باب المحافظة على السنة وآدابها – التمهيد لمكانة السنة وأثر التمسك بها

المقدمة

الحَمدُ للهِ المُتَعَالِي عَنِ الأَندَادِ، المُقَدَّسِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالأَضدَادِ، المُتَنَزِّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالأَوْلَادِ، رَافِعِ السَّبعِ الشِّدَادِ، عَالِيَةً بِغَيرِ عِمَادٍ، وَوَاضِعِ الأَرضِ لِلمِهَادِ، مُثَبَّتَةً بِالرَّاسِيَاتِ الأَطْوَادِ، المُطَّلِعِ عَلَى سِرِّ القُلُوبِ وَمَكنُونِ الفُؤَادِ، قَدَّرَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الضَّلَالِ وَالرَّشَادِ، جَادَ عَلَى السَّائِلِينَ فَزَادَهُم مِنَ الزَّادِ، وَأَعطَى الكَثِيرَ مِنَ العَامِلِينَ المُخلِصِينَ فِي المُرَادِ، أَحمَدُهُ حَمدًا يَفُوقُ الأَعْدَادَ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَكُلَّمَا شُكِرَ زَادَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلكُ الرَّحِيمُ بِالعِبَادِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ إِلَى جَمِيعِ الخَلْقِ فِي كُلِّ البِلَادِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَادَ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ الإِسلَامِ وَأَجَادَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي جَهَّزَ جَيشَ العُسْرَةِ فَيَا فَخرَهُ يَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَعرُوفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالجِلَادِ، وَعَلَى الآلِ وَالأَصْحَابِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحَسَانٍ إِلَى يَومِ التَّنَادِّ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

باب الأمر بالمحافظة على السنة

فقد وصَلْنا فِي هذَا الكِتابِ المُبَارَكِ إلى باب الأمرِ بالمحافظةِ علَى السنَّةِ وخَتَمنَا بابَ المُحَافظَةِ عَلَى الأعمالِ، وبيَّنَ النوويُّ رحمَهُ اللهُ مِنْ خِلَالِ سَردِهِ لِلأحَادِيثِ الوارِدَةِ فيهِ أَنَّهُ ينبغِي عَلَى العبدِ المؤمِنِ إذَا عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا أَنْ يُحَافِظَ عَلَيهِ وَيَبقَى مُستَمِرًّا عَلَيهِ وَلَا يَنقَطِعَ عَنِ الخيرِ الذِي اعتادَهُ ولو كانَ قَليلًا، وأَنْ يستمِرَّ علَى العملِ الصالحِ بتوسطٍ واعتدالٍ حتَّى لا تملَّ نفسُه وتنقطعَ عنِ الفضائلِ والخيراتِ.

 وأَتبَعَ هذَا البابَ ببابٍ في الأمرِ بالمحافظةِ علَى السنَّةِ وآدابِهَا وهذَا توجيهٌ مهمٌّ منهُ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ أعمَالَكَ التِي تداوِمُ عليهَا والتِي تحافظُ عليهَا أولًا ينبغِي أَنْ تَكونَ مُوَافِقَةً للشريعةِ ولِسُنَّةِ الحبيبِ المصطفَى ﷺ فلا تكنْ يا طالبَ العلمِ ويا طالبَ الآخرةِ مبتدعًا في الدينِ بل كنْ مُتَّبِعًا للسنةِ ولِنَاقِلِ الشريعةِ محمدٍ ﷺ.

إذًا توجيهانِ مهمَّانِ مِنَ الحافظِ النوويِّ بهذَا الترتيبِ الذِي سَلَكَهُ ورَبْطِهِ لهَذِهِ الأبوابِ وترتيبِهِ لهَا.

 أحدُهُما أنْ تحافظَ علَى الأعمالِ الصالحةِ والفضائلِ العظيمةِ ولَا تنقطعَ عنهَا بتوسطٍ واعتدالٍ كمَا قيلَ: 

لَا تَذْهَبَنَّ فِي الْأُمُورِ فَرَطَا … لَا تَسْأَلَنَّ إِنْ سَأَلْتَ ‌شَطَطَا… وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا وَسَطَا.

وثانيا: أنْ تكونَ هذهِ الأعمالُ موافقةً لسنةِ النبيِّ ﷺ، فلا خيرَ في كثيرٍ يخالفُ السنةَ ويخالفُ الشريعةَ، فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَمَلٌ ‌قَلِيلٌ ‌فِي ‌سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ». وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه أنَّه قَالَ: «الِاقتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجتِهَادِ فِي بِدعَةٍ».

 وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه: «لوْ كَانَ بِكُلِّ بِدْعَةٍ -تخالفُ الكتابَ والسنةِ- يُمِيتُهَا اللهُ عَلَى يَدِي، وَكُلِّ سُنَّةٍ يُنْعِشُهَا اللهُ عَلَى يَدِي، بِضْعَةٌ مِنْ لَحْمِي حَتَّى يَأْتِيَ آخِرُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي لَكَانَ فِي اللهِ يَسِيرًا».

خلاصةُ الكلامِ في هذا الترتيبِ لهذا الكتابِ المباركِ في هذا الموضعِ: حَافِظْ علَى الأعمالِ الصالحةِ بالموافَقَةِ للشريعةِ وللسنةِ النبويةِ وإياكَ والمخالفةَ والابتداعَ في دينِ اللهِ علَى وجهٍ مخالفٍ للشريعةِ المحمديةِ.

قال الحافظ النووي رحمه الله في متن رياض الصالحين: بَابٌ فِي الأِمْرِ بالمحافظةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا (قال ابن حجر: الْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقِيلَ: الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ)

(مَعْنَى السُّنَّةِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ. إِنَّمَا الْفُقَهَاءُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ صَارُوا يَقُولُونَ لِلْعَمَلِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ وَاجِبًا سُنَّة.

 أمَّا فِي الحَدِيثِ السُّنَّةُ هِيَ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ، فَإِذَا أُطلِقَتِ السُّنَّةُ فِي الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فَالمُرَادُ بِهَا طَرِيقَتُهُ الَّتِي جَاءَ بِهَا ﷺ مِنَ العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ، وَذَلِكَ مِثلُ الحَدِيثِ الَّذِي شَرَحنَاهُ سَابِقًا: فَمَنْ رَغِبَ ‌عَنْ ‌سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.

 قالَ ابنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ لَا الَّتِي تُقَابِلُ الْفَرْضَ، وَالرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَطَرِيقَةُ النَّبِيِّ ﷺ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَيُفْطِرُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنَامُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَامِ وَيَتَزَوَّجُ لِكَسْرِ الشَّهْوَةِ وَإِعْفَافِ النَّفْسِ. وَتَكْثِيرِ النَّسْلِ. وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اعْتِقَادِ أَرْجَحِيَّةِ عَمَلِهِ، فَمَعْنَى: فَلَيْسَ مِنِّي: لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي، لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْكُفْرِ)

(وَمَنْ أَحْيَا سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ، مَنْ أَحيَا عَقِيدَةَ النَّبِيِّ وَأَحكَامَهُ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَانِ غُربَةِ الإِسلَامِ لَهُ ثَوَابٌ كَبِيرٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «اَلْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ»، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، سُنَّتِي مَعْنَاهُ الْعَقِيدَةُ وَالْأَحْكَامُ. فَهَنِيئًا لِمَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي ذَلِكَ، يَكُونُ شَهِيدًا لَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، مَنْ تَعَلَّمَ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَدَافَعَ عَنْهَا وَحَذَّرَ النَّاسَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.

هَذَا وَقْتُنَا يَنْطَبِقُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ كَثُرَ الدُّعَاةُ بِاسْمِ الدِّينِ إِلَى خِلَافِ الدِّينِ، لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْذُلُوا جُهْدَكُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لِتَـقْوِيَةِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّـنَّةِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صِرْتُمْ دَاخِلِينَ تَحْتَ حَدِيثِ: «اَلمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ»، وَالْيَوْمَ كَمَا هُوَ مُعَايَنٌ، صَارَ فَسَادٌ فِي الْأُمَّـةِ. قِسْمٌ؛ يُشَبِّهونَ اللهَ بِخَلْقِهِ، وَقِسْمٌ؛ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، وَقِسْمٌ؛ تَرَكُوا التَّوْحِيدَ خَرَجُوا مِنَ التَّوْحِيدِ بِاعْتِقَادِهِمْ عَقِيدةَ الْحُلُولِ أَوْ عَقِيدَةَ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ. إِنَّ طُرُقَ الضَّلَالِ كَثِيرَةٌ. «الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ» مَعْنَى سُنَّتِي أَيْ شَرِيعَتِي العَقِيدَةُ وَالأَحْكَامُ كُلُّ هَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ مَعْنَى سُنَّتِي سُنَّةَ الظُّهْرِ أَوْ سُنَّةَ العَصْرِ أَوِ المغْرِبِ وَالسِّوَاكَ، لَيْسَ هَذَا مَعْنَاهُ مَعْنَى سُنَّتِي العَقِيدَةُ وَالأَحْكَامُ شَرِيعَتِي وَظَهَرَ صِدْقُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ. فَهَنِيئًا لِمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَمَسَّكَ بِهِ وَدَافَعَ عَنْهُ المخَالِفِينَ، وَمَا أَعْظَمَ هَذَا الأَجْرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَنَالُ أَجْرَ شَهِيدِ المعْرَكَةِ، نَعَمْ مِثْلُ شَهِيدِ المعْرَكَةِ، مِثْلُ الَّذِي يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ نِيَّاتُهُمْ صَحِيحَةٌ وَعَقِيدَتُهُمْ صَحِيحَةٌ لَوْ بَقِيَ أَحَدُهُمْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ سِنِينَ طَوِيلَةً لا يَنْتَفِخُ.

دَرَجَةُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَظِيمَةٌ، مِنْهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعَدَّ لِلشُّهَدَاءِ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَة، مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَجَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، هَذِهِ الدَّرَجَاتُ كُلُّهَا لِلْمُجَاهِدِينَ لِلشُّهَدَاءِ، وَاليَوْمَ مَنْ يَسْعَى لِتَأْيِيدِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مُتَمَسِّكًا بِهَا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ شَهِيدٌ، وَأَنْتُمْ وَللهِ الحَمْدُ عَلَى هَذِهِ العَقِيدَةِ فَأَبْشِرُوا بِهَذَا الأَجْرِ العَظِيمِ، وَمَا أَعْظَمَ هَذَا الأَجْرِ.

لأَنَّهُ مَعْلُومٌ اليَوْمَ بِأَنَّهُ انْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ دُعَاةٌ إِلَى ضِدِّ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِالتَّسَلْسُلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَأَنْتُمْ عَلَى هَذِهِ العَقِيدَةِ وَتَسْعَوْنَ إِلَى تَأْيِيدِهَا فَاحْمَدُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَإِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى تَنَالُونَ هَذَا الأَجْرَ العَظِيمَ.

هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ المُرَادَةُ بِهَذَا الحَدِيثِ، لإِنَّ أَهَمَّ الأُمُورِ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى وَأَنْفَعَ الْأَشيَاءِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الإِيمَانُ، الثَّبَاتُ عَلَى الإِيمَانِ بِتَجَنُّبِ الكُفرِ، هَكَذَا يَكُونُ الثَّبَاتُ عَلَى الإِيمَانِ. مَنْ تَجَنَّبَ الكُفْرَ القَولِيَّ وَالفِعْلِيَّ وَالِاعتِقَادِيَّ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ هَذَا مَضْمُونٌ لَهُ الجَنَّةُ، بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ لا بُدَّ أَنْ يَدخُلَ الجَنَّةَ. مَنْ فَقَدَ العَقِيدَةَ فَقَدَ كُلَّ شَىْءٍ، العَقِيدَةُ الصَّحِيْحَةُ رَأسُ مَالِ كُلِّ مُسْلِمٍ):

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى أُنَاسٍ ظَهَرُوا مُنذُ زَمَانٍ بَعِيدٍ، قَبلَ عَصرِ الشَّافِعِيِّ لَيسَ حَدِيثًا بَلْ مُنذُ زَمَانِ السَّلَفِ، ظَهَرَ أُنَاسٌ يُسَمُّونَ أَنفُسَهُم بِالقُرآنِيِّينَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُم مُتَمَسِّكُونَ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ، وَيَقُولُونَ نَحنُ لَا نَأخُذُ بِأَحَادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ وَيَرُدُّونَهَا، وَحُجَّتُهُم أَنَّهُم يَقُولُونَ: كَيفَ نَضمَنُ أَن تَكُونَ أَحَادِيثُ الرَّسُولِ ﷺ صَحِيحَةً أَو مَضبُوطَةً، فَيَقتَصِرُونَ عَلَى القُرآنِ الكَرِيمِ بِزَعْمِهِمْ وَلَا يَأخُذُونَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهَذِهِ إِحدَى الأَشيَاءِ الَّتِي تَهدِفُ لِلوُصُولِ إِلَى الإِلحَادِ، لِأَنَّ هَذَا الأَمرَ فِيهِ هَدمُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهَدمُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ هُوَ هَدمٌ لِدِينِ الإِسلَامِ، فَإِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ وَإِن بَيَّنَ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ بِالتَّفصِيلِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ جَاءَت فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الإِجمَالِ، فَلَا يَسَعُنَا إِلَّا الأَخذُ بِأَحَادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ حَتَّى نَعرِفَ تَفَاصِيلَ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإِذَا تَرَكنَا السُّنَّةَ ضَيَّعنَا هَذِهِ الأُمُورَ. لِلأَسَفِ الشَّدِيدِ، صَارَت كَلِمَةُ القُرآنِيِّ تُطلَقُ كَثِيْرًا فِي زَمَانِنَا عَلَى الشَّخصِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ القُرآنِ، فَإِنَّ القُرآنَ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالعَمَلِ بِمَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، لَكِن صِرنَا في زَمَنٍ ظَهَرَ فِيهِ المسمَّون بالقرآنيين، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِقُرْآنِيِّينَ؛ لأِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَوْجَبَ طَاعَةَ الرَّسُول فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ، وَاعْتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُول ﷺ مِنْ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَل. بَل إِنَّ الْقُرْآنَ الكَرِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِهِ: نَفَى الإِيمَانَ عَمَّنْ رَفَضَ طَاعَةَ الرَّسُول ﷺ، وَلَمْ يَقبَل حُكمَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، [النِّسَاء:65]. هَذَا الِادِّعَاءُ، وَهُوَ تَركُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالِاقتِصَارُ عَلَى القُرآنِ لَيسَ جَدِيدًا، فَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: (يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وَجَدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلُ ما حرَّمَ اللهُ) وَهَذَا مِصدَاقُ قَولِ اللهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، [سورة النجم: 3-4]. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الِادِّعَاءَ يَنقُضُهُ وَيَدُكُّ أَسَاسَهُ شَيءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، [سورة الحشر:7]، وَيَقُولُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ  وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، [سورة النساء: 80]، وَيَقُولُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، [سورة النساء: 115]، وَآيَاتٌ أُخرَى كَثِيرَةٌ لَا تَدُلُّ فَقَط عَلَى أَهَمِّيَّةِ الأَخذِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالأَخذِ بِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالعَمَلِ بِشَرِيْعَتِهِ، فَلَو كَانَ مَن يَدَّعِي هَذَا الِادِّعَاءَ يَعمَلُ بِكِتَابِ اللهِ حَقًّا، فَأَينَ هُوَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وَغَيرِهَا، فَمَن يَدَّعِي هَذَا الِادِّعَاءَ لَا يَعمَلُ بِكِتَابِ اللهِ، كَائِنًا مَن كَانَ.اهـ 

قَد يَسأَلُ البَعضُ: كَيفَ أُمَيِّزُ بَينَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَغَيرِ الصَّحِيحَةِ؟، وَقَد يَستَغِلُّ هَذَا أَصحَابُ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ وَيَقُولُ: لَا نَستَطِيعُ أَن نُمَيِّزَ بَينَهَا، لِذَلِكَ لَا نَأخُذُ بِالحَدِيثِ. وَالرَّدُّ بِأَنْ نَقُولَ: كُلُّ صَنعَةٍ مِنَ الصَّنعَاتِ لَهَا أَهلٌ، النِّجَارَةُ، وَالحِدَادَةُ، وَالهَندَسَةُ، وَالطِّبُّ، وَغَيرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ أَهلِ صَنعَةٍ يَعرِفُونَ صَنعَتَهُم وَلَهُم فِيهَا خُبرَةٌ، وَكَذَلِكَ الصَّنعَةُ الحَدِيثِيِّةُ، فَأَئِمَّةُ الحَدِيثِ يَعرِفُونَ صَنعَتَهُم وَلَهُم فِيهَا خُبرَةٌ، تَعِبُوا وَبَذَلُوا الجُهدَ الكَبِيرَ مُنذُ الزَّمَنِ القَدِيمِ حَتَّى يُفَنِّدُوا الأَحَادِيثَ المَوضُوعَةَ وَالأَحَادِيثَ المَردُودَةَ وَالأَحَادِيثَ المَكذُوبَةَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحَتَّى يُمَيِّزُوهَا مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَهُم فِي ذَلِكَ طُرُقُهُم مِن مَعرِفَةِ الرِّجَالِ وَكَشفِ العِلَلِ وَخَبَايَا المَتنِ وَالإِسنَادِ وَغَيرِ ذَلِكَ الكَثِير، كَمَا أَنَّ أَهلَ الصَّنَائِعِ لَهُم طُرُقُهُم فِي ذَلِكَ، فَعَلَينَا فِي هَذَا أَن نَتبَعَ أَهلَ الصَّنعَةِ كَمَا لَو أَرَادَ الوَاحِدُ مِنَّا أَن يَبنِيَ بَيتًا أَو يُعَالِجَ نَفسَهُ مِن مَرَضٍ أَو يَعمَل أَيَّ شَيءٍ لَا خِبرَةَ لَهُ بِهِ يَذهَبُ إِلَى أَهلِ الخُبرَةِ فِي هَذَا. وَقَدْ شَهِدَ أَعْدَاءُ هَذِهِ الأْمَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ أُمَّةٌ عُنِيَتْ بِالسَّنَدِ، وَبِتَنْقِيحِ الأْخْبَارِ، وَلَا سِيَّمَا الْمَرْوِيَّةَ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ كَهَذِهِ الأْمَّةِ.

مِنْ وَاضِعِي الحَدِيثِ: عَبدُ الكَرِيمِ بنُ أَبِي العَوجَاءِ، كَانَ فِي البَصرَةِ مِنَ المَشهُورِينَ بِالزَّندَقَةِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمرِ الدِّينِ.

قَالَ قَبلَ قَتلِهِ: “أَمَا وَاللهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَقَدْ وَضَعْتُ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ أُحَرِّمُ فِيهَا الحَلَالَ وَأُحِلَّ فِيهَا الحَرَامَ وَاللهِ لَقَدْ فَطَّرْتُكُمْ يَومَ صَومِكُم وَصَوَّمتُكُم يَومَ فِطرِكُمْ”. وَكَانَ قَتْلُهُ فِي خِلَافَةِ المَهدِيِّ بَعدَ السِّتِّينَ وَمِائَة.. وَسُفيَانُ يُغَربِلُهَا بِالغِربَالِ

وَبَعضُهُم يَدَّعِي أَنَّ السُّنَّةَ قَدِيمًا لَم يَكتُبهَا إِلَّا العَجَمُ المُتَآمِرُونَ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، عَلَى زَعْمِهِم كَالبُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَهْ وَغَيرِهِمْ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أُصُولُهُمْ غَيرُ عَرَبِيَّةٍ، نَقُولُ لَهُ: مَالِكُ بنُ أَنَسٍ مَا كَانَ مِنَ العَجَمِ، وَكََذَلِكَ الحُمَيدِيُّ القُرَشِيُّ، وَغَيرُهُم مِنَ العُلَمَاءِ الكِبَارِ مَا كَانُوا مِنَ العَجَمِ، ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّهُ لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقوَى، مَتَى كَانَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ عَجَمِيٌّ يُذَمُّ وَيُعَابُ وَيُتَّهَمُ بِأَنَّهُ مُتَآمِرٌ عَلَى الإِسلَامِ وَعَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ. 

وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ: نَقُوْلُ لَهُمْ: أَينَ نَجِدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ عَدَدَ رَكَعَاتِ كُلِّ صَلَاةٍ، أَينَ نَِجدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَقتَ دُخُولِ كُلِّ صََلَاةٍ، وَوَقتَ خُرُوجِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوَقتَ الكَرَاهَةِ، وَوَقتَ الفَضِيلَةِ، وَوَقتَ الِاختِيَارِ، أَينَ نَجِدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ أَذكَارَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمَا هِيَ مُبطِلَاتُ الصَّلَاةِ، وَمَا هِيَ شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَشُرُوطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَشُرُوطُ قَبُولِ الصَّلَاةِ، وَكَيفَ تَكُونُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ، وَكَيفَ تَكُونُ صَلَاةُ الجِنَازَةِ، وَصَلَاةُ العِيدِ، وَسَجدَةُ الشُّكرِ، وَسَجدَةُ التِّلَاوَةِ، وَصَومُ رَمَضَانَ، أَينَ نَجِدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ حُكمَ مَن أَكَلَ أَو شَرِبَ نَاسِيًا، أَفتِنِي مِنَ القُرآنِ، مَن جَامَعَ فِي رَمَضَانَ هَل يُفطِرُ أَو لَا يُفطِرُ، أَفتِنِي مِنَ القُرآنِ، مَا هِيَ الأَموَالُ الَّتِي تُؤخَذُ مِنهَا الزَّكَاةُ، مَا هُوَ النِّصَابُ، وَكَيفَ تَكُونُ التَّلبِيَةُ فِي الحَجِّ، وَكَم عَدَدُ الطََّوَافِ، وَكَم عَدَدُ السَّعيِ، وَكَم عَدَدُ الرَّميِ فِي الجَمَرَاتِ، وَمَا هُوَ وَقتُ المَبِيتِ بِمُزدَلِفَةَ وَمِنًى، أَسئِلَةٌ كَثِيرَةٌ تُطرَحُ عَلَى الأَشخَاصِ الَّذِينَ يَمتَنِعُونَ مِنَ الأَخذِ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَيَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.اهـ قَد يَسأَلُ البَعضُ: كَيفَ أَضمَنُ أَنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي رُوِيَت عَن وَاحِدٍ وَعَنِ اثنَينِ وَعَن ثَلَاثَةٍ وَعَن أَربَعَةٍ مِن صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ صَحِيحَةٌ، بَينَمَا القُرآنُ رُوِيَ عَن عَدَدٍ كَبِيرٍ بَلَّغَ عََدَدًا كَبِيرًا بَلَّغَ عَدَدًا كَبِيرًا بَلَّغَ عَدَدًا كَبِيرًا إِلَى أَن وَصَلنَا إِلَى يَومِنَا هَذَا، فَالجَوَابُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ هُوَ عَلَّمَنَا قَبُولَ الحَدِيثِ وَلَو رَوَاهُ وَاحِدٌ أَوِ اثنَانِ إِذَا كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً، أَلَيسَ اللهُ تَعَالَى أَخبَرَنَا فِي القُرآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات: 6]، إِذَا جَاءَ فَاسِقٌ وَاحِدٌ فَتَحَقَّقُوا، وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ العَدلَ بِخِلَافِ الفَاسِقِ فِي الحُكمِ، فَإِذَا جَاءَكَ عَدلٌ ثِقَةٌ صَدُوقٌ مُؤتَمَنٌ بِنَبَأٍ فَلَا تَتَبَيَّن، بَلِ اقْبَلْ حَدِيثَهُ، وَالرَّسُولُ ﷺ أَرسَلَ لِتَعلِيمِ النَّاسِ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَحِيدًا، وَأَرسَلَ أَبَا ذَرٍّ، وَأَرسَلَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، وَأَرسَلَ أَبَا مُوسَى الأَشعَرِيَّ، وَأَرْسَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، فَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُرسِلُ عَدَدًا قَلِيلًا لِيُبَلِّغُوا النَّاسَ الدِّينَ، كَانَ يُرسِلُ الوَاحِدَ وَيُرسِلُ الِاثنَينِ وَيُرسِلُ الثَّلَاثَةَ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ الدِّينَ فَلَو كَانَ هَذَا لَا يُقبَلُ فَلِمَاذَا يُرسِلُهُم)، وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 – 4] (هذهِ الآيةُ تعطِي معنَى مَا قالَهُ الفقهاءُ: (وَكُـلُّ مَا أَتَى بِهِ الـرَّسُولُ) أي محمَّدٌ ﷺ مِن أحكامِ الدِّينِ والإِخبارِ عمَّا حَدَثَ وما يحدثُ في زمانِه وفيمَا بعدَه وفي الآخِرةِ (فَـحَـقُّـهُ) أي الواجبُ علينا واللازمُ شرعًا (الـتَّـسْـلِـيمُ) أي الاعترافُ له والإقرارُ بصِحَّةِ ما جاءَ به (وَالْقَبُولُ) أي التصديقُ بهِ، وقد دلَّ على ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}، فالرسولُ ﷺ يستحيلُ عليه أنْ يُخطئ في التشريعِ والاجتهادِ. وقد شذَّ في هذه المسألةِ بعضُ العَصرِيينَ، حيثُ قالَ في بعضِ البرامجِ التلفزيونيةِ: “إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يجتهدُ أحيانًا ويخطئُ في اجتهادِه”، واستدلَّ بحديثِ أنَّ شخصًا سألَ النبيَّ ﷺ عنِ الشهادةِ فقالَ ﷺ: “يُغْفَرُ لِلشَّهِيد كُلُّ ذَنْبٍ”، ثم بعدَ أنْ تَوَلَّى الرجلُ ناداهُ فقالَ له: “إِلَّا الدَّين”، فاعتبرَ أنَّه أخطأَ بالأُولى ونَبَّهَهُ جِبريلُ إلى ذلكَ فاستَثْنى. ويكفي في الردِّ عليه قولُ الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}، وأما مَا ادَّعاهُ هذا المفسدُ فالجوابُ عليهِ أنَّ الكلامَ الأولَ كانَ مِنَ النبيِّ بوحيٍ والثاني بوحيٍ أيضًا، وليسَ ذلكَ عنِ اجتهادٍ خاطئٍ كمَا ادَّعَى.

وكذلكَ يقالُ في أَخذِهِ ﷺ الفِداءَ مِنْ أُسارَى بدرٍ فإنَّه كانَ بتخييرٍ مِنْ جبريلَ بينَ قتلِ الكفارِ وبينَ الفِداءِ على حسَبِ حُكمِ اللهِ تعالَى، وهذه القِصةُ رواها ابنُ حبانَ على هذا الوجهِ، فلا حُجّةَ لِمَنْ ادَّعَوا أنَّ الخطأَ يجوزُ عليه في اجتهادِه ﷺ. فمؤدَّى كلامِه فيه طعنٌ بالدينِ وتشكيكٌ بالرسولِ ورَفْعُ الثقةِ عنِ الرسولِ وكلامُه هذا فتحَ بابًا للملحدينَ الذينَ قد يقولُ قائلُهم: ما يدرينَا أنَّ كلامَ النبيِّ ليسَ فيهِ خطأٌ)، وَقالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] (هذهِ الآيةُ فيها الأمرُ بمحبةِ النبيِّ ﷺ واتباعِه، وقد قالَ تعالى: ((وَالذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًّا للهِ)) اعلمُوا أنَّه يجبُ على المسلمِ المكلفِ محبةُ اللهِ تعالى بتعظيمِه على ما يليقُ به سبحانَه وتعالى وكمالُ هذه المحبةِ يكونُ باتباعِ الرسولِ الأعظمِ ﷺ وطاعتِه بالانقيادِ لشرعِ اللهِ تعالى وباتباعِ أوامرِه واجتنابِ نواهيهِ أي بالتزامِ تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ التي هي أداءُ الواجباتِ واجتنابُ المحرماتِ، وقد قالَ تعالَى مرشدًا ومبينًا لعبادِه كيفَ تكونُ وكيفَ تتحققُ محبتُهم لخالقِهم عزَّ وجلَّ: ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) أي قلْ يا محمدُ يا أشرفَ الخلقِ إنْ كنتُم تقصدونَ محبةَ اللهِ تعالى وطاعتَه فاتبعوني فيما جئتُكم به مِنْ عندِ اللهِ وافعلُوا ما آمرُكُم به. ويكونُ حسنُ المتابعةِ بأداءِ ما أوجبَ واجتنابِ ما حرَّمَ، فالعبدُ التقيُّ هوَ الذي يطيعُ ربَّه وهذهِ علامةُ المحبةِ الصادقةِ.

يقولُ ذو النونِ المصريُّ: مِن علاماتِ المحبِّ للهِ عزَّ وجلَّ متابعةُ حبيبِ اللهِ (أي سيدِنَا محمدٍ ﷺ) فِي أخلاقِه وأفعالهِ وأوامرِه وسننِه.اهـ

وإنَّ مَنْ كانَ صادقًا فِي حبِّهِ للهِ ورسولِهِ وكانَ اتِّبَاعُهُ للنبيِّ المصطفَى ﷺ اتباعًا كاملًا وجدَ حلاوةَ ولذَّةَ الإيمانِ فِي قلبِهِ وكانَ مِنْ أولياءِ اللهِ وأحبابِهِ الصالحينَ وعَنْ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: « ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيَمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

والذِي وَصَلَ إلَى كمالِ محبةِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ يصيرُ مُنَوَّرَ القلبِ وإيمانُهُ يصيرُ كاملًا ويصيرُ مِنْ أولياءِ اللهِ وأحبابِهِ الذينَ لَا خوفٌ عليهِم ولَا هُمْ يحزنونَ. 

وفي شدةِ حبِّ النبيِّ ﷺ يقولُ القاضي عياضٌ في الشفا نقلًا عن بعضِ الصحابةِ: وَمَا كَانَ أحدٌ أحبَّ إليَّ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا له وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنَّي لَمْ أَكُنْ أملأُ عينَي. 

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وهم جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا.

وَرَوَى أسَامَةُ بن شَرِيكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابُهُ حَوْلَهُ كأنَّمَا على رُؤسِهِمُ الطَّيْرُ، وَفِي حَدِيثِ صِفَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رُؤسِهِمُ الطَّيْرُ.

وَقَالَ عروةُ بنُ مَسْعُودٍ حِينَ وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عام القَضِيَّةِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَرَأى من تَعْظِيم أصْحابِهِ لَهُ مَا رَأَى وَأنَّهُ لَا يَتَوَضَّأ إلا ابتدَرُوا وَضُوءَهُ وكادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يتنخم نُخَامَةً إلَّا تَلَقَّوْهَا بِأكْفّهِمْ فَدَلكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعَرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا وَإِذَا أمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ كمَا روَى البخاريُّ في صحيحِه وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي جئت كِسْرى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ وَإِنَّي واللهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أصْحَابِهِ.

وَفِي حَدِيث المُغِيرَة كَانَ أصْحَابُ رَسُول اللَّه ﷺ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِرِ، وَقَالَ البَرَاءُ بن عازِبٍ لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أنْ أسْألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الأَمْر فأؤخِّرُ سِنِينَ من هَيْبَتِهِ).اهـ 

وقالَ بعضُ أهلُ السيرِ: وَخَرَجَتْ السّمَيْرَاءُ بِنْتُ قَيْسٍ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ ابْنَاهَا مَعَ النّبِيِّ ﷺ بِأُحُدٍ فَلَمّا نُعِيَا لَهَا قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالُوا: خَيْرًا، هُوَ بِحَمْدِ اللهِ صَالِحٌ عَلَى مَا تُحِبّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَأَشَارُوا لَهَا إلَيْهِ، فَقَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك يَا رَسُولَ اللّهِ جَلَلٌ [أي هينةٌ، وهذهِ الكلمةُ مِنَ الأضدَادِ فتجيءُ بمعنيينِ متضادَّينِ فالجَلَلُ: الأمرُ العظيمُ كذلك] وَخَرَجَتْ تَسُوقُ بِابْنَيْهَا بَعِيرًا تَرُدّهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَتْهَا عَائِشَةُ رَضِىَ اللّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَتْ: أَمّا رَسُولُ اللّهِ بِحَمْدِ اللّهِ، فَبِخَيْرٍ لَمْ يَمُتْ وَاِتّخَذَ اللّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شُهَدَاءَ، وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، قَالَتْ: مَنْ هَؤُلاءِ مَعَك؟ قَالَتْ: ابْنَايَ.اهـ 

وَمِنْ عظيمِ القصصِ الَّتِي تُروَى فِي شدةِ محبةِ النبيِّ ﷺ مَا رُوِيَ عنِ الإمامِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُ فقدْ كَانَ الإِمَامُ مالكٌ شديدَ تَعَلُّقِ القَلبِ بِالمَدِينَةِ المنورة وَبِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقَد كَانَ شَدِيدَ التَّعظِيمِ وَالمَحَبةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، رَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَنِ المُثَنَّى بنِ سَعِيدٍ القَصِيرِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مَا بِتُّ لَيلَةً إِلَّا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيتُ بِبَابِ مَالِكٍ كُرَاعًا [وهو نوعٌ مِنَ الدَّوَابِّ] مِن أفرَاسِ خُرَاسَانَ وَبِغَالِ مِصرَ فَقُلتُ: مَا أَحسَنَهَا! فَقَالَ: هِيَ هِبَةٌ مِنِّي إِلَيكَ. فَقُلتُ: دَع لِنَفسِكَ مِنهَا دَابَّةً تَركَبُهَا. قَالَ: أَنَا أَستَحِي مِنَ اللهِ أَن أَطَأَ تُربَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ بِحَافِرِ دَابَّة.اهـ

وَقَالَ مُصعَبٌ: لَمَّا قَدِمَ المَهدِيُّ المَدِينَةَ استَقبَلَهُ مَالِكٌ وَغَيرُهُ مِن أَشرَافِهَا عَلَى أَميَالٍ، فَلَمَّا أَبصَرَ بِمَالِكٍ انحَرَفَ المَهدِيُّ إِلَيهِ فَعَانَقَهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَسَايَرَهُ. فَالتَفَتَ مَالِكٌ إِلَى المَهدِيِّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِنَّكَ تَدخُلُ الآنَ بِالمَدِينَةِ فَتَمُرُّ بِقَومٍ عَن يَمِينِكَ وَيَسَارِكَ وَهُم أَولَادُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ فَسَلِّم عَلَيهِم، فَإِنَّ مَا عَلَى وَجهِ الأَرضِ قَومٌ خَيرٌ مِن أَهلِ المَدِينَةِ وَلَا خَيرٌ مِنَ المَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ: وَمِن أَينَ قُلتَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبدِ اللهِ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُعرَفُ قَبرُ نَبِيٍّ اليَومَ عَلَى وَجهِ الأَرضِ مُتَوَاتِرٌ غَيرَ قَبرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَن قَبرُ مُحَمَّدٍ عِندَهُم فَيَنبَغِي أَن يُعلَمَ فَضلُهُم عَلَى غَيرِهِم. فَفَعَلَ المَهدِيُّ مَا أَمَرَهُ بِهِ مَالِكٌ. فَلَمَّا دَخَلَ المَدِينَةَ وَنَزَلَ وَجَّهَ بَغلَةً إِلَى مَالِكٍ لِيَركَبَهَا وَيَأتِيَهِ. فَرَدَّ البَغلةَ وَقَالَ: إِنِّي لَأَستَحِي مِنَ اللهِ أَن أَركَبَ فِي مَدِينَةٍ فِيهَا جَسَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ مَاشِيًا. وَكَانَت بِهِ عِلَّةٌ فَاتَّكَأَ عَلَى المُغِيرَةِ المَخزُومِيِّ وَعَلِيِّ بنِ حَسَنٍ العَلَوِيِّ وَعَلِيِّ بنِ أَبِي عَلِيٍّ وَهَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ المَدِينَةِ وَأَشرَافُهَا، فَلَمَّا بَصَرَ بِهِ المَهدِيُّ قَالَ: سُبحَانَ اللهِ تَرَكَ رُكُوبَ البَغلَةِ إِجلَالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَيَّضَ اللهُ تَعَالَى لَهُ هَؤُلَاءِ فَاتَّكَأَ عَلَيهِم، وَاللهِ لَو دَعَوتُهُم أَنَا إِلَى هَذَا مَا أَجَابُونِي. فَقَالَ المُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ نَحنُ قَدِ افتَخَرنَا عَلَى أَهلِ المَدِينَةِ لَمَّا اتَّكَأَ عَلَينَا مَالِك.اهـ).

وَقالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِر} [الأحزاب:21] (هذهِ الآيةُ فيهَا الأمرُ بالاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ، فإنَّ مِنْ رحمةِ اللهِ بالناسِ أنْ أرسلَ لهم أنبياءَ ورسلًا وجمَّلَ الأنبياءَ بصفاتٍ جليلةٍ حسنةٍ تميلُ إليهَا النفوسُ السليمةُ فهُمْ قدوةٌ للناسِ وبِهِمْ يهتدونَ إلَى توحيدِ ربِّهِمْ عزَّ وجلَّ، فهمُ الموصوفونَ بالأمانةِ والفطانةِ والصدقِ والعفةِ منزهونَ عنْ كلِّ مَا ينفرُ عن قَبولِ الدعوةِ منهُمْ كالكذبِ والخيانةِ والسفاهةِ والرذالةِ والبلادةِ والكفرِ والكبائرِ وصغائرِ الخسةِ قبلَ النبوةِ وبعدَهَا لأنَّهُمْ قدوةٌ لقومِهِمْ يدعونَ الناسَ إلى مَا ينفَعُهُمْ فِي أمرِ دينِهِمْ ودنياهُمْ، لذلكَ جَمَّلَهُمُ اللهُ تعالَى بالصفاتِ الحميدةِ وعصَمَهُمْ مِنَ الصفاتِ الذميمةِ، وَأَمَرَ سبحانَهُ وتعالَى بالاقتداءِ بِهِمْ فقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ولَمَّا اشتدَّ بهِ البلاءُ أمرَهُ اللهُ بالصبرِ كإخوانِهِ الأنبياءِ فقالَ تعالَى فِي سورةِ الأحقافِ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾، فَلَا يوجدُ نبيٌّ يعبدُ غيرَ اللهِ ولَا يكذبُ ولَا يزنِي ولَا يَهُمَّ بالزِّنَى، وصفاتُهُم حسنةٌ حميدَةٌ يُقتَدَى بهم فيهَا، ونحنُ اليومَ فِي أمسِّ الحاجةِ إلَى القدوةِ الصالحةِ بسببِ الفسادِ الذِي أصابَ حياةَ كثيرٍ مِنَ المسلمينَ مِنْ خلالِ غلبةِ الأهواءِ وإيثارِ المآربِ الخاصةِ علَى العامةِ لذلكَ فإنَّ حاجةَ المسلمينَ كبيرةٌ إلَى القُدْوةِ التِي يرَى الناسُ فيهِ كلَّ معانِي الخيرِ والصلاحِ قولًا وفعلًا فينجذِبُونَ إليهِ ويتأثَّرُوْنَ بهِ لأنَّ التأثُّرَ بالأفعالِ أبلغُ بكثيرٍ مِنَ التأثيرِ بالكلامِ وحدَهُ عادةً.

وإذَا قَلَّبْنَا مراحلَ التاريخِ فَلَنْ نجدَ مثلًا وقدوةً حسنةً كمحمدٍ ﷺ فقدْ كانَ لهُ تأثيرٌ علَى البشريةِ، حيثُ كانتْ حياتُهُ مَثَارَ إعجابِ الجميعِ مِمَّا جعلَهُمْ يتأثَّرُونَ بهِ ﷺ، ولقدْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ الأسوةَ الحسنةَ فيِ جميعِ جوانبِ الحياةِ فإذَا بحثَ الناسُ فِي ميادينِ التربيةِ وجدُوا رسولَ اللهِ ﷺ المربيَ الكريمَ والقائدَ والمعلمَ الذي ربَّى أصحابَهُ الكرامَ علَى الفضيلةِ والقيمِ العليا النبيلةِ فقدْ كانتْ أفعالُهُ مطابقةً لِمَا فِي القرآنِ فقدْ سُئلتِ السيدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنهَا عنْ أخلاقِهِ فأجابَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) معناهُ إذَا أردتَ أنْ تعرفَ خُلُقَ رسولِ اللهِ ﷺ فاقرأ القرءانَ فكلُّ خَصلةِ خيرٍ فيهِ هيَ مِنْ خُلُقِ رسولِ اللهِ ﷺ. لهذَا أَمَرَ اللهُ المؤمنينَ باتِّبَاعِ الرسولِ وطاعَتِهِ وجعلَ هذَا مِنْ مؤشراتِ الحبِّ فِي اللهِ فقالَ تعالَى : [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ]، فإذَا نظرنَا إلَى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ فإنَّنَا سنجدُ القدوةَ تقسمُ إلَى قسمينِ حسنةٍ وسيئةٍ. فقدْ قالَ تعالَى فِي سورةِ الأحزابِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهذهِ القدوةُ الحسنةُ متمثلةٌ فِي الأنبياءِ والرسلِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ ومَنْ سارَ علَى دربِهِمْ ونهجِهِمْ مِنَ العلماءِ العاملينَ والأولياءِ والصالحينَ.

أمَّا القدوةُ السيئةُ فإنَّهُ لا يخلُو منهَا مجتمعٌ غالبًا، وهيَ حجةُ أهلِ الضلالِ فِي القديمِ والحديثِ، قالَ سبحانَهُ فِي سورةِ الزخرفِ: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، أيْ فِي تكذيبِهِم وعبادتِهِم الأصنامَ ومَا كانَ ءاباؤُهم يعبدونَ مِنْ دونِ اللهِ، وهذَا النوعُ مِنَ الاقتداءِ مذمومٌ فِي الشرعِ الحنيفِ. ينبغِي للمسلمِ الذِي يريدُ أنْ يكونَ قدوةً حسنةً فيقتديَ بهِ الناسُ فيِ الخيراتِ والمبراتِ أنْ يكونَ حسنَ الخلقِ، تأسيًا بالنبيِّ ﷺ، فقدْ كانَ ﷺ هيّنًا ليّنًا رفيقًا لطيفًا طيبَ السريرةِ حسنَ المعاشرةِ للناسِ سهلًا عليهِم، راجيًا لهمُ الخيرَ والهدايةَ، بشوشًا في وجوهِهم عندَ لقائِهم، كريمَ الخلقِ حلوَ الكلامِ لطيفَ المعاشرةِ، يلقاهُم والابتسامةُ مشرقةٌ علَى وجهِهِ، ذا عفوٍ وصبرٍ وحلمٍ وأناةٍ ورفقٍ ولينٍ، يعامِلُهُم بالتواضعِ والأدبِ وحسنِ الخلقِ، يتحملُ المتاعبَ والمشاقَّ. ولا بدَّ أنْ يوافقَ قولُ المقتدَى بهِ عمَلَهُ وأنْ يطبقَ مَا تعلمَ فإنَّ مِنْ ثمارِ العلمِ العملَ بهِ: فقدْ ذمَّ اللهُ اليهودَ حيثُ كانوا يقولونَ مَا لَا يفعلونَ، قالَ تعالَى في سورةِ البقرةِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعقِلُونَ﴾.ولقدْ قيلَ:

يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُتَّهَمًـا
إِذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُوْرًا أَنْتَ تَأْتِيْهَا

أَصْبَحْتَ تَنْصَحُهُمْ بِالوَعْظِ مُجْتَهِـدًا
فَالْمُوْبِقَاتُ لَعَمْرِيْ أَنْتَ جَانِـيْهَا

تَعِيْبُ دُنْيَـــا وَنَاسًــا رَاغِبِيْنَ لَهـَا
وَأَنْتَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ رَغْبَــةً فِيْهَـا

وقدْ كانَ ﷺ حريصًا علَى حثِّ الناسِ أنْ يقتدُوا بهِ فهوَ القائلُ لهمْ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم، لَعَلِّي لا أَرَاكُم بَعدَ عَامِيَ هَذَا)، رواهُ البيهقيُّ. وَينبغي كذلكَ تربيةُ الأبناءِ علَى تقليدِ الصحابةِ الأخيارِ، فنتحدَّثَ أمامَهم عنِ الصحابةِ الكرامِ وعاداتِهم وأخلاقِهم كسيدِنا عثمانَ بنِ عفانَ رضيَ اللهُ عنهُ، الذِي عُرِفَ بشدةِ حيائِهِ حتَّى قالَ فيهِ الرسولُ ﷺ: (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ) فنكونَ بهذا قَدْ زرعنَا خلقَ الحياءِ فِي قلوبِ أولادِنَا. وينبغي تربيةُ الفتاةِ علَى محبةِ أمهاتِ المؤمنينَ والصحابياتِ الجليلاتِ الطاهراتِ المعروفاتِ بالحياءِ كنساءِ الأنصارِ اللواتي كنَّ مثالًا للأمهاتِ الصالحاتِ، والمدبراتِ الحكيماتِ، وكنَّ يشاركنَ فِي المعاركِ ويُرَبِّيْنَ الأولادَ التربيةَ الحسنةَ فِي فترةِ غيابِ الأزواجِ فِي الجهادِ مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ. وينبغي أنْ يكونَ المقتدَى بهِ ذا علمٍ بأحكامِ الشريعةِ لَا سيَّما بالفرضِ العينيِّ مِنْ علمِ الدينِ حتَّى لا يخالفَ الشرعَ فيلحَقَه الناسُ علَى فسادِهِ، فقدْ قالَ ﷺ «مَنْ سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» فالمسلمُ إذَا كانَ قدوةً لغيرِهِ وسنَّ سنةً حسنةً فكمْ ينالُ مِنَ الأجرِ علَى ذلكَ وإذَا سنَّ سنةً سيئةً فكمْ ينالُ مِنَ الوزرِ).

نكمل في شرح الآيات الكريمة الدرس القادم إن شاء الله.