الحديث 160–161 | هكذا علّمنا النبي ﷺ: تسوية الصفوف، وإطفاء النار قبل النوم

المقدمة

الحَمدُ للهِ الأَوَّلِ قَبلَ كُلِّ أَوَّلٍ، وَالآخِرِ بَعدَ كُلِّ آخِرٍ، وَالدَّائِمِ بِلَا زَوَالٍ، وَالخَالِقِ خَلقَهُ مِن غَيرِ عَونٍ وَلَا امتِثَالٍ، فَهُوَ الفَردُ الوَاحِدُ مِن غَيرِ عَدَدٍ، وَهُوَ البَاقِي بَعدَ كُلِّ أَحَدٍ، إِلَى غَيرِ نِهَايَةٍ وَلَا أَمَدٍ، لَهُ الكِبرِيَاءُ وَالعَظَمَةُ، تَعَالَى عَن أَن يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي سُلطَانِهِ، أَو نَدِيدٌ فِي وَحدَانِيَّتِهِ، أَو مُعِينٌ أَو ظَهِيرٌ فِي تَدبِيرِهِ، أَو أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَا تُحِيطُ بِهِ الأَوهَامُ، وَلَا تَحوِيهِ الأَقطَارُ، وَلَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ، وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، أَحمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى نَعمَائِهِ، حَمدَ مَن أَفرَدَهُ بِالحَمدِ، وَأَستَهدِيهِ مِنَ القَولِ وَالعَمَلِ لِمَا يُقَرِّبُنِي مِنهُ وَيُرضِيهِ، وَأُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مُخلِصٍ لَهُ التَّوحِيدَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ النَّجِيبُ، وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، اصطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، وَابتَعَثَهُ بِوَحيِهِ، دَاعِيًا خَلقَهُ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَصَدَعَ بِأَمرِهِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَعَبَدَهُ حَتَّى أَتَاهُ اليَقِينُ مِن عِندِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ أَفضَلَ صَلَاةٍ وَأَزكَاهَا وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، وَعَلَى آلهِ وَصَحبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحسَانٍ، أَمَّا بَعدُ:

فَقَدْ وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ الْمُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الخَامِسِ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ السِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ

الحديث الستون بعد المائة

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَامِسُ: عَنْ أَبِي عَبدِ اللهِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فقامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ فرأَى رَجلًا بَاديًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: «عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

الخَامِسُ: عَنْ أَبِي عَبدِ اللهِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا (قَالَ النَّوَوِيُّ عِندَ ذِكرِ هَذَا الصَّحَابِيِّ: رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا لِأَنَّ رَاوِي الحَدِيثِ صَحَابِيٌّ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ لذلك قال رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وهُوَ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيْرِ بنِ سَعْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ، الأَمِيْرُ، العَالِمُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، وَأُمُّهُ عَمرَةُ بِنتُ رَوَاحَةَ فَهُوَ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

 مُسْنَدُهُ: مائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيْثا، اتَّفَقَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِأَرْبَعَةٍ شَهِدَ أَبُوْهُ بَدْرًا، 

وَوُلِدَ النُّعْمَانُ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ قِيلَ: وُلِدَ قَبلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِثَمَانِي سِنِينَ وَسَبعَةِ أَشهُرٍ، وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ: النُّعمَانُ بنُ بَشِيرٍ أَكبَرُ مِنِّي بِسِتَّةِ أَشهُرٍ.

 وَسَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَعُدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الصِّبْيَانِ بِاتِّفَاقٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَولُودٍ لِلأَنصَارِ بَعدَ الهِجرَةِ فِي قَولٍ، 

وروي عن النعمان بن بشير أَنَّهُ قَالَ: إن أباه أتى بِهِ رسول الله ﷺ فقال: إِنِّي نَحَلتُ ابنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «أَكُلُّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثلَ هَذَا؟» [النُّحْلُ: العَطِيَّة وَالهِبَةُ ابتِداءً مِنْ غَيْرِ عِوَض وَلَا اسْتِحْقاق] قَالَ: لا، فقال رسول الله ﷺ: «فَأَرْجِعْهُ» 

[وَهُنَا مَسأَلَةٌ فِقهِيَّةٌ يُستَدَلُّ عَلَيهَا مِنْ حَدِيثِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَهِيَ مَا حُكْمُ التَّسوِيَةِ فِي العَطِيَّةِ بَينَ الأَولَادِ؟ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حُكمِ تَفضِيلِ بَعضِ الأَبنَاءِ بِالعَطِـيَّـةِ دُونَ البَعضِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَولُ أَحمَدَ وَغَيرِهِ، وَقَالَ بِهِ بَعضُ المَالِكِيَّةِ. وَذَهَبَ الجُمهُورُ إِلَى أَنَّ التَّسوِيَةَ مُستَحَبَّةٌ، فَإِنْ فَضَّلَ بَعضًا صَحَّ مَعَ الكَرَاهَةِ، وَاسْتُحِبَّتِ المُبَادَرَةُ إِلَى التَّسوِيَةِ أَوِ الرُّجُوعُ، إِلَّا لِعُذرٍ شَرعِيٍّ. العُذْرُ الشَّرعِيُّ كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الأَبنَاءِ كُلَّمَا وَهَبَهُ أَبُوهُ شَيئًا صَرَفَهُ فِي الحَرَامِ أَوْ عَصَى اللهَ بِهِ بِأَيِّ شَكْلٍ فَلَا يُعطِيهِ فَيُفَرِّقُ حِينَئِذٍ الأَبُّ فِي العَطِيَّةِ].

حَدَّثَ عَنِ النعمانِ بنِ بشيرٍ: ابْنُه؛ مُحَمَّدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، وَسَالِمُ بنُ أَبِي الجَعْدِ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ، وَكَانَ مِنْ أُمَرَاءِ مُعَاوِيَةَ؛ فَوَلَّاهُ الكُوْفَةَ مُدَّةً، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ دِمَشْقَ، ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَةَ حِمْصَ.

قَالَ سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ: كَانَ النُّعْمَانُ بنُ بَشِيْرٍ وَاللهِ مِنْ أَخْطَبِ مَنْ سَمِعْتُ. قِيْلَ: إِنَّ النُّعْمَانَ لَمَّا دَعَا أَهْلَ حِمْصَ إِلَى بَيْعَةِ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ، ذَبَحُوهُ. وَقِيْلَ: قُتِلَ بِقَرْيَةِ بِيْرِيْنَ، قَتَلَهُ خَالِدُ بنُ خَلِيٍّ بَعْدَ وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ، فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) قَالَ: سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: (ذَكَرنَا أنه كان من صغار الصحابة رضي الله عنهم فكان سماعه من النبي ﷺ وهو صغير، كابن عباس كان روى بعض الأحاديث عن النبي ﷺ وهو صغير، وكابن الزبير وكالحسن بن علي رضي الله عنهم): «لَتُسَوُّنَّ (قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هَذِهِ اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ، وَالْقَسَمُ هُنَا مُقَدَّرٌ) صُفُوفَكُمْ (أَيْ فِي الصَّلَاةِ)، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (قال النووي: قِيلَ مَعْنَاهُ يَمْسَخُهَا وَيُحَوِّلُهَا عَنْ صُوَرِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ: “يَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ”، [وهو ما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ»، وفي رواية لمسلم: «أَمَا يَخشَى الذِي يَرفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ»، قال النووي: هَذَا كُلُّهُ بَيَانٌ لِغِلَظِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ] 

وَقِيلَ في معنى: “لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ” يُغَيِّرُ صِفَاتِهَا، 

قال النووي: وَالْأَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَاهُ يُوقِعُ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ وَاخْتِلَافَ القُلُوبِ كَمَا يُقَالُ تَغَيَّرَ وَجْهُ فُلَانٍ عَلَيَّ أَيْ ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهِهِ كَرَاهَةٌ لِي وَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيَّ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَةٌ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَاخْتِلَافُ الظَّوَاهِرِ سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِنِ) (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: [لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ] أَيْ: إِنْ لَمْ تُسَوُّوا، وَالمُرَادُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الصَّفِّ.

 [وَسَدُّ الخَلَلِ فِي الصَّفِّ أَمرٌُ حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ الحَنِيفُ فَقَد أَمَرَ بِمُسَاوَاةِ الصَّفِّ، حَتَّى إِنَّ الفُقَهَاءَ يَقُولُونَ: مَنْ تَرَكَ مِنَ الْمُصَلِّينَ فُرْجَةً فِي صَفٍّ أَمَامَهُ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِسَدِّهَا فَلا يَحْرُم. مَعَ أَنَّ الحُكمَ هُنَا هُوَ الحَرَامُ أَنْ تَمُرَّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي صَلَاةً صَحِيحَةً أَيْ أَمَامَ الْمُصَلِّي، مَعَ حُصُولِ السُّتْرَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَيْ إذا اكْتَمَلَتْ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْسُّتْرَةِ الْمُعْتَبَرَة، بِأَنْ قَرُبَ الْمُصَلِّي مِنْ هذه السترة ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذِرَاعِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ وَكَانَتْ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ. وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي «مَعَ وُجُود الْسُّتْرَة» مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا «أَيْ سَنَةً» خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ كَبِيرِة». «أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سُتْرَةٌ أَوْ كَانَتْ بَعُدَتْ عَنْهُ أكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ ارْتِفَاعِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَمَرَّ شَخْصٌ أَمَامَ هَذَا الْمُصَلِّي فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَوْ بِلَا حَاجَة» «كَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي صَفٍّ أَمَامَهُ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِسَدِّهَا فَلا يَحْرُم»، «وَمُرُورُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدِي الْمُصَلِّي لا يُؤَثِّرُ عَلَى صِحَّةِ صَلاتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ هُنَاكَ سُتْرَةٌ أَمْ لا. الْجِدَارُ سُتْرَة وَالْخَطُّ أَيْضًا يَخُطُّ خَطًّا جِهَةَ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ حَتَّى لا يَمُرَّ مَارٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْخَطِّ لَا يَخُطُّ أَمَامَهُ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْبَرِّيَّة وَلَيْسَ عَلَى السَّجَاجِيدِ وَنَحْوِهَا» «فِي المَاضِي أَرْضُ الْمَسَاجِدِ كَانَتْ تُرَابًا كَانُوا يَخُطُّونَ خَطًّا بِجَانِبِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا حَتَّى لا يَمُرَّ مَارٌّ». فَإِذَا وُجِدَتِ السُّتْرَةُ سُنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْفَعَ الْمَارَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ السُّتْرَةُ فَلَيْسَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُزْعِجَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوِ اقْتَرَبَ مِنْهُ بِذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَمَنْ تَرَكَ مِنَ المُصَلِّينَ فُرْجَةً فِي صَفٍّ أَمَامَهُ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِسَدِّهَا فَلا يَحْرُم، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةُ سَدِّ الفُرُجَاتِ فِي صُفُوفِ المُصَلِّينَ وَأَنْ تَكُونَ مَسدُودَةً وَأَنْ تَكُونَ الصُّفُوفُ مُستَوِيَةً] [وَإِنَّ تَسوِيَةَ الإِمَامِ لِلصُّفُوفِ مِن أَعلَامِ العِنَايَةِ بِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ وَحِرصِ الإمامِ عَلى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ على أَتَمِّ وَجهٍ. تُرَبِّينَا عَلَى مَعَانِي الوَحدَةِ وَالنِّظَامِ وَالطَّاعَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَسوِيَةُ الصُّفُوفِ. فَحِينَ يُنَادِي المُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، يَجتَمِعُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، الغَنِيُّ بِجَانِبِ الفَقِيرِ، وَالكَبِيرُ بِجَانِبِ الصَّغِيرِ، وَالكُلُّ يَقِفُ صَفًّا وَاحِدًا مُتَسَاوِيًا، لَا تَميِيزَ وَلَا تَفَاوُتَ، وَكَأَنَّ الصَّلَاةَ تُعِيدُ تَرتِيبَ القُلُوبِ وَالأَجسَادِ. إِنَّ تَسوِيَةَ الصُّفُوفِ لَيسَتْ مِنَ الكَمَالِيَّاتِ، بَلْ هِيَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ مَظَاهِرِ الْتِزَامِ السُّنَّةِ، قَالَ ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ».

ما المقصود بتسوية الصفوف؟ وما أهميتها الشرعية؟

التَّسوِيَةُ لُغَةً: التَّعدِيلُ وَالتَّقوِيمُ، وَفِي الصَّلَاةِ مَعنَاهَا: أَن يَقِفَ المُصَلُّونَ صَفًّا وَاحِدًا مُتَرَاصًّا لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَلى الآخَرِ وَلَا يَتَأَخَّرُ مَعَ سَدِّ الفُرَجِ، كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَقَلبٌ وَاحِدٌ. وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى أَنَّ العِبرَةَ فِي التَّسوِيَةِ تَكُونُ بِالعَقِبِ، لَا بِأَطرَافِ الأَصَابِعِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحرِصُ عَلَى هَذَا الأَمرِ العَظِيمِ، وَيَأمُرُ أَصحَابَهُ بِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَيَقُولُ لَهُمْ: «سَوُّوا صُفُوفَكُم فَإِنَّ تَسوِيَةَ الصَّفِّ مِن تَمَامِ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. لَمْ يَقُلْ: مِنْ زِينَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ مِنْ سُنَنِهَا فَحَسْب، بَلْ قَالَ: “مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ”، أَيْ أَنَّ صَلَاتَكَ لَا تَكتَمِلُ فِي مَعنَاهَا وَأَثَرِهَا وَسُنَنِهَا إِلَّا إِذَا أُقِيمَ الصَّفُّ كَمَا أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ، مَعَ الإِتيَانِ بِغَيرِهِ مِنْ أَعمَالِ الصَّلَاةِ.

ما حكم تسوية الصفوف؟

مَا حُكمُ تَسوِيَةِ الصَّفِّ؟ وَمَاذَا لَوْ صَلَّيتَ فِي صَفٍّ مَائِلٍ أَوْ فِيهِ فُرَجٌ؟ إِنَّ تَسوِيَةَ الصُّفُوفِ لَيسَتْ مِنْ أَركَانِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَبطُلُ بِتَركِهَا، لَكِنَّهَا لَيسَتْ أَمْرًا يُسْتَهَانُ بِهِ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، يَنبَغِي لِلمُصَلِّينَ أَنْ يَحرِصُوا عَلَيهَا أَشَدَّ الحِرصِ. وَقَدْ كَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ “الأُمِّ”: “وَأُحِبُّ لِلإِمَامِ أَن يُسَوِّيَ بَينَ يَدَيهِ صُفُوفَ المُصَلِّينَ وَيَأمُرَهُم بِذَلِكَ فَإِنَّهُ أَبلَغُ فِي نِظَامِ الصَّفِّ”. فَعَدَّهَا مِنْ كَمَالِ الجَمَاعَةِ، وَمِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ العَظِيمَةِ، فَلَا يُستَخَفُّّ بِهَا، أَوْ يُظَنُّ أَنَّهَا شَيءٌ لَا مَكَانَةَ لَهُ، بَلْ هِيَ مِنْ عَلَامَاتِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَالِانقِيَادِ لِأَمرِ النَّبِيِّ ﷺ.

من الأحاديث الواردة في التسوية

ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُولِي تَسوِيَةَ الصُّفُوفِ عِنَايَةً خَاصَّةً، وَيُتَابِعُهَا بِنَفسِهِ قَبلَ أَنْ يَبدَأَ الصَّلَاةَ، وَيَأمُرُ بِهَا وَيُحَذِّرُ مِنْ تَركِهَا.

  • «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُم مِن وَرَاءِ ظَهرِي» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
  • «سَوُّوا صُفُوفَكُم فَإِنَّ تَسوِيَةَ الصَّفِ مِن تَمَامِ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
  • «لَتُسَوُنَّ صُفُوفَكُم أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَينَ وُجُوهِكُم» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
  • قَالَ بَعضُ الصَّحَابَةِ: «كَانَ النَّبِي يُقبِلُ عَلَينَا بِوَجهِهِ حَتَّى إِذَا قُمنَا صُفُوفًا قَالَ: استَوُوا لَا تَختَلِفُوا فَتَختَلِفَ قُلُوبُكُم» رَوَاهُ مُسلِمٌ.
  • «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَينَ المَنَاكِبَ وَسُدُّوا الفُرَجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

يُستَحَبُّ لِلإِمَامِ:

  1. أَنْ يَتَفَقَّدَ الصُّفُوفَ قَبلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ.
  2. أَن يَأمُرَهُم بِالتَّسوِيَةِ بِالقَولِ بِنَحوِ: استَوُوا، تَرَاصُّوا، أَقِيمُوا صُفُوفَكُم.
  3. أَنْ يُرَاقِبَ وُجُودَ الفُرَجِ فِي الصُّفُوفِ وَيَسُدُّهَا وَلَو احتَاجَ أَن يَمشِيَ إِلَيهَا.

وَبِالخُلَاصَةِ: إِن رَأَى الإِمَامُ اعوِجَاجًا فِي الصَّفِّ وَلَم يُبَادِرِ النَّاسُ إِلى تَسوِيَتِهِ يَجُوزُ لَهُ أَن يذهب وَيُعَدِّلَهُم بِيَدِهِ، وَيُستَحَبُّ لَهُ التَّفَقُّدُ دَومًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالسُّنَّةُ أَن يُقبِلَ الإِمَامُ عَلى الصُّفُوفِ قَبلَ أَن يُكَبِّرَ وَيَأمُرَهُم بِالتَّسوِيَةِ.

لماذا كل هذا التأكيد على هذا الأمر؟

لِأَنَّ الإِمَامَ قَائِدٌ لِجَمَاعَةٍ، وَقَدْ وُكِّلَ بِأَمَانَةٍ عَظِيمَةٍ، وَإِذَا صَلَحَتْ هَيئَةُ الجَمَاعَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صَلَاحِ حَالِهَا، وَإِذَا فَسَدَتْ أَوِ اضْطَّرَبَتْ، انْعَكَسَ ذَلِكَ غَالِبًا عَلَى أَدَائِهَا وَخُشُوعِهَا.

كيفية تسوية الصفوف في الصلاة

كَيفَ نُقِيمُ الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الوَجهِ الصَّحِيحِ؟ وَهَلْ هُنَاكَ تَفَاصِيلُ فِي هَيئَةِ الوُقُوفِ؟

نَعَمْ، فَقَدْ بَيَّنَ العُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ آدَابًا عَمَلِيَّةً يَنبَغِي أَنْ يَحرِصَ عَلَيهَا المُصَلُّونَ عِندَ الِاصطِفَافِ لِلصَّلَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي: (وَهَذِهِ الأَحكَامُ عَلَى مَذهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ):

  • الاصطِفَافُ على خَطٍّ مُستَقِيمٍ: بِحَيثُ لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَالعِبرَةُ فِي ذَلِكَ بِالعَقِبِ، لَا بِأَطرَافِ الأَصَابِعِ.
  • مُحَاذَاةُ المَنَاكِبِ وَالأَكتَافِ، فَكُلُّ مُصَلٍّ يَجعَلُ كَتِفَهُ مُحَاذِيًا لِمَنْ بِجِوَارِهِ، دُونَ مَيْلٍ أَوِ انْحِرَافٍ.
  • التَّرَاصُّ مِن غَيرِ أَذًى، أَي أَنْ يَقِفَ كُلُّ مُصَلٍّ بِجَانِبِ أَخِيهِ بِلَا فَجوَاتٍ، دُونَ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَيهِ أَوْ يُزعِجَهُ، فَيَكُونُ الصَّفُّ كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ.
  • سَدُّ الفُرَجِ إِن وُجِدَت وَيُستَحَبُّ التَّقَدُّمُ عِندَ وُجُودِ النَّقصِ.
  • وَيُكرَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ بِلَا عُذرٍ بَل الأَفضَلُ المُبَادَرَةُ إِلَيهِ.

وهذا الترتيب تعبدي، وليس فقط تنظيما بشريا

هُوَ تَرتِيبٌ تَعَبُّدِيٌّ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَغَايَتُهُ لَيسَ مُجَرَّدَ التَّرتِيبِ، بَلْ تَربِيَةُ النَّفسِ عَلَى الِانضِبَاطِ، وَتَعوِيدُ الجَسَدِ عَلَى الوُقُوفِ مَعَ الجَمَاعَةِ فِي نِظَامٍ وَاتِّحَادٍ، كَمَا أَنَّ فِيهِ إِظهَارًا لِجَمَالِ الإِسلَامِ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ.

مراتب الصفوف عند الشافعية

أَيُّ الصُّفُوفِ أَفضَلُ؟ وَهَلْ هُنَاكَ فَضلٌ خَاصٌّ لِلصَّفِّ الأَوَّلِ؟

الجَوَابُ: نَعَمْ، فَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلصُّفُوفِ مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ فِي الفَضلِ، خُصُوصًا فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَبَيَّنَ الشَّافِعِيَّةُ تَرتِيبَ هَذِهِ المَرَاتِبِ كَمَا يَلِي:

أَفضَلُ الصُّفُوفِ:

  • لِلرِّجَالِ أَوَّلُهَا خَلفَ الإِمَامِ مُبَاشَرَةً، ثُمَّ مَن كَان عَن يَمِينِهِ، ثُمَّ يَسَارِهِ، ثُمَّ الأَقرَبُ فَالأَقرَبُ.
  • وَلِلنِّسَاءِ آخِرُهَا خَلفَ الرِّجَالِ.

وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَولُهُ: «خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَقَدْ شَرَحَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا الحَدِيثَ بِقَولِهِ: “أَمَّا صُفُوفُ الرِّجَالِ فَهِيَ عَلَى عُمُومِهَا فَخَيْرُهَا أَوَّلُهَا أَبَدًا وَشَرُّهَا آخِرُهَا أَبَدًا أَمَّا صُفُوفُ النِّسَاءِ فَالْمُرَادُ بالحديث صُفُوفُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي يُصَلِّينَ مَعَ الرِّجَالِ وَأَمَّا إِذَا صَلَّيْنَ مُتَمَيِّزَاتٍ لَا مَعَ الرِّجَالِ فَهُنَّ كَالرِّجَالِ خَيْرُ صُفُوفِهِنَّ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَالْمُرَادُ بِشَرِّ الصُّفُوفِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَقَلُّهَا ثَوَابًا وَفَضْلًا وَأَبْعَدُهَا مِنْ مَطْلُوبِ الشَّرْعِ وَخَيْرُهَا بِعَكْسِهِ وَإِنَّمَا فَضَّلَ آخِرَ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْحَاضِرَاتِ مَعَ الرِّجَالِ لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ وَرُؤْيَتِهِمْ وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَةِ حَرَكَاتِهِمْ وَسَمَاعِ كَلَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَذَمَّ أَوَّلَ صُفُوفِهِنَّ لِعَكْسِ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ).

(وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخرَى فِي البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي.اهـوفي لفظ للبخاري: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا [بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: تَلَاصَقُوا بِغَيْرِ خَلَلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: أَقِيمُوا وَالْمُرَادُ: بِأَقِيمُوا سَوُّوا]؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي.اهـوفي رواية في مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ أَلَا يَنْظُرُ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ إِنِّي وَالله لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ.اهـوعند البخاري: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا وَالله مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي».اهـوَلَيسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا قَالَ بَعضُ الغُلَاةِ وَالمُفسِدِينَ حَيثُ قَالُوا بِزَعمِهِم: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخرُجْ مِنَ الدُّنيَا إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَفَاتِيحَ الغَيبِ وَصَارَ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ صَرِيحَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَسَاوَوا بَينَ الرَّسُولِ وَبَينَ اللهِ فِي صِفَةِ العِلمِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ هَذَا الغُلُوِّ، فَمِنَ المُقَرَّرِ بَينَ المُوَحِّدِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشبِهُهُ خَلقُهُ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَمِنْ صِفَاتِهِ العِلمُ بِكُلِّ شَىءٍ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} [سورة الأنعام/101]، فَلَوْ كَانَ يَصِحُّ لِغَيرِهِ تَعَالَى العِلمُ بِكُلِّ شَىءٍ لَمْ يَكُنْ للهِ تَعَالَى تَمَدَّحٌ بِوَصفِهِ نَفسَهُ بِالعِلمِ بِكُلِّ شَيءٍ، فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ بِكُلِّ شَيءٍ يَعْلَمُهُ اللهُ فَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولَ مُسَاوِيًا للهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ العِلمِ فَيَكُونُ كَمَنْ قَالَ الرَّسُولُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ، وَكَمَنْ قَالَ الرَّسُولُ مُرِيدٌ لِكُلِّ شَىءٍ، سَوَاءٌ قَالَ هَذَا القَائِلُ إِنَّ الرَّسُولَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىءٍ بِإِعلَامِ اللهِ لَهُ وَقَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ بِإِقدَارِ اللهِ لَهُ فَلَا مَخلَصَ لَهُ مِنَ الضَّلَالِ، وَالحَاصِلُ أَنَّ اللهَ هُوَ المُنفَرِدُ بِالإِحَاطَةِ بِالغَيبِ عِلمًا، لَا أَحَدَ مِنْ خَلقِهِ يُحِيطُ بِالغَيبِ عِلمًا، وَمَنِ اعتَقَدَ أَنَّ أَحَدًا غَيرَ اللهِ يُحِيطُ بِالغَيبِ عِلمًا فَقَدْ كَذَّبَ القُرءَانَ. وَقَدْ أَلَّفَ بَعضٌ رِسَالَةً ذَكَرَ فِيهَا أَنَّ اللهَ أَطْلَعَ الرَّسُولَ عَلَى كُلِّ مَا يَعلَمُهُ بِلَا اسْتِثنَاءٍ وَهَذَا مُصَادَمَةٌ لِلنُّصُوصِ كَقَولِهِ تَعَالَى: {قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلَّا مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [سورة الأعراف/188]، وَهَذَا غُلُوٌّ شَبِيهٌ بِغُلُوِّ النَّصَارَى فِي قَولِهِم: اتَّحَدَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ أَيْ اتَّحَدَ اللهُ بِزَعمِهِمْ بِالإِنسَانِ يَعنُونَ عِيسَى. وَكَيفَ يُعقَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ أَحَاطَ عِلمًا بِكُلِّ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ وَالظَّاهِرَةِ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ عِلمُ اللهِ تَعَالَى، وَعِلمُ اللهِ شَامِلٌ لِلجَائِزَاتِ العَقلِيَّةِ وَالمُستَحِيلَاتِ العَقلِيَّةِ وَالوَاجِبِ العَقلِيِّ، حَتَّى إِنَّ اللهَ يَعلَمُ مَا سَيَحْدُثُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ جُملَةً وَتَفصِيلًا. 

قَالَ مُفتِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ سَابِقًا الشَّيخُ السَّيِّدُ السُّنِّيُّ أَحمَدُ أَفَندِي بنُ إِسمَاعِيلَ البَرزَنجِيُّ الحُسَينِيُّ فِي كِتَابِهِ “غَايَةُ المَأمُولِ فِي تِتِمَّةِ مَنهَجِ الوُصُولِ فِي عِلمِ الأُصُولِ”: «وَمَنِ اعتَقَدَ تَسوِيَةَ عِلمِ اللهِ وَرَسُولِهِ يَكفُرُ إِجمَاعًا كَمَا لَا يَخفَى» وَأَمَّا هَذَا الحَدِيثُ الذِي نَحنُ فِي صَدَدِ بَيَانِ مَعنَاهُ فَلَا يُعطِي وَلَيسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ عَلَى الإِطلَاقِ أَوْ أَنَّهُ يُحِيطُ عِلمًا بِكُلِّ حَرَكَاتِ وَأَفعَالِ وَأَعمَالِ وَنَوَايَا العِبَادِ وَالخَلَائِقِ وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدِ افتَرَى فَقَولُهُ ﷺ: «وَالله مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي».اهـ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَدْ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرَى فِي بَعضِ أَحوَالِهِ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ. 

 وَقَالَ الفَقِيهُ العَينِيُّ شَارِحُ البُخَارِيِّ: «وَقَالَ الجُمهُورُ وَهُوَ الصَّوَابُ إِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَإِنَّ إِبصَارَهُ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ انْخَرَقَتْ لَهُ فِيهِ العَادَةُ وَلِهَذَا أَخرَجَ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ».

 فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ﷺ قَدْ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الرُّؤيَةِ كَمَا رَأَيتَ قَولَ الجُمهُورِ في ذَلِكَ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الذِينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُ ﷺ لَيسَ بَشَرًا وَأَنَّهُ يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ وَأَنَّهُ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ فَقَدْ كَذَّبُوا قَولَ اللهِ تَعَالَى: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ، وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، وَكَذَّبُوا قَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا فِي البُخَارِيِّ: «لَا أَعلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي» وَكَذَّبُوا قَولَهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى»)

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأنَّما يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ (قال النووي: القِدَاحُ بِكَسرِ القَافِ هِيَ خَشَبُ السِّهَامِ حِينَ تُنْحَتُ وَتُبْرَى وَاحِدُهَا قِدْحٌ بِكَسْرِ الْقَافِ مَعْنَاهُ يُبَالِغُ فِي تَسْوِيَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ كَأَنَّمَا يَقُومُ بِهَا السِّهَامُ لِشِدَّةِ اسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالِهَا)

حَتَّى إِذَا رَأَى (أَيْ: عَلِمَ، فَتَأتِي كَلِمَةُ “رَأَى” أَحيَانًا بِمَعنَى عَلِمَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ بِقَوْلِهَا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنَا خُصُوصَ الرَّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ إِنَّمَا الْمُرَادُ العِلمُ بِخُرُوجِهِ. فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ فِي اللُّغَةِ تَكُونُ لِلرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى العِلمِ) أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا (أَيْ فَهِمْنَا التَّسوِيَةَ) عَنْهُ (أَيْ لَمْ يَبْرَحْ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا اسْتِوَاءً إِرَادَةً مِنَّا وَتَعَلَّقْنَاهُ مِنْ فِعْلِهِ). ثُمَّ خَرَجَ يَومًا (أَيْ إِلَى الْمَسْجِدِ) فقامَ (أي فِي مَقَامِ الْإِمَامَةِ) حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ (أَيْ: قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ) فرأَى رَجلًا بَاديًا (بِالْيَاءِ، أَيْ: ظَاهِرًا خَارِجًا) صَدْرُهُ (أَيْ: مِنْ صُدُورِ أَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ)، فَقَالَ: «عِبَادَ الله (بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ قُرْبِهِمْ، وَقِيلَ: لَمْ يَنْهَهُ بِخُصُوصِهِ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ مُبَالَغَةً فِي السَّتْرِ)، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (قال النووي: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَسْوِيَتِهَا وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ لِمَصلَحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ لِغَيرِهَا أَوْ لَا لِمَصْلَحَةٍ) (وَقَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ مِنْ شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ: أَدَبُ الظَّاهِرِ عَلَامَةُ أَدَبِ الْبَاطِنِ، فَإِنْ لَمْ تُطِيعُوا أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي الظَّاهِرِ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلِ، فَيُورِثُ كُدُورَةً، فَيَسْرِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِكُمْ، فَيَقَعُ بَيْنَكُمْ عَدَاوَةٌ بِحَيْثُ يُعْرِضُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ.اهـ) (وَهَذَا الحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعَانٍ فِقهِيَّةٌ ذَكَرتُهَا إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَعنًى مُهِمًّا يَنبَغِي الإِشَارَةُ إِلَيهِ وَبَيَانُهُ وَهُوَ الأَمرُ بِالْتِزَامِ جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ وَالتَّحذِيرُ مِنْ مُخَالَفَةِ مَا أَجمَعُوا عَلَيهِ وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ حَيثُ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: [إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ]، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ الإِسلَامِيَّةِ وَالِاعتِصَامِ بِحَبلِ اللهِ أَيْ دِينِهِ وَسُنَّةِ نَبِـيِّهِ ﷺ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَـنْ عَـبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيْكُمْ كَمَقَامِ رَسُوْلِ اللهِ فِيْنَا فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَماعَةَ». يَظهَرُ لَنَا أَنَّ الشَّرْعَ الْحَنِيْفَ أَمَرَ بِالْتِزَامِ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ وَحَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فَإِنَّ فِي الْمُخَالَفَةِ لَهُمْ هَلَاكًا وَضَلَالًا مُبِيْنًا، فَيَنْبَغِيْ عَلَى مُرِيْدِ رِضَى اللهِ وَسَلَامَةِ دِيْنِهِ أَنْ يَعْرِفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْعَقِيْدَةِ وَالْأَحْكَامِ فَيَلْتَزِمَهُ. 

وَلُزُوْمُ الْجَمَاعَةِ لَا يَعْنِي الْبَحْثَ عَنِ الْأَكْثَرِ عَدَدًا أَوِ الْأَوْسَعِ شُهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ بَلْ لُزُوْمُ الْجَمَاعَةِ مَعْنَاهُ الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ الْمَوْرُوْثِ الثَّابِتِ عَنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَرَسُوْلِ الْأُمَّةِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَالْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، فَمُلْتَزِمُ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةِ هُوَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ قَاصٍ بَعِيْدٌ عَنِ الْحَقِّ وَلَوْ كَانَ حَوْلَهُ أُلُوْفُ الْأَصْوَاتِ وَالنَّوَاعِقِ، فَمَعْنَى الْجَمَاعَةِ هُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. 

وَقَدْ ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ وَالمُؤَاخَذَةِ وَالعِقَابِ قَلِيْلِهِ وَكَثِيرِهِ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِزَامِ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُمْ مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ، فهم حُمَاةُ الدِّينِ وَحُرَّاسُ العَقِيدَةِ وَالذَّابُّونَ عَنْ دِينِ اللهِ المُدَافِعُونَ عَنْهُ بِالحَالِ وَالمَقَالِ، وَهُمْ مَنِ اتَّبَعُوْا جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ وَنَثَرُوا عِلْمَهُمْ فِي البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَثَبَّتُوا مَنْهَجَ أَهْلِ الحَقِّ وَأَمْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لَمَّا اشتَدَّ الأَمرُ عَلَى المُسلِمِينَ مِن كَثرَةِ أَهلِ البَاطِلِ البِدعِيِّينَ وَإِذَاعَتِهِم الشُّبَهَ، اشتَغَلَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ فِي نُصرَةِ مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَتَبِعَهُ مَنْ أَخَذَ مِنهُ العِلمَ وَسَارَ عَلَى دَربِهِ مِن عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ صَارَ يُشَارُ إِلَيهِم بِالبَنَانِ، وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فَقَد قَامَا بِتَدوِينِ عِلمِ التَّوحِيدِ بِقَوَاعِدِهِ وَمَسَائِلِهِ، فَقَرَّرَا عَقَائِدَ أَهلِ السُّنَّةِ وَأَوضَحَاهَا إِيضَاحًا تَامًّا مَعَ الرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِينَ مِن مُعتَزِلَةٍ وَمُشَبِّهَةٍ وَغَيرِهِم، فَصَارَ كُلُّ أَهلِ السُّنَّةِ بَعدَ هَذَينِ الإِمَامَينِ يُنسَبُونَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَيُقَالُ لِبَعضِ أَهلِ السُّنَّةِ أَشعَرِيَّةٌ وَلِبَعضٍ مَاتُرِيدِيَّةٌ، وَكِلَا الفَرِيقَينِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ لَيسَ بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي أُصُولِ العَقَائِدِ، إِنَّمَا بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي بَعضِ فُرُوعِ العَقَائِدِ، وَهَذَا لَا يُعَابَانِ بِهِ، لِأَنَّ مِثلَ هَذَا حَصَلَ فِي الصَّحَابَةِ.

فَالَّذِي عَلَيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ هُوَ التَّوحِيدُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ وَكَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ حُمَاةُ الدِّينِ، كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِنْ خَلقِهِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامِ خَلَقَ المَكَانَ وَالزَّمَانَ لَا يُحَدُّ بِمَكَانٍ وَجِهَةٍ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ فَلَا ذَاتُهُ سُبحَانَهُ يُشبِهُ الذَّوَاتِ، وَلَا حَكَتْ صِفَاتُهُ الصِّفَاتِ، تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَرْكَانِ وَالأَدَوَاتِ لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ.

الخاتمة والخلاصة لشرح هذا الحديث المبارك

تَسوِيَةُ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ أَمرٌ عَظِيمٌ، جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَجَعَلَ اخْتِلَالَ الصَّفِّ سَبَبًا لِاختِلَافِ القُلُوبِ عَادَةً. فَلَيسَتْ تَسوِيَةُ الصَّفِّ مُجَرَّدَ تَرتِيبٍ شَكلِيٍّ، بَلْ هِيَ مِرآةٌ لِوَحدَةِ الأُمَّةِ، وَسُلُوكٌ تَعَبُّدِيٌّ يَدُلُّ عَلَى طَاعَةِ الجَمَاعَةِ، وَالتَّأكِيدِ عَلَى السُّنَّةِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَختَلِفُوا فَتَختَلِفَ قُلُوبُكُمْ». نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَرزُقَنَا تَعظِيمَ السُّنَّةِ، وَالعَمَلَ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَجعَلَنَا مِنْ أَهلِ الجَمَاعَةِ، صَفًّا وَاحِدًا، وَقُلُوبًا مُتَآلِفَةً، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.

الحديث الحادي والستون بعد المائة

الحَدِيثُ الذِي بَعدَهُ وَهُوَ الحَدِيثُ الحَادِي وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: السَّادِسُ: عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: احْتَرقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ عَلَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَأنِهِمْ، قَالَ: «إنَّ ‌هذِهِ ‌النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ، فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

السَّادِسُ (هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ ذِكرُ سُنَّةٍ نَبَوِيَّةٍ حَثَّ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ وَيَذكُرُهَا النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هُنَا بَعدَ ذِكرِ كُلِّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الِالتِصَاقُ بِسُنَّةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَحُثَّ عَلَيهَا وَهِيَ مِنَ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي لَا يَنبَغِي أَنْ نَغفُلَ عَنهَا): عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: احْتَرقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ عَلَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ (أَيْ: لَمَّا حُكِيَ وَأُخْبِرَ) رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَأنِهِمْ (أَيْ بِإِحْرَاقِ بَيْتِهِمْ)، قَالَ: «إنَّ ‌هذِهِ ‌النَّارَ (قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ النَّارِ نَارٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الِانْتِشَارِ.اهـ 

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالحَدِيثُ عَامٌّ يَدخُلُ فِيهِ نَارُ السِّرَاجِ وَغَيرُهُ، أَمَّا القَنَادِيلُ المُسرَجَةُ وَغَيرُهَا إِذَا أَمِنَ الضَّرَرَ كَمَا هُوَ الغَالِبُ فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا بَأسَ بِهِ.اهـ 

وَقَالَ الطَّبَرَيُّ: إِذَا بَاتَ الوَاحِدُ فِي بَيتٍ لَيسَ فِيهِ غَيرُهُ وَفِيهِ نَارٌ فَعَلَيهِ أَن يُطفِئَهَا قَبلَ نَومِهِ أَوْ يَفعَلَ بِهَا مَا يَأمَنُ مَعَهُ الِاحتِرَاقَ، وَإِنْ كَانَ فِي البَيتِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعضِهِم وَأَخَصُّهُمْ بِذَلِكَ آخِرُهُم نَومًا، فَمَتَى فَرَّطَ فِي ذَلِكَ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ) عَدُوٌّ لَكُمْ (أَي لَا تُوَافِقُ أَموَالَكُم وَلَا أَبدَانَكُم إِن بَاشَرَتهَا، بَل تُبَدِّدُهَا وَتَضُرُّهَا غَالِبًا كَمَا يُبَدِّدُ العَدُوُّ ذَلِكَ) (أَفرَدَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابًا فَقَالَ: بَابٌ: لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ.اهـ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي التَّحْذِيرِ عَنْ إِبْقَائِهَا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَنَافِعِ مَرْبُوطٌ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ بِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ)، فَإِذَا نِمْتُمْ (مِنْ نَامَ يَنَامُ أَيْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَنَامُوا، كَقَولِ المُؤَذِّنِ: قَد قَامَتِ الصَّلَاةِ أَيْ قَرُبَ قِيَامُهَا)، فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ (أَيْ مُجَاوِزِينَ إِضْرَارَهَا عَنْكُمْ) (أَي لَا تُوَافِقُ أَموَالَكُم وَلَا أَبدَانَكُم إِن بَاشَرَتهَا، بَل تُبَدِّدُهَا وَتَضُرُّهَا غَالِبًا كَمَا يُبَدِّدُ العَدُوُّ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا تَنفَعُكُم إِن أُحسِنَ استِخدَامُهَا بِوَسَائِطَ مُعَيَّنَةٍ، فَيَنبَغِي لِلعَاقِلِ أَن يَحذَرَ النَّارَ فَيَأخُذَ مِنهَا مَا يَنفَعُهُ وَيَحذَرَ أَن تُحرِقَهُ وَأَموَالَهُ)» (وَلِيُعلَم أَنَّ الأَمرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ لِلنَّدبِ لَا لِلوُجُوبِ، قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: جَمِيعُ أَوَامِرِ هَذَا البَابِ مِن بَابِ الإِرشَادِ إِلَى المَصلَحَةِ الدُّنيَوِيَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾ وَلَيسَ الأَمرُ الَّذِي قُصِدَ بِهِ الإِيجَابُ، وَغَايَتُهُ أَن يَكُونَ مِن بَابِ النَّدبِ) (وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ بِرِوَايَةٍ أُخرَى هِيَ أَعَمُّ وَأَشمَلُ وَهِيَ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَغلِقُوا الأَبوَابَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، وَأَكفِئُوا الإِناءَ، وَخَمِّرُوا الإِنَاءَ، وَأَطفِئُوا المِصبَاحَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَفتَحُ غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكشِفُ إِنَاءً، وَإِنَّ الفُوَيسِقَةَ تُضرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيتَهُم») (وَفِي هَذَا إِرشَادٌ إِلَى العَمَلِ بِالأَسبَابِ لِتَجَنُّبِ تَلَفِ الأَموَالِ وَالأَبدَانِ بِالنَّارِ، وَقَد بَيَّنَ سَبَبًا لِاشتِعَالِ النَّارِ فِي البَيتِ الَّذِي فِيهِ سِرَاجٌ غَيرُ خَامِدٍ وَذَلِكَ أَنَّ الفَأرَةَ قَد تَجُرُّ الفَتِيلَةَ فَيَقَعُ حَرِيقٌ فِي المَسكَنِ وَتَتلَفُ الأَموَالُ وَالأَبدَانُ).

وَهَذَا الحَدِيثُ الذِي ذَكَرتُهُ آخِرًا مَروِيٌّ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَغلِقُوا الأَبوَابَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، وَأَكفِئُوا الإِناءَ، وَخَمِّرُوا الإِنَاءَ، وَأَطفِئُوا المِصبَاحَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَفتَحُ غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءُ، وَلَا يَكشِفُ إِنَاءً، وَإِنَّ الفُوَيسِقَةَ تُضرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيتَهُم».

الشرح: لِيُعلَم أَنَّ الأَمرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ لِلنَّدبِ لَا لِلوُجُوبِ، قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: جَمِيعُ أَوَامِرِ هَذَا البَابِ مِن بَابِ الإِرشَادِ إِلَى المَصلَحَةِ الدُّنيَوِيَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾ وَلَيسَ الأَمرُ الَّذِي قُصِدَ بِهِ الإِيجَابُ، وَغَايَتُهُ أَن يَكُونَ مِن بَابِ النَّدبِ، بَل قَد جَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ قِسمًا مُنفَرِدًا بِنَفسِهِ عَنِ الوُجُوبِ وَالنَّدبِ.اهـ

قوله: «أَغْلِقُوا الأَبْوَابَ»: في رواية: «غَلِّقُوا» أي أَوْثِقُوا أبواب سكنكُم بِالغَلَقِ أي القُفْلِ ونَحوِه مع ذِكرِكُمُ اسم الله تعالى عِندَ إغلاقها، فإنَّ إيثاق الأبواب مع ذكر اسم اللهِ يَمْنَعُ الشَّيْطَانَ مِن دُخولِ الدَّارِ. قال أبو بكر ابن العربي: «هذا من القدرة التي لا يُؤْمِن بها إلا الموحد، وهو أن يكون الشَّيطانُ يتصَرَّف في الأمور الغريبة العجيبة ويتولج -أي يدخل- في المسام الضَّيِّقة فيُعجِزه الذكرُ عن حَلَّ الغَلَق والوكاء وعن التَّوَلُّج من سائر الأبواب والمنافذ».اهـ

ثم الأمر ليس مقصورًا على التحصن من أذى الشياطين، بل في ذلك من المصالح ما لا نحصيه. قال الحافظ العسقلاني: «قال ابن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية: حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد، ولا سيما الشياطين».اهـ هذا ناهيك عما في الذكر من الثواب والأجر وحصول البركة ورجاء المغفرة ورفعة الدرجات ونيل المقامات، فقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِن ذِكْرِ اللهِ».

قوله: «وَأَوْكُوا السِّقَاءَ»: وفي رواية: «وَأَوْكِئُوا» أي اربِطُوا فَمَ قِرْبَةِ الماء بالوكاء. والقربة وعاءٌ مِن جِلد يُخاط ويُعَدُّ لِيُجْعَل فيه الماء والشَّراب، وأما الوكاء فالخيط الذي يُربط به فم القربة.

قوله «وَأَكْفِئُوا الإِناءَ»: أو «وَاكْفُوا الإِناءَ» كما في رواية على لُغةِ النقل، وفي رواية: «خَمِّرُوا الإِناءَ» أي اقلبوه على فمه، وذهب بعضهم إلى ورود اللفظين عن النبي ﷺ، وقالوا: معناه أكفئوه إن كان فارغا وخَمِّرُوه أَي غَطُّوهُ إن كان فيه شيء.

وفي إكفاء الإناء الفارغ صيانةٌ له من أن يدخله هوام أو يقع فيه قذر، وهو أوسع من ذلك في الإناء الذي فيه شيء، وقد رَوَى مُسلِمٌ في صحيحه عن جابر بن عبدِ اللهِ قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ»، قَالَ اللَّيْثُ: فالأَعاجِمُ عِندَنا يَتَّقُونَ ذلكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ، أي يتوقَّعُونَه ويخافونه، و«كانون» غيرُ مَصرُوفٍ لأنه علم أعجمي، قاله النووي، وقول الليث رواه مسلم في صحيحه أيضًا.

قَولُهُ: «وَأَطفِئُوا المِصبَاحَ»: أَي أَخمِدُوا السِّرَاجَ، وَلَا يُسَمَّى مِصبَاحًا إِلَّا أَن يَكُونَ مُنِيرًا، فَإِن كَانَ مُطفَأً فَهُوَ فَتِيلٌ، قَالَهُ ابنُ العَرَبِيِّ.

وَفِي هَذَا إِرشَادٌ إِلَى العَمَلِ بِالأَسبَابِ لِتَجَنُّبِ تَلَفِ الأَموَالِ وَالأَبدَانِ بِالنَّارِ، وَقَد بَيَّنَ سَبَبًا لِاشتِعَالِ النَّارِ فِي البَيتِ الَّذِي فِيهِ سِرَاجٌ غَيرُ خَامِدٍ وَذَلِكَ أَنَّ الفَأرَةَ قَد تَجُرُّ الفَتِيلَةَ فَيَقَعُ حَرِيقٌ فِي المَسكَنِ وَتَتلَفُ الأَموَالُ وَالأَبدَانُ.

قوله: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ» إلى قوله «إِنَاءً»: أي إِنْ أُغلِقَ البَابُ وَأُوكِئَ السقاء وغُطِّيَ الإناء مقرونا بذكر اسم الله تعالى. وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم وابنُ حِبّانَ في صحيحيهما وبعضُ أصحاب السُّنَنِ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ»، وخطابُ الشَّيطان هو لأعوانه وإخوانه، والعشاء هو الطعام الذي يُؤكل في العَشِيَّةِ، وهو الوقت من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، ويُقال لهذا الوقت «العشاءانِ» تغليبًا. وفي الحديث بيان مشروعية ذكر الله تعالى عِندَ دُخولِ البَيتِ وعند الأكل وأن لذلك بركة ظاهرة.

قوله: «وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ إلخ»: أي الفأرة تسحب فتيلة السراج فيحترق البيت. و«تُضِرِمُ» أي تُلهِبُ وتُحرِقُ، وسُمِّيَت فُوَيسِقةً لأذاها وفَسَادِ فعلها.