهَا. 

وكانَ آخَرُ يقومُ الليلَ، فنامَ ليلةً فأتَاهُ آتٍ فِي منامِهِ، فقَالَ: مَا لَكَ قَصَّرْتَ فِي الخِطبَةِ؟ أَمَا عَلِمتَ أَنَّ المُتَهَجِّدَ إِذَا قَامَ إِلَى تَهَجُّدِهِ قَالَتِ الملائكةُ: قَامَ الخَاطِبُ إِلَى خِطبَتِهِ. 

ورَأَى بعضُهُم حَورَاءَ فِي نومِهِ، فَقَالَ لَهَا: زَوِّجِينِي نَفسَكِ، قَالَتْ: اخْطُبنِي وَأَمْهِرنِي، قَالَ: مَا مَهرُكِ؟ قَالَتْ: طُولُ التَّهَجُّدِ.

 نَامَ لَيلَةً أَبُو سُلَيمَانَ فَأَيقَظَتْهُ حَورَاءُ وَقَالَتْ: يَا أَبَا سُلَيمَانَ، تَنَامُ وَأَنَا أُرَبَّى لَكَ فِي الخُدُورِ مُنْذُ خَمسِمِائَةِ عَامٍ؟. 

كَانَتِ امرأةُ حبيبٍ توقِظُهُ بالليلِ وتقولُ: ذهبَ الليلُ وبَينَ أيدِينَا طَريقٌ بعيدٌ، وزَادُنَا قَلِيلٌ، وقَوَافِلُ الصَّالِحِينَ قَدْ سَارَتْ قُدَّامَنَا وَنَحنُ قَدْ بَقِينَا.

قِيلَ لِابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَا نَستَطِيعُ قِيَامَ اللَّيلِ، قَالَ: أَبْعَدَتْكُمْ ذُنُوبُكُمْ. وَقِيلَ لِلحَسَنِ: قَدْ عَجَزْنَا عَنْ قِيامِ الليلِ، قَالَ: قَيَّدَتْكُمْ خَطَايَاكُمْ. 

وَقَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ: إِذَا لَم تَقدِرْ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحرُومٌ مُكَبَّلٌ، كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ.

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، فَالمُحِبُّ يَتَنَعَّمُ بِمُنَاجَاةِ مَحبُوبِهِ، وَالخَائِفُ يَتَضَرَّعُ لِطَلَبِ العَفوِ وَيَبكِي عَلَى ذُنُوبِهِ، وَالرَّاجِي يُلِحُّ فِي سُؤَالِ مَطلُوبِهِ، وَالغَافِلُ المِسكِينُ أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَهُ فِي حِرمَانِهِ وَفَوَاتِ نَصِيبِهِ.

 كَانَ أَبُو سُلَيمَانَ يَقُولُ: أَهلُ اللَّيلِ فِي لَيلِهِم أَلَذُّ مِنْ أَهلِ اللَّهوِ فِي لَهْوِهِمْ، وَلَولَا اللَّيلُ مَا أَحبَبتُ البَقَاءَ فِي الدُّنيَا. صَحَائِفُ التَّائِبِينَ خُدُودُهُمْ، وَمِدَادُهُمْ دُمُوعُهُمْ).