المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ. صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ وَالتَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ السَّبعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّهيِ عَنِ البِدَعِ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ.اهـ نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُ جُزءً مِنهُ هَذَا الدَّرسَ وَنُكمِلُهُ الدَّرسَ القَادِمَ إِن شَاءَ اللهُ.
الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احمَرَّت عَينَاهُ، وَعَلَا صَوتُهُ، وَاشتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: «صَبَّحَكُم وَمَسَّاكُم» وَيَقُولُ: «بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ» وَيَقرِنُ بَينَ أُصبُعَيهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسطَى، وَيَقُولُ: «أمَّا بَعدُ، فَإنَّ خَيرَ الحَديثِ كِتَابُ الله، وَخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدعَة ضَلالَةٌ» ثُمَّ يَقُولُ: «أنَا أولَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ، مَن تَرَكَ مَالًا فَلأَهلِهِ، وَمَن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَإلَيَّ وَعَلَيَّ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.اهـ وَعَنِ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَدِيثُهُ السَّابِقُ فِي بَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ.اهـ
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ
(الخُطبَةُ أَمرُهَا مُهِمٌّ مُؤَكَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَقَدِ اعتَنَى الشَّرعُ الحَنِيفُ بِالخُطَبِ وَلَا سِيَّمَا بِخُطبَةِ الجُمُعَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ اجتِمَاعٍ أُسبُوعِيٍّ لِلمُؤمِنِينَ وَإِنصَاتِهِم وَإِقبَالِهِم عَلَى خَطِيبِهِم، فَجَعَلَ الشَّرعُ لَهَا أَحكَامًا وَضَوَابِطَ عَدِيدَةً وَثَوَابًا عَظِيمًا لِمَن أَتَى بِهَا بِشُرُوطِهَا وَأَركَانِهَا وَسُنَنِهَا وَاجتَنَبَ مَكرُوهَاتِهَا، فَيَنبَغِي عَلَيكُم أَن تَتَعَلَّمُوا هَذَا البَابَ لِأَنَّكُم تَأتُونَ إِلَى الجُمُعَاتِ، وَهِيَ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحكَامٌ شَرعِيَّةٌ، وَمِن جُملَةِ ذَلِكَ مَعرِفَةُ أَركَانِهَا، وَأَركَانُ الخُطبَتَينِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ خَمسَةٌ، الأَوَّلُ: حَمدُ اللهِ بِلَفظِ الحَمدُ للهِ أَو للهِ الحَمدُ أَو نَحوِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِلَفظِ صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوِ اللهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ، وَالثَّالِثُ: الوَصِيَّةُ بِالتَّقوَى وَذَلِكَ بِالحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالزَّجرِ عَنِ المَعصِيَةِ أَو أَحَدِهِمَا، وَلا بُدَّ مِن حَمدِ اللهِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالوَصِيَّةِ بِالتَّقوَى فِيهِمَا، أَي فِي كُلٍّ مِنَ الخُطبَتَينِ، وَالرَّابِعُ قِرَاءَةُ ءَايَةٍ مُفهِمَةٍ فِي إِحدَاهُمَا، أَي فِي إِحدَى الخُطبَتَينِ، فَلا يَكفِى نَحوُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، وَالخَامِسُ: الدُّعَاءُ لِلمُؤمِنِينَ فِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ كَأَن يَقُولَ اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنِينَ) (هذا الذي ذكرته أحبابي هو من باب الجمعة التي يجب أن يتعلمها كل من وجبت عليه، وهو أمر يغفله كثير من المسلمين والعياذ بالله، تمتلئ المساجد غالبا يوم الجمعة بالمصلين، ولكن من منهم يعرف هذه الأحكام وغيرها، القليل القليل من الناس يعرفها، وهو أمر مهم ولا سيما الفرض العيني من علم الدين الذي يجب على كل المكلفين من أبناء المسلمين تعلمُه،
فالحكم في دين الله أنه يجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعرِفَةُ قَدرٍ مِنَ العِلمِ يَكُونُ بِإِهمَالِ تَحصِيلِهِ عَاصِيًا مِن أَهلِ الكَبَائِرِ مُستَحِقًّا لِلعَذَابِ الشَّدِيدِ فِى النَّارِ، وهذا الكلام ذكره الفقهاء تصريحا في كتبهم،
فقد قال الغزالي في الإحياء: بَيَانُ العِلمِ الَّذِي هُوَ فَرضُ عَينٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم.اهـ
وقال النووي: بَابُ أَقسَامِ العِلمِ الشَّرعِيِّ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: الأَوَّلُ فرض العين. قَالَ بعض الفقهاء وَهُوَ عِلمُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ صِحَّـةُ الإِيمَانِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَعِلمُ مَا يَتَلَبَّسُ بِهِ مِنَ الأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ كَالوُضُوءِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوم وَزَكَاةٍ وَجَبَت عَلَيهِ وَحَجٍ أَرَادَهُ وَعِلمُ مَا يُبَاشِرُهُ مِن مُعَامَلَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَمُنَاكَحَةٍ وَمِنهُ تَجوِيدُ الفَاتِحَـةِ -أي قراءتها على الصواب- وَعِلمُ أَحوَالِ القَلبِ بِأَن يَجتَهِدَ فِي مُدَاوَاتِهِ وَتَطهِيرِهِ.اﻫ وَيَلتَحِقُ بِذَلِكَ مَعرِفَةُ كَيفِيَّةِ التَّوبَـةِ.اهـ
قال ابن عابدين في الحاشية: قَالَ العَلَامِيُّ فِي فُصُولِهِ: مِن فَرَائِضِ الإِسلَامِ تَعَلُّمُهُ مَا يَحتَاجُ إلَيهِ العَبدُ فِي إقَامَةِ دِينِهِ وَإِخلَاصِ عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُعَاشَرَةِ عِبَادِهِ. وَفَرضٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَمُكَلَّفَةٍ بَعدَ تَعَلُّمِهِ عِلمَ الدِّينِ وَالهِدَايَةِ تَعَلُّمُ عِلمِ الوُضُوءِ وَالغُسلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّومِ، وَعِلمِ الزَّكَاةِ لِمَن لَهُ نِصَابٌ، وَالحَجِّ لِمَن وَجَبَ عَلَيهِ وَالبُيُوعِ عَلَى التُّجَّارِ لِيَحتَرِزُوا عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالمَكرُوهَاتِ فِي سَائِرِ المُعَامَلَاتِ. وَكَذَا أَهلُ الحِرَفِ، وَكُلُّ مَن اشتَغَلَ بِشَيءٍ يُفرَضُ عَلَيهِ عِلمُهُ وَحُكمُهُ لِيَمتَنِعَ عَن الحَرَامِ فِيهِ.اهـ
وقال أيضا: مَطلَبٌ فِي فَرضِ الكِفَايَةِ وَفَرضِ العَينِ: وَفِي تَبيِينِ المَحَارِمِ: لَا شَكَّ فِي فَرضِيَّةِ عِلمِ الفَرَائِضِ الخَمسِ وَعِلمِ الإِخلَاصِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ العَمَلِ مَوقُوفَةٌ عَلَيهِ وَعِلمِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَعِلمِ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ العَابِدَ مَحرُومٌ مِن ثَوَابِ عَمَلِهِ بِالرِّيَاءِ، وَعِلمِ الحَسَدِ وَالعُجبِ إذ هُمَا يؤثران في العَمَلَ ، وَعِلمِ البَيعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ لِمَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الأَشيَاءِ وَعِلمِ الأَلفَاظِ المُحَرَّمَةِ أَو المُكَفِّرَةِ، وَلَعَمرِي هَذَا مِن أَهَمِّ المُهِمَّاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّك تَسمَعُ كَثِيرًا مِن العَوَّامِ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يُكَفِّرُ وَهُم عَنهَا غَافِلُونَ.اهـ
ولذلك والحمد لله فإن جمعيتنا هذه قائمة على تعليم الناس هذا القدر المفروض عليهم من علوم الدين، فأقول لكم: من لم يتعلم هذا الفرض بلا عذر يكون مقصرا، لا يجوز له تأخيره يجب عليه أن يسعى لتحصيله وأبواب جمعيتنا مفتوحة على مدار الساعة بفضل الله للكبار والصغار والنساء والرجال، ومن تعلم فليسعَ هو لتعليم غيره من أولاده وزوجته ومن يقدر على إيصال هذا العلم إليهم، فإن تعلم هذا العلم ليس فَضلَةً وزيادة لا تدعو الحاجة إليها، لا، بل هو فرض عين على المكلفين. ونشره في هذه الأيام ولا سيما علم التوحيد من أفرض الفروض، لانتشار الجهل بين أبناء المسلمين، والجهل خصوصا بأمر العقائد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، يؤدي إلى انتشار الجماعات التكفيرية التي تفتت جسد هذه الأمة ويؤدي إلى انتشار عقائد اليهود في مجتمعات المسلمين وهذا أعظم الفساد والعياذ بالله تعالى).
احمَرَّت عَينَاهُ، وَعَلَا صَوتُهُ، وَاشتَدَّ غَضَبُهُ،
(يَفعَلُ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الغَفلَةِ مِن قُلُوبِ النَّاسِ لِيَتَمَكَّنَ فِيهَا كَلَامُهُ ﷺ فَضلَ تَمَكُّنٍ، أَو لِأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ فِكرُهُ إِلَى المَوعِظَةِ فَيَظهَرُ عَلَيهِ آثَارُ الهَيبَةِ أَكثَرَ وَأَكثَرَ) (وهذا الوصف لرسول الله ﷺ وهو في الخطبة يبين كم أنه حريص على إفادة الناس والإقبال عليهم بقلبه ولسانه ﷺ، وهذا أوقع في القلوب للتأثير في السامع)
حَتَّى كَأنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ
(أَصلُ الإِنذَارِ الإِعلَامُ، قَالَ السِّندِيُّ: المُنذِرُ هُوَ الَّذِي يَجِيءُ مُخبِرًا لِلقَومِ بِمَا قَد دَهَمَهُم مِن عَدُوٍّ أَو غَيرِهِ) (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِندَ الخُطبَةِ يَعمَلُ وَيَحصُلُ لَهُ مَا يَشُدُّ إِلَيهِ سَمعَ السَّامِعِ، مِثلُ مَا نَشرَحُهُ وَنُعَلِّقُ عَلَيهِ هُنَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، مِثلُ رَفعِ الصَّوتِ، وَأَن تَحمَرَّ عَينَاهُ كَذَلِكَ.
وَقَد قَالَ الخُطَبَاءُ: فِي هَذَا الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى عَظِيمِ شَأنِ مَقَامِ الخُطبَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُهَوِّلُهُ المُتَكَلِّمُ، وَيُعلِنُهُ الحَالُ حَتَّى يَظهَرَ فِي خُلُقِهِ وَخَلقِهِ، فَإِنَّ احمِرَارَ العَينَينِ وَعُلُوَّ الصَّوتِ إِنَّمَا يَكُونَانِ عِندَ اشتِدَادِ الأَمرِ) (وَهَذَا المَذكُورُ فِي هَذَا الحَدِيثِ يُبَيِّنُ بَعضَ سُنَنِ الجُمُعَةِ، وَمِنهَا: رَفعُ الصَّوتِ وَالإِقبَالُ عَلَى النَّاسِ، وَكَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ: أَن يَكُونَ عَلَى مِنبَرٍ، وَالسُّنَّةُ أَن يَكُونَ المِنبَرُ عَلَى يَمِينِ المَوضِعِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَامُ. وَيُكرَهُ المِنبَرُ الكَبِيرُ الَّذِي يُضَيِّقُ عَلَى المُصَلِّينَ إِذَا لَم يَكُنِ المَسجِدُ مُتَّسِعَ الخِطَّةِ، فَإِن لَم يَكُن مِنبَرٌ خَطَبَ عَلَى مَوضِعٍ مُرتَفِعٍ. وَمِنهَا: أَن يُسَلِّمَ عَلَى مَن عِندَ المِنبَرِ إِذَا انتَهَى إِلَيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَالَ أَصحَابُنَا: يُسَنُّ لِلإِمَامِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ مَرَّتَينِ: إحدَاهُمَا عِندَ دُخُولِهِ المَسجِدَ يُسَلِّمُ عَلَى مَن هُنَاكَ، وَعَلَى مَن عِندَ المِنبَرِ إِذَا انتَهَى إِلَيهِ، الثَّانِيَةُ: إِذَا وَصَلَ أَعلَى المِنبَرِ وَأَقبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجهِهِ يُسَلِّمُ عَلَيهِم. وَمِنهَا: إِذَا بَلَغَ فِي صُعُودِهِ الدَّرَجَةَ الَّتِي تَلِي مَوضِعَ القُعُودِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ المَوضِعُ: المُستَرَاحَ، أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجهِهِ وَسَلَّمَ عَلَيهِم.
وَمِنهَا: أَن يَجلِسَ بَعدَ السَّلَامِ عَلَى المُستَرَاحِ. وَمِنهَا: أَنَّهُ إِذَا جَلَسَ اشتَغَلَ المُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ وَيُدِيمُ الإِمَامُ الجُلُوسَ إِلَى فَرَاغِ المُؤَذِّنِ. وَمِنهَا: أَن تَكُونَ الخُطبَةُ بَلِيغَةً غَيرَ مُؤَلَّفَةٍ مِنَ الكَلِمَاتِ المُبتَذَلَةِ وَلَا مِنَ الكَلِمَاتِ الغَرِيبَةِ الوَحشِيَّةِ، بَل قَرِيبَةً مِنَ الأَفهَامِ. وَمِنهَا: أَن لَا يُطَوِّلَهَا وَلَا يُخَفِّفَهَا -أَي بِحَيثُ يَضِيعُ المَقصُودُ-، بَل تَكُونُ مُتَوَسِّطَةً. وَمِنهَا: أَن يَستَدبِرَ القِبلَةَ وَيَستَقبِلَ النَّاسَ فِي خُطبَتَيهِ وَلَا يَلتَفِتَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. وَمِنهَا: أَنَّهُ يُستَحَبُّ أَن يَكُونَ جُلُوسُهُ بَينَ الخُطبَتَينِ قَدرَ سُورَةِ الإِخلَاصِ. وَمِنهَا: أَن يَعتَمِدَ عَلَى سَيفٍ، أَو عَصًا، أَو نَحوِهِمَا.
قَالَ فِي التَّهذِيبِ: يَقبِضُهُ بِيَدِهِ اليُسرَى. وَلَم يَذكُرِ الأَكثَرُونَ بِأَيَّتِهِمَا يَقبِضُهُ. وَيَشغَلُ يَدَهُ الأُخرَى بِحَرفِ المِنبَرِ، فَإِن لَم يَجِد شَيئًا، سَكَّنَ يَدَيهِ وَجَسَدَهُ بِأَن يَجعَلَ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى أَو يُقِرَّهُمَا مُرسَلَتَينِ. وَالغَرَضُ أَن يَخشَعَ وَلَا يَعبَثَ بِهِمَا. وَمِنهَا: أَنَّهُ يَنبَغِي لِلقَومِ أَن يُقبِلُوا عَلَى الخَطِيبِ مُستَمِعِينَ لَا يَشتَغِلُونَ بِشَيءٍ آخَرَ، حَتَّى يُكرَهُ الشُّربُ لِلتَّلَذُّذِ، وَلَا بَأسَ بِهِ لِلعَطَشِ، لَا لِلخَطِيبِ وَلَا لِلقَومِ. وَقَالَ فِي التَّهذِيبِ: يُستَحَبُّ أَن يَختِمَ الخُطبَةَ بِقَولِهِ: أَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم. وَمِنهَا: أَن يَأخُذَ فِي النُّزُولِ بَعدَ الفَرَاغِ وَيَأخُذَ المُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ وَيَبتَدِرَ لِيَبلُغَ المِحرَابَ مَعَ فَرَاغِ المُقِيمِ.اهـ)
يَقُولُ:
(ضَمِيرُهُ عَائِدٌ لِلمُنذِرِ وَالجُملَةُ صِفَتُهُ، وبعض الشراح للحديث يقولون إن الضمير عائد للنبي ﷺ على معنى الحكاية عن حاله ﷺ كأن لسان حاله هذا)
«صَبَّحَكُم
(بِتَشدِيدِ البَاءِ، أَي نَزَلَ بِكُمُ العَدُوُّ صَبَاحًا، وَالمُرَادُ سَيَنزِلُ، وَصِيغَةُ المَاضِي لِلتَّحَقُّقِ، كَمَا تَقُولُ: قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ وَالمُرَادُ سَتُقَامُ وَقَرُبَ وَقتُ إِقَامَتِها)
وَمَسَّاكُم»
(بِتَشدِيدِ السِّينِ، مِثلُ صَبَّحَكُم، وَيَحتَمِلُ أَنَّ ضَمِيرَ (يَقُولُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَالجُملَةُ حَالٌ، وَضَمِيرُ صَبَّحَكُم لِلعَذَابِ، وَالمُرَادُ بِهِ قَرُبَ مِنكُم إِن لَم تُطِيعُونِي)
وَيَقُولُ: «بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ
(قَالَ أَبُو البَقَاءِ: لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا النَّصَبُ، وَالوَاوُ فِيهِ بِمَعنَى (مَعَ)، وَالمُرَادُ بِهِ المُقَارَبَةُ، وَلَو رُفِعَ لَفَسَدَ المَعنَى، إِذ لَا يُقَالُ بُعِثتُ وَالسَّاعَةُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «بُعِثتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ» انتَهَى. قَالَ السِّندِيُّ: وَالمَشهُورُ جَوَازُ الرَّفعِ وَالنَّصبِ، بَل قَالَ القَاضِي: المَشهُورُ الرَّفعُ، وَكَأَنَّهُ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ السَّاعَةِ اعتُبِرَ بَعثًا لَهَا، وَيَلزَمُ مِنهُ الجَمعُ بَينَ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ فِي بُعِثتُ، وَقَد جَوَّزَهُ قَومٌ فَيَصِحُّ عِندَهُم)
(السّاعَة: يَعنِى يَومَ القِيامَةِ، هُنَا لَيسَ المُرَادُ بِالسَّاعَةِ الوَقتَ الَّذِي هُوَ سِتُّونَ دَقِيقَة، وَلَا يَعلَمُ وَقتَ قِيَامِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَد صَحَّ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ المَشهُورِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَأَخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا المَسؤُولُ عَنهَا بأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ».اهـ وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ لَا يَعلَمُ فَغَيرُهُ أَولَى أَن لَا يَعلَمَ مَتَى يَكُونُ أَوَّلُ القِيامَةِ.اهـ وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيبِ لَا يَعلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، سورة الأنعام/59، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ، وَمَا تَدرِي نَفسٌ مَّاذَا تَكسِبُ غَدًا، وَمَا تَدرِي نَفسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، ومما يرد مقالة القائلين بأنه ﷺ يعلم الغيب كله قوله تعالى {وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم} سورة التوبة/101، وما رواه ابن ماجه عن الرُّبيع بنت مُعَوِّذ أن النبي ﷺ دخل عليها صبيحة عرسها وعندها جاريتان يتغنيان وتقولان: “وفينا نبي يعلم ما في غد”، فقال “أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غدِ إلا الله”. فَهَذَا القَائِلُ: إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ بِإِعلَامِ اللهِ لَهُ كُلَّ شَىءٍ يَعلَمُهُ اللهُ جَعَلَهُ مُسَاوِيًا للهِ فِي إِحَاطَةِ عِلمِهِ بِكُلِّ شَىءٍ. فَقَولُ بَعضِ النَّاسِ: إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ أَي يَعلَمُ جَمِيعَ مَا يَعلَمُ اللهُ مِن طَرِيقِ عَطَاءِ اللهِ فَقَد سَاوَى بَينَ اللهِ تَعَالَى وَبَينَ الرَّسُولِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى. فَقَائِلُ هَذِهِ المَقَالَةِ قَد غَلَا الغُلُوَّ الَّذِي نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم﴾ سورة المائدة/77، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِيَّاكُم وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ، وقد صح أن الرسول ﷺ قال “لا ترفعوني فوق منزلتي”، والغلو هو الزيادة عن الحد المأمور به، فقد أُمرنا أن نعظم الأنبياء لكن لا يجوز أن نرفعهم فوق منزلتهم كوصفهم بصفات الربوبية كالعلم الشامل لكل شيء)
كَهَاتَينِ»
(وَالمَقصُودُ بَيَانُ القُربِ بَينَهُمَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) (قَالَ بَعضُ الوُعَّاظِ: وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمرُ السَّاعَةِ شَدِيدًا، وَهَولُهَا مَزِيدًا، وَأَمَدُهَا بَعِيدًا، وَإِنَّ اللهَ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَحكُمُ بَينَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَيَقضِي لِلمُؤمِنِينَ عَلَى الكَافِرِينَ، وَيُمَيِّزُ بَينَ المُخلِصِينَ وَالمُنَافِقِينَ، وَتَنكَشِفُ هُنَالِكَ الأَحوَالُ وَتُبلَى السَّرَائِرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَومٌ مَجمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَومٌ مَشهُودٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدهَى وأَمَرّ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَنَفرُغُ لَكُم أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وَإِنَّهَا لَا تَجِيءُ إِلَّا بَغتَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً﴾، وَقَدِ استَأثَرَ اللهُ تَعَالَى بِعِلمِهَا، وَلَم يُعَلِّم وَقتَهَا عَلَى التَّحدِيدِ أَحَدًا مِن خَلقِهِ كَمَا ذَكَرتُ، تَهوِيلًا لِشَأنِهَا، وَتَعظِيمًا لِأَمرِهَا، كَانَ الِاهتِمَامُ بِشَأنِهَا أَكثَرَ مِن غَيرِهَا. فَأَكثَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَيَانِ أَشرَاطِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَمَا بَينَ يَدَيهَا مِنَ الفِتَنِ القَرِيبَةِ وَالبَعِيدَةِ، لِيَكُونَ أَهلُ كُلِّ قَرنٍ عَلَى حَذَرٍ مِنهَا، مُتَهَيِّئِينَ لَهَا بِالأَعمَالِ الصَّالِحَاتِ، غَيرَ مُنهَمِكِينَ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ)
وَيَقرِنُ
(قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى المَشهُورِ الفصيح وَحُكِيَ كَسرُهَا)
بَينَ أُصبُعَيهِ
(قَالَ الفَيُّومِيُّ: الإِصبَعُ مُؤَنَّثَةٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَسمَائِهَا مِثلُ الخِنصِرِ وَالبِنصِرِ، وَفِي كَلَامِ ابنِ فَارِسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى تَذكِيرِ الإِصبَعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الأَجوَدُ فِي أُصبَعِ الإِنسَانِ التَّأنِيثُ، وَقَالَ الصَّغَانِيُّ أَيضًا: يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالغَالِبُ التَّأنِيثُ، قَالَ بَعضُهُم: وَفِي الإِصبَعِ عَشرُ لُغَاتٍ، تَثلِيثُ الهَمزَةِ، مَعَ تَثلِيثِ البَاءِ، وَالعَاشِرَةُ أُصبُوعٌ وِزَانُ عُصفُورٍ (أَي: أَصبَع، وَأُصبَع، وَإِصبَع، وَأَصبُع، وَأُصبُع، وَإِصبُع، وَأَصبِع، وَأُصبِع، وَإِصبِع، وَأُصبُوع)، وَالمَشهُورُ مِن لُغَاتِهَا كَسرُ الهَمزَةِ وَفَتحُ البَاءِ (إِصبَع)، وَهِيَ الَّتِي ارتَضَاهَا الفُصَحَاءُ)
السَّبَّابَةِ
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَالمُرَادُ بِالسَّبَّابَةِ -وَهِيَ بِفَتحِ المُهمَلَةِ وَتَشدِيدِ المُوَحَّدَةِ- الأُصبُعَ الَّتِي بَينَ الإِبهَامِ وَالوُسطَى، وَهِيَ المُرَادُ بِالمُسَبِّحَةِ، سُمِّيَت مُسَبِّحَةً لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِندَ التَّسبِيحِ، وَتُحَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ عِندَ التَّهلِيلِ إِشَارَةً إِلَى التَّوحِيدِ، وَسُمِّيَت سَبَّابَةً لِأَنَّهُم كَانُوا إِذَا تَسَابُّوا أَشَارُوا بِهَا)
وَالوُسطَى،
(وَرِوَايَةٍ فِي البُخَارِيِّ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ بِإِصبَعَيهِ هَكَذَا، بِالوُسطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبهَامَ: «بُعِثتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ». قَالَ القُرطُبِيُّ: وَأَوَّلُهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّهُ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ، وَقَد بُعِثَ وَلَيسَ بَينَهُ وَبَينَ القِيَامَةِ نَبِيٌّ. إِذًا فَالبِعثَةُ النَّبَوِيَّةُ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ، قَالَ ابنُ التِّينِ: اختُلِفَ فِي مَعنَى قَولِهِ: «بُعِثتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينِ». كَهَاتَينِ فَقِيلَ المَعنَى لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهَا نَبِيٌّ. وَقَالَ القُرطُبِيُّ فِي المُفهِمِ: حَاصِلُ الحَدِيثِ تَقرِيبُ أَمرِ السَّاعَةِ وَسُرعَةُ مَجِيئِهَا. وَقِيلَ: مَعنَى الحَدِيثِ أَنَّهُ لَيسَ بَينِي وَبَينَ القِيَامَةِ شَيءٌ، هِيَ الَّتِي تَلِينِي كَمَا تَلِي السَّبَّابَةُ الوُسطَى) (وهذا من النبي ﷺ تنبيه للناس وترهيب لهم على قرب اقتراب الساعة، فلينتبهوا لذلك وليعملوا بمقتضى ما هم مقبلون عليه فإنه أمر عظيم، وهذا ما يشير إليه حال النبي ﷺ في هذه الخطبة وفي طريقة كلامه مع الناس من احمرار عينيه واشتداد غضبه وارفاع صوته، وهو هنا ﷺ ينبههم وهذه الأحوال في التنبيه لقرب القيامة كثيرة في كتاب الله عز وجل، وَلِهَذَا كَثُرَ فِي كِتَابِ اللهِ وَأَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الإِكثَارُ مِن ذِكرِ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتِهَا وَالتَّنبِيهُ لِقُربِهَا، حَتَّى أَفرَدَ العُلَمَاءُ لِذَلِكَ التَّآلِيفَ العَدِيدَةَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اقتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم وَهُم فِي غَفلَةٍ مُعرِضُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمرُ اللَّهِ فَلَا تَستَعجِلُوهُ﴾، وَقَالَ: ﴿يَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَهَا لَم يَلبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَو ضُحَاهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا جَاءَ فِي أَمرِهَا عَلَى العُمُومِ وَقَد ذُكِرَ بَعضُهَا فِي كِتَابِ اللهِ عَلَى التَّخصِيصِ فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي أَمرِ دَابَّةِ الأَرضِ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم أَخرَجنَا لَهُم دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَمرِ انشِقَاقِ القَمَرِ: ﴿اقتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَمرِ الدُّخَانِ: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ. ويقول الله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشَاهَا﴾.
وأشراطُ (علامات) السّاعَةِ الصغرى كثيرة ومتباعدة من حيث الزمن، أما أشراط الساعة الكُبرى عَشَرةٌ ومتقاربة من حيث الزمن، وهي: خُروجُ الدَّجَّالِ، ونُزُولُ المَسِيحِ، وخروجُ يأجوجَ ومأجَوجَ، وطُلوعُ الشَّمس من مغرِبها، وخروجُ دابَّةِ الأرضِ، ونُزولِ الدُّخَان، وثَلاثةُ خُسوفٍ، وخُروجِ نارٍ من قَعرِ عدن باليمنِ، وهدم الكعبة، ورفع القرآن من الصدور والسطور. وهَذهِ الأُمورُ الثلاثَةُ: خُروجُ الدَّجَّالِ، ونُزُولُ المَسِيحِ، وخروجُ يأجوجَ ومأجَوجَ هِيَ أَوَلُ أَشرَاطِ السّاعَةِ الكُبرى العَشَرة. ثُم بَعدَ ذَلِكَ تَحصُلُ بَقيةُ العَشَرةِ وهي: طُلوعُ الشَّمس من مغرِبها، الشَمسُ كل يومٍ تستأذنُ من ربها بالشروق فيؤذنُ لها حتى يأتي ذلك اليومُ فتستأذن ربها فلا يؤذَنُ لَهَا فَتُشرِقُ من المغرِبِ.
وفي نَفسِ اليومِ الذي تطلع فيه الشمس من مغربها تَخرُجُ دابَّةُ الأرضِ، وَهذِهِ الدابَّةُ تُكَلِمُ الناسّ وتميّزُ المؤمنَ من الكافر ولا أحد منهُم يَستطيعُ أن يَهرُبَ منها وقد ذكرها اللهُ تعالى في القرءان، قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم أَخرَجنَا لَهُم دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. فَطُلوعُ الشمس من مغرِبِها وخُروجُ دابَّةِ الأرضِ تَحصُلانِ في يومٍ واحدٍ بين الصُّبحِ والضُّحى، بعد ذلك لا يقبلُ الله من أحدٍ توبةً، الكافرُ إن أسلَمَ بَعدَ ذَلِكَ لا يَقبَلُ اللهُ إسلامَهُ والمُسلمُ الفاجِرُ إن تَابَ لا يَقبَلُ اللهُ توبَتَهُ، فبَابُ التوبَةِ مفتوحٌ إلى اليومِ الذي تَطلُعُ فيهُ الشمس من مغربها ويحصل خروج الدابة فيه. أما الساعة فتقوم على شرار الناس فإن جميع المسلمين من البشر على الأرض يموتون قبل قيام الساعة بمائة عام ثم يتكاثر الكفار حتى تقوم الساعة عليهم).
وَيَقُولُ: «أمَّا بَعدُ،
(قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ سِيبَوَيهِ: أَمَّا بَعدُ: مَعنَاهَا مَهمَا يَكُن مِن شَيءٍ بَعدُ. وسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر من بلاد فارس، عالم من علماء النحو،
«المسألة الزنبورية» عنوان أشهر مناظرة في تاريخ النحو العربي، جمعت بين إمامين عظيمين، عالم النحو وأسطورته سيبويه «بصري»، وشيخ القراءات وعلوم اللغة الكِسائي «كوفي». وهو أبو الحسن علي بن حمزة
كان سيبويه أسطورة زمانه في علم النحو وهو من رواد المدرسة البصرية، قصد بغداد قادما من البصرة، لقضاء حوائج خاصة به، وفي رواية أخرى لضائقة مالية جعلته يمر بضيق وشدة، وحدث أن قصد وزير هارون الرشيد يحيى البرمكي، فأكرمه وأوسع له، واستقبله بحفاوة، وبعد أن طاب المستقر لسيبويه عُرض عليه أن يناظر زعيم مدرسة النحو في الكوفة، العالم الجليل الكسائي، فوافق على ذلك مسرورا ما دام الغرض من هذه المناظرة الخروج بالعلم والفائدة.
ومعلوم أن أشهر مدرستين اختصتا بدراسة علوم اللغة، مدرسة الكوفة بزعامة الكسائي، ومدرسة البصرة بزعامة سيبويه الذي أثبت نفسه وغزارة علمه رغم كونه شابا يافعا، ولا عجب من ذلك فهو تلميذ العالم الكبير واضع علم العروض ومفصّل أسماء البحور الشعرية، الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وقد اجتمع سادة القوم ووجهائهم وأمر الوزير يحيى بتوفير أطيب الأماكن ليرتاح العالمان في مناظرتهما وبدأت المناظرة، وتم خلالها مناقشة مسائل كثيرة، فأظهر كل واحد منهما براعته ومهارته، لكن المحور الأهم في المناظرة كلها كان حول «المسألة الزنبورية» وهو سؤال وجهه الكسائي لسيبويه قائلا: كيف تقول «كنت أظن أن العقربَ أشدُ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أم فإذا هو إياها؟» الزنبور: حشرة تشبه النحلة ولسعتها جد مؤلمة.
فقال سيبويه: فإذا هو هيَ، ولا يجوز النصب. فقال الكسائي: أخطأت، بل الصحيح النصب فنقول: فإذا هو إياها. وطال النقاش وبرع وأجاد سيبويه في تقديم حججه ودلائله. فقال الكسائي: كيف تقول «خرجتُ فإذا عبد الله القائمَ، أو القائمُ؟». فقال سيبويه: فإذا عبد الله القائمُ، ولا يجوز النصب أيضا. فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه كذلك.
وطال الخلاف بينهما ودار في مجمله على الرفع والنصب وأصل ذلك كله «مسألة الزنبور» فعرض عليه الكسائي أن يتم إحضار مجموعة من الأعراب الأقحاح الذين ينطقون باللغة السليمة فطرة، فوافق على ذلك، وتقول الروايات أن مسؤولين في القصر أقنعوا الأعراب بأن ينتصروا للكسائي، وبالفعل حينما وقفوا أمامهما وسألهم عن صحة القول رجحوا كفة الكسائي دون أن ينطقوها، فطلب منهم سيبويه أن يؤكدوا ذلك وينطقوا الجملة، فلم تطاوعهم ألسنتهم على ذلك وتهربوا، وفي ذلك إشارة على أن سيبويه محق.
فلم يكن لسيبويه إلا الإذعان للأمر، وغادر القصر وفي قلبه شيء كبير من هذه المناظرة، ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى مات، ويقال إنه مات وفي قلبه غم من تلك المناظرة.
وَقَالَ أَبُو إِسحَاقَ الزَّجَّاجُ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي حَدِيثٍ فَأَرَادَ أَن يَأتِيَ بِغَيرِهِ قَالَ أَمَّا بَعدُ، وَهُوَ مَبنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِأَنَّهُ مِنَ الظُّرُوفِ المَقطُوعَةِ عَنِ الإِضَافَةِ، وَاختُلِفَ فِي أَوَّلِ مَن قَالَهَا، فَقِيلَ دَاوُدُ عَلَيهِ السَّلَامُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرفُوعًا، وَرَوَى عَبدُ بنُ حُمَيدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الشَّعبِيِّ مَوقُوفًا أَنَّهَا فَصلُ الخِطَابِ الَّذِي أُعطِيهِ دَاوُدُ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَن قَالَهَا يَعقُوبُ رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيُّ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَن قَالَهَا يَعرُبُ بنُ قَحطَانَ، وَقِيلَ كَعبُ بنُ لُؤَيٍّ أَخرَجَهُ القَاضِي أَبُو أَحمَدَ الغَسَّانِيُّ، وَقِيلَ سَحبَانُ بنُ وَائِلٍ، -سحبان وائل هو صحابي جليل وفصيح وخطيب مشهور في العصر الإسلامي. اشتهر ببلاغته وفصاحته حتى أصبح يُضرب به المثل في حسن الخطابة وقوة الحجة. كان لسحبان مواقف مشهورة مع معاوية بن أبي سفيان، حيث دخل عليه ذات يوم وكان عنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا من عنده لعلمهم أنهم لا يستطيعون مجاراته في البيان والفصاحة- وَقِيلَ قُسُّ بنُ سَاعِدَةَ، وَالأَوَّلُ أَشبَهُ،
وَقَد كَثُرَ استِعمَالُ المُصَنِّفِينَ لَهَا بِلَفظِ: وَبَعدُ، وَمِنهُم مَن صَدَّرَ بِهَا كَلَامَهُ فَيَقُولُ فِي أَوَّلِ الكِتَابِ: أَمَّا بَعدَ حَمدِ اللهِ فَإِنَّ الأَمرَ كَذَا، وَلَا حَرَج فِي ذَلِكَ. وَقَد تَتَبَّعَ طُرُقَ الأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا (أَمَّا بَعدُ) الحَافِظُ عَبدُ القَادِرِ الرَّاهَاوِيُّ فِي خُطبَةِ الأَربَعِينَ المُتَبَايِنَةِ لَهُ فَأَخرَجَهُ عَنِ اثنَينِ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. مِنهَا مَا أَخرَجَهُ مِن طَرِيقِ ابنِ جُرَيجٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ خُطبَةً قَالَ: «أَمَّا بَعدُ» وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَظَاهِرُهُ المُوَاظَبَةُ عَلَى ذَلِكَ).
فَإنَّ خَيرَ الحَديثِ كِتَابُ الله
(كِتَابُ اللهِ هُنَا أَيِ القُرآنُ الكَرِيمُ وَهُوَ العِلمُ الَّذِي اقتَرَنَ بِدَعوَتِهِ وَلَم يَزَل يَتَزَايَدُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، وَدَامَ فِي أُمَّتِهِ بَعدَ وَفَاتِهِ، فَهُوَ القُرآنُ العَظِيمُ، المُعجِزُ المُبِينُ، وَحَبلُ اللهِ المَتِينُ، الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَهُ بِهِ مَن أَنزَلَهُ فَقَالَ: ﴿لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت/ الآية 42]. وَهُوَ مِن دَلَائِلِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ أَعظَمُ المُعجِزَاتِ، وَأَبهَرُ الآيَاتِ، وَأَبيَنُ الحُجَجِ الوَاضِحَاتِ، لِمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ التَّركِيبِ المُعجِزِ الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الإِنسَ وَالجِنَّ أَن يَأتُوا بِمِثلِهِ فَعَجَزُوا عَن ذَلِكَ، مَعَ تَوَافُرِ دَوَاعِي أَعدَائِهِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ وَفَصَاحَتِهِم وَبَلَاغَتِهِم، ثُمَّ تَحَدَّاهُم بِعَشرِ سُوَرٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، ثُمَّ أَنزَلَ التَّحَدِّي إلى سُورَةٍ مِن مِثلِهِ فَعَجَزُوا عَنهُ وَهُم يَعلَمُونَ عَجزَهُم وَتَقصِيرَهُم عَن ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا مَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَيهِ أَبَدًا. فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الخَلقَ عَاجِزُونَ عَن مُعَارَضَةِ هَذَا القُرآنِ، بَل عَن عَشرِ سُوَرٍ مِنهُ، بَل عَن أقصر سُورَةٍ مِنهُ، وَأَنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن لَم تَفعَلُوا وَلَن تَفعَلُوا﴾ [سورة البقرة/الآية 24] أَي فَإِن لَم تَفعَلُوا فِي المَاضِي وَلَن تَستَطِيعُوا ذَلِكَ فِي المُستَقبَلِ، وهذا تحدٍّ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمكِنُ مُعَارَضَتُهُم لَهُ لَا فِي الحَالِ وَلَا فِي المَآلِ، وَمِثلُ هَذَا التَّحَدِّي إِنَّمَا يَصدُرُ عَن وَاثِقٍ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَا يُمكِنُ لِلبَشَرِ مُعَارَضَتُهُ وَلَا الإِتيَانُ بِمِثلِهِ، وَمَعلُومٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَعقَلُ خَلقِ اللَّهِ وَأَكمَلُهُم عَلَى الإِطلَاقِ فِي نَفسِ الأَمرِ، فَمَا كَانَ لِيُقدِمَ عَلَى هَذَا الأَمرِ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ مُعَارَضَتُهُ، وََهَكَذَا وَقَعَ، فَإِنَّهُ مِن لَدُن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا لَم يَستَطِع أَحَدٌ أَن يَأتِيَ بِنَظِيرِهِ وَلَا نَظِيرِ سُورَةٍ مِنهُ وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيهِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ كَلَامُ رَبِّ العَالَمِينَ الَّذِي لَا يُشبِهُهُ شَيءٌ مِن خَلقِهِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفعَالِهِ، فَأَنَّى يُشبِهُ كَلَامُ المَخلُوقِينَ كَلَامَ الخَالِقِ؟ وَفِي هَذَا القُرآنِ إِخبَارٌ عَمَّا وَقَعَ فِي المُستَقبَلِ طِبقَ مَا وَقَعَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لِكُمَيلِ بنِ زِيَادٍ: هُوَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبلَكُم، وَحُكمُ مَا بَينَكُم، وَنَبَأُ مَا بَعدَكُم. فَالقُرآنُ العَظِيمُ مُعجِزٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِن فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَنَظمِهِ، وَتَرَاكِيبِهِ، وَأَسَالِيبِهِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الأَخبَارِ المَاضِيَةِ وَالمُستَقبَلَةِ، وَمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الأَحكَامِ المُحكَمَةِ الجَلِيَّةِ، وَالتَّحَدِّي بِبَلَاغَةِ أَلفَاظِهِ يَخُصُّ فُصَحَاءَ العَرَبِ، وَالتَّحَدِّي بِمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ المَعَانِي الصَّحِيحَةِ الكَامِلَةِ -وَهِيَ أَعظَمُ فِي التَّحَدِّي عِندَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَّاءِ- يَعُمُّ جَمِيعَ أَهلِ الأَرضِ مِن أَصنَافِ بَنِي آدَمَ فِي سَائِرِ الأَقطَارِ وَالأَمصَارِ، فالقُرآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيرُ مَخلُوقٍ، وهو تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَالخَلقُ كُلُّهُم عَاجِزُونَ حَقِيقَةً وَفِى نَفسِ الأَمرِ عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِهِ وَلَو تَعَاضَدُوا وَتَنَاصَرُوا عَلَى ذَلِكَ)
(يروَى في ذلك أنَّهُ اجتَمَعَ الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ وَنَفَرٌ مِن قُرَيشٍ، وَكَانَ الوليدُ ذَا سِنٍّ فِيهِم، فَقَالَ: إِنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقدَمُ عَلَيكُم فِيهِ، وَقَد سَمِعُوا بِأَمرِ صَاحِبِكُم هَذَا، فَأَجمِعُوا فِيهِ رَأيًا وَاحِدًا وَلَا تَختَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعضُكُم بَعضًا وَيَرُدَّ قَولَ بَعضِكُم بَعضًا، فَقَالُوا: فَأَنتَ يَا أَبَا عَبدِ شَمسٍ، فَقُل، وَأَقِم لَنَا رَأيًا نَقُومُ بِهِ، فَقَالَ: بَل أَنتُم، فَقُولُوا أَسمَع، فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَد رَأَيتُ الكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِكلام الكُهَّانِ، فَقَالُوا: نَقُولُ مَجنُونٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِمَجنُونٍ وَلَقَد رَأَينَا الجُنُونَ، وَعَرَفنَاهُ فَمَا هُوَ بِخَنقِهِ وَلَا تَخَالُجِهِ وَلَا وَسوَسَتِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ شَاعِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَد عَرَفنَا الشِّعرَ بِرَجَزِهِ، وَهَزَجِهِ، وَقَرِيضِهِ، وَمَقبُوضِهِ، وَمَبسُوطِهِ، فَمَا هُوَ بِالشِّعرِ، قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ، قَالَ: فَمَا هُوَ بِسَاحِرٍ، قَد رَأَينَا السُّحَارَ وَسِحرَهُم، فَمَا هُوَ بِنَفثِهِ وَلَا عُقَدِهِ، فَقَالُوا: مَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبدِ شَمسٍ؟، قَالَ: وَاللهِ، إِنَّ لِقَولِهِ لحَلَاوَةً، وإنَّ عليهِ لطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَسفَلَهُ لَمغدِقٌ، وَإِنَّ فَرعَهُ لَجَنًى، فَمَا أَنتُم بِقَائِلِينَ مِن هَذَا شَيئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، ثم فَكَّرَ قلِيلًا وقَالَ: وَإِنَّ أَقرَبَ القَولِ لَأَن تَقُولُوا سَاحِرٌ، فَقُولُوا هُوَ سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَينَ المَرءِ وَبَينَ أَبِيهِ، وَبَينَ المَرءِ وَبَينَ أَخِيهِ، وَبَينَ المَرءِ وَبَينَ زَوجَتِهِ، وَبَينَ المَرءِ وَعَشِيرَتِهِ، فَتَفَرَّقُوا عَنهُ بِذَلِكَ وأجمَعُوا علَيهِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الوَلِيدِ بنِ المُغِيرَةِ قوله تعالى: ﴿ذَرنِي وَمَن خَلَقتُ وَحِيدًا * وَجَعَلتُ لَهُ مَالًا مَمدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُ لَهُ تَمهِيدًا * ثُمَّ يَطمَعُ أَن أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدبَرَ وَاستَكبَرَ * فَقَالَ إِن هَٰذَا إِلَّا سِحرٌ يُؤثَرُ * إِن هَٰذَا إِلَّا قَولُ البَشَرِ * سَأُصلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلبَشَرِ * عَلَيهَا تِسعَةَ عَشَرَ﴾. ولم يسلم، بل قال مستنكرًا عدمَ نزول الدعوة عليه هو، وهو كبير قريش: «أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، فنحن عظيما القريتين»، فأنزل الله فيه: ((وَقَالُوا لَولَا نُزِّلَ هَذَا القُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَريَتَينِ عَظِيمٍ)) (الزخرف 31)، ولذا ناصب رسول الله العداء الشديد، وقاوم دعوته أشد مقاومة. ثم قالُوا: لَوِ التَمَستُم رَجُلًا عَالِمًا بِالسِّحرِ وَالكَهَانَةِ وَالشِّعرِ، فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أَتَانَا بِبَيَانٍ مِن أَمرِهِ، فَقَالَ عُتبَةُ: لَقَد سَمِعتُ بِقَولِ السَّحَرَةِ وَالكَهَانَةِ وَالشِّعرِ وَعَلِمتُ مِن ذَلِكَ عِلمًا، وَمَا يَخفَى عَلَيَّ إِن كَانَ كَذَلِكَ، فَأَتَاهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ عُتبَةُ: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ تَشتُمُ آلِهَتَنَا، وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا، فَإِن كُنتَ أَرَدتَ الرِّئَاسَةَ، عَقَدنَا أَلوِيَتَنَا لَكَ فَكُنتَ رَأسَنَا مَا بَقِيتَ، وَإِن كَانَ بِكَ الحاجَةُ إِلَى النِّسَاءِ ونِكَاحِهِنَّ، زَوَّجنَاكَ عَشرَ نِسوَةٍ، تَختَارُ مِن أَيِّ أَبيَاتِ قُرَيشٍ شِئتَ، وَإِن كَانَ بِكَ المَالُ، جَمَعنَا لَكَ مِن أَموَالِنَا مَا تَستَغنِي بِهَا أَنتَ وَعَقِبُكَ مِن بَعدِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “اسمَع مِنِّي يَا أَبَا الوَلِيدِ“، فَقَالَ: نَعَم، اسمَعُ، فقرأ ﷺ: بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ: ((حم، تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَت آيَاتُهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِقَومٍ يَعلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعرَضَ أَكثَرُهُم فَهُم لَا يَسمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقرٌ وَمِن بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعمَل إِنَّنَا عَامِلُونَ)) إلى أن وَصَلَ إلى قولِهِ تعالَى: ﴿فَإِن أَعرَضُوا فَقُل أَنذَرتُكُم صَاعِقَةً مِثلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فَأَمسَكَ عُتبَةُ عَلَى فَمِ سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ أَن يَكُفَّ، وَلَم يَخرُج إِلَى أَهلِهِ وَاحتَبَسَ عَنهُم، فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ، وَاللهِ مَا نَرَى عُتبَةَ إِلَّا قَد صَبَا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَأَتَوهُ، فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: وَاللهِ يَا عُتبَةُ، مَا حَسِبنَا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعجَبَكَ أَمرُهُ، فَإِن كَانَت بِكَ حَاجَةٌ جَمَعنَا لَكَ مِن أَموَالِنَا مَا يُغنِيكَ عَن طَعَامِ مُحَمَّدٍ، فَغَضِبَ وَأَقسَمَ بِاللهِ لَا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أَبَدًا، قَالَ: وَلَقَد عَلِمتُم أَنِّي مِن أَكثَرِ قُرَيشٍ مَالًا، وَلَكِنِّي أَتَيتُهُ، فَقَصَّ عَلَيهِمُ القِصَّةَ، فَأَجَابَنِي بِشَيءٍ وَاللهِ مَا هُوَ بِسِحرٍ وَلَا شِعرٍ وَلَا كَهَانَةٍ، قَرَأَ: ﴿بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَت آيَاتُهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِقَومٍ يَعلَمُونَ﴾، حَتَّى بَلَغَ : ﴿فَإِن أَعرَضُوا فَقُل أَنذَرتُكُم صَاعِقَةً مِثلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فَأَمسَكتُ بِفِيهِ، وَنَاشَدتُهُ الرَّحِمَ أَن يَكُفَّ، وَقَد عَلِمتُم أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيئًا لَم يَكذِب، فَخِفتُ أَن يَنزِلَ بِكُمُ العَذَابُ. وَفِي رِوَايَةٍ قالَ أَبُو الوَلِيدِ: يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ أَطِيعُونِي وَاجعَلُوهَا بِي، خَلُّوا بَينَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَينَ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعتَزِلُوهُ، فَوَاللهِ لَيَكُونَنَّ لِقَولِهِ الَّذِي سَمِعتُ نَبَأ، فَإِن تُصِبهُ العَرَبُ فَقَد كُفِيتُمُوهُ بِغَيرِكُم، وَإِن يَظهَر عَلَى العَرَبِ فَمُلكُهُ مُلكُكُم، وَعِزُّهُ عِزُّكُم، وَكُنتُم أَسعَدَ النَّاسِ بِهِ، قَالُوا: سَحَرَكَ وَاللهِ يَا أَبَا الوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: هَذَا رَأيِي لَكُم، فَاصنَعُوا مَا بَدَا لَكُم).
وَخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ ﷺ
(بِفَتحِ الهَاءِ، هُوَ السِّيرَةُ وَالهَيأَةُ وَالطَّرِيقَةُ، وَقَد رُوِيَت هَذِهِ اللَّفظَةُ بِفَتحِ الهَاءِ وَبِضَمِّهَا، وَالهَديُ ضِدُّ الضَّلَالِ) (قَالَ النَّوَوِيُّ: عَلَى رِوَايَةِ الفَتحِ أَيِ الطَّرِيقُ، أَي أَحسَنُ الطُّرُقِ طَرِيقُ مُحَمَّدٍ يُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الهَديِ أَيِ الطَّرِيقَةِ وَالمَذهَبِ، اهتَدُوا بِهَديِ عَمَّارٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ فَمَعنَاهُ الدِّلَالَةُ وَالإِرشَادُ
قَالَ العُلَمَاءُ لَفظُ الهَديِ لَهُ مَعنَيَانِ أَحَدُهُمَا بِمَعنَى الدَّلَالَةِ وَالإِرشَادِ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَى الرُّسُلِ وَالقُرآنِ وَالعِبَادِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ إِنَّ هَذَا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤمِنِينَ وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُم﴾ أَي بَيَّنَّا لَهُمُ الطَّرِيقَ وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾ ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجدَينِ﴾ وَالثَّانِي بِمَعنَى اللُّطفِ وَالتَّوفِيقِ وَالعِصمَةِ وَالتَّأيِيدِ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ اللهُ بِهِ، وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾.
وَقَالَتِ القَدَرِيَّةُ حَيثُ جَاءَ الهُدَى فَهُوَ لِلبَيَانِ بِنَاءً عَلَى أَصلِهِمُ الفَاسِدِ فِي إِنكَارِ القَدَرِ، وَرَدَّ عَلَيهِم أَصحَابُنَا وَغَيرُهُم مِن أَهلِ الحَقِّ مُثبِتِي القَدَرِ للهِ تَعَالَى بِقَولِهِ تَعَالَى ﴿وَاللهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ فَفَرَّقَ بَينَ الدُّعَاءِ وَالهِدَايَةِ) (عندما أرسل الله نبيه محمدا ﷺ بخير الهدي قابله المشركون بالصد والتنكيل والتكذيب والعياذ بالله، فقد جَعَلَ كُفّارُ قُرَيشٍ يَقعُدونَ في الطُّرقاتِ، فِي زَمَنِ المَوَاسِمِ الّتي يأتِي فيها النّاسُ إلى مكّةَ، وهُم يُحَذِّرُونَ مِنهُ ﷺ كُلَّ وافِدٍ قَادِمٍ إلى مكّةَ، فكانَ لا يَمُرُّ بِهِم أحَدٌ إلَّا وَصَفُوهُ لَهُ وذكَرُوا لَه أمرَهُ وحَذَّرُوهُ مِنهُ. قالَ بعضُ الأُدَبَاءِ: وَرُبَّمَا كَانَ الحَسَدُ مُنَبِّهًا عَلَى فَضلِ المَحسُودِ وَنَقصِ الحَسُودِ، وقال الشاعرُ أبُو تَمَّامٍ:
وَإِذَا أَرَادَ اللهُ نَشرَ فَضِيلَةٍ *** طُوِيَت أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَولَا اشتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَت *** مَا كَانَ يُعرَفُ طِيبُ عُرفِ العُودِ
وَافتَرَقَ النَّاسُ فَشاعَ أَمرُهُ *** بَينَ القَبَائِلِ وَسَارَ ذِكرُهُ
فَبَعدَ اجتماعِ الناسِ في المَوسِمِ في مكةَ لِحَجِّ البيتِ، وتحذيرِ الكفارِ مِن نَبِيِّ اللهِ محمَّدٍ ﷺ، افتَرَقَ النَّاسُ الّذين وفَدُوا إلى مكّةَ، راجعِينَ مِن ذلكَ الموسِمِ إلى أقوامِهِم بِخَبَرِ النّبِيِّ ﷺ. وصارُوا يَتَحَدَّثُونَ عنهُ فِي بِلادِهم، فَشَاعَ أمرُهُ ﷺ وذاعَ بَينَ شَتَّى القَبَائِلِ في مُختَلَفِ البِقاعِ، وَسَارَ وانتَشَرَ في الآفاقِ ذِكرُهُ ﷺ، وفَشَا خَبَرُهُ، فكانَ كمَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾، فسُبحَانَ اللهِ القادِرِ علَى كُلِّ شَيءٍ، فمَهمَا حاولَ أهلُ الزيغِ والضلَالِ إيقَافَ الدَّعوَةِ إلى دِينِ اللهِ لن يستَطِيعُوا، مهمَا حاوَلَ اليهُودُ أو غَيرُهُم أن يَهدِمُوا الإِسلَامَ لَن يَستَطِيعُوا، معَ كُلِّ الحربِ عَلَى المسلِمِينَ اليومَ، ومَعَ كلِّ هذَا الدمَارِ وكلِّ هذَا القتلِ، ومعَ تَكَالُبِ اليهودِ وغيرِهِم مِن أعداءِ الدينِ على الإِسلَامِ لإيقافِ دعوَتِهِ وهدمِهِ، ما زِلنَا نرَى الكثِيرَ مِن الناسِ يدخلُونَ فِي الإسلامِ ويُحِبُّونَ أن يسمَعُوا عنهُ، صارَ الناسُ يعرِفُونَ قضِيَّةَ الإسلامِ وقضيَّةَ الأقصَى أكثَرَ، فُضِحُوا فِي البلَادِ وانكَشَفَت حقِيقَتُهُم، نسألُ اللهَ تعالَى أن يَنصُرَ هذَا الدِّينَ، وأَن يجعَلَ لنَا يَدًا فِي نَصرِهِ، بإذنِ اللهِ تعالَى).
نكمل في شرح هذا الحديث الشريف الدرسَ القادم إن شاء الله تعالى.