رياض الصالحين | بداية باب: من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة

المقدمة

الحَمدُ للهِ الحَيِّ القَيُّومِ، رَفَعَ السَّمَاءَ وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ، وَأَمسَكَ الأَرضَ بِجِبَالٍ فِي التُّخُومِ، صَوَّرَ بِقُدرَتِهِ هَذِهِ الجُسُومَ، ثُمَّ أَمَاتَهَا وَمَحَا الرُّسُومَ، ثُمَّ يَنفُخُ المَلَكُ فِي الصُّورِ فَإِذَا المَيِّتُ يَقُومُ، فَفَرِيقٌ إِلَى دَارِ النَّعِيمِ وَفَرِيقٌ إِلَى نَارِ السَّمُومِ، تُفتَحُ أَبوَابُهَا فِي وُجُوهِ الكَافِرِينَ لِكُلِّ بَابٍ مِنهُم جُزءٌ مَقسُومٌ، وَتُوصَدُ عَلَيهِم فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ فِيهَا لِلهُمُومِ وَالغُمُومِ، يَومَ يَغشَاهُمُ العَذَابُ مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم فَمَا مِنهُم مَرحُومٌ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مَن لِلَنَّجَاةِ يَرُومُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي فَتحَ اللهُ بِدِينِهِ بِلَادَ الفُرسِ وَالرُّومِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا هَطَلَتِ الغُيُومُ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد أَنهَينَا شَرحَ البَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّهيِ عَنِ البِدَعِ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ، ثُمَّ أَتبَعَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِبَابٍ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَو سَيِّئَةً، وَهُوَ بِهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّ البِدَعَ المَنهِيَّ عَنهَا فِي البَابِ السَّابِقِ إِنَّمَا هِيَ المُخَالِفَةُ لِقَوَاعِدِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُؤَكِّدُ أَيضًا أَنَّ البِدَعَ مِنهَا مَا هُوَ مَمدُوحٌ حَسَنٌ وَمِنهَا مَا هُوَ مَذمُومٌ مُنكَرٌ، فَمَن أَتَى بِبِدعَةٍ حَسَنَةٍ فَعَمَلُهُ لَيسَ مَذمُومًا، بَل مَمدُوحٌ وَمَن أَتَى بِبِدعَةٍ مَذمُومَةٍ مُنكَرَةٍ فَفِعلُهُ مَذمُومٌ وَبِدعَتُهُ مُنكَرَةٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَن يُنكِرُ البِدعَةَ الحَسَنَةَ بِالكُلِّيَّةَ.

بداية الباب

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

بَابٌ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَو سَيِّئَةً

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وَقالَ تَعَالَى: {وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا} [الأنبياء:73].

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى اسمِ البَابِ وَلِمَا ذُكِرَ مِنَ الآيَاتِ:

بَابٌ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً

(قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: قَد تَكَرَّرَ فِي الحَدِيثِ ذِكرُ «السُّنَّة» وَمَا تصرَّف مِنهَا. وَالأَصلُ فِيهَا الطَّرِيقَةُ والسِّيرَةُ. وَإِذَا أُطلِقَت فِي الشَّرع فَإِنَّمَا يُرادُ بِهَا مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ونَدَب إِلَيهِ قَولًا وفِعلا، مِمَّا لَم يَنطق بِهِ الكِتابُ العزيزُ. وَلِهَذَا يُقَالُ فِي أدِلَّة الشَّرعِ الكِتابُ والسُّنَّة، أَيِ القُرآنُ والحديث.اهـ 

فمَعنَى السُّنَّةِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ. إِنَّمَا الفُقَهَاءُ فِي اصطِلَاحِهِم صَارُوا يَقُولُونَ لِلعَمَلِ الَّذِي هُوَ لَيسَ وَاجِبًا سُنَّة. أمَّا فِي الحَدِيثِ السُّنَّةُ هِيَ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ، فَإِذَا أُطلِقَتِ السُّنَّةُ فِي الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فَالمُرَادُ بِهَا طَرِيقَتُهُ الَّتِي جَاءَ بِهَا ﷺ مِنَ العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ)

حَسَنَةً 

(بِأَن كَانَت قَوَاعِدُ الشَّرعِ تَمدَحُ ذَلِكَ)

أَو سَيِّئَةً 

(بِأَن كَانَت عَلَى خِلَافِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)

قَالَ اللهُ تَعَالَى 

(فِي مَدحِ عِبَادِ اللهِ المُؤمِنِينَ بِذِكرِ بَعضِ أَوصَافِ مَحَامِدِهِم): 

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ 

(قَالَ الرَّازِيُّ: وَتِلكَ القُرَّةُ هِيَ أَن يُشَاهِدُوا أَولَادَهُم وَأَزوَاجَهُم مُطِيعِينَ مُؤمِنِينَ مُوَاظِبِينَ عَلَى العُبُودِيَّةِ.اهـ

(وَذَلِكَ أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا بُورِكَ لَهُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ قَرَّت عَينُهُ بِأَهلِهِ وَعِيَالِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَت عِندَهُ زَوجَةٌ اجتَمَعَت لَهُ فِيهَا أَمَانِيُّهُ مِن جَمَالٍ وَعِفَّةٍ وَنَظَرٍ وَحَوطَةٍ أَو كَانَت عِندَهُ ذُرِّيَّةٌ مُحَافِظُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، مُعَاوِنُونَ لَهُ عَلَى وَظَائِفِ الدِّينِ وَالدُّنيَا، لَم يَلتَفِت إِلَى زَوجِ أَحَدٍ وَلَا إِلَى وَلَدِهِ، فَتَسكُنُ عَينُهُ عَنِ المُلَاحَظَةِ، وَلَا تَمتَدُّ عَينُهُ إِلَى مَا تَرَى، فَذَلِكَ حِينَ قُرَّةِ العَينِ، وَسُكُونِ النَّفسِ.

 وَقُرَّةُ العَينِ يَحتَمِلُ أَن تَكُونَ مِنَ القَرَارِ، وَيَحتَمِلُ أَن تَكُونَ مِنَ القُرِّ وَهُوَ الأَشهَرُ. وَالقُرُّ البَردُ، لِأَنَّ العَرَبَ تَتَأَذَّى بِالحَرِّ وَتَستَرِيحُ إِلَى البَردِ. وَأَيضًا فَإِنَّ دَمعَ السُّرُورِ بَارِدٌ، وَدَمعَ الحُزنِ سُخنٌ، فَمِن هَذَا يُقَالُ: أَقَرَّ اللهُ عَينَكَ، وَأَسخَنَ اللهُ عَينَ العَدُوِّ)

وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا

(أَي قُدوَةً يُقتَدَى بِنَا فِي الخَيرِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا أَن يَكُونَ الدَّاعِي مُتَّقِيًا قُدوَةً، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن أَئِمَّةِ المُتَّقِينَ. 

وَكَانَ القُشَيرِيُّ أَبُو القَاسِمِ شَيخُ الصُّوفِيَّةِ يَقُولُ: الإِمَامَةُ بِالدُّعَاءِ لَا بِالدَّعوَى، يَعنِي بِتَوفِيقِ اللهِ وَتَيسِيرِهِ وَمِنَّتِهِ لَا بِمَا يَدَّعِيهِ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفسِهِ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: اجعَلنَا أَئِمَّةَ هُدًى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: “وَجَعَلنا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنا“.

وَقَالَ مَكحُولٌ: اجعَلنَا أَئِمَّةً فِي التَّقوَى يَقتَدِي بِنَا المُتَّقُونَ)

(قَالَ الرَّازِيُّ: الأَقرَبُ أَنَّهُم سَأَلُوا اللهَ تَعَالَى أَن يُبَلِّغَهُم فِي الطَّاعَةِ المَبلَغَ الَّذِي يُشَارُ إِلَيهِم وَيُقتَدَى بِهِم، 

قَالَ بَعضُهُم فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّيَاسَةَ فِي الدِّينِ تُطلَبُ وَيُرغَبُ فِيهَا لِمَن هُوَ أَهلٌ لَهَا، قَالَ الخَلِيلُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [وَاجعَل لِي لِسانَ صِدقٍ فِي الآخِرِينَ] [الشُّعَرَاءِ: 84]) (فَلَا يَطلُبِ الشَّخصُ الرِّئَاسَةُ لِلتَّسَلُّطِ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَالجَبَرُوتِ بِهِم وَالتَّكَبُّرِ عَلَيهِم، لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَذمُومٌ فِي دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَطلُبِ شَخصٌ الرِّئَاسَةَ وَهُوَ جَاهِلٌ فِي دِينِ اللهِ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: تَفَقَّهُوا قَبلَ أَن تَسُودُوا.اهـ 

قَالَ الخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ العُزلَةِ: يُرِيدُ مَن لَم يَخدِمِ العِلمَ فِي صِغَرِهِ يَستَحِي أَن يَخدِمَهُ بَعدَ كِبَرِ السِّنِّ وَإِدرَاكِ السُّؤدُدِ -مَعنَاهُ فِي الغَالِبِ-، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَن سُفيَانَ الثَّورِيِّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: مَن تَرَأَّسَ فِي حَدَاثَتِهِ فَاتَهُ حَظٌّ كَثِيرٌ مِنَ العِلمِ، وَعَن أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: مَن طَلَب الرِّيَاسَةَ بِالعِلمِ قَبلَ أَوَانِهِ لَم يَزَل فِي ذُلٍّ مَا بَقِيَ،،

وَقِيلَ لِلمُبَرِّدِ لِمَ صَارَ أَبُو العَبَّاسِ يَعنِي ثَعلَبَ -وَهُوَ مِن أَشهَرِ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ- أَحفَظَ مِنكَ لِلغَرِيبِ وَالشِّعرِ؟ قَالَ لِأَنِّي تَرَأَّستُ وَأَنَا حَدَثٌ وَتَرَأَّسَ وَهُوَ شَيخٌ. انتَهَى كَلَامُ الخَطَّابِيِّ.

وَرَوَى الحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَن زُفَرَ -وَهُوَ مِن أَبرَزِ تَلَامِذَةِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللهُ- قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا زُفَرُ لَا تُحَدِّث قَبلَ وَقتِكَ فَيُستَخَفَّ بِكَ.

وَرَوَى الخَلَّالُ عَن أَيُّوبَ السّختيَانِيِّ قَالَ: يَنبَغِي لِلعَالِمِ أَن يَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأسِهِ تَوَاضُعًا للهِ،

وَقَالَ المَرُّوذِيُّ: قِيلَ لِأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: قِيلَ لِابنِ المُبَارَكِ: كَيفَ تَعرِفُ العَالِمَ الصَّادِقَ؟ قَالَ: الَّذِي يَزهَدُ فِي الدُّنيَا وَيُقبِلُ عَلَى آخِرَتِهِ. وَقَالَ أَحمَدُ: نَعَم هَكَذَا يُرِيدُ أَن يَكُونَ.

وَنَقَلَ المَرُّوذِيُّ عَن أَحمَدَ قَالَ: العَالِمُ يُقتَدَى بِهِ، لَيسَ العَالِمُ مِثلَ الجَاهِلِ.

وَنُقِلَ عَن أَحمَدَ أَيضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن نَسأَلُ بَعدَكَ؟ فَقَالَ لِعَبدِ الوَهَّابِ يَعنِي الوَرَّاقَ، فَقِيلَ: إنَّهُ ضَيِّقُ العِلمِ، فَقَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ مِثلُهُ يُوَفَّقُ لِإِصَابَةِ الحَقِّ.

وَقَالَ الأَوزَاعِيُّ: كُنَّا نَمزَحُ وَنَضحَكُ فَلَمَّا صِرنَا يُقتَدَى بِنَا خَشِيتُ أَن لَا يَسعَنَا التَّبَسُّمُ،

وَقَالَ الثَّورِيُّ: لَو صَلَحَ كَثِيرٌ مِنَ القُرَّاءِ لَصَلَحَ النَّاسُ لِأَنَّهُم يَقتَدُونَ بِهِم.

وَقَالَ أَيضًا: يُعجِبُنِي أَن يَكُونَ صَاحِبُ الحَدِيثِ مَكفِيًّا لِأَنَّ الآفَاتِ أَسرَعُ إلَيهِم وَأَلسِنَةَ النَّاسِ إلَيهِم أَسرَعُ)

(فَإِذًا: إِنَّ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ لِأَمرٍ مَمدُوحٌ مِمَّن هُوَ أَهلٌ لَهَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، أَمَّا طَلَبُهَا لِأَمرٍ مَذمُومٍ مِمَّن هُوَ لَيسَ أَهلًا لَهَا وَإِنَّمَا لِشَهوَةِ النَّفسِ فَهَذَا مَذمُومٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِنَّ مِن أَشَدِّ الفِتَنِ الَّتِي يَهلِكُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِتنَةَ المَنَاصِبِ وَحُبِّ الرِّئَاسَةِ، فَتَسَابُقُ النَّاسِ لِلرِّئَاسَةِ يُنسِي كَثِيرًا مِنهُم طَاعَةَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَهلِكُ وَيُفضِي بِهِ الأَمرُ لِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ، فَبَعضُهُم يَقتُلُ وَبَعضُهُم يَظلِمُ وَبَعضُهُم يَكفُرُ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَكَم مِن قِصَصٍ فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ وَغَيرِهِ فِي هَذَا الأَمرِ وَهَلَكَ فِيهِ النَّاسُ بِسَبَبِ حُبِّ الرِّئَاسَةِ؟ فَعِندَمَا مَلَكَ بَنُو العَبَّاسِ كَم قَتَلُوا مِنَ النَّاسِ، يُروَى أَنَّهُم قَتَلُوا مِئَاتِ الأُلُوفِ، قَتَلَهُم أُمَرَاؤُهُم كَشَخصٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُسلِمٍ الخُرَسَانِيُّ، أَهلَكَ النَّاسَ وَأَكثَرَ فِيهِمُ القَتلَ لِإِقَامَةِ دَولَةِ العَبَّاسِيِّينَ. وَعِندَمَا تَأَمَّرَ الحَجَّاجُ كَم قَتَلَ مِنَ النَّاسِ ظُلمًا، يُروَى أَنَّهُ قَتَلَ مِائَتَي أَلفِ شَخصٍ، وَيُروَى عَن بَعضِ أَبنَاءِ الخُلَفَاءِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ لِيَصِيرَ هُوَ بَعدَهُ خَلِيفَةً، وَهَذِهِ شَهوَةٌ وَفِتنَةٌ لَا يَنجُو مِنهَا كثير مِنَ النَّاسِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.

وَلِذَلِكَ قَالَ العَرَبُ قَدِيًما: المُلكُ عَقِيمٌ. وَمَعنَاهُ فِي الغَالِبِ هَكَذَا يَكُونُ، قَالَ أَبُو عُبَيدٍ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ فِي الأَمثَالِ: يُرِيدُونَ أَنَّ المَلِكَ لَو نَازَعَهُ وَلَدُهُ المُلكَ لَقَطَعَ رَحِمَهُ حَتَّى يُهلِكَهُ، فَكَأَنَّهُ عَقِيمٌ لَم يُولَد لَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الِانفِرَادِ بِالمُلكِ فَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ عَقِيمٌ.اهـ

وَقَالَ ثَعلَبٌ: مَعنَاهُ أَنَّهُ يَقتُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَعَمَّهُ فِي ذَلِكَ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا يَهرُبُونَ مِنَ الإِمَارَةِ وَالرِّئَاسَةِ وَالعِرَافَةِ وَيَتَوَرَّعُونَ عَنهَا، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: مَن طَلَبَ الرِّيَاسَةَ فِي غَيرِ حِينِهِ لَم يَزَل فِي ذُلٍّ مَا بَقِيَ، وَكَانَ ابنُ المُبَارَكِ يَنقُلُ قَولَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا وَيُنشِدُ:

حُبُّ الرِّيَاسَةِ دَاءٌ لَا دَوَاءَ لَهُ *** وَقَلَّمَا تَجِدُ الرَّاضِينَ بِالقَسمِ

وَفِي هَذَا حَصَلَت قِصَّةٌ بَينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتِلمِيذِهِ أَبِي يُوسُفَ القَاضِي رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَعَلَّمَهُ أَن لَا يَطلُبَ الرِّئَاسَةَ وَلَا يَلتَفِتَ إِلَيهَا وَلَا يَتَّبِعَ شَهوَةَ الرِّئَاسَةِ فَإِنَّهَا غَالِبًا تَكُونُ مُهلِكَةً، وَعَلَّمَهُ أَن يَطلُبَ رِضَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،

 قَالَ الفَضلُ بنُ غَانِمٍ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ مَرِيضًا شَدِيدَ المَرَضِ، فَعَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِرَارًا، فَصَارَ إِلَيهِ آخِرَ مَرَّةٍ فَرَآهُ ثَقِيلًا فَاستَرجَعَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَد كُنتُ أُؤَمِّلُكَ بَعدِي لِلمُسلِمِينَ، وَلَئِن أُصِيبَ النَّاسُ بِكَ لَيَمُوتَنَّ مَعَكَ عِلمٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ رُزِقَ العَافِيَةَ وَخَرَجَ مِنَ العِلَّةِ، فَأُخبِرَ أَبُو يُوسُفَ بِقَولِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ، فَارتَفَعَت نَفسُهُ وَانصَرَفَت وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيهُ، فَعَقَدَ لِنَفسِهِ مَجلِسًا فِي الفِقهِ، وَقَصَّرَ عَن لُزُومِ مَجلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَسَأَلَ عَنهُ فَأُخبِرَ أَنَّهُ قَد عَقَدَ لِنَفسِهِ مَجلِسًا، وَأَنَّهُ قَد بَلَغَهُ كَلَامُكَ فِيهِ، فَدَعَا رَجُلًا كَانَ لَهُ عِندَهُ قَدرٌ فَقَالَ: سِر إِلَى مَجلِسِ يَعقُوبَ فَقُل لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى قَصَّارٍ (قَالَ الفَيُّومِيُّ: قَصَرتُ الثَّوبَ قَصرًا بَيَّضتُهُ وَالقِصَارَةُ بِالكَسرِ الصِّنَاعَةُ وَالفَاعِلُ قَصَّارٌ) ثَوبًا لِيَقصُرَهُ بِدِرهَمٍ، فَسَارَ إِلَيهِ بَعدَ أَيَّامٍ فِي طَلَبِ الثَّوبِ فَقَالَ لَهُ القَصَّارُ: مَا لَكَ عِندِي شَيءٌ وَأَنكَرَهُ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الثَّوبِ رَجَعَ إِلَيهِ فَدَفَعَ إِلَيهِ الثَّوبَ مَقصُورًا، أَلَهُ أُجرَةٌ؟ فَإِن قَالَ: لَهُ أُجرَةٌ، فَقُل: أَخطَأتَ، وَإِن قَالَ: لَا أُجرَةَ لَهُ، فَقُل: أَخطَأتَ، فَصَارَ إِلَيهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ الأُجرَةُ، فَقَالَ: أَخطَأتَ، فَنَظَرَ ساعَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا أُجرَةَ لَهُ، فَقَالَ: أَخطَأتَ، فَقَامَ أَبُو يُوسُفَ مِن سَاعَتِهِ فَأَتَى أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ إِلَّا مَسأَلَةُ القَصَّارِ؟ قَالَ: أَجَل، قَالَ: سُبحَانَ اللهِ، مَن قَعَدَ يُفتِي النَّاسَ وَعَقَدَ مَجلِسًا يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللهِ وَلَا يُحسِنُ أَن يُجِيبَ فِي مَسأَلَةٍ مِنَ الإِجَارَاتِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ، عَلِّمنِي، فَقَالَ: إِن كَانَ قَصَرَهُ بَعدَمَا غَصَبَهُ فَلَا أُجرَةَ لَهُ لِأَنَّهُ قَصَرَهُ لِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ قَصَرَهُ قَبلَ أَن يَغصِبَهُ فَلَهُ الأُجرَةُ لِأَنَّهُ قَصَرَهُ لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَن ظَنَّ أَنَّهُ يَستَغنِي عَنِ التَّعَلُّمِ فَليَبكِ عَلَى نَفسِهِ.اهـ

وَقَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ: «مَا مِن أَحَدٍ أَحَبَّ الرِّئَاسَةَ إِلَّا حَسَدَ وَبَغَى وَتَتَبَّعَ عُيُوبَ النَّاسِ وَكَرِهَ أَن يُذكَرَ أَحَدٌ بِخَير -وَهَذَا مَعنَاهُ فِي الغَالِبِ-..

وَقَالَ أَبُو نُعَيمٍ: «وَاللهِ مَا هَلَكَ مَن هَلَكَ إِلَّا بِحُبِّ الرِّئَاسَةِ»

وَقَالَ ابنُ أَبِي الحَوَارِيِّ: سَمِعتُ إِسحَاقَ بنَ خَلَفٍ يَقُولُ: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَإِزَالَةُ الجِبَالِ الرُّوَاسِيِّ أَيسَرُ مِن إِزَالَةِ حُبِّ الرِّيَاسَةِ.

وَقَالَ الثَّورِيُّ: «مَن أَحَبَّ الرِّيَاسَةَ فَليُعِدَّ رَأسَهُ لِلنِّطَاحِ».

وَقَالَ المَأمُونُ: «مَن طَلَبَ الرِّيَاسَةَ بِالعِلمِ صَغِيرًا فَاتَهُ عِلمٌ كَثِيرٌ». وَقَالَ ﷺ: «سَتَحرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، ثُمَّ تَكُونُ حَسرَةً وَنَدَامَةً يَومَ القِيَامَةِ، فَنِعمَتِ المُرضِعَةُ وَبِئسَتِ الفَاطِمَةُ».اهـ  رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

 قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: شَبَّهَ الوِلَايَةَ بِالمُرضِعَةِ، وَانقِطَاعَهَا بِالمَوتِ، أَي نِعمَتِ المُرضِعَةُ الوِلَايَةُ فَإِنَّهَا تَدِرُّ عَلَيكَ المَنَافِعَ وَاللَّذَّاتِ العَاجِلَةَ، وَبِئسَتِ الفَاطِمَةُ المُسِيئَةُ فَإِنَّهَا تَقطَعُ عَنكَ اللَّذَائِذَ وَالمَنَافِعَ وَتُبقِي عَلَيكَ الحَسرَةَ وَالنَّدَامَةَ، فَلَا يَنبَغِي لِلعَاقِلِ أَن يُلِمَّ بِلَذَّاتٍ يَتبَعُهَا حَسَرَاتٌ.اهـ 

وَقِيلَ لِبَعضِهِم: مَا يَمنَعُكَ مِنَ الإِمَارَةِ؟ قَالَ: حَلَاوَةُ رَضَاعِهَا وَمَرَارَةُ فِطَامِهَا.

وَكَانَ السَّلَفُ يَذكُرُونَ أَنَّ مَن طَلَبَ الرِّئَاسَةَ يَقسُو قَلبُهُ، فَقَد كَانَ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروَانَ يُسَمَّى حَمَامَةَ المَسجِدِ لِلُزُومِهِ المَسجِدَ الحَرَامَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الخَبَرُ بِخِلَافَتِهِ قَالَ: إِنِّي كُنتُ أَتَحَرَّجُ أَن أَطَأَ نَملَةً، وَإِنَّ الحَجَّاجَ يَكتُبُ إِلَيَّ فِي قَتلِ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ (أَي عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ النَّاسِ) فَمَا أَتَحَرَّكُ لِذَلِكَ. 

وَرَأَى عَبدُ المَلِكِ غَسَّالًا فَقَالَ: وَدِدتُ أَنِّي كُنتُ غَسَّالًا لَا أَعِيشُ إِلَّا بِمَا كَسَبتُ يَومًا فَيَومًا، فَذُكِرَ لِأَبِي حَازِمٍ، وَهُوَ سَلَمَةُ بنُ دِينَارٍ الإِمَامُ القُدوَةُ الوَاعِظُ شَيخُ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ أَبُو حَازِمٍ المَدِينِيُّ، فَقَالَ: الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَهُم يَتَمَنَّونَ عِندَ المَوتِ مَا نَحنُ فِيهِ وَلَا نَتَمَنَّى عِندَهُ مَا هُم فِيهِ.

وَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «العِرَافَةُ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ العُرَفَاءِ، وَلَكِنَّ العُرَفَاءَ فِي النَّارِ» أَي أَكثَرهُم فِي النَّارِ لِأَنَّهُم لَا يَتَّقُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ. 

وبِسَبَبِ خَوفِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَفَضَ القَضَاءَ وَرَفَضَ التَّوَلِّي عَلَى بَيتِ المَالِ، وَكَانَ مِن أَبعَدِ النَّاسِ عَن طَلَبِ الرِّئَاسَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ. 

وَقَالَ بِشرُ بنُ الوَلِيدِ: طَلَبَ المَنصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَرَادَه عَلَى القَضَاءِ، وَحَلَفَ لَيَلِيَنَّ، فَأَبَى وَحَلَفَ: إِنِّي لَا أَفعَلُ، فَقَالَ الرَّبِيعُ الحَاجِبُ: تَرَى أَمِيرَ المُؤمِنِينَ يَحلِفُ وَأَنتَ تَحلِفُ؟ قَالَ: أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلَى كَفَّارَةِ يَمِينِهِ أَقدَرُ مِنِّي. فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجنِ فَمَاتَ فِيهِ بِبَغدَاد.اهـ 

وَبِالمُقَابِلِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُفتَنُونَ بِالمُلكِ وَلَا يَغُرُّهُم، بَل يَزدَادُونَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ، فَهَذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ خادمُهُ أَسلَمُ: خَرَجتُ لَيلَةً مَعَ عُمَرَ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ (وَاقِمٌ: أَطَمٌ مِن آطَامِ المَدِينَةِ، وَحَرَّةُ وَاقِمٍ مُضَافَةٌ إِلَيهِ، وَتُعرَفُ اليَومَ حَرَّتُهُ بِحَرَّةِ المَدِينَةِ الشَّرقِيَّةِ)، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ (صِرَارٌ: مَوضِعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَميَالٍ مِنَ المَدِنيَةِ عَلَى طَرِيقِ العِرَاقِ) إِذَا بِنَارٍ فَقَالَ: يَا أَسلَمُ هَاهُنَا رَكبٌ قَد قَصَّرَ بِهِمُ اللَّيلُ (أَيْ حَبسَهُم عَنِ السَّيْرِ)، انطَلِق بِنَا إِلَيهِم. فَأَتَينَاهُم فَإِذَا امرَأَةٌ مَعَهَا صِبيَانُ لَهَا، وَقِدرٌ مَنصُوبَةٌ عَلَى النَّارِ، وَصِبيَانُهَا يَتَضَاغَونَ (التَّضَاغِي: الصِّيَاحُ وَالبُكَاءُ) فَقَالَ عُمَرُ: السَّلَامُ عَلَيكُم يَا أَصحَابَ الضَّوءِ. قَالَت: وَعَلَيكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَدنُو؟ قَالَت: ادنُ أَو دَع. فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُم؟ قَالَت: قَصَّرَ بِنَا اللَّيلُ وَالبَردُ. قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبيَةِ يَتَضَاغَونَ؟ قَالَت: مِنَ الجُوعِ. فَقَالَ: وَأَيُّ شَيءٍ عَلَى النَّارِ؟ قَالَت: مَاءٌ أُعَلِّلُهُم بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، اللهُ بَينَنَا وَبَينَ عُمَرَ! (وَهِيَ لَا تَعرِفُهُ، وَمَعنَى كَلَامِهَا أَنَّهَا تَشكُو عُمَرَ للهِ) فَبَكَى عُمَرُ وَرَجَعَ يُهَروِلُ إِلَى دَارِ الدَّقِيقِ، فَأَخرَجَ عِدلًا (نِصفَ الحِملِ) مِن دَقِيقٍ وَجِرَابَ شَحمٍ (قِطعَةً مِنَ الشَّحمِ)، وَقَالَ: يَا أَسلَمُ احمِلهُ عَلَى ظَهرِي. فَقُلتُ: أَنَا أَحمِلُهُ عَنكَ. فَرَفَضَ وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهرِهِ، وَانطَلَقنَا إِلَى المَرأَةِ، فَأَلقَى عَن ظَهرِهِ وَأَخرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ فِي القِدرِ، وَأَلقَى عَلَيهِ مِنَ الشَّحمِ، وَجَعَلَ يَنفُخُ تَحتَ القِدرِ وَالدُّخَّانُ يَتَخَلَّلُ لِحيَتَهُ سَاعَةً، ثُمَّ أَنزَلَهَا عَنِ النَّارِ وَقَالَ: آتِنِي بِصَحفَةٍ. فَأُتِيَ بِهَا، فَغَرَفَ فِيهَا، ثُمَّ جَعَلَهَا بَينَ يَدَيِ الصِّبيَانِ، وَقَالَ: كُلُوا. فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَالمَرأَةُ تَدعُو لَهُ وَهِيَ لَا تَعرِفُهُ، فَلَم يَزَل عِندَهُم حَتَّى نَامَ الصِّغَارُ، ثُمَّ أَوصَى لَهُم بِنَفَقَةٍ وَانصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَسلَمُ، الجُوعُ الَّذِي أَسهَرَهُم وَأَبكَاهُم. فلَم يَزُل حَتَّى شَبِعُوا وَتَرَكَ عندَها فَضلَ ذلكَ، وقَامَ وقُمتُ معهُ، فَجَعَلَت تَقُولُ: “جزاكَ اللهُ خيرًا، كنتَ بهذَا الأمرِ أولَى مِن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ”، فَيَقُولُ: “قُولِي خَيرًا، وَإِذَا جِئتِ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ وَجَدتِينِي هُنَاكَ إِن شَاءَ اللهُ. فَهَذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يَغُرَّهُ المُلكُ وَالأَموَالُ وَالمَنَاصِبُ، بَلِ ازدَادَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَكَم نَجِدُ مِنَ النَّاسِ فِي أَيَّامِنَا يُغَيِّرُ أَحكَامَ الشَّرِيعَةِ فَيُفتِي بِحِلِّ أَمرٍ هُوَ حَرَامٌ أَو بِحُرمَةِ أَمرٍ هُوَ حَلَالٌ، أَو يَسكُتُ عَن إِنكَارِ المُنكَرَاتِ مَعَ كَثرَتِهَا بِسَبَبِ حُبِّ الأَموَالِ وَالدُّنيَا، وَقَد قِيلَ: حُبُّ الدُّنيَا رَأسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَهَذِهِ مِن أَعظَمِ الفِتَنِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

نَجِدُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَن يَعرِفُ أَمرَ العَقِيدَةِ وَالتَّوحِيدِ فَيَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسكُتُ عَنِ المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يَنشُرُونَ عَقَائِدَ اليَهُودِ بَينَ المُسلِمِينَ، وَيَسكُتُ عَنِ التَّكفِيرِيِّينَ الَّذِينَ يَرمُونَ المُسلِمِينَ بِالكُفرِ، بَل وَيُكَفِّرُونَهُ هُوَ كَذَلِكَ، وَيَسكُتُ عَنِ المُعتَزِلَةِ، هَذَا بِسَبَبِ الأَموَالِ وَالمَنَاصِبِ أَن لَا تَزُولَ عَنهُ يَسكُتُ عَن كُلِّ هَؤُلَاءِ وَيُهَادِنُهُم وَيَقُولُ عَنهُم مَقَالَاتِ مَدحٍ وَتَروِيجٍ لِمُعتَقَدِهِمُ الفَاسِدِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى)

(وَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا التَّرغِيبُ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَعَلَى هَذَا كَانَ أَنبِيَاءُ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَد قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن حَالِ سَيِّدِنَا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ: [هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَب لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ]، “هَب لِي” أَعطِنِي. “مِن لَدُنكَ” مِن عِندِكَ. “ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً” أَي نَسلًا صَالِحًا. وَالذُّرِّيَّةُ تَكُونُ وَاحِدَةً وَتَكُونُ جَمعًا ذَكَرًا وَأُنثَى، وَهُوَ هُنَا فِي دُعَاءِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ وَاحِدٌ. يَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ. “فَهَب لِي مِن لَدُنكَ وَلِيًّا“، وَلَم يَقُل أَولِيَاءَ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ “طَيِّبَةً” لِتَأنِيثِ لَفظِ الذُّرِّيَّةِ. وَرُوِيَ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَيُّ رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أَجرَى اللهُ له مِثلَ أَجرِ عَمَلِهِم وَلَم يَنقُص مِن أُجُورِهِم شَيئًا). (طَيِّبَةً) أَي صَالِحَةً مُبَارَكَةً. دَلَّت هَذِهِ الآيَةُ عَلَى طَلَبِ الوَلَدِ، وَهِيَ سُنَّةُ المُرسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [وَلَقَد أَرسَلنا رُسُلًا مِن قَبلِكَ وَجَعَلنا لَهُم أَزواجًا وَذُرِّيَّةً] [الرعد: 38]. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَرَادَ عُثمَانُ بنُ مَظعُونَ أَن يَتَبَتَّلَ وَيَختَصِي فَنَهَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَخَرَّجَ ابنُ مَاجَه عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (النِّكَاحُ مِن سُنَّتِي -أَي مِن شَرَائِعِ الدِّينِ- فَمَن لَم يَعمَل بِسُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي -أَي لَيسَ عَلَى طَرِيقَتِنَا الكَامِلَةِ- وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ وَمَن كَانَ ذَا طَولٍ -أَي قَادِرًا عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَجِبُ فِيهِ- فَليَنكِح وَمَن لَم يَجِد فَعَلَيهِ بِالصَّومِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ-أَرَادَ أنَّ الصَّومَ يَقطَعُ شَهوَةَ النِّكاح-. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخبِرًا عَن إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ: [وَاجعَل لِي لِسانَ صِدقٍ فِي الآخِرِينَ] [الشعراء:84] وَقَالَ: [وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَب لَنا مِن أَزواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعيُنٍ] [الفرقان: 74]. وَقَد وَضَعَ البُخَارِيُّ عَلَى هَذَا: “بَابَ طَلَبِ الوَلَدِ”. وَقَالَ ﷺ لِأَبِي طَلحَةَ وَزَوجَتِهِ حِينَ مَاتَ ابنُهُ: (أَعرَستُمُ اللَّيلَةَ)؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: (بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيلَتِكُمَا). قَالَ: فَحَمَلَت.

وَفِي البُخَارِيِّ: قَالَ سُفيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ: فَرَأَيتُ تِسعَةَ أَولَادٍ كُلَّهُم قَد قَرَءُوا القُرآنَ.

وَوَضَعَ البُخَارِيُّ أَيضًا: “بَابَ الدُّعَاءِ بِكَثرَةِ الوَلَدِ مَعَ البَرَكَةِ” وَسَاقَ حَدِيثَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَت أُمُّ سُلَيمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ ادعُ اللهَ له. فقال: (اللهم أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِك لَهُ فِيمَا أَعطَيتَهُ). وَالأَخبَارُ فِي هَذَا المَعنَى كَثِيرَةٌ تَحُثُّ عَلَى طَلَبِ الوَلَدِ وَتَندُبُ إِلَيهِ، لِمَا يَرجُوهُ الإِنسَانُ مِن نَفعِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ مَوتِهِ. قَالَ ﷺ: (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ) فَذَكَرَ (أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ). وَلَو لَم يَكُن إِلَّا هَذَا الحَدِيثُ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ.

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالمَطلُوبُ مِنَ الإِنسَانِ أَن يَتَضَرَّعَ إِلَى خَالِقِهِ فِي هِدَايَةِ وَلَدِهِ وَزَوجِهِ بِالتَّوفِيقِ لَهُمَا وَالهِدَايَةِ وَالصَّلَاحِ وَالعَفَافِ وَالرِّعَايَةِ، وَأَن يَكُونَا مُعِينِينَ لَهُ عَلَى دِينِهِ وَدُنيَاهُ حَتَّى تَعظُمَ مَنفَعَتُهُ بِهِمَا فِي أُولَاهُ وَأُخرَاهُ، أَلَا تَرَى قَولَ زَكَرِيَّا: [وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا] [مريم: 4]، وَقَالَ: [ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً]) 

(وَكُلُّ هَذَا المَذكُورُ يُبَيِّنُ عُلُوَّ مَرتَبَةَ النِّكَاحِ فِي الشَّرعِ، فَقَد حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: [وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]، 

وَرَوَى الحَاكِمُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدُّنيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيرُ مَتَاعِهَا المَرأَةُ الصَّالِحَة»، 

وَرَوَى ابنُ مَاجَه عَن أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا استَفَادَ المُؤمِنُ، بَعدَ تَقوَى اللهِ، خَيرًا لَهُ مِن زَوجَةٍ صَالِحَةٍ، إِن أَمَرَهَا أَطَاعَتهُ وَإِن نَظَرَ إِلَيهَا سَرَّتهُ، وَإِن أَقسَمَ عَلَيهَا أَبَرَّتهُ، وَإِن غَابَ عَنهَا نَصَحَتهُ فِي نَفسِهَا وَمَالِهِ»،

وروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: «مَن أَحَبَّ فِطْرَتِي فَليَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَإِنَّ مِن سُنَّتِي النِّكَاحَ»، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ) [الفرقان: 74]،

(وَهَذِهِ الآية أيضا فيها إشارة عقائدية ذكرها الرازي في تفسيره حيثقال: احتَجَّ أَصحَابُنَا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ فِعلَ العَبدِ مَخلُوقٌ لله تَعَالَى، قَالُوا لِأَنَّ الإِمَامَةَ فِي الدِّينِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالعِلمِ وَالعَمَلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ العِلمَ وَالعَمَلَ إِنَّمَا يَكُونُ بِجَعلِ الله تَعَالَى وَخَلقِهِ.اهـ 

يعني فيها دليل على أن الله خالق أفعال العباد، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الزمر/ الآية 62]، 

رُوِيَ عَنِ الْجُنَيْدِ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ قَالَ: “الْيَقِينُ” ثُمَّ اسْتُفْسِرَ عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ: “إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ خَالِقٌ لَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى”، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]. 

شُهُودُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ بِالْقَلْبِ هُوَ الْيَقِينُ، فَلْيَجْعَلِ الْمُؤْمِنُ هَذَا عَقْدَ قَلْبِهِ وَلْيُكْثِرْ مِنْ شُهُودِ هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى يَكُونَ مُوَحِّدًا لِلَّهِ تَعَالَى تَوْحِيدًا شُهُودِيًّا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَفِي جَمِيعِ حَالاتِهِ فَتَهُونُ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْخَوْفُ مِنَ الْعِبَادِ، مَنْ جَعَلَ هَذَا الْمَعْنَى ذِكْرَهُ الْقَلْبِيَّ أَيْ جَعَلَ قَلْبَهُ يَسْتَشْعِرُ بِذَلِكَ دَائِمًا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَسَهُلَ عَلَيْهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ وَهَانَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ فَلا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ عَلَى نِسْيَانِ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي كُلِّ شَىْءٍ، هَذَا يُقَالُ لَهُ التَّوْحِيدُ الشُّهُودِيُّ. 

وَمَعْنَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أَيْ خَلَقَ ذَوَاتِكُمْ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ أَعْمَالَكُمْ حَرَكَاتِكُمْ وَسَكَنَاتِكُمْ هُوَ خَلَقَهَا، وَنِيَّاتُنَا هُوَ خَلَقَهَا. وَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ))، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. الصَّنْعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهَا الْعَمَلُ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ حَرَكَاتُهُ وَسُكُونُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ. 

وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ. فَالإِنْسَانُ جِسْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا أَعْمَالُهُ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ تُعَدُّ بِالْمَلايِينِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَ الْجِسْمَ فَقَطْ وَالْعَبْدُ يَخْلُقُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ لَكَانَ مَخْلُوقُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَخْلُوقِ اللَّهِ. إِذِ الْعِبَادُ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَإِنَّمَا يَكْتَسِبُونَهَا، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد:الآية 16]. اللهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ خَالِقُ أَجْسَامِنَا وَحَرَكَاتِنَا وَسَكَنَاتِنَا وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ فِعْلٍ ظَاهِرِيٍّ وَكُلِّ صِفَةٍ بَاطِنِيَّةٍ كَالتَّفْكِيرِ وَالْخَوَاطِرِ الَّتِي تَخْطُرُ بِبَالِ الْعَبْدِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهَا وَكُلِّ كَائِنٍ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ بَلْ كَانَ خَالِقَ الأَجْسَامِ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَمَدُّحٌ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَخْلُقُهُ الْعِبَادُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخْلُقُهُ اللَّهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام:الآية 162-163]. سَاقَ اللهُ الصَّلاةَ وَالنُّسُكَ وَالْمَحْيا وَالْمَمَاتَ فِي مَسَاقٍ وَاحِدٍ وَجَعَلَهَا مِلْكًا لَهُ. فَكَمَا أَنَّ اللهَ خَالِقُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ اللهُ خَالِقٌ لِلأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ وَالنُّسُكِ، وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيَّةِ مِنْ بَابِ الأَوْلَى. فالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ مِنَ الأَفْعَالِ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهِيَ خَلْقٌ للهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك:الآية2] فَإِذًا الأَعْمَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَغَيْرُ الِاخْتِيَارِيَّةِ خَلْقٌ وَمِلْكٌ للهِ.

 وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ مَعْنَاهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الدِّينِ دِينِ التَّوْحِيدِ مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ الْبَشَرِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُهُ، أَيْ أَنَا أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مُسْلِمٌ عَلَى الإِطلَاقِ. 

وكذلك ينبغي أن يعلم أَنَّهُ لا تَلازُمَ عَقْلِيٌّ بَيْنَ الأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ يَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَهَا الْمُسَبَّبَاتِ، يَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ الأَكْلِ الشِّبَعَ وَعِنْدَ الشُّرْبِ الرِّيَّ وَقَدْ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ عِنْدَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، جَائِزٌ عَقْلًا أَنْ لا يَخْلُقَ الشِّبَعَ بَعْدَ الأَكْلِ وَالرِّيَّ بَعْدَ الشُّرْبِ، هَذَا يَجُوزُ وَهَذَا يَجُوزُ. هَذِهِ الأَسْبَابُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، الأَكْلُ لا يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَتَرْكُ الأَكْلِ لا يَخْلُقُ الضَّرَرَ، اللهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الشِّبَعَ عِنْدَ الأَكْلِ وَيَخْلُقُ الضَّرَرَ عِنْدَ تَرْكِ الأَكْلِ إِنْ شَاءَ. وَكَذَلِكَ النَّارُ إِذَا مَسَّتْ شَيْئًا يَخْلُقُ اللهُ الإِحْرَاقَ عِنْدَ مُمَاسَّةِ ذَلِكَ الشَّىْءِ لِلنَّارِ وَقَدْ لا يَخْلُقُ اللهُ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ، فَهَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَمَاهُ قَوْمُهُ فِي النَّارِ الْعَظِيمَةِ فَلَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِي قَيَّدُوهُ بِهِ وَكَانَتِ النَّارُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا، كُلُّ هَذَا فِيهِ دَلائِلُ عَلَى أَنَّ الأَسبَابَ لا تَخلُقُ مُسَبَّبَاتِهَا فَالدَّوَاءُ لا يَخْلُقُ الشِّفَاءَ كَمْ مِنْ مَرْضَى يَأْخُذُونَ دَوَاءً لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا يَتَعَافَى وَالآخَرُ لا يَتَعَافَى، وَقَدْ قَالَ أَحَدُ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ وَاسْمُهُ يَعْقُوبُ بنُ جَابِرٍ الْمِنْجَنِيقِيُّ:

قُلْ لِمَنْ يَدَّعِي الْفَخَارَ دَعِ الفَخَــرَ لِذِي الْكِبْرِيَــــاءِ وَالْجَبَرُوتِ

نَسْــــجُ دَاوُدَ لَمْ يُفِدْ لَيْلَـــــةَ الْغَارِ وَكَانَ الْفَخَــارُ لِلْعَنْكَبُوتِ

وَبَقَاءُ السَّمَنْدِ فِي لَهَــــــــبِ النَّارِ مُزِيلٌ فَضِيلَـــــةَ اليَاقُوتِ

وَكَذَاكَ النَّعَـــــــــامُ يَلْتَقِمُ الجَمــرَ وَمَا الجَمرُ لِلنَّعَــــامِ بِقُوتِ

مَعْنَاهُ قُلْ لِلْمُتَفَاخِرِ الْمُتَبَجِّحِ اتْرُكِ الْكِبْرِيَاءَ وَالْفَضْلَ للهِ تَعَالَى، اللهُ تَعَالَى هُوَ يُفَضِّلُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَى بَعْضٍ، الْفَخْرُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْفَضْلِ وَالْفَخَارُ كَذَلِكَ. وَالْكِبْرِيَاءُ مَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْعَظَمَةِ لَيْسَ عَيْنَ الْعَظَمَةِ. وَنَسْجُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ دُرُوعُ الْحَدِيدِ، اللهُ أَلانَ لَهُ الْحَدِيدَ فَكَانَ يَصْنَعُ بِيَدَيْهِ دُرُوعَ الْحَدِيدِ، وَلَيْلَةَ الْغَارِ أَيْ لَيْلَةَ كَانَ النَّبِيُّ مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ وَلَحِقَ بِهِمَا الْمُشْرِكُونَ.

 وَأَمَّا السَّمَنْدُ فَهُوَ حَيَوَانٌ يَدْخُلُ النَّارَ يَنَامُ فِيهَا فَلا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا تَنْظِيفَ جِلْدِهِ رَمَوْهُ فِي النَّارِ فَيَحْتَرِقُ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ حَيَوَانٌ نَادِرُ الْوُجُودِ كَانَ يُوجَدُ مِنْهُ فِي بِلادِ الصِّينِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْيَاقُوتَ حَجَرٌ فَلا يَعْجَبُ الإِنْسَانُ إِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النَّارُ كَمَا يَعْجَبُ مِنْ عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِي السَّمَنْدَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، كَذَلِكَ ذَكَرَ كَيْفَ تَأْكُلُ النَّعَامُ الْجَمْرَ الأَحْمَرَ وَتَسْتَمْرِئُهُ مَعَ أَنَّ النَّعَامَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، فَسُبْحَانَ الْقَدِيرِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ)

وَقالَ تَعَالَى: {وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا} [الأنبياء:73] 

(أَي رُؤَسَاءَ يُقتَدَى بِهِم فِي الخَيرَاتِ وَأَعمَالِ الطَّاعَاتِ. وَمَعنَى” بِأَمرِنَا” أَي بِمَا أَنزَلنَا عَلَيهِم مِنَ الوَحيِ وَالأَمرِ وَالنَّهيِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَهدُونَ بِكِتَابِنَا وَقِيلَ: المَعنَى يَهدُونَ النَّاسَ إِلَى دِينِنَا بِأَمرِنَا إِيَّاهُم بِإِرشَادِ الخَلقِ، وَدُعَائِهِم إِلَى التَّوحِيدِ) 

(وهذه الآية فيها دليل على أن كل الأنبياء دعوا الناس إلى التوحيد، كل الأنبياء مسلمون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾، دَلَّتِ الآيَتَانِ الكَرِيمَتَانِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الإِسلَامِيَّ هُوَ الدِّينُ الَّذِي ارتَضَاهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَبَعَثَ بِهِ كُلَّ الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوهُ لِلنَّاسِ، وَدَعَوا لَهُ وَنَشَرُوهُ فِي أَرجَاءِ المَعمُورَةِ، فَهُوَ أَصلُ رِسَالَتِهِمُ الَّذِي اتَّحَدُوا عَلَيهِ، وَانطَلَقُوا مِنهُ، فَكَانَ هُوَ دِينَهُم جَمِيعًا، فَالدِّينُ الحَقُّ أَيِ الدِّينُ الصَّحِيحُ المُؤَيَّدُ بِالدَّلِيلِ عِندَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الإِسلَامُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: [الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُم وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُم شَتَّى]، وَالمَعنَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ كُلَّهُم عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ هُوَ دِينُ الإِسلَامِ، فَالإِسلَامُ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، فَإِنَّهُم وَإِنِ اختَلَفَت شَرَائِعُهُم وَأَحكَامُهُم، إِلَّا أَنَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَصلِ الدَّعوَةِ، وَهُوَ التَّوحِيدُ وَالإِسلَامُ وَعِبَادَةُ اللهِ وَحدَهُ وَعَدَمُ الإِشرَاكِ بِهِ، وَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَن أَنبِيَائِهِ فِي القُرءَانِ بِأَنَّهُم كَانُوا مُسلِمِينَ. فَأَخبَرَ اللهُ عَن نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس: 72]. وَأَخبَرَ عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [سورة البقرة: 131]. وَأَخبَرَ عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس:84]. وَأَخبَرَ عَن حَوَارِيِّي المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، [سورة المائدة: 111]. وَأَخبَرَ عَن سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِخبَارًا عَن مَلِكَةِ سَبَأَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، [سورة النمل: 44]. وَأَخْبَرَ عَنْ يَعْقُوْبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، [سورة البقرة: 132

فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِهَذَا لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، إِنَّمَا تَخْتَلِفُ الأَحْكَامُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، فقد أَنْزَلَ اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَّمَدٍ ﷺ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرَائِعِ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، بَلْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَيُصَلُّونَ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ تَوَقَّفُوا عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى يَجِدُوا المَاءَ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كُلِّ هَذَا مِن حَيثُ العَقلُ: النَّبِيُّ مِنَ الأَنبِيَاءِ هُوَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ، يَنزِلُ عَلَيهِ جِبرِيلُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ لِيُبَلِّغَهُ للنَّاسِ فَيَستَحِيلُ أَن يَتَنَاقَضَ الوَحيُ الذِي هُوَ مِن عِندِ اللهِ وَأَن يُكَذِّبَ بَعضُهُ بَعضًا، فَلَا يَجُوزُ أَن يَنزِلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى نَبِيٍّ بِدِينٍ ثُمَ يَنزِلَ عَلَى نَبِيٍّ آخَرَ بَأَنَّ هَذَا الدِّينَ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ، فَإذًا لَا بُدَّ أَن يَكُونَ الأَنبِيَاءُ قَد جَاؤُوا بِدِينٍ وَاحِدٍ وَهُوَ شَهَادَةُ أَن لَا إله إِِلا اللهُ. لِأَنَّ العَقلَ شَاهِدٌ بَأَنَّ كُلَّ مَا نَاقَضَ لَا إِله إِلَّا اللهُ فَهُوَ بَاطِلٌ مُحَالٌ وَمَا أَدَّى إِلَى المُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ) 

(اللهُ تَعَالَى وُجُودُهُ ثَابِتٌ لَا شَكَّ فِيهِ عِندَ أَهلِ العَقلِ، وَقَد وَضَعَ اللهُ لَنَا أَدِلَّةً تَدُلُّ دِلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى وُجُودِهِ، وَبَيَّنَ لَنَا أَوضَحَ طَرِيقٍ لِنَهتَدِيَ إِلَى وُجُودِهِ بِالعَقلِ، إِضَافَةً إِلَى إِرسَالِ الرُّسُلِ المُصَرِّحِينَ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أَن يَتَعَلَّمَ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُودِ اللهِ مِن حَيثُ الإِجمَالُ، وقد ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ الدَّلِيلَ العَقلِيَّ عَلَى وُجُودِ اللهِ يَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ: دَلِيلٍ إِجمَالِيٍّ بَسِيطٍ، وَدَلِيلٍ تَفصِيلِيٍّ. أما الدليل العقلي الإجمالي: هُوَ كَأَن يَقُولَ الشَّخصُ فِي نَفسِهِ إِذَا رَأَى كِتَابَةً فِي كِتَابٍ أَو عَلَى وَرَقَةٍ: الكِتَابَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِن شَخصٍ كَتَبَهَا، وَإِذَا رَأَى بَيتًا أَو نَحوَهُ يَقُولُ: البِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِن شَخصٍ بَنَاهُ، وَالكِتَابَةُ وَالبِنَاءُ جُزءٌ مِن هَذَا العَالَمِ، فَهَذَا العَالَمُ بِالأَولَى لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، وَهَذَا الخَالِقُ لَا يُشبِهُهُ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ. 

أَو يَقُولَ فِي نَفسِهِ: أَنَا كُنتُ مَعدُومًا غَيرَ مَوجُودٍ ثُمَّ صِرتُ مَوجُودًا، وَمَا كَانَ مَعدُومًا ثُمَّ صَارَ مَوجُودًا فَهُوَ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعرِفُ مِن نَفسِهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَوجُودًا فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ ثُمَّ صَارَ مَوجُودًا، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ، لِأَنَّ العَقلَ السَّلِيمَ يَحكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّيءِ بَعدَ أَن لَم يَكُن مَوجُودًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى خَالِقٍ لَهُ، وَهَذَا الخَالِقُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِذًا أَنَا لَا بُدَّ لِي مِن خَالِقٍ خَلَقَنِي، وَهَذَا الخَالِقُ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ شَيئًا، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ أَفرَادِ العَالَمِ لَا بُدَّ لَهَا مِن خَالِقٍ خَلَقَهَا لَا يُشبِهُهَا. 

أَمَّا الدَّلِيلُ العَقلِيُّ التَّفصِيلِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى فَقَد قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: وَذَلِكَ مِثلُ أَن يُقَالَ: العَالَمُ بِجَمِيعِ أَجزَائِهِ حَادِثٌ مَخلُوقٌ لَا يَخلُو مِنَ التَّغَيُّرَاتِ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهَذَا أَمرٌ ظَاهِرٌ يُدرَكُ بِالبَدِيهَةِ، فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تَارَةً وَيَسكُنُ تَارَةً، وَيَسخُنُ وَقتًا وَيَبرُدُ فِي وَقتٍ آخَرَ، وَتُشرِقُ الشَّمسُ مِنَ المَشرِقِ وَتَغرُبُ مِنَ المَغرِبِ، وَتَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيضَاءَ وَفِي آخِرِهِ صَفرَاءَ، فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ أَجزَاءُ مِن هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى. 

فَلَو قَالَ مُلحِدٌ لَا يُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ: نَحنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيفَ تُؤمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ: إِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَانَّ آثَارَ فِعلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِن كَاتِبٍ، وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَن بَنَّاءٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوجَدَهُ، وَأَمَّا كَونُكَ لَا تَرَاهُ فَلَيسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ، فَكَم مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي تُؤمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنتَ لَا تَرَاهَا، وَمِن ذَلِكَ عَقلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ. ثُمَّ المَخلُوقُ مُحتَاجٌ إِلَى خَالِقٍ فَاعِلٍ بِالإِرَادَةِ وَالِاختِيَارِ، وَلَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ وُجُودُ العَالَمِ بِالصُّدفَةِ، لِأَنَّهُ يَستَحِيلُ عَقلًا وُجُودُ شَيءٍ بِدُونِ فَاعِلٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ العَالَمُ خَلَقَ نَفسَهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمعًا بَينَ الضِّدَّينِ. 

فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا العَالَمَ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، بِنَاءً عَلَى القَاعِدَةِ بِأَنَّ كُلَّ فِعلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِلٍ.