المقدمة
الحَمدُ للهِ خَالِقِ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ، وَمُبدِعِ الأَنوَاعِ وَالأَجنَاسِ، القَوِيِّ فِي سُلطَانِهِ الشَّدِيدِ البَاسِ، المُنَزَّهِ عَنِ السِّنَةِ وَالنُّعَاسِ، المُخرِجِ رَطبَ الثِّمَارِ مِن يَابِسِ الأَغرَاسِ، قَهَرَ عِزُّهُ كُلَّ صَعبِ المِرَاسِ، لَا يَعزُبُ عَن سَمعِهِ حَرَكَاتُ الأَضرَاسِ، وَلَا دَبِيبُ ذَرٍّ بِاللَّيلِ وَلَا مَا فِي القِرطَاسِ، نَفَذَت مَشيئَتُهُ فَكَم مُجتَهِدٍ عَادَ بِاليَاسِ، ، قَدَّمَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ دَبَّرَ وَسَاسَ، فَسُبحَانَ مَن أَجزَلَ لَهُ العَطَا، وَجَعَلَهُ خَيرَ نَبِيٍّ حَارَبَ وَسَطَا، وَقَالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. أَحمَدُهُ حَمدًا يَدُومُ بِدَوَامِ اللَّحَظَاتِ وَالأَنفَاسِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي شَرعُهُ مُستَقِرٌّ ثَابِتُ الأَسَاسِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الثَّابِتِ العَزمِ وَقَدِ ارتَدَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الجَبَابِرَةِ مِنَ الجِنِّ وَالنَّاسِ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ يَومَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَرِيرِ الكَاسِ، وَعَلَى عَلِيٍّ أَهدَى الجَمَاعَةِ إِلَى نَصٍّ أَو قِيَاسٍ، وَعَلَى عَمِّهِ وَصِنوِ أَبِيهِ العَبَّاسِ، أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ السَّبعِينَ بَعدَ المِائَةِ، وَشَرَحنَا جُزءً مِنهُ وَنُكمِلُ فِي شَرحِهِ هَذَا الدَّرسَ إِن شَاءَ اللهُ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّهيِ عَنِ البِدَعِ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ.اهـ نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُ مَا تَبَقَّى مِنهُ إِن شَاءَ اللهُ.
الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احمَرَّت عَينَاهُ، وَعَلَا صَوتُهُ، وَاشتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُم وَمَسَّاكُم» وَيَقُولُ: «بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ» وَيَقرِنُ بَينَ أُصبُعَيهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسطَى، وَيَقُولُ: «أمَّا بَعدُ، فَإنَّ خَيرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدعَة ضَلالَةٌ» ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أولَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ، مَن تَرَكَ مَالًا فَلأَهلِهِ، وَمَن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَإلَيَّ وَعَلَيَّ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.اهـ وَعَنِ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَدِيثُهُ السَّابِقُ فِي بَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ.اهـ
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَصَلنَا إِلَى قَولِهِ:
وَشَرَّ الأُمُورِ
(بِالنَّصبِ عَلَى أَنَّهُ عَطفٌ عَلَى لَفظِ اسمِ إِنَّ، وَبِالرَّفعِ عَلَى أَنَّهُ عَطفٌ عَلَى المَحَلِّ، وَالمُرَادُ مِن شَرِّ الأُمُورِ، وَإِلَّا فَبَعضُ الأُمُورِ السَّابِقَةِ مِثلُ الشِّركِ شَرٌّ مِن كَثِيرٍ مِنَ المُحدَثَاتِ،
مُحدَثَاتُهَا،
(بِفَتحِ الدَّالِ وَالمُرَادُ بِهَا مَا لَا أَصلَ لَهُ فِي الدِّينِ مِمَّا أُحدِثَ بَعدَهُ ﷺ مِمَّا يُخَالِفُ نَهجَهُ ﷺ)
وَكُلَّ بِدعَة ضَلالَةٌ»،
(قُلنَا سَابِقًا إِنَّ البِدعَةَ فِي الشَّرعِ هِيَ المُحدَثُ الَّذِي لَم يَنُصَّ عَلَيهِ القُرآنُ وَلَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ، وَلَيسَت كُلُّ بِدعَةٍ عَلَى الإِطلَاقِ ضَلَالَةً، وَلَيسَت كُلُّ المُحدَثَاتِ عَلَى الإِطلَاقِ ضَلَالَةً، إِنَّمَا يُذَمُّ مِنَ البِدَعِ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَيُذَمُّ مِنَ المُحدَثَاتِ مَا دَعَا إِلَى الضَّلَالَةِ. وَقَد أَسَاءَ بَعضُ النَّاسِ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ العِلمَ وَالمَعرِفَةَ تَفسِيرَ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي قَالَ فِيهِ: «وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ»، فَزَعَمُوا أَنَّ كَلِمَةَ (كُلٍّ) لَا تَكُونُ إِلَّا لِلشُّمُولِ الكُلِّيِّ وَالإِطلَاقِ مِن غَيرِ أَن يَدخُلَهَا التَّخصِيصُ وَالِاستِثنَاءُ، فَشَذُّوا بِذَلِكَ عَمَّا فَهِمَهُ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَعَامَّتُهُم مِن هَذَا الحَدِيثِ، وَأَعلَنُوهَا حَربًا ضَرُوسًا عَلَى الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ مِمَّا استَحدَثَهُ المُسلِمُونَ بَعدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَتَرَاهُم يُفَسِّقُونَ المُحتَفِلِينَ بِالمَولِدِ تَارَةً، أَو يُكَفِّرُونَهُم تَارَةً أُخرَى، بَل وَيُصدِرُونَ فِيهِم فَتَاوَى خَطِيرَةً قَد تَتَحَوَّلُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ وَعَلَى أَيدِي المُتَطَرِّفِينَ رَصَاصًا فِي صُدُورِ الأَبرِيَاءِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ يَحتَفِلُونَ بِمَولِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَيُظهِرُونَ الفَرحَةَ بِهَذِهِ المُنَاسَبَةِ العَظِيمَةِ. وَالحَقُّ أَن يُقَالَ إِنَّ الِاحتِفَالَ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيسَ دَاخِلًا فِي البِدَعِ الَّتِي نَهَى عَنهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَولِهِ: «وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ».
وَلِا يَنبَغِي أَن يُعَكِّرَ عَلَيكُم بَعضُ النَّاسِ فِى زَمَانِنَا بِنَفيِ أَمرِ البِدعَةِ الحَسَنَة وَإِلغَائِهَا بِالمُطلَقِ وإِنكَارِهَا بِالمُطلَقِ اعتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ: «كلُّ بِدعَةٍ ضَلالَة، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النّار»، بَعضُ النَّاسِ فِى زَمَانِنَا يُورِدُ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى أَنَّ البِدعَةَ الحَسَنَةَ لَيسَت مَوجُودَةً فِى الشَّرعِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحدَاثُ شَىءٍ لَم يَفعَلهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا هُوَ أَصلٌ عِندَهُم.
أَوَّلًا قَولُهُ ﷺ: «كلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ» إِنَّما هُوَ فِى الحَقِيقَةِ عامٌّ مَخصُوصٌ. كَمَا نَصَّ عَلَى هَذَا الحافِظُ النّوَوِيُّ فِى شَرحِهِ عَلَى صَحيحِ مُسلِمٍ وَغَيرُ النّوَوِيِّ مِن كُتُبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. إِذًا قَولُهُ ﷺ: «كُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ» إِنَّمَا هُوَ عامٌّ، وَمُهِمٌّ جِدًّا أَن نَعرِفُ مَعنَى كَلِمَة “عَامّ” وَمَا مَعنَى قَولِهِم “مَخصُوصٌ” أَي إِنَّ المُرَادَ بِالحَدِيثِ أَغلَبُ البِدَع لَا كُلُّ بِدَعَةٍ عَلَى الإِطلَاقِ، أَغلَبُ البِدَع إِنّما هِيَ بِدَعُ ضَلَالَةٍ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ مَا نَصُّهُ: «قَولُهُ ﷺ: «وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ»: هَذَا عَامٌّ مَخصُوصٌ (أَي لَفظُهُ عَامٌّ وَمَعنَاهُ مَخصُوصٌ)، وَالمُرَادُ بِهِ غَالِبُ البِدَعِ». وَقَالَ أَيضًا: «وَلَا يَمنَعُ مِن كَونِ الحَدِيثِ عَامًّا مَخصُوصًا قَولُهُ «كُلُّ بِدعَةٍ» مُؤَكِّدًا بِـ(كُلّ)، بَل يَدخُلُهُ التَّخصِيصُ مَعَ ذَلِكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾».اهـ فَهَذِهِ الآيَةُ لَفظُهَا عَامٌّ وَمَعنَاهَا مَخصُوصٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي وَرَدَ أَنَّهَا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ سَخَّرَهَا اللهُ عَلَى الكَافِرِينَ مِن قَومِ عَادٍ فَأَهلَكَتهُم، وَلَم تُدَمِّر كُلَّ مَن عَلَى وَجهِ الأَرضِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخبَرَنَا أَنَّهُ نَجَّى هُودًا عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمرُنَا نَجَّينَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحمَةٍ مِنَّا وَنَجَّينَاهُم مِن عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. وَمِنَ الأَمثِلَةِ عَلَى العَامِّ المَخصُوصِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ لَا تَأتِي دَائِمًا لِلشُّمُولِ الكُلِّيِّ قَولُ الرَّسُولِ ﷺ: «كُلُّ عَينٍ زَانِيَةٌ»، وَمَعلُومٌ شَرعًا أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَا يَشمَلُ أَعيُنَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَهُم مِن ذَلِكَ. قَولُهُم كَلِمَةُ (كُلٍّ) لَا يَدخُلُهَا التَّخصِيصُ فِيهِ قَدحٌ لِلرَّسُولِ، فِيهِ اتِّهَامٌ لِعَينِ الرَّسُولِ أَنَّهَا تَزنِي، لِأَنَّ الرَّسُولَ قَالَ: «كُلُّ عَينٍ زَانِيَةٌ». وَقَد وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابنِ آدَمَ يَأكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجبُ الذَّنَبِ، مِنهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ»، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ لَا تَأتِي دَائِمًا لِلشُّمُولِ الكُلِّيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرضِ أَن تَأكُلَ أَجسَادَ الأَنبِيَاءِ». فَيَكُونُ مَعنَى «كُلُّ ابنِ آدَمَ تَأكُلُهُ الأَرضُ» الأَغلَبَ، لِأَنَّ الرَّسُولَ استَثنَى فِي الحَدِيثِ الآخَرِ الأَنبِيَاءَ. وَهَكَذَا يَكُونُ مَعنَى: «كُلُّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ» الأَغلَبَ. وَقَالَ العُلَمَاءُ إِنَّ أَحسَنَ تَفسِيرٍ مَا وَافَقَ السِّيَاقَ، وَسِيَاقُ الحَدِيثِ ابتَدَأَهُ الرَّسُولُ بِقَولِهِ: «فَإِنَّ أَحسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ» مَعنَاهُ أَحسَنُ الكَلَامِ كَلَامُ اللهِ «وَأَحسَنَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ» مَعنَاهُ أَحسَنُ السِّيَرِ سِيرَةُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: «وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا» الحَدِيثَ، فَيَكُونُ المَعنَى: إِنَّ شَرَّ الأُمُورِ المُحدَثَاتُ الَّتِي خَالَفَت أَحسَنَ الحَدِيثِ وَأَحسَنَ الهَديِ، وَهِيَ بِدعَةُ الضَّلَالَةِ، فَلَا دَخَلَ لِلبِدعَةِ الحَسَنَةِ فِي ذَلِكَ الذَّمِّ المَذكُورِ.
وَمَما يُؤكِّدُ هّذَا المَعنَى أَنَّ هُنَاكَ بِدَعًا أَحدَثَها الصَّحَابَةُ وَمَن جَاءَ بَعدَهُم وَالمُسلِمِينَ بَعدَ زَمَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَومِنَا هَذَا وَلَا تُعَدُّ بِدَعَ ضَلَالَةٍ، بَل هِيَ مُحدَثاتٌ لَا تُعارِضُ دِينَ اللهِ.
فَكَلِمَةُ “كُلُّ” فِى الحَدِيث لَفظَةٌ تُعَدُّ أُمَّ أَلفَاظِ العُمُومِ. العُمُومُ أَوِ العَامُّ مَعنَاهُ اللَّفظُ الَّذِي يَستَغرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِن غَيرِ حَصرٍ. “لَفظٌ” يَعنِى لَا بُدَّ مِن نُطُقٍ، “يَستَغرِقُ” يَعنِى يَعُمُّ كُلَّ أَفرَادِ الجِنسِ المَذكُورِ “مِن غَيرِ حَصرٍ”، يَعنِى مِن غَيرِ حَصرٍ بِعَدَدٍ مُعَيَّن. أَضرِبُ مِثالًا عَن هَذَا: قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ﴾ [سورة ءال عمران:185] اللهُ تَعَالَى لَم يَستَثنِ فِى هَذِهِ الآيَةِ نَفسًا مِن طُرُوءِ المَوتِ عَلَيهَا. فَنَقُولُ كُلُّ نَفسٍ إِنسِيَّةٍ أَو جِنِيَّةٍ أَو مَلَائِكِيَّةٍ لَا بُدَّ أَن يَطرأَ عَلَيهَا المَوتُ لِأَنَّ لَفظَةَ “كُلّ” مِن أَلفَاظِ العُمُومِ الَّتِي تَعُمُّ كُلَّ أَفرَادِ الجِنسِ دُونَ استِثنَاءٍ. هَذَا مَعنَى العُمُومِ فِى الأَصلِ. فَنَقُولُ: كُلُّ نَفسٍ لَا بُدَّ أَن تَذُوقَ المَوتَ، لَكِن جاءَ فِى الشّرعِ استِثنَاء نُفُوسٍ مَلَكِيَّةٍ كَحَمَلَةِ العَرشِ. هَؤُلَاءِ المُستَثنَونَ مِنَ المَوتِ لِوُجُودِ شَىءٍ فِى الشَّرعِ يَدُلُّ عَلَى استِثنَائِهِم. فَإِذًا مَاذَا يُرَادُ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ﴾ أَي أَغلَبُ النُّفُوسِ لَا بُدَّ أَن تَذُوقَ المَوتَ إِلَّا مَنِ استَثنَاهُمُ الشَّرعُ كَحَمَلَةِ العَرشِ، المَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحمِلُونَ العَرشَ جَاءَ فِى الأَثَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم لا يَلحَقُهُم مَوتٌ. رَبُّنا تَعَالَى خَلَقَهُم وَشَاءَ لَهُمُ البَقَاءَ فَلَا يَلحَقُهُمُ المَوتُ. هَذِهِ النُّفُوسُ مُستَثنَاةٌ مِن عُمُومِ “كُلّ” الَّتِي أَفادَتهُ فِى هَذَا المَوضِعِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُنَا الَّذِي أَورَدنَاهُ قَولُهُ ﷺ: “كلُّ بِدعَةٍ ضَلالَة” فِيهِ أَيضًا لَفظَةُ “كُلّ” ولَفظَةُ كُلّ تَدُلُّ فِى الأَصلِ عَلَى العُمُومِ. لَكِن هُنَاكَ قَاعِدَةٌ عِندَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقهِ أَنَّهُ مَا مِن عَامٍّ إِلَّا وَخُصِّصَ. مَا مِن عَامٍّ إِلَّا وَدَخَلَهُ التَّخصِيصُ إِلَّا أَشيَاءَ قَلِيلَةً. حَتَّى هَذِهِ القَاعِدَةُ مَعَ كَونِهَا قَاعِدَةً، يَدخُلُها التَّخصِيصُ (وَلَيسَ هَذَا بَابُ أَن أَذكُرَ التَّخصِيصَ الَّذِي يَدخُلُهَا، إِنَّمَا هَذَا يُطلَبُ فِى عِلمِ أُصُولِ الفِقه). لَكِنَّ أَهلَ العِلمِ قالُوا وَلَو لَفظَةُ “كُلّ” ههُنا تَدُلُّ عَلَى العُموم، إِلا أَنَّ المقصُودَ بِالحَدِيث بَعضُ البِدَعِ دُونَ بَعض. بَعضُ البِدَعِ تُعَدُّ بِدَعَ ضَلَالَةٍ، وَهذا نحنُ لَا نُنكِرُهُ، لأَنَّ هذه البِدَعَ تُخالِفُ شَرعَ اللهِ، تُخالِفُ القُرءَانَ، تُخالِفُ الحَدِيثَ، تُخالِفُ الإِجمَاعَ، تُخالِفُ الأَثَر، وَهُنَاكَ بِدَعٌ لَا تُخالِفُ مَا ذَكَرنَا، فَلَا تُعَدُّ مِن قَبِيلِ بِدَعِ الضَّلَالَةِ بَل هِيَ مِن قَبيلِ البِدَعِ الحَسَنَةِ. فَإِذًا هذا الحدِيثُ لَفظُهُ عَامٌّ إِلَّا أَنَّهُ مَخصُوصٌ بِأَغلَبِ البِدَعِ، مَعناهُ أَغلَبُ البِدَع بِدَعُ ضَلالة إِلّا أَنَّ هُناكَ بِدَعًا لا تُعَدُّ ضَلالَةً لِكَونِها تُوافِقُ شَرعَ الله. لذلِكَ قالَ النَّووي عِندَ شَرحِهِ عَلى صَحيحِ مسلِم عِندَ شَرحِهِ لِهذا الحَدِيث “كُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَة“، قالَ: “هذا مِنَ العَامِّ المخصُوصِ” والمُرادُ أَغلَبُ البِدَعِ. لِماذا قالَ الحافِظُ النَّوَوِيُّ هَذَا الكَلَامَ؟ لأَنَّهُ يَعرِفُ أَنَّ هناكَ بِدَعًا حَسَنَة لا تُعارِضُ دِينَ الله.
هناك جُملَةُ أَشيَاءَ فَعَلَهَا الصَّحَابَةُ فِى حَالِ حَيَاةِ رَسُولِ الله ﷺ مِن غَيرِ أَن يَسمَعُوا مِنَ الرَّسولِ أَمرًا بِهَا. ما جاءَهُم أَمرٌ مِنَ النبيِّ أَنِ افعَلُوا كَذَا افعَلُوا كَذَا افعَلُوا كَذَا، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ أَحدَثُوا أَشياءَ لَم يَجِئ بِها تَوقِيفٌ مِنَ الرَّسُولِ وَلَا أَمرٌ مِنَ الرَّسُولِ بِهَا. وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ كَثيرَةٌ وافِرَة تَشهَدُ لِما ذَكَرتُ. الآن سيَكُونُ كَلامِي مُرَكَّزًا عَلَى ما فَعَلَه الصّحابَة فِى حالِ حياةِ رَسُولِ الله ﷺ، يَعنِى قَبلَ وَفاتِهِ مِن غَيرِ أَن يَتَوَجَّهَ أَمرٌ مِنَ الرَّسُولِ لِواحِدٍ مِنهُم أَنِ افعَل كذَا أَوِ افعلُوا كَذَا واعمَلُوا كَذَا . بِلَالٌ الحَبَشِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنَهُ خاطَبَهُ الرَّسُولُ ذَاتَ يَومٍ فَقالَ لَهُ: “يا بِلَالُ دُلَّنِي عَلَى أَرجَى عَمَلٍ عَمِلتَهُ فِى الإِسلَامِ” يَعنِى أَكثَرَ عَمَلٍ تَرجُو بِهِ أَن تَدخُلَ الجَنَّة، “فَإِنِّي سَمِعتُ اللَّيلَةَ خَشفَ نَعلَيكَ بَينَ يَدَيَّ فِى الجَنَّة” النَّعلُ إِذَا أَطرَقَ الأَرضَ يَصدُرُ لَهُ صَوت، خَشفَ. مَعنَاهُ ما هُوَ السَّبَبُ الَّذِي تَرجُو بِهِ أَن تَدخُلَ الجَنّةَ مِن عَمِلٍ تَعمَلُهُ، ما هُو هَذَا العَمَل الَّذِي تَرجُو بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ؟ فَقَالَ عِندَئِذٍ بِلَالٌ: “إِنِّي ما تَطَهَّرتُ طُهُورًا إِلَّا وَصَلَّيتُ رَكعَتَين” يَعنِى يُصَلِّي رَكعَتَين عِندَ كُلِّ طُهُورٍ يَتَطَهَّرُه. عِندَ كُلِّ وُضُوءٍ يَتَوَضَّؤُهُ. ثُمَّ كانَ يَعمَلُ عَمَلًا ءَاخَر. كُلَّما يَنتَقِضُ وُضوؤُهُ يُبادِرُ فَورًا إِلَى التَّطَهُّر. لا يَترُكُ نَفسَهُ مِن غَيرِ وُضُوءٍ. فَبَيَّنَ للرَّسُولِ ﷺ أَنَّ هذا العَمَلَ وَهذا العَمَلَ هُوَ أَرجَى عَمَلٍ يَظُنُّ أَنَّهُ بِهِ يَدخُلُ الجَنَّةَ. الرَّسولُ ما كانَ أَمَرَ بِلَالًا أَن يُصَلِّيَ عِندَ كُلِّ وُضُوء لَكِنَّ بِلالًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ، مِن غَيرِ أَمرٍ مِنَ الرسولِ رأَى أَنَّهُ إِن صَلّى رَكعَتينِ عَقِبَ كُلِّ وُضوءٍ أَنَّ هَذَا شَىءٌ حَسَنٌ. لَا يُعارِضُ القُرءَانَ وَلَا الحَدِيث وَلا إِجماعَ أَهلِ السُّنَّةِ وَلَا الأثَرَ وَالقِياسَ. هذا فِى الحَقيقَةِ فِعلٌ فَعَلَهُ بِلالٌ مِن غَيرِ تَوجِيهِ أَمرٍ مِنَ الرسولِ لَه. تُرى هَل يُعَدُّ ما عمِلَهُ بِلالٌ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ مِن غَيرِ تَوَجُّهِ أَمرٍ مِنَ الرّسُول لَه بِدعَةَ ضَلَالَةٍ لِمجرَّدِ ذلك؟؟ لا!! وَإِلا لَكانَ الرسُول أَنكَرَ عَلَيهِ ذلِك.
مِن جُملَةِ الأُمُور التي فَعَلَها الصّحابَةُ فِى حياةِ الرسول مِن غَيرِ أَن يَأمُرَهُم الرّسولَ بِها، مِن غَيرِ أَن يَنُصَّ لَهُم الرسول عَلَيها نَصًّا. لَكِنَّ هذا الصَّحابِيَّ وَقَرَ فِى نَفسِهِ وَرَسَخَ فِى قَلبِهِ أَنَّ إِحداثَ شىء لا يُعارِضُ دِينَ الله، وَإِن لَم يَنُصَّ عَلَيها الرسول وَلَم يَأمُر بِهِ الرّسولَ ليسَ شيئًا قَبيحًا. ليسَ بِدعَةَ ضلالَة كَما يُرِيدُ هؤلاء أَن يُوهِمَ النّاس.
أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنه وهوَ مِن خِيرَةِ صحابَةِ رَسُولِ الله ﷺ كانَ فِى سَفرَةٍ مَعَ بَعضِ أَصحابِ الرسُول فِى طَريقِهِمِ مَرُّوا عَلَى قَومٍ كافِرِين فاستَضافُوهُم، طَلَبُوا مِنهُم الضِّيافة، الصحابَة طَلَبُوا مِن هؤلاءِ الكفّار أَن يُضَيِّفُوهُم، أَن يُطعِمُوهُم شيئًا لِحاجَتِهِم لَهذا الطّعام. فأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُم. امتَنَعُوا عَن إِطعامِهِم. فَمَضَوا فِى طَريقَهِمِ، ثُمَّ ما لَبِثُوا أَن تـَبِعَهُم واحِدٌ مِن هؤلاءِ الكُفّار. قالَ لَهُم: “هَل فِيكم مِن راقٍ؟”، يَعنِى هَل يُوجَدُ فِيما بَينَكُم أَحَدٌ يَرقِي؟ يَقرَأُ شيئًا مِنَ الأَذكار، يَرقِي بِها مَريضا؟ قالُوا فَإِنَّ سيِّدَنا (يَعنِى سيِّدَ قَومِهِم) “سَلِيمٌ” أَي لَدِيغ، الذي لَدَغَتهُ حَيَّةٌ أَو عَقرَب، فِى اللُّغَةِ يُقالُ لَهُ سَلِيم، تَفاؤُلًا بِسَلامَتِهِ مِن هذا اللَّدغِ كما تُسَمِّي العرب الصحراء الواسِعَة “مَفازةً”، لماذا؟ تَفاؤُلًا لِفَوزِ مَن يَقطَعُها فَيَنجُو، لأَنَّ الغالِبَ أَنَّ مَن يَقطَعُ الصّحراء الواسِعَة لا يَنجُو فَتَفاؤُلًا بِالفَوز بِالنَّجاة، سَمَّوا الصّحراءَ الواسِعَةَ مَفازةً مِنَ الفَوز. وَسَمَّوا اللَّدِيغَ الذي لَدَغَتهُ حَيَّة أَو عَقرَب سَلِيمًا تَفاؤُلًا بِسَلامَتِهِ وَمُعافاتِهِ مِن هذا اللَّدغ. فَقالَ قارِئٌ مِنَ الصّحابَةِ: “لا نَرقِي لَكُم حَتّى تَجعَلُوا لَنا جُعلَة” يَعنِى لا نَقرأُ لِسيِّدِكُم شيئًا مِنَ الأَذكارِ حَتّى نَأخُذَ أُجرَةً عَلى قِراءَتِنا وَرُقيَتِنا لَه. فقامَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَرَقى هذا الكافِرَ بِسُورَةِ الفاتِحَة. وَالحَدِيثُ فَى صحيحِ البُخارِيّ. إِذًا هُو حَدِيثٌ صَحيحٌ يُعَدُّ فِى أَعلَى دَرَجات الصِّحَّة. قَرَأَ عَلَيهِ سُورَةَ الفاتِحَة فَبَرَأَ. قاَم وَكأَنَّ ليسَ بِه ضُرّ. فِى بَعضِ الرِّواياتِ أَنَّهُ قَرَأَ الفاتِحَةَ ثَلاثَ مَرّات وَفِى بَعضِ الرِّواياتِ أَنَّهُ قَرَأَ الفاتِحَة سبعَ مَرّات. فَأَعطَوهُم غَنَمًا كَثيرًا فَأَخَذُوهُم مَعَهُم وقالَ واحِدٌ مِنَ الصّحابَة: لا نَطعَمُ مِن هذا الغَنَم حَتّى نَسأَلَ الرسُول عَنهُم. فَجاءُوا إِلَى الرسول وَحَكَوا لَهُ ما حَصَل فَقالَ لأَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيُّ الرّاقِي: “وَما يُدرِيكَ أنها رُقيهُ؟” فَرِحَ رَسُولِ الله ﷺ لِما فَعَلَهُ أَبو سَعِيد وأَظهرَ فَرَحَهُ بِقَولِهِ هذا، ثُمَّ قالَ للصحابَة: “كُلُوا واضرِبُوا لِي مَعَكُم سَهما” مَعناهُ يَجوزُ لَكُم أَن تَأكُلُوا مِن هذا الغَنَم الذي أَخَذتُمُوهُ أُجرَةً عَلَى قِراءَةِ للقرءان. أبو سعيد الخُدرِيّ ما كانَ سَمِعَ بِالنَّصِّ مِنَ الرسولِ أَنَّ الفاتِحَة رُقيَة وَلَم يَكُن سَمِعَ مِنَ الرسُول أَنَّها تُقرأُ ثلاث مرّات أَو سبع مرّات عَلَى خِلافِ الرِّوايات، إِلّا أَنَّ أَبا سَعِيدٍ الخُدرِيّ قَرَأَ الفاتِحَةَ دُونَ سائِرِ سُوَرِ القُرءان وَقَرَأَها ثلاث مرّات كَما فِى بَعضِ الروايات، خَصَّ هذا العَدَد وفِى بَعضِ الروايات سَبع مرّات وَكِلا العَدَدَينِ بِتَخصِيصٍ وَاجتِهادٍ مِن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِي كما أَنَّ قَرَاءَتَهُ الفاتِحَةَ فى الابتِداء بِنَظَرٍ مِنهُ واجتِهادٍ مِنهُ، لا بِأَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا نَصِّهِ عَلَى ذلِك. هَل يُعَدُّ أَبُو سَعِيدٍ مُبتَدِعًا لِكَونِهِ فَعَلَ شيئًا لَم يَفعَلهُ رَسُولِ الله ﷺ بِنَفسِهِ وَلَم يَنُصَّ عَلَيهِ وَلَم يَأمُر بِهِ ﷺ. حاشا أَن يُقالَ عَن أَمثالِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِي وَعَن أَمثالِ بِلالٍ الحَبَشِيّ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أَنَّهُم مِنَ المُبتَدِعَة، لَكِن عَلَى قاعِدَةِ هؤلاء أَحدَثُوا شيئًا وَفَعَلُوا شيئًا لَم يَنُصَّ لَهُم رَسُولِ الله ﷺ عَلَيهِ فِى الابتِداء. وهذا يُفهَمُ مِنهُ أَنَّ إِحداثَ ذِكرٍ ما أَو تَخصِيصَ سُورَةٍ بِقِراءَتِها عَلَى مَرِيضٍ لَو لَم يَنُصَّ رَسُولَ الله عَلَيهِ ﷺ لا يُعَدُّ بِدعَةً قَبِيحَةً وَلا بِدعَة ضَلالَة بِدَليلِ إِقرارِ رَسُولِ الله عَلَيهِ ﷺ أَبا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ عَلَى قِراءَتِهِ سُورَةِ الفاتِحَة عَلَى هذا السَّليم. قَد يَتَبادَرُ إِلى ذِهنِ بَعضِ النّاس أَنَّهُ هَل يَجُوزُ أَن نَرقِيَ كافِرًا؟؟ نعم، بِنَصِّ هذا الحَديث. أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِي رَقَى كافِرًا. مُجَرَّدُ قِراءَةِ شيء مِنَ القرءان عَلَى كافِرٍ مِن بابِ الرُّقية هذه الرُّقيةُ لا يَجعَلُ هذا الكافِرَ ذا شَأنٍ عِندَ الله. إِنَّما غايَةُ الأُمرِ، إِنَّما هُوَ مِن بابِ العِلاج. كما يَجُوزُ أَن يَأتِيَ كافِرٌ إِلَى طَبيبٍ مُسلِمٍ لِيَصِفَ لَهُ دَواءً ما لِداءٍ أَصابَهُ وهذا جائِز لا يُنكِرُهُ أَحَد، كَذلِكَ يَجُوزُ أَن يَأخُذَ أُجرَةً علَى قِراءَةِ سُورَةٍ أَو سُوَرٍ مِنَ القرءان مِن بابِ العِلاج لِكافِر. هذا لا مانِعَ مِنهُ. مُجَرَّدُ هذه القِراءَةِ وَهذه الرُّقية لا تَجعَلُ هذا الكافِرَ ذا شَأنٍ عِندَ اللهِ تعالى.
مِن جُملَةِ ما أَحدَثَهُ الصّحابَة رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم مِن غَيرِ أَن يَنُصَّ رَسُول الله ﷺ عَلَى ذلِك ما فَعَلَهُ قَتادَةَ بنُ النُّعمان إِذ قرأ قتادَةَ سورَةَ الإِخلاص فى صَلاتِهِ بِقَومِهِ إِمامًا فِى كُلِّ رَكعة. كانَ يَقرأُ سورَةَ الإِخلاصِ فِى كُلِّ رَكعةٍ مِن رَكَعاتِ صلاتِهِ بِقَومِهِ. رَسُول الله عَلَيهِ ﷺ لَم يَنُصَّ لِقَتادَةَ بنِ النُّعمان وَلا لِغَيرِهِ مِن أَصحابِ رَسُولِ الله أَنِ اقرَءُوا سورَةَ الإِخلاصِ فِى كُلِّ رَكعةٍ. ما أَمَرَهُمُ الرسُولُ بِالتَّنصيصِ عَلَى سورَةِ الإِخلاصِ لَكِن حِينَ جاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ فقالُوا لَهُ: إِنَّ قَتادَةَ بنَ النُّعمانِ يَقرَأُ سورَةَ الإِخلاصِ فِى كُلِّ رَكعةٍ، فقال ﷺ:”ما حَمَلَكَ عَلى ذلِكَ” قال: “حُبِّي إِيّاها!” فَقال ﷺ لَه:”حُبُّكَ إِيّاها أَدخَلَكَ الجَنَّة” هَل نَصَّ الرسولُ عَلَى قِراءَةِ سورَةِ الإِخلاصِ فِى كُلِّ رَكعةٍ مِن رَكَعاتِ الصّلاة؟؟ لا! لَكِن لَمّا كانَ هذا شيئًا لا يُعارِضُ دِينَ اللهِ وَلا الشّرِيعَة فَعَلَهُ قتادَةُ، وءاخَرُ أَيضًا مِن صَحابَةِ الرسُول كانَ يَؤُمُّ قَومَهُ فِى مَسجِدِ قُباء فَيَقرأُ لَهُم فِى كُلِّ رَكعةٍ مِن رَكَعاتِ صلاتِهِ بِسُورَةِ الإِخلاصِ وَيَقرِنُها، يَضُمُّ مَعَها سُورَةً أُخرَى. فَشَكَوهُ إِلَى الرسُولِ! فلَم يُنكِر عَلَيهِ ﷺ ذلِك.
هذه الأُمورُ التي أَورَدناها وَهُناكَ كَثير غَيرُها، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرّاسِخَ فِى أَذهانِ الصّحابَة أَنَّ فِعلَ شىءٍ ما، لا يُعارِضُ دِينَ الله هُوَ شىءٌ حسَن، سُنَّة حسَنَة، لَو لَم يَنُصَّ رسُولَ اللهِ لَهُم عَلَى فِعلِها. هذه مَرحَلَة ضَرَبنا لَها أَمثِلَة وهذا فِى حَياةِ الرسُول.
ثُمَّ سيدُنا عُمَر أَيضًا فِى حالِ خِلافَتِهِ دَوَّنَ الدَّواوِين. يَعنِى صارَ المُجاهِدون الذينَ تَقَرَّبُوا للقِتال، جَعَلَ أَسماءَهُم فِى دِيوان. واليَتامَى جَعَلَ أَسماءَهُم فِى دِيوان. والمُحتَسِبُون جَعَلَ أَسماءَهُم فِى دِيوان. هَوُ الذي دَوَّنَ هذه الدَّواوِين وَنَظَّمَ هذه الأُمُور. الرسُولُ ما أَمَرَ بِها وَلا أَشارَ إِلَى هذا لَكِنَّهُ شىءٌ يُعِينُ عَلَى تَنظِيمِ أُمُورِ الدَّولَةِ الإِسلامِيّة وَهذا لا يُعارِضُهُ مُعارِض مِن أَهلِ الفَهمِ وَالذَّكاء وَالفَطانَة)
(وَقَد ضَرَبَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ أَمثِلَةً لِلبِدَعِ وَبَيَّنَ أَنوَاعَهَا، فَقَالَ: قَولُهُ ﷺ وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ هَذَا عَامٌّ مَخصُوصٌ وَالمُرَادُ غَالِبُ البِدَعِ، قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ شَيءٍ عُمِلَ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ قَالَ العُلَمَاءُ البِدعَةُ خَمسَةُ أَقسَامٍ وَاجِبَةٌ وَمَندُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ، فَمِنَ الوَاجِبَةِ نَظمُ أَدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِلرَّدِّ عَلَى المَلَاحِدَةِ وَالمُبتَدِعِينَ وَشِبهُ ذَلِكَ وَمِنَ المَندُوبَةِ تَصنِيفُ كُتُبِ العِلمِ وَبِنَاءُ المَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيرُ ذَلِكَ) (وَفِي هَذَا الزَّمَنِ وَحَتَّى فِي أَزمَانٍ سَابِقَةٍ صَارَت تَنتَشِرُ بِدَعٌ ضَالَّةٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ بِاسمِ التَّصَوُّفِ وَالعِشقِ للهِ وَمَا أَقبَحَهُ مِن أَمرٍ كَثُرَ فِي بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَإِذَا نَظَرتَ إِلَى أَصلِ التَّصَوُّفِ المُعتَدِلِ فَهُوَ أَمرٌ مَمدُوحٌ يَقُومُ عَلَى تَزكِيَةِ النَّفسِ وَتَربِيَتِهَا بِالأَخلَاقِ الإِسلَامِيَّةِ المُعتَدِلَةِ، وَهَذَا الَّذِي يَحُثُّ عَلَيهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ، وَعُلَمَاءُ الصُّوفِيَّةِ هُم عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَالشَّافِعِيُّ لَهُ أَبيَاتٌ فِي مَدحِ التَّصَوُّفِ المُعتَدِلِ وَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ كَانَ يَعرِفُ بَعضَ العُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ وَرَوَى عَنهُ وَهُوَ أَبُو حَمزَةَ كَانَ يَقُولُ لَهُ مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا يَا صُوفِيّ، وَالإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ وَالجِيلَانِيُّ وَالشَّاذِلِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَالغَزَالِيُّ وَابنُ حَجَرٍ وَالسُّيُوطِيُّ وَغَيرُهُم مِئَاتُ العُلَمَاءِ هُم عَلَى مَنهَجِ الصُّوفِيَّةِ المُعتَدِلَةِ القَائِمَةَ ِعلَىَ تَزكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَربِيَتِهَا وَتَطهِيرِهَا مِنَ الأَدرَانِ، وَهَذَا لَا يُذَمُّ بَل هُوَ مَمدُوحٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ، لَكِنَّ بَعضَ أَتبَاعِ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ شَذَّ وَضَلَّ عَنِ الحَقِّ وَهَذَا لَا يَقدَحُ فِي الأَصلِ، كَفِرقَةٍ اسمُهُمُ اليَشرُطِيَّةُ نِسبَةً إِلَى الشَّيخِ عَلِيٍّ نُورِ الدِّينِ اليَشرُطِيِّ، هَذَا كَانَ صَالِحًا لَكِن أَتبَاعُهُ شَذُّوا، لَمَّا بَلَغَهُ أَمرُهُم حَذَّرَ مِنهُم إِلَى أَن مَاتَ، عَلَى كُلِّ حَالٍ أَتبَاعُهُ اليَومَ عَلَى هَذِهِ العَقِيدَةِ الفَاسِدَةِ عَلَى قَولِهُم أَنَّ اللهَ حَالٌّ فِي هَذَا العَالَمِ.اهـ وَبَعضُ هَؤُلَاءِ الغُلَاةُ هُم قَائِلُونَ بِأَنَّ اللهَ يَدخُلُ فِي كُلِّ شَخصٍ ذَكَرٍ أَو أُنثَى. وَفِرقَةٌ مِن مُتَأَخِّرِي الشَّاذِلِيَّةِ [هَذِهِ النِّسبَةُ لِلشَّيخِ نُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بنِ أَحمَدَ المَغرِبِيِّ اليَشرُطِيِّ الشَّاذِلِيِّ. وُلِدَ فِي بَنزَرتَ سَنَةَ 1211 ﻫ وَتَفَقَّهَ وَحَجَّ مَرَّاتٍ وَتَصَوَّفَ وَاستَقَرَّ فِي عَكَّا وَتَرشِيحَا سَنَةَ 1266 ﻫ وَانتَشَرَتَ طَرِيقَتُهُ فِي بَعضِ البِلَادِ الشَّامِيَّةِ. وَاليَشرُطِيُّ نِسبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِن قَبَائِلِ المَغرِبِ تَقُولُ إِنَّهَا حَسَنِيَّةُ الأَصلِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ 1316 ﻫ ثُمَّ اليَومَ المُنتَسِبُونَ إِلَيهِ مُنحَرِفُونَ قَائِلُونَ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَعَظَائِمَ أُخرَى عَلَى مَا يُنقَلُ عَنهُم. وَلَا نُثبِتُ عَنِ الشَّيخِ مِثلَ هَذِهِ المَقَالَاتِ فَإِنَّ الشَّيخَ مُصطَفَى نَجَا رَحِمَهُ اللهُ نَقَلَ عَنهُ فِي كِتَابِ “كَشفِ الأَسرَارِ لِتَنوِيرِ الأَفكَارِ” مَا نَصُّهُ: وَلَقَد قَالَ غَيرَ مَرَّةٍ إِنِّي بَرِيءٌ فِي الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ مِن كُلِّ مَن يُخَالِفُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. وَقَد سأَلَهُ بَعضُ الحَاضِرِينَ عِندَهُ: هَل يَجُوزُ الإِنكَارُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ المُرِيدِينَ، فَقَالَ: نَعَم إِذَا تَعَدَّى حُدُودَ الشَّرعِ.اﻫ وَقَالَ: كُلُّ طَرِيقَةٍ تُخَالِفُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَهِيَ زَندَقَةٌ وَبَاطِلَةٌ.اﻫ وَقَالَ الشَّيخُ يُوسُفُ النَّبَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ “جَامِعِ كَرَامَاتِ الأَولِيَاءِ” مَا نَصُّهُ: انتَفَعَ بِهِ قَومٌ وَتَضَرَّرَ ءَاخَرُونَ مِمَّن حَادُوا عَن طَرِيقِ السَّدَادِ وَجَانَبُوا طَرِيقَ الرَّشَادِ وَغَلَبَ عَلَيهِمُ الجَهلُ حَتَّى تَرَكُوا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَصَارُوا لَا يُفَرِّقُونَ بَينَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ.اهـ وَهَؤُلَاءِ يُوجَدُ مِنهُم فِي عِدَّةِ بِلَادٍ مِن بِلَادِ الشَّامِ كَصَفَدَ مِن بِلَادِ عَكَّا وَطُوبَاسَ وَأُمِّ الفَحمِ مِن بِلَادِ نَابُلُسَ. وَكَانَ الشَّيخُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا بَلَغَهُ شَأنُهُم وَقُبحُ سِيرَتِهِم فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ كَتَبَ إِلَى سَائِرِ الجِهَاتِ الَّتِي فِيهَا مُرِيدُوهُ يَنهَاهَا عَن مُخَالَطَةِ أُولَئِكَ الجَهَلَةِ المَارِقِينَ، وَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنهُم وَمِن أَعمَالِهِم وَيَطرُدُهُم مِنَ الطَّرِيقَةِ، وَلَم يَزَل كَذَلِكَ إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ عَلَيهِم غَضبَانُ، وَمَا زَالَ بَعدَ مَوتِهِ يُوجَدُ مِنهُم جَمَاعَةٌ فِي البِلَادِ المَذكُورَةِ إِلَى الآنَ.اﻫ وَذَكَرَ الشَّيخُ رَاغِبُ الطَّبَّاخُ الحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ “أَعلَامِ النُّبَلَاءِ بِتَارِيخِ حَلَبَ الشَّهبَاءِ” مَا نَصُّهُ: وَإِنَّ الحَقَّ يُقَالُ: مَا عَلِمنَا مِنهُ (يَعنِي الشَّيخَ عَلِيًّا نُورَ الدِّينِ اليَشرُطِيَّ) سِوَى مَا يُوجِبُ الكَمَالَ غَيرَ أَنَّ بَعضًا مِن جَمَاعَتِهِ قَد خَرَجُوا عَن دَائِرَةِ الأَدَبِ وَتَكَلَّمُوا بِمَا هُوَ لِكُلِّ مَلَامٍ سَبَبٌ وَتَرَكُوا فِي الظَّاهِرِ كُلَّ مَأمُورٍ وَارتَكَبُوا أَقبَحَ الأُمُورِ.اﻫ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَم يَزَل بَعضُ أَهلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَفتَخِرُونَ بِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ وَبِتَركِ كُلِّ مَأمُورٍ بِهِ، فَلَاطُوا بِالأَبنَاءِ وَزَنَوا بِالأُمَّهَاتِ وَأَكَلُوا الحَرَامَ، وَانهَمَكُوا فِي المُنكَرَاتِ وَاعتَقَدُوا بِأَنفُسِهِم أَنَّهُم صُوفِيَّةُ الزَّمَانِ.اﻫ وَكَذَلِكَ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ بَرِيءٌ مِنَ القَولِ بِالحُلُولِ. قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِ نَهجِ الرَّشَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهلِ الوَحدَةِ وَالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ: حَدَّثَنِي الشَّيخُ كَمَالُ الدِّينِ المَرَاغِيُّ قَالَ: اجتَمَعتُ بِالشَّيخِ أَبِي العَبَّاسِ المُرسِي تِلمِيذِ الشَّيخِ الكَبِيرِ أَبِي الحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَفَاوَضتُهُ فِي هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةِ فَوَجَدتُهُ شَدِيدَ الإِنكَارِ عَلَيهِم وَالنَّهيِ عَن طَرِيقَتِهِم، وَقَالَ: أَتَكُونُ الصَّنعَةُ هِيَ الصَّانِعَ.اﻫ]
فَهَؤُلَاءِ انحَرَفُوا عَن أُصُولِ التَّوحِيدِ الَّذِي هُوَ عَقِيدَةُ كُلِّ مَشَايِخِ أَهلِ اللهِ الَّذِينَ عَمِلُوا الطُّرُقَ، كَالسَّيِّدِ أَحمَدَ الرِّفَاعِيِّ [هُوَ الشَّيخُ أَبُو العَبَّاسِ أَحمَدُ بنُ الشَّيخِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أَحمَدَ بنِ يَحيَى بنِ خَازِمِ بنِ عَلِيِّ بنِ رِفَاعَةَ المَغرِبِيِّ المَعرُوفُ بِابنِ الرِّفَاعِيِّ صَاحِبُ الأَحوَالِ وَالكَرَامَاتِ وَأُستَاذُ الطَّائِفَةِ المَعرُوفَةِ. قَالَ ابنُ خِلِّكَانَ: كَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا وَزَادَ غَيرُهُ فَقَالَ: كَانَ كِتَابُهُ التَّنبِيهَ. قَدِمَ أَبُوهُ مِنَ المَغرِبِ إِلَى العِرَاقِ وَسَكَنَ البَطَائِحَ بِقَريَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَبِيدَةَ بِفَتحِ العَينِ. تَزَوَّجَ بِأُختِ الشَّيخِ مَنصُورٍ الزَّاهِدِ فَجَاءَهُ مِنهَا أَولَادٌ مِنهُمُ الشَّيخُ أَحمَدُ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ حَملٌ فَرَبَّاهُ خَالُهُ. وُلِدَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمسِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَومَ الخَمِيسِ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبعِينَ وَخَمسِمِائَةٍ] [وَمِمَّا ذَكَرَ فِي البُرهَانِ المُؤَيَّدِ: نَزِّهُوا اللهَ عَن سِمَاتِ المُحدَثِينَ وَصِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَطَهِّرُوا عَقَائِدَكُم مِن تَفسِيرِ مَعنَى الِاستِوَاءِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِالِاستِقرَارِ كَاستِوَاءِ الأَجسَامِ عَلَى الأَجسَامِ المُستَلزِمِ لِلحُلُولِ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ.اﻫ وَقَالَ: يَنقُلُونَ عَنِ الحَلَّاجِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا الحَقُّ. أَخطَأَ بِوَهمِهِ. لَو كَانَ عَلَى الحَقِّ مَا قَالَ أَنَا الحَقُّ. يَذكُرُونَ لَهُ شِعرًا يُوهِمُ الوَحدَةَ، كُلُّ ذَلِكَ وَمِثلُهُ بَاطِلٌ مَا أَرَاهُ رَجُلًا وَاصِلًا أَبَدًا اﻫ] وَالشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ الجَيلَانِيِّ [الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ بنُ أَبِي صَالِحٍ بنِ عَبدِ اللهِ الجَيلَانِيِّ فِي نِسبَةٍ إِلَى جَيلٍ وَهِيَ بِلَادٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِن وَرَاءَ طَبَرِستَانَ وَبِهَا وُلِدَ، وَلَمَّا تَرَعرَعَ وَعَلِمَ أَنَّ طَلَبَ العِلمِ فَرِيضَةٌ شَمَّرَ سَاقَ الِاجتِهَادِ فِي تَحصِيلِهِ وَسَارَعَ فِي تَحقِيقِ فُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ بَعدَ أَنِ اشتَغَلَ بِالقُرءَانِ حَتَّى أَتقَنَهُ ثُمَّ تَفَقَّهَ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ عَلَى أَبِي الوَفَاءِ بنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الخَطَّابِ وَالمُبَارَكِ المَخرَمِيِّ وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِن جَمَاعَةٍ وَعُلُومَ الأَدَبِ مِن ءَاخَرِينَ وَصَحِبَ حَمَّادًا الدَّبَّاسَ وَأَخَذَ عَنهُ عِلمَ الطَّرِيقَةِ بَعدَ أَن لَبِسَ الخِرقَةَ مِن أَبِي سَعدٍ المُبَارَكِ المَخرَمِيِّ وَفَاقَ أَهلَ وَقتِهِ فِي عُلُومِ الدِّيَانَةِ وَوَقَعَ لَهُ القَبُولُ التَّامُّ مَعَ القَدَمِ الرَّاسِخِ فِي المُجَاهَدَةِ وَقَطعِ دَوَاعِي الهَوَى وَالنَّفسِ. وَقَالَ ابنُ السَّمعَانِيِّ: هُوَ إِمَامُ الحَنَابِلَةِ وَشَيخُهُم فِي عَصرِهِ فَقِيهٌ صَالِحٌ دَيِّنٌ خَيِّرٌ كَثِيرُ الذِّكرِ دَائِمُ الفِكرِ سَرِيعُ الدَّمعَةِ. وَقَالَ ابنُ رَجَبٍ: ظَهَرَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ لِلوَعظِ بَعدَ العِشرِينَ وَخَمسِمِائَةٍ وَحَصَلَ لَهُ القَبُولُ التَّامُّ مِنَ النَّاسِ وَاعتَقَدُوا دِيَانَتَهُ وَصَلَاحَهُ وَانتَفَعُوا بِكَلَامِهِ وَانتَصَرَ أَهلُ السُّنَّةِ بِظُهُورِهِ وَاشتَهَرَت أَحوَالُهُ وَأَقوَالُهُ وَكَرَامَاتُهُ وَمُكَاشَفَاتُهُ وَهَابَهُ المُلُوكُ فَمَن دُونَهُم، وَمَاتَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعدَ عَتَمَةِ لَيلَةِ السَّبتِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الآخِرِ وَبَلَغَ تِسعِينَ سَنَةً] [قَالَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ عَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الغُنيَةِ ص٥٤: لَيسَ بِجِسمٍ فَيُمَسُّ وَلَا بِجَوهَرٍ فَيُحَسُّ وَلَا عَرَضٍ فَيُقضَى وَلَا ذِي تَركِيبٍ أَو آلَةٍ وَتَألِيفٍ أَو مَاهِيَّةٍ وَتَحدِيدٍ.اهـ وَقَالَ فِي ص56: وَلَا يَجُوزُ وَصفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.اهـ] وَالشَّيخِ أَبِي الحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ [هُوَ عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ الجَبَّارِ بنِ يُوسُفَ أَبُو الحَسَنِ الهُذَلِيُّ الشَّاذِلِيُّ نَزِيلُ الإِسكَندَرِيَّةِ وَشَيخُ الطَّائِفَةِ الشَّاذِلِيَّةِ. وُلِدَ فِي بِلَادِ غمارة بِرِيفِ المَغرِبِ سَنَةَ 591ﻫ وَنَشَأَ فِي بَنِي زَروِيلَ وَتَفَقَّهَ وَتَصَوَّفَ بِتُونُسَ وَسَكَنَ شَاذِلَةَ قُربَ تُونُسَ فَنُسِبَ إِلَيهَا. كَانَ كَبِيرَ المِقدَارِ عَالِيَ المَقَامِ لَهُ نَظمٌ وُنَثرٌ. صَحِبَ الشَّيخَ نَجمَ الدِّينِ ابنَ الأَصفَهَانِيِّ نَزِيلَ الحَرَمِ. وَمِن أَصحَابِهِ الشَّيخُ أَبُو العَبَّاسِ المُرسِي. حَجَّ مَرَّاتٍ وَمَاتَ بِصَحرَاءَ عَيذَابٍ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الحَجِّ فَدُفِنَ هُنَاكَ فِي أَوَّلِ ذِي القَعدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ] وَالشَّيخِ أَبِي مَديَنَ شُعَيبِ بنِ الحُسَينِ [هُوَ شُعَيبُ بنُ الحُسَينِ أَبُو مَديَنَ شَيخُ أَهلِ المَغرِبِ. أَصلُهُ مِنَ الأَندَلُسِ وَأَقَامَ بِفَاسَ وَسَكَنَ بِجَاية. تُوُفِّيَ بِتِلمِسَانَ فِي نَحوِ التِّسعِينَ وَخَمسِمِائَةٍ وَقَد قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَو تَجَاوَزَهَا. مِن مُصَنَّفَاتِهِ: أُنسُ الوَحِيدِ وَنُزهَةُ المُرِيدِ فِي عِلمِ التَّوحِيدِ وَالحِكَمِ] [قَالَ الشَّيخُ أَبُو مَديَنَ فِي عَقِيدَتِهِ: الحَمدُ للهِ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنِ الحَدِّ وَالأَينِ وَالكَيفِ وَالزَّمَانِ وَالمَكَانِ المُتَكَلِّمِ بِكَلَامٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ صِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ قَائِمٍ بِذَاتِهِ لَا مُنفَصِلٍ عَنهُ وَلَا عَائِدٍ إِلَيهِ وَلَا يَحُلُّ فِي المُحدَثَاتِ وَلَا يُجَانِسُ المَخلُوقَاتِ وَلَا يُوصَفُ بِالحُرُوفِ وَالأَصوَاتِ، تَنَـزَّهَت صِفَاتُ رَبِّنَا عَنِ الأَرضِ وَالسَّمَـٰوَاتِ. اللهم إنّا نُوَحِّدُك ولا نَحُدُّك وَنُؤمِنُ بِكَ وَلَا نُكَيِّفُك وَنَعبُدُكَ وَلَا نُشَبِّهُك وَنَعتَقِدُ أَنَّ مَن شَبَّهَكَ بِخَلقِكَ لَم يَعرِفِ الخَالِقَ مِنَ المَخلُوقِ.اﻫ وَقَالَ فِيهَا: القُدُّوسُ عَلَى العَرشِ استَوَى مِن غَيرِ تَمَكُّنٍ وَلَا جُلُوسٍ.اﻫ وَقَالَ: العَرشُ لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ وَالرَّبُّ لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ. العَرشُ تُكَيِّفُهُ خَوَاطِرُ العُقُولِ وَتَصِفُهُ بِالعَرضِ وَالطُّولِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَحمُولٌ وَهُوَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. العَرشُ بِنَفسِهِ هُوَ المَكَانُ وَلَهُ جَوَانِبُ وَأَركَانُ وَكَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ، لَيسَ لَه تَحتٌ فَيُقِلَّهُ وَلَا فَوقٌ فَيُظِلَّهُ وَلَا جَوَانِبُ فَتُعَدِّلَهُ وَلَا خَلفٌ فَيُسنِدَهُ وَلَا أَمَامٌ فَيَحُدَّهُ.اﻫ عَن مَخطُوطٍ فِي المَكتَبَةِ الوَطَنِيَّةِ بِبَارِيسَ رَقَم 5485] وَغَيرِهِم)
ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أولَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ، مَن تَرَكَ مَالًا فَلأَهلِهِ، وَمَن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا
(وهذا مثل قوله تعالى: [النَّبِيُّ أَولى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم]، أي أحق بهم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ العَارِفِينَ هُوَ أَولَى بِهِم مِن أَنفُسِهِم، لِأَنَّ أَنفُسَهُم -في الغالب- تَدعُوهُم إِلَى الهَلَاكِ، وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى النَّجَاةِ. وَقِيلَ: أَولَى بِهِم أَي أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِشَيءٍ وَدَعَتِ النَّفسُ إِلَى غَيرِهِ كَانَ أَمرُ النَّبِيِّ ﷺ أَولَى.اهـ وفي رواية عند البخاري عَن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَا مِن مُؤمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَولَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اقرَؤُوا إِن شِئتُم: {النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم}، فَأَيُّمَا مُؤمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَليَرِثهُ عَصَبَتُهُ مَن كَانُوا، فَإِن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَليَأتِنِي وَأَنَا مَولَاهُ».اهـ قَالَ القُرطُبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ أَزَالَ اللهُ تَعَالَى بِهَا أَحكَامًا كَانَت فِي صَدرِ الإِسلَامِ، مِنهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ عَلَيهِ دَينٌ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ الفُتُوحَ قَالَ: (أَنَا أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم فَمَن تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَينٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَن تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ).اهـ وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ هِيَ مِمَّا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فِي كِتَابِهِ مِنَ الشَّرَفِ العَظِيمِ مِمَّا تَقِرُّ بِهِ أَعيُنُ المُؤمِنِينَ، فَاللهُ تَعَالَى شَرَّفَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأَعلَى الشَّرَفِ، وَنَعَتَهُ بِأَحسَنِ النَّعتِ، وَوَصَفَهُ بِأَجمَلِ الصِّفَةِ، وَأَقَامَهُ فِي أَعلَى الرُّتَبِ، فقد بَعَثَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فَقَالَ اللهُ عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَبِشِّرِ المُؤمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِنَ اللهِ فَضلًا كَبِيرًا} [الأحزاب:46]، وَقَدَ حَذَّرَ ﷺ وَأَنذَرَ وَبَشَّرَ وَمَا قَصَّرَ، فَمُحَمَّدٌ ﷺ دَعوَةُ أَبِيهِ إِبرَاهِيمَ عليه السلام، وَدَعوَةُ ابنِهِ إِسمَاعِيلَ عليه السلام، وَبَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابنُ مَريَمَ عليه الصلاة والسلام، قَالَ اللَّهُ عز وجل حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنَا وَابعَث فِيهِم رَسُولًا مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِكَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:127]، فَاستَجَابَ اللَّهُ عز وجل لِإِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاختَصَّ مِن ذُرِّيَّتِهِمَا مَن أَحَبَّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن أَشرَفِ قُرَيشٍ نَسَبًا، وَأَعلَاهَا قَدرًا، وَأَكرَمِهَا بَيتًا وَأَفضَلِهَا عِندَهُ، فَبَعَثَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَقَالَ عز وجل: {وَإِذ قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ يَا بَنِي إِسرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُم، مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ ، وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ} [الصف: 6] فَأَثبَتَ اللَّهُ عز وجل عَلَى النَّصَارَى الحُجَّةَ بِبِشَارَةِ عِيسَى عليه الصلاة والسلام لَهُم بِمُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ، وَجَلَّ ذِكرُهُ: أَخبَرَ عَن أَهلِ الكِتَابَينِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَنَّهُم يَجِدُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَوجَبَ عَلَيهِمُ اتِّبَاعَهُ وَنُصرَتَهُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكرُهُ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَيَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتُ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم}، فَقَطَعَ اللَّهُ عز وجل حُجَجَ أَهلِ الكِتَابَينِ بِمَا أَخبَرَ مِن صِفَتِهِ فِي كُتُبِهِم، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ النُّورُ، وَهُوَ الحَقُّ وَإِنَّهُ يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَأَنَّهُ يَهدِيَهُم إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ، ثُمَّ أَخبَرَ اللَّهُ عز وجل: أَنَّ الَّذِيَ يَدعُو إِلَيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الحَقُّ وَهُوَ الصِّرَاطُ المُستَقِيمُ، فَأَوجَبَ عَلَى الخَلقِ: الإِنسِ وَالجِنِّ قَبُولَهُ، وَأَخبَرَ عَنِ الجِنِّ لَمَّا سَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عز وجل أَن يُبَلِّغَهُم، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ، فَأَمَنُوا وَصَدَّقُوا وَاتَّبَعُوهُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكرُهُ: {قَالُوا يَا قَومَنَا إِنَّا سَمِعنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ يَهدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُستَقِيمٍ} [الأحقاف: 29] ثُمَّ قَالَ عز وجل: {وَإِنَّكَ لَتَدعُوهُم إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ} [المؤمنون: 73] ، ثُمَّ أَخبَرَ عز وجل: أَنَّهُ يُظهِرُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى كُلِّ دِينٍ خَالَفَهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: {هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ} [التوبة: 33] ، ثُمَّ أَخبَرَ اللَّهُ عز وجل: أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لِأَحَدٍ الإِيمَانُ بِاللَّهِ عز وجل وَحدَهُ، حَتَّى يُؤمِنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ أَخبَرَ أَنَّهُ مَن لَم يُؤمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: لَم يَصِحَّ لَهُ الإِيمَانُ ، فَقَالَ جَلَّ ذِكرُهُ: {إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَم يَرتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ اللَّهَ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، ثُمَّ أَعلَمَنَا مَولَانَا الكَرِيمُ: أَنَّ عَلَامَةَ صِحَّةِ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى: أَن يَكُونَ مُحِبًّا لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَّبِعًا لَهُ، وَإِلَّا لَم تَصِحَّ لَهُ المَحَبَّةُ لِلَّهِ عز وجل قَالَ سبحانه: {قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، فَجَعَلَ اللَّهُ عز وجل مَحَبَّةَ رَسُولِهِ وَاتِّبَاعَهُ عَلَمًا وَدَلِيلًا لِصِحَّةِ مَحَبَّتِهِم لَهُ، مَعَ اتِّبَاعِهِم رَسُولَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنهُ ثُمَّ أَخبَرَ عز وجل أَنَّهُ مَن كَفَرَ بِرَسُولِهِ كَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ، وَمَن كَذَّبَ رَسُولَهُ فَقَد كَذَّبَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، كُلُّ ذَلِكَ تَعظِيمٌ لِلرَّسُولِ، وَشَرَفٌ لَهُ ﷺ وهو في كتاب الله كثير بليغ)
(وَالضَّيَاعُ (بِفَتحِ الضَّادِ) مَصدَرُ ضَاعَ، ثُمَّ جُعِلَ اسمًا لِكُلِّ مَا هُوَ بصدد أن يضيع مِن عِيَالٍ وَبَنِينَ لَا كَافِلَ لَهُم، وَمَالٍ لَا قَيِّمَ لَهُ. وَسُمِّيَتِ الأَرضُ ضَيعَةً لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ وَتُجمَعُ ضِيَاعًا بِكَسرِ الضَّادِ. وَبِفَتحِ الضَّادِ، هُمُ العِيَالُ، سُمُّوا بِاسمِ الفِعلِ ضَاعَ الشَّيءُ ضَيَاعًا، أَي مَن تَرَكَ عِيَالًا عَالَةً وَأَطفَالًا يَضِيعُونَ بَعدَهُ،
فَإلَيَّ وَعَلَيَّ».
(قَالَ السُّيُوطِيُّ فِيهِ لَفٌّ وَنَشرٌ غَيرُ مُرَتَّبٍ فَعَلَيَّ رَاجِعٌ إِلَى الدَّينِ وَإِلَيَّ رَاجِعٌ إِلَى الضَّيَاعِ) (اللَّفُّ وَالنَّشرُ: هُوَ أَن يُذكَرَ شَيئَانِ أَو أَشيَاءُ، إِمَّا تَفصِيلًا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَو إِجمَالًا بِأَن يُؤتَى بِلَفظٍ يَشتَمِلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ ثُمَّ يُذكَرَ أَشيَاءُ عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ يَرجِعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ المُتَقَدِّمِ وَيُفَوِّضُ إِلَى عَقلِ السَّامِعِ رَدَّ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ).
اللف والنشر في القرآن الكريم:
مِنْ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ الْبَلَاغِيَّةِ اللَّفُّ وَالنَّشْرُ: وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ شَيْئَانِ أَوْ أَشْيَاءُ، إِمَّا تَفْصِيلًا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ إِجْمَالًا بِأَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ ثُمَّ يُذْكَرَ أَشْيَاءُ عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ يَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ وَيُفَوِّضُ إِلَى عَقْلِ السَّامِعِ رَدَّ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ.
أَقْسَامُ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ:
اللَّفُّ وَالنَّشْرُ ينقسم إلى قِسْمَينِ:
- الأَوْلُ: اللَّفُّ وَالنَّشْرُ الْمُرتَّبُ.
- الثَّانِي: اللَّفُّ وَالنَّشْرُ غيرُ الْمُرتَّبِ.
أولًا: اللَّفُّ وَالنَّشْرُ الْمُرتَّبُ:
مِثَالُهُ:
قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.
فقوله تَعَالَى: ﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾، راجعٌ إلى اللَّيْلِ، أَيْ: لِتَسْكُنُواْ فِي اللَّيْلِ، وقوله: ﴿ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجع إلى وَالنَّهَارِ، أَيْ: وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ فِي النَّهَارِ، ففي الآية لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرتَّبٌ.
وَمِثَالُهُ أيضًا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ *وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.
فَالَّذِينَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حَاصِبٌ هُمْ: عَادٌ، وَالَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ هُمْ: ثَمُودُ، وَالَّذِي خَسَفَ بِهِ الْأَرْضَ: قَارُونُ، وَالَّذِينَ أَغْرَقَهُمْ اللَّهُ: فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا. فَفِي الآيات لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرتَّبٌ كما ذكرنا.
ثانيًا: اللَّفُّ وَالنَّشْرُ غَيرُ الْمُرتَّبِ:
مِثَالُهُ:
قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
فِي الْآيَتَين لَفٌّ وَنَشْرٌ غيرُ مُرتَّبٍ، فقد ذَكَرَ فِي اللَّفِّ الِابْيِضَاضَ قَبْلَ الِاسْوِدَادِ، وَذَكَرَ فِي النَّشْرِ حُكْمَ مَنِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ قَبْلَ حُكْمِ مَنِ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ.
وَمِثَالُهُ أيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ﴾.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غيرُ مُرتَّبٍ، فقد ذَكَرَ فِي اللَّفِّ اللَّيْلَ قبل النَّهَارِ، فقال: ﴿ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾، وَذَكَرَ فِي النَّشْرِ ﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يُرِيدُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَعَاشِ فِي النَّهَارِ، ثم قَالَ: ﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ﴾، والمرادُ الحسابُ المتعلقُ بما في ضمنِ السنينَ من الأشهرِ والليالي والأيامِ، يعني منازل القمر.
رَوَاهُ مُسلِمٌ.