بداية باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة

الحَمدُ للهِ ذِي العِزِّ الَّذِي لَا يُرَامُ، العَلِيِّ عَن مُدَانَاةِ الأَوهَامِ، الجَلِيلِ العَظِيمِ الَّذِي لَا تُدرِكُهُ العُقُولُ وَالأَفهَامُ، الغَنِيِّ فَكُلُّ مَن سِوَاهُ مُفتَقِرٌ إِلَيهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَفَّقَ مَن شَاءَ فَآمَنَ بِهِ وَاستَقَامَ، فَسُبحَانَ مَن أَيقَظَهُم وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَتَبَارَكَ الَّذِي غَفَرَ وَعَفَا، وَسَتَرَ وَكَفَى، وَأَسبَغَ عَلَى الكَافَّةِ جَمِيعَ الإِنعَامِ، أَحمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الجِسَامِ، وَأَشكُرُهُ وَأَسأَلُهُ حِفظَ نِعمَةِ الإِسلَامِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَزَّ مَنِ اعتَزَّ بِهِ فَلَا يُضَامُ، وَذَلَّ مَن تَكَبَّرَ عَن طَاعَتِهِ وَلَقِيَ الآثَامَ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَيَّنَ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى صَاحِِِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ الهُمَامِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا تَكَلَّمَ أَنصَتَ الأَنَامُ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ عَلَى البَلَاءِ مِنَ العِدَا اللِّئَامِ، وَعَلَى ابنِ عَمَّهِ عَلِيٍّ الأَسَدِ الضِّرغَامِ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ وَإِنعَامٍ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ: 

فَقَد أَنهَينَا شَرحَ البَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ بَابٌ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَو سَيِّئَةً، ثُمَّ أَتبَعَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي البَابِ العِشرِينَ وَهُوَ بَابٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى خَيرٍ وَالدُّعَاءِ إِلَى هُدًى أَو ضَلَالَةٍ، وَهُوَ بِهَذَا يُرشِدُ طَالِبَ العِلمِ وَقَارِئَ كِتَابِهِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّكَ إِذَا سَنَنتَ شَيئًا فَاحذَر أَن يُخَالِفَ القَوَاعِدَ النَّبَوِيَّةَ، وَليَكُن مُوَافِقًا لِشَرعِ اللهِ، فَلتَكُن دِلَالَتُكَ عَلَى الخَيرِ وَدُعَاؤُكَ إِلَى الهُدَى وَالرَّشَادِ لَا إِلَى الضَّلَالَةِ وَالبِدعَةِ المُخَالِفَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَيُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللهُ بِمَا يَذكُرُ مِن آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ عَظِيمَ ثَوَابِ مَن دَعَا النَّاسَ إِلَى الهُدَى وَأَرشَدَهُم إِلَيهِ وَشُؤمَ ذَنبِ مَن يَدُلُّ النَّاسَ إِلَى الضَّلَالِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

بَابٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى خَيرٍ وَالدِّعَاءِ إِلَى هُدًى أَو ضَلَالَةٍ

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَادعُ إِلَى رَبِّكَ﴾، [القصص:87]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾، [النحل:125]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى﴾، [المائدة:2]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ﴾، [آل عمران:104].

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى اسمِ البَابِ وَالآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَحِمَهُ اللهُ:

بَابٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى خَيرٍ

(دَلَّ إِلَى شَيءٍ أَي أَرشَدَ إِلَيهِ، وَالدَّالُّ وَالدَّلِيلُ هُوَ المُرشِدُ وَالكَاشِفُ.اهـ قَالَ الفَيُّومِيُّ: وَالخَيرُ خِلَافُ الشَّرِّ، وَجَمعُهُ خُيُورٌ وَخِيَارٌ، وَرَجُلُ خَيِّرٌ بِالتَّشدِيدِ أَي ذُو خَيرٍ، وَقَومٌ أَخيَارٌ، وَيَأتِي خَيرٌ لِلتَّفضِيلِ فَيُقَالُ: هَذَا خَيرٌ مِن هَذَا، أَي يَفضُلُهُ)

(وَلَا شَكَّ أَنَّ الخَيرَ هُوَ مَا دَلَّت عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ، وَعَكسُهُ الشَّرُّ، وَهُوَ كُلُّ مَا نَهَت عَنهُ الشَّرِيعَةُ، فَاللهُ تَعَالَى خَالِقُ العِبَادِ وَعَالِمٌ بِمَصَالِحِهِم، يَعلَمُ بِمَا يُصلِحُ أَحوَالَهُم، فَهُوَ الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، وَجَمَعَ الخَيرَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ هَذَا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا كَبِيرًا﴾، وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَلَى المِنبَرِ: «مَا بَالُ رِجَالٍ مِنكُم يَشتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَت فِي كِتَابِ اللهِ، فَأَيُّمَا شَرطٍ ‌لَيسَ ‌فِي ‌كِتَابِ ‌اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِن كَانَ مِائَةَ شَرطٍ، فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرطُ اللهِ أَوثَقُ».اهـ

فَالخَيرُ مَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ لَا يُسَمَّى خَيرًا وَلَا يُلتَفَتُ إِلَيهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيهِ فِي إِصلَاحِ حَالٍ وَلَا إِصلَاحٍ بَينَ النَّاسِ، وَلَا يُسَمَّى مَصلَحَةً أَصلًا، فَإِذَا دَلَلتَ عَلَى أَمرٍ فَلتَكُن دِلَالَتُكَ عَلَى الخَيرِ وَإِلَيهِ لَا إِلَى عَكسِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَمِن شَدِيدِ الفِتَنِ أَنَّ أُنَاسًا فِي الأَزمَانِ المَاضِيَةِ وَفِي زَمَانِنَا، لَيسَ فَقَط فِي زَمَانِنَا بَل فِي أَزمَانٍ مَاضِيَةٍ أَيضًا يَدعُونَ وَيَدُلُّونَ النَّاسَ إِلَى أُمُورٍ تَشتَبِهُ عَلَيهِم فَيَظُنُّونَهَا خَيرًا وَحَقًّا، وَهُم مُخَالِفُونَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي هَذَا أَذكُرُ قَولَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أَعمَالُهُم فَلَا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا﴾، فَمَا أَعظَمَهَا مِن مُصِيبَةٍ وَمَا أَشَدَّهَا مِن فِتنَةٍ أَن يُمضِيَ عُمُرَهُ يَدُلُّ إِلَى شَيءٍ وَيَدعُو إِلَيهِ وَهُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَيَظُنُّهُ حَقًّا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَظُنُّ نَفسَهُ يُحسِنُ صُنعًا وَتَنكَشِفُ لَهُ الأُمُورُ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ أَو عِندَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنيَا، هَذِهِ أُمُورٌ تَنكَشِفُ لَهُ بِتَمَامِهَا يَومَ القِيَامَةِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ)

وَالدِّعَاءِ إِلَى هُدًى

(الدُّعَاءُ يُطلَقُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَكثَرَ مِن مَعنًى، وَهُنَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى مَعنَى الدِّلَالَةِ عَلَى الشَّيءِ المَذكُورِ بَعدَهُ، وَيُطلَقُ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ عَلَى مَعَانٍ عِدَّةٍ، مِنهَا الدُّعَاءُ المَعرُوفُ، وَهُوَ أَن تَدعُوَ اللهَ تَعَالَى أَن يُحَقِّقَ لَكَ أُمنِيَةً أَو أَن يَدفَعَ عَنكَ شَرًّا أَو نَحوَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُستَحَبٌّ فِي كُلِّ الأَوقَاتِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «أَجمَعَ أَهلُ الفَتَاوَى فِي الأَمصَارِ فِي جَمِيعِ الأَعصَارِ عَلَى استِحبَابِ الدُّعَاءِ، وَدَلِيلُ الفُقَهَاءِ ظَوَاهِرُ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالأَخبَارُ الوَارِدَةُ عَنِ الأَنبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم أَجمَعِينَ».اهـ وَمَرتَبَةُ الدُّعَاءِ عَظِيمَةٌ فِي شَرعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّ فِيهِ إِظهَارَ الفَقرِ وَالعَجزِ وَالتَّذَلُّلِ وَالِاعتِرَافِ بِقُوَّةِ اللَّهِ وَقُدرَتِهِ.

وَقَد جَاءَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَولُهُ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ»، وَالمُخُّ بِالضَّمِّ نِقيُ العَظمِ وَالدِّمَاغِ، وَالمَعنَى أَنَّ الدُّعَاءَ لُبُّ العِبَادَةِ وَخَالِصُهَا. قَالَ ابنُ العَرَبِيِّ: وَبِالمُخِّ تَكُونُ القُوَّةُ لِلأَعضَاءِ، فَكَذَا الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ بِهِ تَتَقَوَّى عِبَادَةُ العَابِدِينَ فَإِنَّهُ رُوحُ العِبَادَةِ. مَعنَى الحَدِيثِ إِذًا: أَنَّ الدُّعَاءَ شَيءٌ عَظِيمٌ مِنَ الحَسَنَاتِ. وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الشَخصَ إِذَا تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ أَو بِالوَلِيِّ أَو تَبَرَّكَ بِآثَارِهِمَا أَنَّهُ صَارَ عَابِدًا لَهُمَا وَصَارَ مُشرِكًا بِاللهِ، لَا، فَقَد وَرَدَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا خَدِرَت رِجلُهُ، أَصَابَهَا خَدَرٌ، هَذَا عِلَّةٌ شِبهُ الفَالِجِ تَتَعَطَلُ الرِجلُ عَنِ الحَرَكَةِ، شَلَلٌ جُزئِيٌّ، لَيسَ التَّنمِيلَ الَّذِي يَقُولُ عَنهُ بَعَضُ النَّاسِ: «نَمَّلَت رِجلِي» أَو «نَامَت رِجلِي»، لَا، تَعَطَلَّت رِجلُهُ عَنِ الحَرَكَةِ، فَقَالَ لَهُ بَعضُ النَّاسِ: اذكُر أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ»، فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِن عِقَالٍ، أَي تَعَافَى فَورًا وَقَامَ يَمشِي، رَوَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ، وَهَذَا لَيسَ شِركًا وَلَيسَ مَعصِيَةً مِن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بَل هُوَ أَمرٌ جَائِزٌ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ هُوَ مَن قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: «إنَّ عَبدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، هَذَا الرَجُلُ الصَالِحُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ.

وَالدُّعَاءُ شَيءٌ عَظِيمٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ إِذَا كَانَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ خَالِصَةٍ، وَكَانَ دُعَاءً مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ. فَنَحنُ نَلجَأُ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ، نَدعُو اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتُوجَدُ أَوقَاتٌ الدُعَاءُ فِيهَا أَقرَبُ إِلَى الإِجَابَةِ كَمَا وَرَدَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى عَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسمَعُ؟ قَالَ: «جَوفَ اللَّيلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ»، فِي الثُلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ قَبلَ وَقتِ صَلَاةِ الصُبحِ، بِهَذَا الوَقتِ يُستَجَابُ الدُعَاءُ. الشَخصُ يَدعُو اللهَ تَعَالَى مُخلِصًا وَيَنوِي التَقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِدُعَاءٍ حَسَنٍ ولَفظٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ يُستَجَابُ دُعَاؤُهُ بِإِذنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ادعُونِي أَستَجِب لَكُم﴾ [سورة غافر/ الآية 60] مَعنَاهُ أَطِيعُونِي أُثِبكُم، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ العَبدَ إِذَا دَعَا اللهَ وَكَانَ اللهُ لَم يَشَأ فِي الأَزَلِ أَن يَتَحَقَّقَ مَطلُوبُهُ أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ لِأَجلِ دَعوَةِ العَبدِ، لَا، مَشِيئَةُ اللهِ لَا تَتَغَيَّرُ، وَعِلمُ اللهِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَتَقدِيرُ اللهِ لَا يَتَغَيَّرُ. أَقوَى عَلَامَاتِ الحُدُوثِ التَّغَيُّرُ. المُتَغَيِّرُ حَادِثٌ، الحَاِدثُ مَخلُوقٌ، المَخلُوقُ لَا يَكُونُ إِلَهًا. اللهُ لَا تَتَغَيَّرُ مَشِيئَتُهُ وَلَا تَقدِيرُهُ وَلَا عِلمُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. بَل وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: «‌سَأَلتُ ‌رَبِّي ‌ثَلَاثًا، فَأَعطَانِي ثِنتَينِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلتُ رَبِّي: أَن لَا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَن لَا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَن لَا يَجعَلَ بَأسَهُم بَينَهُم فَمَنَعَنِيهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى عِندَ مُسلِمٍ: «وَإِنِّي سَأَلتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَن لَا يُهلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَن لَا يُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أَنفُسِهِم فَيَستَبِيحَ بَيضَتَهُم، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا ‌قَضَيتُ ‌قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ». قَضَاءُ اللهِ لَا يُرَدُّ.

فَإِذًا يُرجَى استِجَابَةُ الدُعَاءِ فِي جَوفِ اللَّيلِ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ قَبلَ الصُبحِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَفِي مَوَاطِنَ وَرَدَت فِي الشَّرعِ مَعلُومَةٍ عِندَ أَهلِ العِلمِ كَالدُّعَاءِ عِندَ رُؤيَةِ الكَعبَةِ عِندَ بِئرِ زَمزَمَ، وَفِي الطَّوَافِ، وَعِندَ الصَّفَا وَعِندَ المَروَةِ، وَعِندَ الحَجَرِ الأَسوَدِ، وَفِي أَثنَاءِ السَّعيِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ. وَكَذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ، وَكَذَلِكَ فِي المَشعَرِ الحَرَامِ.

وَقَد ذَكَرَ العُلَمَاءُ الكِبَارُ وَالحُفَّاظُ أَنَّ قُبُورَ الصَّالِحِينَ مِن مَوَاضِعِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَكَيفَ بِقَبرِ النَّبِيِّ ﷺ؟ كَم مِن أُنَاسٍ زَارُوا رَسُولَ اللهِ مُتَقَرِّبِينَ إِلَى اللهِ وَاعتِقَادُهُم سَلِيمٌ. خَالِقُ الضَّرَرِ وَخَالِقُ النَّفعِ هُوَ اللهُ، وَالنَّبِيُّ لَا يَخلُقُ شَيئًا، لَكِنَّهُ مُبَارَكٌ، وَأَشرَفُ الخَلقِ، وَأَفضَلُ الخَلقِ، وَسَيِّدُ العَالَمِينَ، وَالدُّعَاءُ عِندَ قَبرِهِ يُستَجَابُ بِإِذنِ اللهِ، وَزِيَارَتُهُ مَسنُونَةٌ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء/ الآية 64]) (ومِن أَحسَنِ مَا يقُولُ مَا رَواهُ كثيرٌ مِن العلماءِ ومنهم النَّووِيُّ والقاضِي عياضٌ والسمهُودِي وابنُ الجَوزِيِّ وغَيرِهِم عَن العُتبِيِّ مُستَحسِنِينَ لهُ قال: كُنتُ جَالسًا عِندَ قَبرِ النبيِّ ﷺ فجاءَ أعرابيٌّ فقَالَ: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ سمعتُ اللهَ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء] وقَد جِئتُكَ مُستَغفِرًا مِن ذَنبِي مُستَشفِعًا بِكَ إلى رَبِّي ثُم أَنشَأَ يَقُولُ:

يَا خَيرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالقَاعِ أعظُمُهُ *** فَطَابَ مِن طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأَكَمُ

نَفسِي الفِدَاءُ لِقَبرٍ أَنتَ سَاكِنُهُ *** فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الجُودُ والكَرَمُ

أَنتَ الشَّفِيعُ الذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ *** عِندَ الصِّرَاطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ

وصَاحِبَاكَ فَلَا أَنسَاهُمَا أَبَدًا *** مِنِّي السَّلامُ عَلَيكُمُ مَا جَرَى القَلَمُ

قَالَ: ثُمَّ انصَرَفَ، فَغَلَبَتنِي عَينَايَ فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي النَّومِ فَقَالَ: يَا عُتبِيُّ اِلْحَقِ الأَعرَابِيَّ وَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد غَفَرَ لَهُ).

أَو ضَلَالَةٍ

(قَالَ الفَيُّومِيُّ: ضَلَّ الرَّجُلُ الطَّرِيقَ وَضَلَّ عَنهُ يَضِلُّ مِن بَابِ ضَرَبَ ضَلَالًا وَضَلَالَةً زَلَّ عَنهُ فَلَم يَهتَدِ إلَيهِ، فَهُوَ ضَالٌّ.اهـ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ نِسبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، [سورة الضحى/ الآية 7]، أَي لَم تَكُن أُوحِيَت عَلَيهِ تَفَاصِيلُ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ نَزَلَت عَلَيهِ بَعدَ ذَلِكَ، وَلَيسَ المَعنَى الضَّلَالَ عَنِ الحَقِّ وَلَا الضَّلَالَ فِي العَقِيدَةِ، فَهَذَا مُحَالٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

قَالَ المُفَسِّرُ أَبُو حَيَّانٍ الأَندَلُسِيُّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ 754هـ) فِي تَفسِيرِهِ البَحرِ المُحِيطِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: لَا يُمكِنُ حَملُهُ عَلَى الضَّلَالِ الَّذِي يُقَابِلُهُ الهُدَى، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ مَعصُومُونَ مِن ذَلِكَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ضَلَالُهُ وَهُوَ فِي صِغَرِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللهُ إِلَى جَدِّهِ عَبدِ المُطَّلِبِ. وَقِيلَ: ضَلَالُهُ مِن حَلِيمَةَ مُرضِعَتِهِ. وَقِيلَ: ضَلَّ فِي طَرِيقِ الشَّامِ حِينَ خَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِب.

وَقَالَ المُفَسِّرُ أَبُو البَرَكَاتِ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ النَّسَفِيُّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ 710هـ) فِي تَفسِيرِهِ مَدَارِكِ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقِ التَّأوِيلِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أَي غَيرَ عَالِمٍ وَلَا وَاقِفٍ عَلَى مَعَالِمِ النُّبُوَّةِ وَأَحكَامِ الشَّرِيعَةِ وَمَا طَرِيقُهُ السَّمعُ ﴿فَهَدَى﴾ فَعَرَّفَكَ الشَّرَائِعَ وَالقُرآنَ. وَلَا يَجُوزُ أَن يُفهَمَ بِهِ عُدُولٌ عَن حَقٍّ وَوُقُوعٌ فِي غَيٍّ، فَقَد كَانَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن أَوَّلِ حَالِهِ إِلَى نُزُولِ الوَحيِ عَلَيهِ مَعصُومًا مِن عِبَادَةِ الأَوثَانِ وَقَاذُورَاتِ أَهلِ الفِسقِ وَالعِصيَانِ.

وَقَالَ المُفَسِّر مُحَمَّدُ الطَّاهِرُ ابنُ عَاشُورٍ التُّونُسِيُّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ 1393هـ) فِي تَفسِيرِهِ التَّحرِيرِ وَالتَّنوِيرِ: وَلَيسَ المُرَادُ بِالضَّلَالِ هُنَا اتِّبَاعَ البَاطِلِ، فَإِنَّ الأَنبِيَاءَ مَعصُومُونَ مِنَ الإِشرَاكِ قَبلَ النُّبُوَّةِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَلَم يَختَلِف أَصحَابُنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ لَم يَصدُر مِنهُ مَا يُنَافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبلَ رِسَالَتِهِ، وَلَم يَزَل عُلَمَاؤُنَا يَجعَلُونَ مَا تَوَاتَرَ مِن حَالِ استِقَامَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبلَ نُبُوَّتِهِ دَلِيلًا مِن جُملَةِ الأَدِلَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، بَل قَد شَافَهَ القُرآنُ بِهِ المُشرِكِينَ بِقَولِهِ: ﴿فَقَد لَبِثتُ فِيكُم عُمُرًا مِن قَبلِهِ أَفَلَا تَعقِلُونَ﴾ [يُونُس: 16] وَقَولِهِ: ﴿أَم لَم يَعرِفُوا رَسُولَهُم فَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المُؤمِنُونَ: 69]، وَلِأَنَّهُ لَم يُؤثَر أَنَّ المُشرِكِينَ أَفحَمُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا أَنكَرَ عَلَيهِم مِن مَسَاوِي أَعمَالِهِم بِأَن يَقُولُوا: فَقَد كُنتَ تَفعَلُ ذَلِكَ مَعَنَا)

(بَعضُ النَّاسِ كَمَا لَا يَخفَى يَدعُونَ غَيرَهُم إِلَى الهِدَايَةِ وَالصَّلَاحِ، وَبَعضُهُم يَدعُونَ النَّاسَ إِلَى الكُفرِ وَالضَّلَالِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، كَمَا حَصَلَ فِي زَمَانٍ بَعِيدٍ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ رجل اسمُهُ حِمَارُ بنُ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنَ العَرَبِ مِن قَبِيلَةِ عَادٍ، قَومُ عَادٍ كَانُوا قَبلَ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ، فَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يُسَمَّى حِمَارَ بنَ مَالِكٍ كَانَ زَعِيمًا عَلَى وَادٍ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يُقَالُ لِذَلِكَ الوَادِي: جَوفٌ، عَاشَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى الإِسلَامِ أَربَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ ابتَلَاهُ اللهُ تَعَالَى بِبَلَاءٍ عَظِيمٍ، أَرسَلَ اللهُ صَاعِقَةً عَلَى أَولَادِهِ فَقَتَلَتهُم، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَكَفَرَ كُفرًا كَبِيرًا، قَالَ: (لَا أَعبُدُ اللهَ بَعدَ الآنَ لِأَنَّهُ قَتَلَ أَبنَائِي)، وَبَالَغَ فِي الكُفرِ. فَصَارَ كُلَّمَا زَارَ إِنسَانٌ هَذَا الوَادِيَ قَالَ هَذَا المُرتَدُّ لَهُ: (اكفُر بِاللهِ وَإِلَّا قَتَلتُكَ)، فَكَانَ إِذَا نَطَقَ هَذَا الزَّائِرُ الغَرِيبُ بِالكُفرِ تَرَكَهُ وَإِلَّا قَتَلَهُ. فَانتَقَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن هَذَا المُرتَدِّ الكَافِرِ، أَرسَلَ نَارًا مِن أَسفَلِ الوَادِي فَأَحرَقَتِ الوَادِيَ، كَانَ فِي هَذَا الوَادِي شَجَرٌ كَثِيرٌ وَمَاءٌ غَزِيرٌ، فَصَارَ أَجرَدَ لَم يَبقَ فِيهِ شَجَرٌ وَجَفَّ المَاءُ فِيهِ. هَذَا الرَّجُلُ لَو صَبَرَ عَلَى هَذَا البَلَاءِ لَنَالَ أَجرًا كَبِيرًا، لَو ثَبَتَ عَلَى إِسلَامِهِ وَلَم يَكفُر لَنَالَ أَجرًا كَبِيرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ المُؤمِنَ الَّذِي يَفقِدُ مَن يَعِزُّ عَلَيهِ كَالوَلَدِ وَالأَبِ وَالأُمِّ وَالأَخِ وَالأُختِ إِن صَبَرَ لِوَجهِ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّ لَهُ الجَنَّةَ).

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَادعُ إِلَى رَبِّكَ﴾، [القصص:87]،

(وَرَدَ هَذَا اللَّفظُ فِي كِتَابِ اللهِ فِي أَكثَرَ مِن مَوضِعٍ، مِنهَا قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَادعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُستَقِيمٍ﴾، قَالَ القُرطُبِيُّ: أَي إِلَى تَوحِيدِهِ وَدِينِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَفِي آخِرِ سُورَةِ القَصَصِ حَيثُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَن آيَاتِ اللهِ بَعدَ إِذ أُنزِلَت إِلَيكَ وَادعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُشرِكِينَ﴾، قَالَ القُرطُبِيُّ: أَي إِلَى التَّوحِيدِ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُشرِكِينَ﴾، هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالمُرَادُ مِنهُ أُمَّتُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهُوَ أَبعَدُ النَّاسِ عَنِ الشِّركِ ﷺ.

إِذًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَادعُ إِلَى رَبِّكَ﴾، أَي إِلَى تَوحِيدِهِ وَدِينِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ دَعوَةٍ دَعَا بِهَا جَمِيعُ الأَنبِيَاءِ، فَكُلُّهُم أُرسِلَ لِتَقرِيرِ التَّوحِيدِ فِي القُلُوبِ، وَتَعلِيمِ النَّاسِ التَّوحِيدَ وَالإِيمَانَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَم يَدعُ أَيٌّ مِنهُم إِلَى غَيرِ التَّوحِيدِ طَرفَةَ عَينٍ، وَكُلُّهُم دَعَا إِلَى وُجُوبِ مَعرِفَةِ البَارِئِ سُبحَانَهُ، إِلَى مَعرِفَةِ اللهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ.

وَمَعنَى مَعرِفَةِ اللهِ الإِيمَانُ بِوُجُودِهِ مِن غَيرِ تَشبِيهٍ لَهُ بِالعَالَمِ اللَّطِيفِ أَو بِالعَالَمِ الكَثِيفِ، لَا شَرِيكَ لَهُ، الوَاحِدُ الأَحَدُ، الفَردُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، الَّذِي لَم يَتَّخِذ صَاحِبَةً وَلَيَسَ لَهُ وَالِدٌ وَلَا وَالِدَةٌ، الأَوَّلُ القَدِيمُ الَّذِي لَا يُشبِهُ مَخلُوقَاتِهِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لَا شَبِيهَ وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ لَهُ، وَلَا مُعِينَ وَلَا ءَامِرَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا مُغَالِبَ وَلَا مُكرِهَ لَهُ، وَلَا نِدَّ وَلَا مِثلَ لَهُ، وَلَا صُورَةَ وَلَا أَعضَاءَ وَلَا جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَاتَ وَلَا أَركَانَ لَهُ، وَلَا كَيفِيَّةَ وَلَا كَمِّيَّةَ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً لَهُ، فَلَا حَجمَ لَهُ وَلَا مِقدَارَ وَلَا مِقيَاسَ وَلَا مِسَاحَةَ وَلَا مَسَافَةَ لَهُ، وَلَا امتِدَادَ وَلَا اتِّسَاعَ لَهُ، وَلَا جِهَةَ وَلَا حَيِّزَ لَهُ، وَلَا أَينَ وَلَا مَكَانَ لَهُ، كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ بِلَا مَكَانٍ.

تَنَزَّهَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الجُلُوسِ وَالقُعُودِ وَالِاستِقرَارِ وَالمُحَاذَاةِ، الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى استِوَاءً مُنَزَّهًا عَنِ المُمَاسَّةِ وَالِاعوِجَاجِ، خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ وَلَم يَتَّخِذهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ، وَمَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ فَهُوَ كَافِرٌ، الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى كَمَا أَخبَرَ لَا كَمَا يَخطُرُ لِلبَشَرِ، فَهُوَ قَاهِرٌ لِلعَرشِ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ كَيفَ يَشَاءُ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ رَبِّي عَنِ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَعَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ وَالقُربِ وَالبُعدِ بِالحِسِّ وَالمَسَافَةِ، وَعَنِ التَّحَوُّلِ وَالزَّوَالِ وَالِانتِقَالِ، جَلَّ اللهُ لَا تُحِيطُ بِهِ الأَوهَامُ وَلَا الظُّنُونُ وَلَا الأَفهَامُ، لَا فِكرَةَ فِي الرَّبِّ، لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ، تَقَدَّسَ عَن كُلِّ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَسِمَاتِ المُحدَثِينَ، لَا يَمَسُّ وَلَا يُمَسُّ وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، لَا يُعرَفُ بِالحَوَاسِّ [أَي أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّمِّ وَالذَّوقِ وَالإِحسَاسِ وَسَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلَ إِلَى مَعرِفَتِهِ بِالعَقلِ السَّلِيمِ] وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، نُوَحِّدُهُ وَلَا نُبَعِّضُهُ، لَيسَ جِسمًا وَلَا يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، فَالمُجَسِّمُ كَافِرٌ وَإِن صَامَ وَصَلَّى صُورَةً، فَاللهُ لَيسَ شَبَحًا وَلَيسَ شَخصًا، وَلَيسَ جَوهَرًا وَلَيسَ عَرَضًا، لَا تَحُلُّ فِيهِ الأَعرَاضُ، لَيسَ مُؤَلَّفًا وَلَا مُرَكَّبًا، لَيسَ بِذِي أَبعَاضٍ وَلَا أَجزَاءٍ، لَيسَ ضَوءًا وَلَيسَ ظَلَامًَا، لَيسَ مَاءً وَلَيسَ غَيمًا وَلَيسَ هَوَاءً وَلَيسَ نَارًا، وَلَيسَ رُوحًا وَلَا رُوحَ لَهُ، لَا اجتِمَاعَ لَهُ وَلَا افتِرَاقَ، لَا تَجرِي عَلَيهِ الآفَاتُ، وَلَا تَأخُذُهُ السِّنَاتُ، مُنَزَّهٌ عَنِ الطُّولِ وَالعَرضِ وَالعُمقِ وَالسَّمكِ وَالتَّركِيبِ وَالتَّألِيفِ وَالأَلوَانِ، لَا يَحُلُّ فِيهِ شَىءٌ، وَلَا يَنحَلُّ مِنهُ شَىءٌ، وَلَا يَحُلُّ هُوَ فِي شَىءٍ، لِأَنَّهُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾، فَمَن زَعَمَ أَنَّ اللهَ فِي شَىءٍ أَو مِن شَىءٍ أَو عَلَى شَىءٍ فَقَد أَشرَكَ، إِذ لَو كَانَ فِي شَىءٍ لَكَانَ مَحصُورًا، وَلَو كَانَ مِن شَىءٍ لَكَانَ مُحدَثًا أَي مَخلُوقًا، وَلَو كَانَ عَلَى شَىءٍ لَكَانَ مَحمُولًا، ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ بِعِلمِهِ ﴿أَينَمَا كُنتُم﴾ لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، وَهُوَ أَعلَمُ بِكُم مِنكُم، وَلَيسَ كَالهَوَاءِ مُخَالِطًا لَكُم)

وَقالَ تَعَالَى: ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ

(سَبِيلُ اللهِ أَي دِينُهُ الحَقُّ وَهُوَ الإِسلَامُ، وَبِهَذِهِ الآيَةِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالدَّعوَةِ إِلَى دِينِ الإِسلَامِ وَنَشرِهِ وَتَبلِيغِهِ لِلنَّاسِ، هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ العِبَادِ غَيرَهُ.اهـ وَالمُستَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ. وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَدِينُ اللهِ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسلامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلَامُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِينًا﴾، فالإِسلامُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، الَّذِي أَحَبَّهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ دِينُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ، وَهُوَ دِينُ اللهِ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، يَدِينُ بِهِ مَن رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ البَشَرِ وَالجِنِّ فِي الأَرضِ، وَيَدِينُ بِهِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ دِينُ أَهلِ الجَنَّةِ.

فَقَدِيمًا كَانَ البَشَرُ جَمِيعُهُم فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَى الإِسلامِ لَم يَكُن بَينَهُم كَافِرٌ، فَعَلَّمَ أَولادَهُ الدِّينَ كَمَا عَلَّمَهُم أُصُولَ المَعِيشَةِ، وَعَمِلَ لَهُمُ الدِّينَارَ وَالدِّرهَمَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ المَعِيشَةِ. وَإِنَّمَا حَدَثَ الشِّركُ وَالكُفرُ بِاللَّهِ تَعَالَى بَعدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ بِأَلفِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ بَعدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا إِدرِيسَ، وَاستَمَرُّوا عَلَى هَذَا زَمَانًا إِلَى أَن بَعَثَ اللهُ سَيِّدَنَا نُوحًا يَدعُوهُم إِلَى الإِسلامِ، فَبَينَ إِدرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيهِمَا السَّلامُ أَلفُ سَنَةٍ، وَتِلكَ الفَترَةُ تُسَمَّى الجَاهِلِيَّةَ الأُولَى.

إِنَّ حَربَ الكُفَّارِ عَلَى المُسلِمِينَ حَربٌ عَقَائِدِيَّةٌ، هُم يُحَارِبُونَنَا لِأَنَّنَا مُسلِمُونَ، فَهَدَفُهُم هُوَ مَحوُ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ وَهَدمُ دِينِ اللهِ تَعَالَى.لِذَلِكَ يَنبَغِي عَلَينَا أَن نَنتَبِهَ لِهَذَا الجَانِبِ وَنَحذَرَ العَدُوَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وَهَذَا يَكُونُ بِالتَّمَكُّنِ فِي دِينِنَا وَتَعلِيمِ الكِبَارِ وَالصِّغَارِ تَعَالِيمَ الإِسلَامِ الحَنِيفِ وَعَقِيدَةَ المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ الإِمَامُ الغَازِي صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِتَعلِيمِ النَّاسِ دِينَهُم أَربَعِينَ سَنَةً قَبلَ أَن يُعَلِّمَهُم القِتَالَ، فَكَانَ هَذَا هُوَ سَبَبَ النَّصرِ وَالفَتحِ العَظِيمِ الَّذِي حَقَّقَهُ، لِأَنَّهُ بِدُونِ الإِيمَانِ لَا يَقبَلُ اللهُ مِنَ العَبدِ أَيَّ عَمَلٍ صَالِحٍ، لِذَلِكَ يَنبَغِي أَن نُعَزِّزَ هَذَا الجَانِبَ لَدَى الكِبَارِ وَالصِّغَارِ لِيَقوَى إِيمَانُهُم فَتَقوَى عَزِيمَتُهُم بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.

وَيَنبَغِي عَلَينَا أَن نَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ مِن أَهَمِّ مَا يُعطِي الأُمَّةَ القُوَّةَ وَالعِزَّةَ هُوَ نَشرَ عِلمِ الدِّينِ بَينَ النَّاسِ وَتَعلِيمَ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ لِلكِبَارِ وَالصِّغَارِ، فَإِنَّ المُؤمِنَ مَهمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ البَلَايَا الدُّنيَوِيَّةِ إِذَا صَبَرَ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ فِيهَا، أَمَّا البَلَايَا فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا شَدِيدَةٌ مُهلِكَةٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، لِأَنَّنَا نَرَى اليَومَ الكَثِيرَ مِن شَبَابِ وَشَابَّاتِ المُسلِمِينَ يَنجَرِفُونَ نَحوَ المَعَاصِي وَنَحوَ التَّقلِيدِ الأَعمَى الَّذِي فِيهِ هَلَاكُهُم، وَيَنسَونَ دِينَهُم)

بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾، [النحل: 125]،

(وَهَذَا يُبَيِّنُ صِفَاتِ الدَّاعِيَةِ إِلَى دِينِ اللهِ، وَأَعظَمُ دَاعِيَةٍ مَرَّ عَلَى التَّارِيخِ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمِنهُ نَتَعَلَّمُ صِفَاتِ الدَّاعِيَةِ النَّاجِحِ، لَا بُدَّ أَن يَكُونَ الدَّاعِيَةُ مَوصُوفًا بِمَحَاسِنِ الأَخلَاقِ وَكَرِيمِ الصِّفَاتِ، لِأَنَّ الدُّعَاةَ هُمُ القُدوَةُ الحَسَنَةُ لِلنَّاسِ، فَالتَّربِيَةُ بِالقُدوَةِ الحَسَنَةِ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ عَلَى العَوَامِّ، فَمِن صِفَاتِ الدَّاعِيَةِ الصَّبرُ وَالمُصَابَرَةُ فَلَا يَيأَسُ مِنَ النَّجَاحِ فِي مُهِمَّةٍ مَهمَا تَعَاظَمَتِ الصِّعَابُ وَتَجَمَّعَتِ الأَحزَابُ، فَالدَّاعِيَةُ مُجَاهِدٌ بِالكَلِمَةِ، وَالكَلِمَةُ فِي بَعضِ الأَحيَانِ أَشَدُّ مِنَ السَّيفِ.

وَأَيضًا مِن صِفَاتِ الدَّاعِيَةِ البُعدُ عَن فُحشِ الكَلَامِ وَقَولِ الزُّورِ وَبَذَاءَةِ الحَدِيثِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالقَولِ الحَسَنِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَلَا بُدَّ أَن يَلتَزِمَ بِالحِلمِ، وَالحِلمُ مِن أَفضَلِ الأَخلَاقِ، وَكَذَلِكَ أَن يَلتَزِمَ بِالوَقَارِ فَيَتَرَفَّعَ عَن سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَعَن صَغَائِرِهَا، وَقَد قِيلَ إِنَّ الوَقَّارَ جَذَّابٌ، وَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الله تَعَالَى كريمٌ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأخلاقِ ويَكرَهُ سَفسَافَهَا». قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي سُورَةِ النَّحلِ وَهُوَ أَفضَلُ وَأَكرَمُ مَن دَعَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ اللهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ﴾، وَإِنَّ النَّاظِرَ إِلَى هَذِهِ الآيَاتِ الكَرِيمَةِ وَالتَّوجِيهَاتِ العَظِيمَةِ يَعرِفُ أَهَمِّيَّةَ أَن نُرَاعِيَ الأَصلَحَ فِي دَعوَتِنَا لِلنَّاسِ، وَيَكُونُ هَذَا بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَحُسنِ الِاستِعدَادِ وَالتَّرتِيبِ وَالإِعدَادِ، وَأَن يَجمَعَ الدَّاعِيَةُ فِي قَلبِهِ مَا يُرِيدُ مِن عَمَلِهِ هَذَا الَّذِي يَقدَمُ عَلَيهِ مَعَ إِخلَاصِ النِّيَّةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ.

إِنَّ مِن رَحمَةِ اللهِ بِالنَّاسِ أَن أَرسَلَ لَهُم أَنبِيَاءَ وَرُسُلًا، وَجَمَّلَ الأَنبِيَاءَ بِصِفَاتٍ جَلِيلَةٍ حَسَنَةٍ تَمِيلُ إِلَيهَا النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ، فَهُم قُدوَةٌ لِلنَّاسِ وَبِهِم يَهتَدُونَ إِلَى تَوحِيدِ رَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ، فَهُمُ المَوصُوفُونَ بِالأَمَانَةِ وَالفَطَانَةِ وَالصِّدقِ وَالعِفَّةِ مُنَزَّهُونَ عَن كُلِّ مَا يُنَفِّرُ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ مِنهُم كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالبَلَادَةِ وَالكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا لِأَنَّهُم قُدوَةٌ لِقَومِهِم يَدعُونَ النَّاسَ إِلَى مَا يَنفَعُهُم فِي أَمرِ دِينِهِم وَدُنيَاهُم، لِذَلِكَ جَمَّلَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ وَعَصَمَهُم مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، وَأَمَرَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالِاقتِدَاءِ بِهِم فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِهِ﴾.

وَلَمَّا اشتَدَّ بِهِ البَلَاءُ أَمَرَهُ اللهُ بِالصَّبرِ كَإِخوَانِهِ الأَنبِيَاءِ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحقَافِ: ﴿فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، لِذَلِكَ فَإِنَّ حَاجَةَ المُسلِمِينَ كَبِيرَةٌ إِلَى القُدوَةِ الَّتِي يَرَى النَّاسُ فِيهِ كُلَّ مَعَانِي الخَيرِ وَالصَّلَاحِ قَولًا وَفِعلًا، فَيَنجَذِبُونَ إِلَيهِ وَيَتَأَثَّرُونَ بِهِ لِأَنَّ التَّأَثُّرَ بِالأَفعَالِ أَبلَغُ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّأثِيرِ بِالكَلَامِ وَحدَهُ عَادَةً.

وَإِذَا قَلَّبنَا مَرَاحِلَ التَّارِيخِ فَلَن نَجِدَ مَثَلًا وَقُدوَةً حَسَنَةً كَمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَد كَانَ لَهُ تَأثِيرٌ عَلَى البَشَرِيَّةِ، حَيثُ كَانَت حَيَاتُهُ مَثَارَ إِعجَابِ الجَمِيعِ، مِمَّا جَعَلَهُم يَتَأَثَّرُونَ بِهِ ﷺ. وَلَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأُسوَةَ الحَسَنَةَ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِ الحَيَاةِ فَإِذَا بَحَثَ النَّاسُ فِي مَيَادِينِ التَّربِيَةِ وَجَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ المُرَبِّيَ الكَرِيمَ وَالقَائِدَ وَالمُعَلِّمَ الَّذِي رَبَّى أَصحَابَهُ الكِرَامَ عَلَى الفَضِيلَةِ وَالقِيَمِ العُليَا النَّبِيلَةِ، فَقَد كَانَت أَفعَالُهُ مُطَابِقَةً لِمَا فِي القُرآنِ، فَقَد سُئِلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَن أَخلَاقِهِ فَأَجَابَت: (كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ)، مَعنَاهُ إِذَا أَرَدتَ أَن تَعرِفَ خُلُقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاقرَأِ القُرءَانَ، فَكُلُّ خَصلَةِ خَيرٍ فِيهِ هِيَ مِن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِهَذَا أَمَرَ اللهُ المُؤمِنِينَ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَطَاعَتِهِ، وَجَعَلَ هَذَا مِن مُؤَشِّرَاتِ الحُبِّ فِي اللهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ﴾، [آل عمران:31].

فَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ الَّذِي يُرِيدُ أَن يَكُونَ قُدوَةً حَسَنَةً فَيَقتَدِيَ بِهِ النَّاسُ فِي الخَيرَاتِ وَالمَبَرَّاتِ أَن يَكُونَ حَسَنَ الخُلُقِ، تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقَد كَانَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَيِّنًا لَيِّنًا رَفِيقًا لَطِيفًا طَيِّبَ السَّرِيرَةِ حَسَنَ المُعَاشَرَةِ لِلنَّاسِ سَهلًا عَلَيهِم، رَاجِيًا لَهُمُ الخَيرَ وَالهِدَايَةَ، بَشُوشًا فِي وُجُوهِهِم عِندَ لِقَائِهِم، كَرِيمَ الخُلُقِ حُلوَ الكَلَامِ لَطِيفَ المُعَاشَرَةِ، يَلقَاهُم وَالِابتِسَامَةُ مُشرِقَةٌ عَلَى وَجهِهِ، ذَا عَفوٍ وَصَبرٍ وَحِلمٍ وَأَنَاةٍ وَرِفقٍ وَلِينٍ، يُعَامِلُهُم بِالتَّوَاضُعِ وَالأَدَبِ وَحُسنِ الخُلُقِ، يَتَحَمَّلُ المَتَاعِبَ وَالمَشَاقَّ.

وَلَا بُدَّ أَن يُوَافِقَ قَولُ المُقتَدَى بِهِ عَمَلَهُ، وَأَن يُطَبِّقَ مَا تَعَلَّمَ، فَإِنَّ مِن ثِمَارِ العِلمِ العَمَلَ بِهِ: فَقَد ذَمَّ اللهُ اليَهُودَ حَيثُ كَانُوا يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُونَ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:

﴿أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعقِلُونَ﴾،

وَلَقَد قِيلَ:

يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَد أَصبَحتَ مُتَّهَمًـا *** إِذ عِبتَ مِنهُم أُمُورًا أَنتَ تَأتِيهَا

أَصبَحتَ تَنصَحُهُم بِالوَعظِ مُجتَهِـدًا *** فَالمُوبِقَاتُ لَعَمرِي أَنتَ جَانِـيهَا

تَعِيبُ دُنيَـــا وَنَاسًــا رَاغِبِينَ لَهـَا *** وَأَنتَ أَكثَرُ مِنهُم رَغبَــةً فِيهَـا

وَقَد كَانَ ﷺ حَرِيصًا عَلَى حَثِّ النَّاسِ عَلَى أَن يَقتَدُوا بِهِ، فَهُوَ القَائِلُ لَهُم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم، لَعَلِّي لا أَرَاكُم بَعدَ عَامِيَ هَذَا»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ)

وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى﴾، [المائدة:2]،

(قَالَ القُرطُبِيُّ: وَهُوَ أَمرٌ لِجَمِيعِ الخَلقِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، أَي لِيُعِن بَعضُكُم بَعضًا، وَتَحَاثُّوا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعمَلُوا بِهِ، وَانتَهُوا عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنهُ وَامتَنِعُوا مِنهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدَّالُّ عَلَى الخَيرِ كَفَاعِلِهِ». وَقَد قِيلَ: الدَّالُّ عَلَى الشَّرِّ كَصَانِعِهِ. وَقَالَ المَاوَردِيُّ: نَدَبَ اللَّهُ سُبحَانَهُ إِلَى التَّعَاوُنِ بِالبِرِّ وَقَرَنَهُ بِالتَّقوَى لَهُ، لِأَنَّ فِي التَّقوَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي البِرِّ رِضَا النَّاسِ، وَمَن جَمَعَ بَينَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَا النَّاسِ فَقَد تَمَّت سَعَادَتُهُ وَعَمَّت نِعمَتُهُ. 

وَقَالَ ابنُ خُوَيزِ مَندَادٍ فِي أَحكَامِهِ: وَالتَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى يَكُونُ بِوُجُوهٍ، فَوَاجِبٌ عَلَى العَالِمِ أَن يُعِينَ النَّاسَ بِعِلمِهِ فَيُعَلِّمَهُم، وَيُعِينُهُمُ الغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَالشُّجَاعُ بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَن يَكُونَ المُسلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَاليَدِ الوَاحِدَةِ، فَالمُؤمِنُونَ تَتَكَافَؤُ دِمَاؤُهُم، وَيَسعَى بِذِمَّتِهِم أَدنَاهُم، وَهُم يَدٌ عَلَى مَن سِوَاهُم)

(وَمِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾، استَدَلَّ العُلَمَاءُ عَلَى حُكمٍ مُهِمٍّ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ: أَنَّ مِن جُملَةِ مَعَاصِى البَدَنِ الإِعَانَةَ عَلَى المَعصِيَةِ، وَذَلِكَ لِقَولِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾، [سُورَةَ المَائِدَة/2]، فَالآيَةُ دَلِيلٌ لِتَحرِيمِ مُعَاوَنَةِ شَخصٍ لِشَخصٍ فِى مَعصِيَةِ اللَّهِ، كَحَملِ إِنسَانٍ ذَكَرٍ أَو أُنثَى إِلَى مَحَلٍّ يُعبَدُ فِيهِ غَيرُ اللَّهِ لِمُشَارَكَةِ المُشرِكِينَ وَمُوَافَقَتِهِم لِعِبَادَةِ ذَلِكَ الصَّنَمِ، وَذَلِكَ كُفرٌ، أَو لِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ مَا هُوَ مُعَاوَنَةٌ فِى المَعصِيَةِ كَائِنَةً مَا كَانَت، وَيُفهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ إِعَانَةُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلمِهِ وَلَو كَانَ قَرِيبًا لَكَ، لِقَولِهِ ﷺ: «لَيسَ مِنَّا مَن دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ، وَلِوَصفِهِ لِلعَصَبِيَّةِ بِأَنَّهَا مُنتِنَةٌ. وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ: «انصُر أَخَاكَ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا»، رَوَاهُ البُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَالبَيهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ وَغَيرُهُمَا، فَمَعنَى نَصرِهِ إِن كَانَ ظَالِمًا مَنعُهُ عَنِ الظُّلمِ وَنَهيُهُ عَنهُ، وَإِن كَانَ مَظلُومًا فَبِدَفعِ الظُّلمِ عَنهُ).

وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ﴾، [آل عمران:104]

(هَذَا أَمرُ بِأَن يَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ مَن يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُفقَدَ هَذَا الأَمرُ مِن بَينِ المُسلِمِينَ كُلِّيًّا، فَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ فَرضُ كِفَايَةٍ عَلَى المُكَلَّفِينَ القَادِرِينَ عَلَيهِ العَالِمِينَ بِهِ، فَمَهمَا اشتَدَّتِ البِدَعُ المُخَالِفَةُ وَمَهمَا اشتَدَّتِ المُحَارَبَةُ لِدِينِ اللهِ لَا يَخلُو زَمَنٌ مِنَ الأَزمَانِ مِن جَمَاعَةٍ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَنصُرُونَ دِينَ اللهِ وَيُعلُونَهُ بَينَ النَّاسِ وَيَرفَعُونَ رَايَتَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾.

وَلَا بُدَّ عَلَينَا أَن نَلتَزِمَ مَنهَجَ هَؤُلَاءِ، مَنهَجَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَإِن صَارَ غَرِيبًا وَكَثُرَ المُخَالِفُونَ، فَقَد ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ وَالمُؤَاخَذَةِ وَالعِقَابِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِزَامِ طَرِيقِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وَهُم مِنَ القَرنِ الثَّالِثِ إِلَى يَومِنَا هَذَا الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ حُمَاةُ الدِّينِ وَحُرَّاسُ العَقِيدَةِ وَالذَّابُّونَ عَن دِينِ اللهِ المُدَافِعُونَ عَنهُ بِالحَالِ وَالمَقَالِ، وَهُم مَنِ اتَّبَعُوا جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ مِن صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ، وَنَثَرُوا عِلمَهُم فِي البِلَادِ الإِسلَامِيَّةِ، وَثَبَّتُوا مَنهَجَ أَهلِ الحَقِّ وَأَمرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمتُ فِيكُم كَمَقَامِ رَسُولِ اللهِ فِينَا فَقَالَ: «أُوصِيكُم بِأَصحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ يَفشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُستَحلَفُ، وَيَشهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُستَشهَدُ، أَلَا لَا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيطَانُ، عَلَيكُم بِالجَماعَةِ، وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثنَينِ أَبعَدُ، مَن أَرَادَ بُحبُوحَةَ الجَنَّةِ فَليَلزَمِ الجَماعَةَ».اهـ 

وَأَهلُ السُّنَّةِ هُم جُمهُورُ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَمَن تَبِعَهُم فِي المُعتَقَدِ أَي أُصُولِ الِاعتِقَادِ، وَهِيَ الأُمُورُ السِّتَّةُ المَذكُورَةُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: «الإِيمَانُ أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ».اهـ فَالَّذِي عَلَيهِ أَهلُ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ هُوَ التَّوحِيدُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ وَكَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ حُمَاةُ الدِّينِ، كُلُّهُم يُقِرُّونَ بِالأُصُولِ المَذكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ).