المقدمة
الحَمدُ للهِ ((الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)). ثُمَّ قَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ، وَضَمِنَ الهُدَى فِي مُتَابَعَتِهِ.
فَقَالَ: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ))، وَشَهِدَ لَهُ بِالصِّدقِ فِيمَا قَالَهُ وَبَلَّغَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى))، أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ، فَأَكْرَمَنَا بِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ، وَعَلَّمَنَا مِنْهُمَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ، وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْنَا عَظِيمًا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَفْضَلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا عَلَىٰ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَأَرْفَعَهَا دَرَجَةً، وَأَسْنَاهَا ذِكْرًا، صَلَاةً تَامَّةً زَاكِيَةً، غَادِيَةً عَلَيْهِ وَرَائِحَةً، كَمَا قَدْ جَاهَدَ فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَأَخْلَصَ فِي إِرْشَادِ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، وَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ حَتَّىٰ أَتَاهُ الْيَقِينُ، وَأَنْ يُضَاعِفَ مِنْ بَرَكَاتِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا عَظِيمًا، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ الْمُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الثَّامِنُ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ
الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الثَّامِنُ: عَنْ جَابِرٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدَيَّ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. «الْجَنَادِبُ»: نَحْوُ الجَرَادِ وَالْفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّارِ. وَ«الْحُجَزُ»: جَمْعُ «حُجْزَةٍ» وَهِيَ مَعْقِدُ الإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
الثَّامِنُ: (هَذَا الحَدِيثُ يُعطِي مَعنَى أَهَمِّيَّةِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَعُقُوبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمرَهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ يُبَيِّنُ شَفَقَتَهُ وَرَحمَتَهُ بِأُمَّتِهِ ﷺ، وَهُوَ مِنَ الأَمثِلَةِ الَّتِي ضَرَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيَانِ أَنَّهُ يُرِيدُ وَيَسعَى لِإِنقَاذِ مَنْ شَاءَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَكِنَّ بَعضَهُمْ يُفلِتُ مِنهُ وَيَقَعُ فِي النَّارِ وَبَعضَهُمْ يَنجُو بِتَوفِيقِ اللهِ لَهُ) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلِي (أَيْ: صِفَتِي الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ مَعَكُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَوْ مَعَ النَّاسِ فِي دُعَائِيَ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ الْمُنْقِذِ لَهُمْ مِنَ النَّارِ وَمَثَلُ مَا تُزَيِّنُ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ مِنَ التَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ) وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ (وَالْمُرَادُ تَمْثِيلُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ لَا تَمْثِيلَ فَرْدٍ بِفَرْدٍ) أَوْقَدَ نَارًا (أَيْ نَارًا عَظِيمَةً، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)، فَجَعَلَ (أَيْ: شَرَعَ وَبَدَأَ) الْجَنَادِبُ جَمْعُ جُنْدُبٍ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَالْجِيمُ مَضْمُومَةٌ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَهُوَ عَلَى خِلْقَةِ الْجَرَادَةِ يَصِرُّ فِي اللَّيْلِ صَرَّا شَدِيدًا، وَقِيلَ: إِنَّ ذَكَرَ الْجَرَادِ يُسَمَّى أَيْضًا الْجُنْدُبَ) (قالَ الدَّمِيرِيُّ في كِتابِهِ حَياةِ الحَيَوانِ: الجُنْدُبُ، ضَرْبٌ مِنَ الجَرادِ، وقِيلَ: ذَكَرُ الجَرادِ، مُثَلَّثُ الدّالِ. والجَمْعُ جَنادِبُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحْفِرُ بِذِرَاعَيْهِ، ويَغُوصُ في الطِّينِ وفي الأرْضِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ، ورُبَّما يَطِيرُ في شِدَّةِ الحَرِّ أَيْضًا.
وفي حَديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، والجَنادِبُ يَنْفِرْنَ مِنَ الرَّمْضاءِ» أَي تَثِبُ مِن شِدَّةِ حَرارَةِ الأرْضِ)
وَالْفَرَاشُ (قَالَ ابنُ عَلَّانَ: قَالَ الخَلِيلُ: هُوَ الَّذِي يَطِيرُ كَالبَعُوضِ، (وَيُطْلَقُ الْفَرَاشُ أَيْضًا عَلَى غَوْغَاءِ الْجَرَادِ الَّذِي يَكْثُرُ وَيَتَرَاكَمُ.
وَقَالَ فِي كتاب الْمُحْكَمِ الْفَرَاشُ دَوَابٌّ مِثْلُ الْبَعُوضِ وَاحِدَتُهَا فَرَاشَةٌ، وَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ فِي الْمَحْشَرِ بِالْفِرَاشِ الْمَبْثُوثِ أَيْ فِي الْكَثْرَةِ وَالِانْتِشَارِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى الدَّاعِي، قال تعالى: [يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ]، قَالَ قَتَادَةُ: الْفَرَاشُ الطَّيْرُ الَّذِي يَتَسَاقَطُ فِي النَّارِ وَالسِّرَاجِ. الْوَاحِدُ فَرَاشَّةٌ، وَيُقَالُ: هُوَ أَطْيَشُ مِنْ فَرَاشَةٍ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخرَى: [كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ] [القمر: 7].
فَأَوَّلُ حَالِهِمْ كَالْفَرَاشِ لَا وَجْهَ لَهُ، يَتَحَيَّرُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، ثُمَّ يَكُونُونَ كَالْجَرَادِ، لِأَنَّ لَهَا وَجْهًا تَقْصِدُهُ. وَالْمَبْثُوثُ: الْمُتَفَرِّقُ وَالْمُنْتَشِرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْفَرَّاءُ: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ، يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. كَذَلِكَ النَّاسُ، يَجُولُ بعضهم في بعض إذا بعثوا)
(وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِمَوقِفِ الحَشرِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَكثَرُ النَّاسِ هَذَا حَالُهُمْ، كَالفَرَاشِ المَبثُوثِ، وَيَكُونُ الحَشرُ بَعدَ البَعثِ، الْبَعْثُ: وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِعَادَةِ الأَجْسَادِ الَّتِى كَانَتْ بَلِيَتْ وَإِعَادَةِ الأَرْوَاحِ إِلَيْهَا.فَالبَعْثُ حَقٌّ، وَهُوَ خُرُوْجُ الْمَوْتَى مِنَ القُبُوْرِ بَعْدَ إِعَادَةِ الجَسَدِ الَّذِي أَكَلَهُ التُّرابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِي يَأْكُلُهَا التُّرابُ، وَهِيَ أَجْسَادُ غَيرِ الأَنْبياءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالأَنْبِيَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَمِنْ أُمَّتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدَيِنْةِ وَالطَّائِفِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى البَعْثِ مِنَ القُرْءَانِ كَثِيْرٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ((وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ))، وَقَولِهِ: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)).
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ يُشْبِهُ الْمَنِيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْتَلِطُ بِالتُّرَابِ وَعَجْبِ الذَّنَبِ فَتُعَادُ الأَجْسَادُ الَّتِي أَكَلَهَا التُّرَابُ وَتُبْعَثُ، قَالَ تَعَالَى: ((كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ))، وَقَالَ أَيْضًا: ((وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا))،
ثُمَّ كُلُّ شَخْصٍ مِنْ أوَّلِ مَا يَخْرُجُ مِنَ القَبْرِ يَكونُ مَعَهُ مَلَكانِ، مَلَكٌ خَلْفُهُ وَمَلَك أمَامَهُ يَسُوقَانِهِ إلى حَيْثُ أمَرَهُمُ اللهُ أنْ يَأخُذُوهُ، قَالَ تَعَالَى: ((وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ))، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِيْنَ: أَحَدُ الْمَلَكَيْنِ يَسُوْقُهُ إِلَى الْمَحْشَرِ وَالآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ.
فائدة: يُحْيِي اللهُ تَعَالَى إِسْرَافِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَرْبَعِيْنَ عَامًا مِنَ النَّفْخَةِ الأُوْلَى الَّتِي مَاتَ بِهَا كُلُّ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، فَيَنْفُخُ إِسْرَافِيْلَ بَعْدَ أَرْبَعِيْنَ عَامًا النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فِي البُوْقِ فَيَقُوْمُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُوْرِهِم. وَالنَّفْخَتَانِ تَكُوْنُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الحَدِيْثِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا رِوَايَةً عَنْ مَشَايِخِهِم أَنَّ البَهَائِمَ تَتَهَيَّأُ كُلَّ جُمُعَةٍ لِيَوْمِ القِيَامَةِ، مَعَ أَنَّها لَيْسَتْ مُكَلَّفَةً، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ((وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ))، اللهم إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا يَا اللهُ.
فَالذِينَ لَا يَأكُلُ التُّرَابُ أَجسَادَهُم هُمْ:
- الأنبياء: سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُم رَسُوْلًا وَمَنْ لَم يَكُنْ، وَأَمَّا الدَّلِيْلُ عَلَى بَقَاءِ أَجْسَادِ الأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهَا لَا تَبْلَى الحَدِيْثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُم عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ” قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ، يَقُولُونَ: بَلِيتَ، فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ“. وَقَدْ أَفْرَدَ السُّيُوْطِيُّ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً تَضَمَّنَهَا الحَاوِي لِلْفَتَاوِي لَهُ، وَسَمَّاهَا إِنْبَاءَ الأَذْكِيَاءِ بِحَيَاةِ الأَنْبِيَاءِ.
- شهيد المعركة: وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَالِ الْكُفَّارِ حَالَ قِيَامِ الْقِتَالِ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ كَافِرٌ أَوْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُ نَفْسِهِ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ أَوْ وَطِئَتْهُ دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ لَا يُعْرَفُ هَلْ رَمَى بِهِ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ أَمْ بَقِيَ زَمَنًا ثُمَّ مَاتَ بِذَلِكَ السَّبَبِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ شَهِيْدَ مَعْرَكَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَبْلَىَ جَسَدُهُ مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ، فَهُوَ فِي مَدْفَنِهِ يَتَنَعَّمُ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَيَخْرُجُ إِلَى نَعِيْمٍ ءَاخَرَ، فَهُوَ فِي القَبْرِ يَصِلُهُ النَّعِيْمُ إِلَى جَسَدِهِ مِنْ أَثَرِ مَا يَكُوْنُ لِرُوْحِهِ الَّتِي تَكُوْنُ فِي الجَنَّةِ تَسْرَحُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فَتَتَنَعَّمُ حَيْثُ شَاءَ اللهُ لَهَا ذَلِكَ، فَيَبْقَى جَسَدُهُ طَرِيًّا لَا يَتَفَتَّتُ فِي مَكَانِهِ وَلَا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ وَلَا الهَوَامُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))، وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ السَّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَكَانَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ. وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ وَهُوَ كَذلِكَ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ. وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَعِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ فَانْثَعَبَ الدَّمُ فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ الدَّمُ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ فَكَأَنَّهُ نَائِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْتَ أَكْفِنَتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ بِهَا وَجْهُهُ وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ فَوَجَدْنَا النَّمِرَةَ كَمَا هِيَ وَالْحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَأَمَّا غَيْرُ شَهِيْدِ الْمَعْرَكَةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ كَالْمَبْطُوْنِ وَالغَرِيْقِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ لَم يَرِدْ أَنَّ لِأَحَدِهِم هَذِهِ الْمَزِيَّةَ الَّتِي يَنَالُهَا شَهِيْدُ الْمَعْرَكَةِ، وَيُفَارِقُهُم بِأَنَّهُم يُغَسَّلُوْنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِم وَأَمَّا هُوَ فَلَا، وَيُشَارِكُهُم فِي أَنَّ شَهِيْدَ الْمَعْرَكَةِ الْمُحْتَسِبَ وَغَيْرَهُ مِنْ شُهَدَاءَ مَاتُوا فِيمَا سِوَى القَتْلِ فِي سَبِيْلِ اللهِ ذَنْبُهُم مَغْفُوْرٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. - المؤذِّنُ سبعَ سِنينَ فما فوقُ مُحْتَسِبًا: أَيِ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا أُجْرَةٍ سَبْعَ سِنِيْنَ لَا يَنْوِي بِذَلِكَ إِلَّا ابِتْغَاءَ الثَّوَابِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيدِ الْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ إِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ“، وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُهُم بَعْضَ رُوَاتِهِ، لَكِنْ عُرِفَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ بِالْمُشَاهَدَةِ عِنْدَ قُبُوْرٍ فُتِحَتْ. وَأَمَّا تَقْيِيْدُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِسَبْعِ سِنِيْنَ لَا أَقَلَّ فَقَدْ فَهِمَهُ العُلَمَاءُ مِنْ الحَدِيْثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِيْنَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ“، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ.
- حافظ القرءان التَّقِيّ العاملُ به: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُكْرِمُهُ بِذَلِكَ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَحْفَظُ القُرْءَانَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَقَط، وَإِلَّا فَقَدْ حَفِظَهُ كَثِيْرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَأَهْلِ البِدَعِ وَمَاتُوا عَلَى عَقِيْدَةٍ فَاسِدَةٍ خَارِجِيْنَ عَنِ الإِسْلَامِ، بَلْ يَحوز هَذِهِ الْمَزِيَّةَ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّيْنِ الضَّرُوْرِيَّ وَعَمِلَ بِهِ وَحَفِظَ القُرْءَانَ فَكَانَ تَقِيًّا حَافِظًا لِلْقُرْءَانِ عَامِلًا بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ والسيوطي وابن عساكر عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: “إِذَا مَاتَ حَامِلُ القُرْءَانِ أَوْحَى اللهُ إِلَى الأَرْضِ أَنْ لَا تَأْكُلِي لَحْمَهُ” الحَدِيْثَ.
- العالم التَّقِيّ الْمُحْتَسِب: أَيِ العَالِمُ العَامِلُ بِعِلْمِهِ التَّقِيُّ الَّذِي لَا يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيْمِهِ النَّاسَ عُلُوْمَ الدِّيْنِ بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذِهِ الْمَزِيَّةُ لَم تَرِدْ فِي حَدِيْثٍ ثَابِتٍ مَرْفُوْعٍ بَلْ هِيَ مِمَّا عُلِمَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَتَحَدَّثَ بِهِ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِيْنَ عَمَّنْ شَاهَدَهَا، وَالأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ
- بعض الأولياء: وَلَيْسَ ذَلِكَ لِجَمِيْعِهِم، إِنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ الَّذِيْنَ خَصَّهَمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي الوَلِيِّ أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ، فَذَلِكَ عَرَضٌ يَطْرَأُ عَلَى الأَجْسَادِ عُمُوْمًا فِي القَبْرِ إِلَّا عَلَى مَنْ خَصَّهُ اللهُ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْمَزِيَّةُ لَم تَرِدْ فِي حَدِيْثٍ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ تَوَاتَرَتْ مُشَاهَدَتُهُ عِنْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ لِدَفْنِ مَيِّتٍ فَيَفْتَحُوْنَ قَبْرَ مَيِّتٍ دُفِنَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِيْنَ مَثَلًا فِي بَلَدٍ حَارٍّ كَالْمَدِيْنَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ مُعْتَدِلٍ كَبِلَادِ الشَّامِ وَيُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ بَلِيَ هذَا الأَوَّلُ فَكَانُوا يَجِدُوْنَ الكَفَنَ كَمَا هُوَ مُنْذُ دُفِنَ وَيَشْهَدُ لِلْمَيِّتِ الأَوَّلِ النَّاسُ بِأَنَّهُ كَانَ تَقِيًّا صَالِحًا مَعْرُوْفًا بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ بَلَدِهِ.
فَبَعدَ إِعَادَةِ الأَجسَادِ الَّتِي أَكَلَهَا التُّرَابُ وَخُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم تَسُوقُ المَلَائِكَةُ النَّاسَ مِن أَمَاكِنِهِم إِلَى أَرضِ المَحشَرِ، وَهِيَ بَرُّ الشَّامِ كَمَا وَرَدَ فِي بَعضِ الأَخبَارِ، فَإِنَّهُ يَجمَعُ اللهُ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ جَمِيعًا إِلَى مَوقِفِ الحِسَابِ بَعدَ أَن يُبعَثُوا مِن قُبُورِهِم، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: أَي قَبلَ نَسفِ الجِبَالِ وَتَبدِيلِ مَعَالِمِ الأَرضِ، وَذَلِكَ بَعدَ أَن يُبعَثَ المَوتَى مِن قُبُورِهِم، ثُمَّ يُحشَرُونَ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ، يُعَايِنُونَ فِيهِ نَسفَ الجِبَالِ وَتَسيِيرَهَا وَتَبدِيلَ الأَرضِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَهوَالِ، ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ لِلحِسَابِ، أَمَّا أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ فَهِيَ الشَّامُ، يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ إِلَيهَا، وَأُمُّ بَرِّ الشَّامِ فِلَسطِينُ، فَهِيَ الأَصلُ، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ أَكثَرُهُم كَانُوا فِي فِلَسطِينَ، إِبرَاهِيمُ وَابنُهُ إِسحَاقُ وَابنُهُ يَعقُوبُ وَابنُهُ يُوسُفُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كُلُّهُم قُبُورُهُم فِي فِلَسطِينَ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ المُرَادُ أَنَّ أَرضَ الشَّامِ تُمَدُّ لِتَكُونَ مَحشَرَ كُلِّ النَّاسِ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ المُرَادُ أَنَّهُم يَتَوَجَّهُونَ إِلَيهَا مِنَ النَّوَاحِي المُختَلِفَةِ وَإِن كَانَ قِسمٌ مِنهُمْ لَا يَصِلُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَهِيَ أَرضٌ مُستَوِيَةٌ كَالجِلدِ المَشدُودِ لَا جِبَالَ فِيهَا وَلَا وِديَانَ، أَكبَرُ وَأَوسَعُ مِن أَرضِنَا هَذِهِ، بَيضَاءُ كَالفِضَّةِ، فَإِنَّ النَّاسَ بَعدَ البَعثِ يُنقَلُونَ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ فَتُبَدَّلُ أَوصَافُ هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي خَرَجُوا مِنهَا، ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَيهَا بَعدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَشرُهُم عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: رُكْبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِهِم“، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِم؟، قَالَ: “الَّذِي أَمْشَاهُم عَلَى أَقْدامِهِم قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُم عَلَى وُجُوهِهِم“.
فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَقْوَالِ السَّلَفَ أنَّ النَّاسَ فِي الحَشْرِ يَكُوْنُوْنَ عَلَى ثَلَاثةِ أَحْوالٍ:
- قِسْمٌ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ علَى نُوْقٍ رحَائِلُها مِن ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتْقِياءُ.
- وَقِسْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ وَهُم الْمُسْلِمُوْنَ مِنْ أَهْلِ الكَبَائرِ.
- وقِسمٌ يُحشَرُونَ ويُجَرُّونَ على وجُوهِهم وهمُ الكفّارُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيْحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا“، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ ﷺ: “يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ“، فَإِنَّ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ شَدِيْدٌ، فَالأَنبِيَاءُ وَالأَتقِيَاءُ يَكُونُونَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا الذَّهَبُ) يَقَعْنَ فِيهَا (لِعَدَمِ إِدرَاكِهِنَّ بِمَا يَضُرُّهُنَّ) (قَالَ النَّوَوِيُّ: مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ الْمُخَالِفِينَ لَهُ بِالْفَرَاشِ وَتَسَاقُطَهُمْ فِي نَارِ الْآخِرَةِ بِتَسَاقُطِ الْفِرَاشِ فِي نَارِ الدُّنْيَا وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا اتِّبَاعُ الْهَوَى وَضَعْفُ التَّمْيِيزِ وَحِرْصُ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا مَثَلٌ كَثِيرُ الْمَعَانِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلْقَ لَا يَأْتُونَ مَا يَجُرُّهُمْ إِلَى النَّارِ عَلَى قَصْدِ الْهَلَكَةِ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَهُ عَلَى قَصْدِ الْمَنْفَعَةِ وَاتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ، كَمَا أَنَّ الْفَرَاشَ يَقْتَحِمُ النَّارَ لَا لِيَهْلِكَ فِيهَا بَلْ لِمَا يُعْجِبُهُ مِنَ الضِّيَاءِ. وقِيلَ إِنَّهَا تَكُونُ فِي ظُلْمَةٍ فَإِذَا رَأَتِ الضِّيَاءَ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا كُوَّةٌ يَظْهَرُ مِنْهَا النُّورُ فَتَقْصِدُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَتَحْتَرِقُ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّمْثِيلُ وَقَعَ عَلَى صُورَةِ الْإِكْبَابِ عَلَى الشَّهَوَاتِ مِنَ الْإِنْسَانِ بِإِكْبَابِ الْفَرَاشِ عَلَى التَّهَافُتِ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ جَهْلَ بَعضِ النَّاسِ أَشَدُّ مِنْ جَهْلِ الْفَرَاشِ; لِأَنَّهَا بِاغْتِرَارِهَا بِظَوَاهِرِ الضَّوْءِ إِذَا احْتَرَقَتِ انْتَهَى عَذَابُهَا فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ يَبْقَى فِي النَّارِ مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ أَبْدًا وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ) (وَهَذَا يَا أَحْبَابِي يُعْطِينَا إِشَارَةً وتَذْكِيرًا أَنْ لا يَتَجَرَّأَ الوَاحِدُ مِنَّا عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَوْ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً، واذْكُرْ وُقُوفَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلْحِسَابِ، فَإِنَّهُ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ شَدِيدٌ، إِلَّا عَلَى مَنْ هَوَّنَهُ اللهُ عَلَيْهِ وَنَجَا مِنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا، فَالثَّبَاتَ الثَّبَاتَ، وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا، فَتُبْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، لَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُؤْثِرَ مَا تَتَوَهَّمُهُ رَاحَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَلَا تُؤْثِرَنَّ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ،
قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: طُوبَى لِمَنْ غَسَلَ دَرَنَ الذُّنُوبِ بِتَوْبَةٍ، وَرَجَعَ عَنْ خَطَايَاهُ قَبْلَ فَوْتِ الأَوْبَةِ، وَبَادَرَ الْمُمْكِنَ قَبْلَ أَنْ لا يُمْكِنَ، مَنْ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنْ آفَاتِ دُنْيَاهُ سَلِمَ، وَمَنْ شَاهَدْتَهُ صَحِيحًا وَمَا سَقِمَ، وَأَيُّ حَيَاةٍ بِالْمَوْتِ لَمْ تَنْخَتِمْ، وَأَيُّ عُمْرٍ بِالسَّاعَاتِ لَمْ يَنْصَرِمْ، إِنَّ الدُّنْيَا لَغَرُورٌ حَائِلٌ، وَسُرُورٌ إِلَى الشُّرُورِ آيِلٌ، تُرْدِي مُسْتَزِيدَهَا وَتُؤْذِي مُسْتَفِيدَهَا، بَيْنَمَا طَالِبُهَا يَضْحَكُ أَبْكَتْهُ وَيَفْرَحُ بِسَلامَتِهِ أَهْلَكَتْهُ، فَنَدِمَ عَلَى زَلَلِهِ إِذْ قَدِمَ عَلَى عَمَلِهِ، وَبَقِيَ رَهِينَ خَوْفِهِ وَوَجَلِهِ، وَوَدَّ أَنْ لَوْ زِيدَ سَاعَةً فِي أَجَلِهِ، فَمَا هُوَ إِلا أَسِيرٌ فِي حُفْرَتِهِ، وَخَسِيرٌ فِي سَفْرَتِهِ، وَقَدْ قِيلَ:
سَبِيلُكَ فِي الدُّنْيَا سَبِيلُ مُسَافِرٍ وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لِكُلِّ مُسَافِر
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ: كُنْتُ يَوْمًا مَارًّا مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فِي صَحْرَاءَ، إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَبْرٍ مُسَنَّمٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَبَكَى. فَقُلْتُ: قَبْرُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ حُمَيْدِ بْنِ جَابِرٍ أَمِيرِ هَذِهِ الْمُدُنِ، كَانَ غَرِيقًا فِي بِحَارِ هَذِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا، لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ سُرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَلاهِي دُنْيَاهُ ثُمَّ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَنَامَ مَعَ مَنْ يَخُصُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَرَأَى رَجُلا وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ بِيَدِهِ كِتَابٌ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: تُؤْثِرُونَ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ، وَلا تَغْتَرَّ بِمُلْكِكَ وَسُلْطَانِكَ وَعَبِيدِكَ وولَدك، فَإِنَّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ جَسِيمٌ لَوْلا أَنَّهُ عَدِيمٌ، وَهُوَ مُلكٌ لَولَا أَنَّ بَعدَهُ هُلْكٌ، وَهُوَ فَرَحٌ وَسُرُورٌ لَوْلا أَنَّهُ لَهْوٌ وَغُرُورٌ، وَهُوَ يومٌ لَوْ كَانَ يُوثَقُ فِيهِ بغدٍ، فَسَارِعْ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . فَانْتَبَهَ فَزِعًا مَرْعُوبًا وَقَالَ: هَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَوْعِظَةٌ. فَخَرَجَ مِنْ مُلْكِهِ لا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ وَقَصَدَ هَذَا الْجَبَلَ فَتَعَبَّدَ فِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَنِي أَمْرُهُ قَصَدْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِبَدْءِ أَمْرِهِ وَحَدَّثْتُهُ بِبَدْءِ أَمْرِي فَمَا زِلْتُ أَقْصُدُهُ حَتَّى مَاتَ، وَهَذَا قَبْرُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.اهـ
هَذَا وَاللهِ حَالُ الخَائِفِينَ الصَّالِحِينَ المُوَفَّقِينَ، قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: خَرَجْتُ لَيْلَةً وَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ وَإِذَا عَلَيَّ لَيْلٌ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ بَابٍ صَغِيرٍ، وَإِذَا بِصَوْتِ شَابٍّ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِكَ مُخَالَفَتَكَ، وَقَدْ عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وَغَلَبَتْ عَلَيَّ شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمُرْخَى عَلَيَّ، وَالآنَ فَمِنْ عَذَابِكَ مَنْ يُنقِذُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي، وَاسَوْأَتَاهْ مِنْ مُرُورِ أَيَّامِي فِي مَعْصِيَةِ رَبِّي، يَا وَيْلِي! كَمْ أَتُوبُ وَكَمْ أَعُودُ، قَدْ حَانَ لِي أَنْ أَستَحِي مِنْ رَبِّي.
قَالَ مَنْصُورٌ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلامَهُ قُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاضْطِرَابًا شَدِيدًا وَمَضَيْتُ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَجَعْتُ، وَإِذَا جِنَازَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ، وَعَجُوزٌ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي لا تُجَدِّدْ عَلَيَّ أَحْزَانِي. قُلْتُ إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، قَالَتْ هَذَا وَلَدِي، مَرَّ بِنَا الْبَارِحَةَ رَجُلٌ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، فَلَمْ يَزَلِ ابْنِي يَبْكِي وَيَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ مَنْصُورٌ: هَكَذَا وَاللهِ صِفَةُ الخَائِفِينَ يَا ابنَ عَمَّارٍ.
وَقَدْ قَالَ بَعضُ الوَاعِظِينَ: يَا صَاحِبُ الْخَطَايَا أَيْنَ الدُّمُوعُ الْجَارِيَةُ، يَا أَسِيرَ الْمَعَاصِي ابْكِ عَلَى الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، يَا مُبَارِزًا بِالْقَبَائِحِ أَتَصْبِرُ عَلَى الْهَاوِيَةِ؟! يَا نَاسِيًا ذُنُوبَهُ وَالصُّحُفُ لِلْمُنْسَى حَاوِيَةٌ، أَسَفًا لَكَ إِذَا جَاءَكَ الْمَوْتُ وَمَا أَنَبْتَ وَاحَسْرَةً لَكَ إِذَا دُعِيتَ إِلَى التَّوْبَةِ فَمَا أَجَبْتَ كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا نُودِيَ بِالرَّحِيلِ وَمَا تَأَهَّبْتَ، أَلَسْتَ الَّذِي بَارَزْتَ بِالْكَبَائِرِ وَمَا رَاقَبْتَ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَرزُقَنَا تَوبَةً نَصُوحًا قَبلَ المَوتِ)،
وَهُوَ (أَيِ الرَّجُلُ المَضرُوبُ بِهِ المَثَلُ فِي الحَدِيثِ) يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا (أَيْ: يَمنَعُهُنَّ رَحْمَةً بِهِنَّ لِمَا يَعلَمُهُ مِنْ أَنَّ حَتفَهُمْ بِهَا) (وَهذا المَثَلُ المَضْرُوبُ هُنَا فِي هَذَا المَوْضِعِ مِنَ الحَديثِ، يُبَيِّنُ لَنا شَفَقَةَ سَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأُمَّتِهِ، وَحِرْصَهُ عَلَى نَجاتِهِم، فَهُوَ يُرِيدُ وَيَسْعَى لِإِنْقاذِهِم، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ هالِكٌ، ضالٌّ، فاسِدٌ، يُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَيُعَرِّضُها لِعَذابِ اللهِ، وَالعِياذُ بِاللهِ، آذَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ في نَفْسِهِ وَمالِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَهُوَ صابِرٌ عَلَيْهِم، يُرِيدُ لَهُمُ النَّجاةَ، صَبَرَ عَلَى قِلَّةِ المالِ وَالطَّعامِ وَالأَذى، لِأَجْلِ إِنْقاذِنا ﷺ، وَفي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ.
أحبابي: لقد زَيَّنَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكَانَت جَمِيعَ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فمن أصابه شيء مَنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً للعالمين) فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَممَاتُهُ رَحْمَةً كَمَا قَالَ ﷺ (حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ))،
وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ (وَهِيَ مَعْقِدُ الإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ) عَنِ النَّارِ (وَهُنا يُشِيرُ ﷺ، وَيُخَوِّفُنا مِنْ هذِهِ النَّارِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى الذُّنُوبِ، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ،
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى حَجَبَ قُلُوبَ الخَائِفِينَ عَنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَعَوَارِضِ الشُّبُهَاتِ.
وَفِي تَحقِيقِ هَذِهِ المَعَانِي قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُعْرَفُ بِدِينَارِ الْعِيَارِ وَكَانَ لَهُ وَالِدَةٌ صَالِحَةٌ تَعِظُهُ وَهُوَ لا يَتَّعِظُ فَمَرَّ فِى بَعْضِ الأَيَّامِ بِمَقْبَرَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا عَظْمًا تَفَتَّتَ فِى يَدِهِ فَفَكَّرَ فِى نَفْسِهِ. وَقَالَ وَيْحَكَ يَا دِينَارُ كَأَنِّى بِكَ وَقَدْ صَارَ عَظْمُكَ هَكَذَا رُفَاتًا وَالْجِسْمُ تُرَابًا فَنَدِمَ عَلَى تَفْرِيطِهِ وَعَزَمَ عَلَى التَّوْبَةِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ إِلَهِى وَسَيِّدِى أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ مَقَالِيدَ أَمْرِى فَاقْبَلْنِى وَارْحَمْنِى ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ أُمِّهِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أُمَّاهُ مَا يُصْنَعُ بِالْعَبْدِ الآبِقِ إِذَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ قَالَتْ يُخَشِّنُ مَلْبَسَهُ وَمَطْعَمَهُ وَيَغِلُّ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. فَقَالَ أُرِيدُ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ وَافْعَلِى بِى كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَبْدِ الآبِقِ فَفَعَلَتْ بِهِ مَا أَرَادَ فَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ فِى الْبُكَاءِ الشَّدِيدِ وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ وَيْحَكَ يَا دِينَارُ أَلَكَ قُوَّةٌ عَلَى النَّارِ كَيْفَ تَعَرَّضْتَ لِغَضَبِ الْجَبَّارِ وَلا يَزَالُ كَذَلِكَ إِلَى الصَّبَاحِ فَقَالَتْ أُمُّهُ يَا بُنَىَّ ارْفِقْ بِنَفْسِكَ قَالَ دَعِينِى أَتْعَبُ قَلِيلًا لَعَلِّى أَسْتَرِيحُ طَوِيلًا يَا أُمَّاهُ إِنَّ لِى غَدًا مَوْقِفًا طَوِيلًا بَيْنَ يَدَىْ رَبٍّ جَلِيلٍ وَلا أَدْرِى أَيُؤْمَرُ بِى إِلَى ظِلٍّ ظَلِيلٍ أَوْ إِلَى شَرِّ مَقِيلٍ. قَالَتْ يَا بُنَىَّ خُذْ لِنَفْسِكَ رَاحَةً قَالَ لَسْتُ لِلرَّاحَةِ أَطْلُبُ كَأَنَّكِ يَا أُمَّاهُ غَدًا بِالْخَلائِقِ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَنَا أُسَاقُ إِلَى النَّارِ مَعَ أَهْلِهَا. فَتَرَكَتْهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ فِى الْبُكَاءِ وَالْعِبَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ فَقَرَأَ بَعْضَ اللَّيَالِى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سُورَةَ الْحجر] فَفَكَّرَ فِى هَذِهِ الآيَةِ الْعَظِيمَةِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَجَعَلَ يَبْكِى حَتَّى غُشِىَ عَلَيْهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا فَقَالَتْ لَهُ يَا حَبِيبِى وَقُرَّةَ عَيْنِى أَيْنَ الْمُلْتَقَى. فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ يَا أُمَّاهُ إِنْ لَمْ تَجِدِينِى فِى مَوَاقِفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَاسْأَلِى مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ عَنِّى ثُمَّ شَهَقَ شَهْقَةً فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَغَسَّلَتْهُ أُمُّهُ وَجَهَّزَتْهُ وَخَرَجَتْ تُنَادِى أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلاةِ عَلَى قَتِيلِ النَّارِ فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ جَمْعًا وَلا أَغْزَرَ دَمْعًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمَّا دَفَنُوهُ نَامَ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَرَءَاهُ يَمْشِى فِى الْجَنَّةِ وَهُوَ يَقْرَأُ الآيَةَ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَيَقُولُ وَعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ سَأَلَنِى وَرَحِمَنِى وَغَفَرَ لِى وَتَجَاوَزَ عَنِّى أَلا أَخْبِرُوا عَنِّى أُمِّي. قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ بَعدَ رِوَايَةِ هَذِهِ القِصَّةِ: هَذِهِ وَاللَّهِ عَلامَةُ الْمُحِبِّينَ وَأَمَارَاتُ الصَّادِقِينَ وَصِفَاتُ الْمَحْزُونِينَ)،
وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ (يُقَالُ أَفْلَتَ مِنِّي وَتَفَلَّتَ إِذَا نَازَعَكَ الْغَلَبَةَ وَالْهَرَبَ ثُمَّ غَلَبَ وَهَرَبَ) (كَمْ مِنَ النَّاسِ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ هِدَايَتَهُ، وَسَعَى لِهِدَايَتِهِ لَيْلَ نَهَارَ، وَهُوَ هَالِكٌ، ضَالٌّ، مُضِلٌّ، مَاتَ كَافِرًا، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَكَمْ مِنَ النَّاسِ عَادَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَارَبَهُ، فَآمَنَ بعد ذلك وَنَجَا، فَهذَا أَبُو طَالِبٍ، عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَحْرِصُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى هِدَايَتِهِ وَإِيمَانِهِ، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ وَمَاتَ كَافِرًا، فَأَبُو طَالِبٍ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الإِسْلَامَ حَقٌّ، وَكَانَ يُدَافِعُ عَنِ النَّبِيِّ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أَذَى المُشْرِكِينَ، وَيُحِبُّهُ مَحَبَّةً كَبِيرَةً، حَتَّى قَالَ فِيهِ:
وَأَبيَضَ يُستَسقَى الغَمَامُ بِوَجهِهِ
ثِمَالُ اليَتَامَى عِصمَةٌ لِلأَرَامِــلِ
وَلَكِنَّهُ مَعَ كُلِّ هذَا كَانَ كَافِرًا، مَا أَسْلَمَ خَوْفًا مِنْ أَنْ تُعَيِّرَهُ الْعَرَبُ، فَكَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ كُلَّمَا أَمَرَهُ بِالإِسْلَامِ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: ((يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)). فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)). [أَي لَأَطْلُبَنَّ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَكَ فَتَدْخُلَ فِي الإِسْلَامِ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ؛ أَيْ: مَا لَمْ يُوحَ إِلَيَّ بِأَنَّكَ تَمُوتُ كَافِرًا، وَلَكِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، بَلْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ أَنْ قَالَ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَّ عَلِيًّا رضي اللهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (اذْهَبْ فَوَارِهِ)، فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: (اذْهَبْ فَوَارِهِ) قَالَ: فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي: (اغْتَسِلْ). وَلَمْ يَخرُجِ النَّبِيُّ ﷺ فِي جِنَازَةِ عَمِّهِ وَلَمْ يَستَغفِرْ لَهُ بَعدَ وَفَاتِهِ]، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَولَهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة/ الآية 113]، وَقَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص/ الآية 56]، أَيْ: إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ، لَا تَخْلُقُ الهِدَايَةَ فِي قَلْبِ مَنْ أَحْبَبْتَ لَهُ الهِدَايَةَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الهِدَايَةَ فِي قَلْبِ مَنْ شَاءَ لَهُ الهِدَايَةَ، بِعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ. وَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ خَالِدٌ فِي النَّارِ، وَهُوَ أَقَلُّ الكُفَّارِ عَذَابًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ عَذَابُهُ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى عِندَ البُخَارِيِّ قَالَ: (فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ). أَبُو طَالِبٍ الَّذِي عَايَنَ مِنْ حَيَاةِ الرَّسُولِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، مَاتَ وَهُوَ يَرَى المُعْجِزَاتِ وَالعَجَائِبَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَعَ ذَلِكَ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ كَافِرًا، نَسْأَلُ اللهَ حُسْنَ الخِتَامِ.
أَبُو طَالِبٍ كَانَ شَاعِرًا بَلِيغًا فَصِيحًا، سَمِعَ القُرْآنَ، وَعَلِمَ حَقِيقَتَهُ، وَعَلِمَ صِدْقَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاللهِ، مَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالَّذِي يَدْعُوهُ مَنْ؟ رَسُولُ اللهِ بِنَفْسِهِ يَدْعُوهُ، وَيُحِبُّ لَهُ الهِدَايَةَ، وَيَسْعَى جَاهِدًا لِيُسْلِمَ، وَهُوَ ﷺ المُؤَيَّدُ بِالمُعْجِزَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا آمَنَ، مَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، هُوَ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ، يَعْرِفُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا أَجَابَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ. أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمّــدٍ
مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًـا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ
لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا
(هَذَا مِثَالٌ عَمَّنْ تَفَلَّتَ مِنْ يَدِ النَّبِيِّ إِلَى النَّارِ وَلَمْ يُؤمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وبالمقابل أذكر مثالا عمن أدركه لطف الله وآمن برسول الله ﷺ، مثل عكرمة رضي الله عنه ابن أبي جهل عدو الله وفرعون الأمة، وكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَمَا فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى عُمَانَ حِينَ ارْتَدُّوا، فَظَفِرَ بِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّامَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْكَرَادِيسِ. وَكَانَ يُقَبِّلُ الْمُصْحَفَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي. واحْتَجَّ بِهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِكْرِمَةُ مَحْمُودَ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ.
مِنْ يَدَيَّ» (قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ تَسَاقُطَ الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ في نارالآخرة وَحِرْصِهِمْ عَلَى الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ مَعَ مَنْعِهِ إِيَّاهُمْ وَقَبْضِهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْمَنْعِ مِنْهُمْ بِتَسَاقُطِ الْفَرَاشِ فِي نَارِ الدُّنْيَا لِهَوَاهُ وَضَعْفِ تَمْيِيزِهِ وَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ سَاعٍ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ).
(ومِثْلُ هذا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللهُ تَعَالَى عَنْهُما أَنَّهُ قالَ: تَقْتَتِلُونَ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، تَتَهَافَتُونَ عَلَى النَّارِ تَهَافُتَ الذُّبَابِ فِي المَرَقِ)
(وَهذا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ المَهْدِيَّ مَنْ هَدَاهُ اللهُ، وَأَنَّ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ هُوَ المُهْتَدِي، وَأَنَّ الَّذِي قُدِّرَ عَلَيْهِ الضَّلَالُ، لَا بُدَّ أَنْ يَضِلَّ، وَلَوْ سَعَى نَبِيُّنَا ﷺ لِهِدَايَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَفعَالُ العِبَادِ وَكُلُّ مَا يَدخُلُ فِي الوُجُودِ مِن أَعيَانِ الأَشيَاءِ وَأَعرَاضِهَا، كَحَرَكَةِ العَبدِ وَسُكُونِهِ وَإِدرَاكِهِ وَخَوَاطِرِهِ وَنِيَّاتِهِ مِن خَيرٍ وَشَرٍّ وَإِيمَانٍ وَطَاعَةٍ وَكُفرٍ وَمَعصِيَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلمِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَقَدَرِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَقَضَاءِ اللهِ الأَزَلِيِّ، فَمَشِيئَةُ اللهِ وَعِلمُهُ وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ سَابِقٌ أَي لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ كَمَا أَنَّ ذَاتَ اللهِ المُقَدَّسَ لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. وَقَدْ رَوَى الحَافِظُ أبُو نُعَيم عَنِ ابنِ أَخِي الزُّهرِيِّ عَن عَمِّهِ الزُّهرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ يُحِبُّ قَصِيدَةَ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ الَّتِي مِنهَا هَذِهِ الأَبيَاتُ، وَهِيَ:
إِنَّ تَقوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَل
وَبِإِذنِ اللهِ رَيثِي وَعَجَل
أَحمَدُ اللهَ فَلَا نِدَّ لَهُ
بِيَدَيهِ الخَيرُ مَا شَاءَ فَعَل
مَن هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهتَدَى
نَاعِمَ البَالِ وَمَن شَاءَ أَضَل
وَمَعنَى قَولِهِ: إِنَّ تَقوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَل، أَي خَيرُ مَا يُعطَاهُ الإِنسَانُ. وَمَعنَى قَولِهِ: وَبِإِذنِ اللهِ رَيثِي وَعَجَل، أَي أَنَّهُ لَا يُبطِئُ مُبطِئٌ وَلَا يُسرِعُ مُسرِعٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَبِإِذنِهِ. وَقَولِهِ: أَحمَدُ اللهَ فَلَا نِدَّ لَهُ، أَي لَا مِثلَ لَهُ. وَقَولِهِ: بِيَدَيهِ الخَيرُ، أَي وَالشَّرُّ، وَإِنَّمَا اقتَصَرَ عَلَى ذِكرِ الخَيرِ مِن بَابِ الِاكتِفَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، [سورة النحل: 81]، أَي وَالبَردَ لِأَنَّ السَّرَابِيلَ تَقِي مِنَ الأَمرَينِ لَيسَ مِنَ الحَرِّ فَقَط. وَقَولِهِ: مَا شَاءَ فَعَل، أَي مَا أَرَادَ اللهُ حُصُولَهُ لَا بُدَّ أَن يَحصُلَ وَمَا أَرَادَ أَلَّا يَحصُلَ فَلَا يَحصُلُ. وَقَولِهِ: مَن هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهتَدَى، أَي مَن شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَكُونَ عَلَى الصِّرَاطِ الصَّحِيحِ المُستَقِيمِ اهتَدَى)
(إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: الإِنسَانُ مُخَيَّرٌ أَم مُسَيَّرٌ؟ فَالجَوَابُ أَن يُقَالَ: إِنَّ الإِنسَانَ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، فَالإِنسَانُ لَهُ اختِيَارٌ لَكِنَّهُ لَا يَخرُجُ عَن مَشِيئَةِ اللهِ، فَمَشِيئَةُ الإِنسَانِ يَخلُقُهَا اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]، فَلَا يُقَالُ الإِنسَانُ لَهُ اختِيَارٌ مُستَقِلٌّ عَن مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَا يُقَالُ الإِنسَانُ لَا مَشِيئَةَ لَهُ، الإِنسَانُ يَكتَسِبُ أَعمَالَهُ فَقَط أَي يُوَجِّهُ قَصدَهُ نَحوَهَا وَلَا يَخلُقُهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾، [سورة البقرة: 286].
وَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَن سَيِّدِنَا عَليٍِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ، فَقَالَ: سِرُّ اللهِ فَلا تَتَكَلَّف، فَلَمَّا أَلَحَّ السَّائِلُ، قَالَ: أَما إِذَا أَبَيتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَينَ أَمرَينِ لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ) (وَفِي بَابِ القَدَرِ أُحَذِّرُكُمْ مِنْ بَعضِ العِبَارَاتِ الَّتِي تَنتَشِرُ بَينَ النَّاسِ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِقَوَاعِدِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ: فَلَا يُقَالُ إِنَّ شَيئًا يحَصُلَ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ خَيرًا أَم شَرًّا.
وَلَا يُقَالُ لَا سَمَحَ اللهُ، لَا يُقَالُ لَا قَدَّرَ اللهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَحصُلُ فِي العَالَمِ هُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ. وَلَا يُقَالُ اللهُ يَظلِمُكَ، وَلَا يُقَالُ اللهُ يَظلِمُكَ كَمَا ظَلَمتَنِي، لِأَنَّ الظُّلمَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ. وَلَا يَجُوزُ الِاعتِرَاضُ عَلَى اللهِ، فَهُوَ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ) رَوَاهُ مُسلِمٌ. «الْجَنَادِبُ»: نَحْوُ الجَرَادِ وَالْفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّارِ. وَ«الْحُجَزُ»: جَمْعُ «حُجْزَةٍ» وَهِيَ مَعْقِدُ الإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ.