المقدمة
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِيَدِهِ الإِيجَادُ وَالإِنْشَاءُ، وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ، وَالإِنْعَامُ وَالآلاءُ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ، وَالْعَافِيَةُ وَالْبَلاءُ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، خَلَقَ آدَمَ فَجَعَلَهُ أَوَّلَ الأَنبِيَاءِ، وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ فَانْجَلَتْ عَنْهُ الظَّلْمَاءُ، وَعَرَّفَهُ خَطَّ الْخَطِّ وَأَوْحَى إِلَيْهِ بِحُرُوْفِ الْهِجَاءِ، أَحْمَدُهُ بِتَوْفِيقِي لِحَمْدِهِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَأُقِرُّ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ رَاكِبٍ حَوَتْهُ الْبَيْدَاءُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُصَاحِبِهِ إِنْ وَقَعَتِ الشِّدَّةُ أَوِ الرَّخَاءُ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي دَوَّخَ الْكُفْرَ فَذَلَّتْ لَهُ الأَعْدَاءُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ دُونَ الْكُلِّ الإِخَاءُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي تَوَسَّلَ بِهِ الصَّحَابَةُ فَنَزَلَ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاء: أما بعد:
الحديث
الثَّالِثُ وَالعِشرُونَ: عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَينَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ بَيْنَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
الشرح
قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه: الثَّالِثُ وَالعِشرُونَ (أي الحديث الثَّالث والعشرون من باب في بيان طرق الخير، وهو الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (هو عدي بن حاتم الطائي وقد مرت ترجمته معنا في رياض الصالحين) قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (قال ابن الأثير: أَيْ نصفِ تَمْرَةٍ، يُرِيدُ أَنْ لَا تَسْتَقِلوا مِنَ الصَّدقة شَيْئًا).
وهنا لي إشارة ووقفةٌ وهي: أولا: الذي يجوز أن تشمله مغفرة الله هو المؤمن وليس الكافر، فيتبين لنا من هذا الحديث أن المؤمنين هم المخاطبون بهذا الحديث.
فقوله عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا النَّارَ»: أي أبعدوا أنفسكم عن النار بسبب هذا الفعل الذي أذكره لكم، فنفهم من هذا الحديث أن شق التمرة أي نصف التمرة عندما تتصدق به إذا قبله الله منك قد يكون سببا في إبعاد وجهك عن النار أيها المؤمن، أي إن شق التمرة قد يكون سببا في مغفرة المعصية الكبيرة عنك، شق التمرة أي نصفها لا تتعلق به النفس عادة فإذا تصدقت به بنية خالصة لله عز وجل وقبله الله منك قد يكون سببا في مغفرة ذنوب كبائر عنك وبالتالي تُعتَق وتنفك عن نار جهنم.
مَن تفكر في هذا الحديث كيف يقصر في الصدقة ولا سيما على من يحتاج ويتعفف ويعاني ذل المسألة يعاني ذل سؤال الناس فيتجنب السؤال أصلا، كم من ضرورة للمسلمين قصَّر الأغنياء في سدها، نصف تمرة يؤدي إلى هذا الفضل، فكيف بمن يملك ما يشتري به ألوفا من الأطنان من التمر ويقصر في قرش ودينار ودولار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وربنا يقول: [ثم لتسألن يومئذ عن النعيم]
قال الرازي: وعن عائشة: «كان بَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ فَقَدَّمَتْهُ إِلَى نِسْوَةٍ بِحَضْرَتِهَا، فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَمَرَتْ لَهُ بِحَبَّةٍ مِنْ ذَلِكَ الْعِنَبِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ فِيمَا تَرَوْنَ مَثَاقِيلَ الذَّرَّةِ وَتَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)».
وَلَعَلَّهَا كَانَ غَرَضُهَا التَّعْلِيمَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَانَتْ فِي غَايَةِ السَّخَاوَةِ.
رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إِلَيْهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي غِرَارَتَيْنِ، فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَجَعَلَتْ تَقْسِمُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ: يَا جَارِيَةُ فُطُورِي هَلُمِّي فَجَاءَتْ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَقِيلَ لَهَا: أَمَا أَمْسَكْتِ لَنَا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ».
وروى الحميدي عن أبي دَاوُدَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ شُعْبَةَ نَكْتُبُ مَا يُمْلَى، فَسَأَلَ سَائِلٌ، فَقَالَ شُعْبَةُ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقْ أَحَدٌ، فَقَالَ شُعْبَةُ: تَصَدَّقُوا، فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . فَلَمْ يَتَصَدَّقْ أَحَدٌ. فَقَالَ: تَصَدَّقُوا، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَنِي، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» . فَلَمْ يَتَصَدَّقْ أَحَدٌ فقال فَإِنَّ مُحْلا الضَّبِّيَّ حَدَّثَنِي، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاسْتَتِرُوا مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» . فَلَمْ يَتَصَدَّقْ أَحَدٌ، فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي، فَوَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكُمْ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَأَخْرَجَ عَجِينًا لَهُ، فَأَعْطَاهُ السَّائِلَ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا، فَإِنَّهُ طَعَامُنَا الْيَوْمَ.
وفي الترمذي قال ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَكْسُو مُسْلِمًا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ عز وجل مَا دَامَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رِقْعَةٌ».
قال عروة بن الزبير: «لَقَدْ تَصَدَّقَتْ عائشة رضي الله عنها بِخَمْسِينَ ألفًا وإن درعها لمرقع».
وقال مجاهد في قول الله عز وجل: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيما وأسيرًا”: فقال: وهم يشتهونه.
وكان عمر رضي الله عنه يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْفَضْلَ عِنْدَ خِيَارِنَا لَعَلَّهُمْ يَعُودُونَ بِهِ على ذوي الحاجة منا».
وجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:
يَا عُمَرَ الْخَيْرِ، جُزِيتَ الْجَنَّةَ,
إِنَّ بَنَاتِي عُرَاةٌ فَاكْسُهُنَّهْ
أٌقْسِمْ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ,
فَقَالَ عُمَرُ: «وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا؟» قَالَ:
إِذًا أَبَا حَفْصٍ لأَذَهْبَنَّهُ.
قَالَ: «فَإِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا؟» قَالَ:
والله عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهُ,
يَوْمَ تَكُونُ الأُعْطِيَاتُ ثَمَّهْ,
وَالْوَاقِفُ الْمَسْئُولُ بَيْنَهُنَّهْ,
إِمَّا إِلَى نَارٍ وَإِمَّا إِلَى جَنَّةْ.
فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا غُلامُ، أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ لا لِشِعْرِهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابن أبي الجعد إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتَدْفَعُ سبعين باباً مِنَ السُّوءِ وَفَضْلُ سِرِّهَا عَلَى عَلَانِيَتِهَا بِسَبْعِينَ ضعفا.
وقال لقمان لابنه إذا أخطأت خطيئة فأعط الصدقة
وقال يحيى بن معاذ ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة وقال عبد العزيز بن أبي رواد كان يقال ثلاثة من كنوز الجنة كتمان المرض وكتمان الصدقة وكتمان المصائب
وكان عبد الله بن عمر يتصدق بالسكر ويقول سمعت قول الله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ والله يعلم أني أحب السكر.
وقال إبراهيم النخعي إذا كان الشيء لله عز وجل لا يسرني أن يكون فيه عيب.اهـ وقال الحسن لو شاء الله لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم ولكنه ابتلى بعضكم ببعض.
وقال الشعبي أنت إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقتك. ويقال إن الحسن مر به نخاس ومعه جارية فقال للنخاس أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين قال لا قال فاذهب فإن الله عز وجل رضي في الحور العين بالفلس واللقمة.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَينَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ (هذا الحديث فيه بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة في أمرين، وهما إثبات صفة الكلام لله عز وجل على ما يليق به سبحانه كما سأشرحها، والأمر الثاني فيه إثبات الحساب يوم القيامة وأن الله تعالى هو الذي يحاسب العباد، كما سأبين، فالأمر الأول نقول في عقيدة أهل الحق أهل السنة والجماعة في مسألة كلام الله تعالى: إن الله تعالى يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ وَاحِدٍ لا يَتَتَابَعُ وَلا يَتَقَطَّعُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً وَلا يُشْبِهُ كَلامَنَا وَلَكِنَّهُ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْءَانَ الْمُعْجِزَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بِلِسَانِ قَوْمِهِ عِبَارَةً عَنْ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَأْلِيفِ بَشَرٍ وَلا مَلَكٍ فَيُسَمَّى هَذَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ لِذَلِكَ كَلامَ اللهِ.
فَاللهُ عَزّ وجلّ هو الْمُتْكَلِّمُ بكلامٍ أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا مُحْدَث ولا مجعول، ولا هو حرف ولا صوت،. فكلام الله تعالى قديم وهو صفةٌ كسائر صفات ذاته الواجبة له سبحانه، لا بداية له ولا نهاية، وجميع صفات ذاتِه مقدَّسةٌ عن النقص والمماثلة لغيره من الحادثات.
قال أبو بكر الكلاباذي رحمه الله في كتابه “التعرُّف”: “مَن تَكَلَّم بالحروف فهو معلول، ومن كان كلامُه باعتقاب فهو مضطر” اهـ، وكلام الله تعالَى ليس كذلك. ثُمّ لَا يَصِحّ عقلًا ولا نقلًا وصف كلام الله تعالى بشىء من صفات المخلوقين كائنًا ما كان، فقد جَلّ وتنزَّهَ كلامه عن الابتداء والانتهاء، والتحديد والتبعيض، واللَّحْن والإعراب، والانقطاع والسكوت والاتصال بمعنى التتابع والتعاقب كالذي يحصل للأجزاء الحادثة المتعاقبة في كلام المخلوقات، بل كلامه عزّ وجَلّ لا يشبه ذلك كُلَّه. فالحرف والصوت مِمّا يوصَف به الخلق، أمّا كلامه تعالى فلا يَسْبِقُ بعضه بعضًا بل كلامه كُلُّه كلام واحد أزليّ، ويستحيل أن يَسْبِقَ الأزليُّ أزلِيًّا. والصَّوابُ الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبةً أنه لا يبلغ أحَدٌ مَبْلَغًا في إدراك حقيقة صفة الكلام الأزليّة لله سبحانه وتعالى.
إنّما الذين سمعوا كلامه الذاتي وهم في الدنيا ثلاثة: محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم، وجبريل أمين الوحي ورئيس الملائكة الكرام عليهم السلام.. فالذين سمعوا كلام الله فهموا مراد الله لكن بدون إحاطة بحقيقة صفة الكلام لله.
أمّا يوم القيامة فيسمع جميعُ العباد كلام الله الذي لا يشبه كلام أحدٍ مِن العالَمين، بدليل قول النبيّ صلى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه البخاري والترمذي وابن ماجه وغيرهم: “مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ”.
وأمّا ما جاء في الحديث الآخَر الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: “ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم” فَمْعَنَى “وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم” أَنَّهُ لَا يُكْرِمُهُم بَل يُهِينُهُم، ومَعْنَى “لَا يُكَلِّمُهُم” أنَّهم لا يَفْرَحون حين يَسْمَعُون كلام الله كما يفرح الأتقياء، أما سماعُ كلامه تعالى فهو حاصل لأولئك الثلاثة ولغيرهم من المؤمنين والكافرين. فالذين يسمعون كلام الله حال كونهم مرضِيِّين عند الله مقبولين لديه فإنّه يحصل لهم من الفرح والسرور ما لا يُوصَف، وأما الكُفّار فإنهم لا يشعرون بأمْنٍ بل يُصيبهم خوف عظيم وقلق مَتِينٌ لا يُوصَف، وأمّا بعض عصاة المسلمين أهل الكبائر فإنهم يكونون في حالة بين هؤلاء وبين هؤلاء.
وهذا الموقف الذي يَقِفُه العبد يوم القيامة ويسمع فيه كلام الله ليس هو كوُقوف إنسانٍ أمام مَلِكٍ من الملوك بأن يكون بَيْنَه وبين ذلك الْمَلِك مَسافة ومُقابَلة بِجَهةٍ، بل وقوف العبد بين يدي الله تعالى في الآخرة ليس بحصول كيفية لله ولا هيئة لأنّه لا يجوز عليه ذلك.
وقد خالَف في مسألة الكلام أصناف وهم المعتزلة والمشبِّهة المجسِّمة:
- فأمّا المعتزلة فقالوا: “كلام الله تعالى صفة فعل مخلوق، وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ كَلَّم مُوسَى بكَلامٍ أَحْدَثَهُ في الشَّجَرة”. فهُم قائلون بأنَّ اللّه تعالى متكلّم بمعنَى أنّه فاعل وخالق للكلام في غيره، ونسبة الكلام إليه تعالى هو على زعمهم من جهة أنّه فاعله ومُوجِدُه فقط لا أنّ الكلام قائم بذاته أي ثابت له.
- وأمّا المشبِّهة المجسِّمة فقالوا: “الحروفُ المقطعة التي في المصحَف والأجسام التي يكتب عليها والألوان التي يكتب بها وما بين الدَفَّتَيْن كلّها قديمة أزلية”. وقالوا: “إنّ المتكلّم إنّما هو من قام به الكلام، وقالوا الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا والحرف والصّوت قائمان باللّه تعالى”.
وهذا الادّعاء من المجسِّمة تهافُتٌ وفساد ظاهر من قائله وتحكُّم لا دليل عليه ولا برهان، فالحروف والأصوات مخلوقة
وقد بيّنّا أنّ عقيدة أهل السّنة والجماعة في كلام الله تعالى الذاتيّ أنّه ليس حروفًا متعاقبة ككلامنا ولا صوتًا، وأنّه إذا قرأ القارئ مِنّا كلامَ الله أي القرءان الذي هو اللّفظ المنَزَّل فإنّ قراءَته بحرف وصوت ليست أزلية لا محالة، لأنّ ما يقوم بالحادث لا يَصِحّ عقلًا ولا نَقلًا أن يكون أزَلِيًّا لا مبدأ له.
ثمّ الكتب المنَزَّلة على بعض أنبياءِ الله كالقرءان والتوراة والإنجيل والزَّبُور، وغير ذلك مما أنزله الله على رُسُلِه، هي عبارات عن كَلامِ الله الذاتيّ الذي لا يُقَيَّد بِزَمان ولا يُصَوَّرُ بحروف ولا أصوات ولا يُوصَف بابتِداء ولا اختتام ولا انقطاع ولا استئناف وغير ذلك من أوصاف الْمُحْدَثات.
والعِبارات غَيرُ الْمُعَبَّر عنه، ولذلك فإنّ العبارات يَصِحّ أن تختلف باختلاف الألْسِنة واللُّغات، وأمّا كلام الله فواحِدٌ أزليّ أبديّ، ولذا فإنّه لَمّا عُبِّرَ عن كلام الله الذاتي بحروف عَرَبِيّة كانت العِبارات قرءانًا، ولَمّا كان ذلك بالعِبْرانية كانت العبارات تَوراةً، ولَمّا كان ذلك بالسُّريانية كانت العبارات إنجيلًا وزَبُورًا. فالاختلاف في العبارات دُونَ الْمُعَبَّر عنه، لأنّ كلام الله يستحيل عليه التغَيُّر والتعدُّد كما يستحيل ذلك على جميع صفاتِ الله عزَّ وجَلّ. فحروف القرءان اللفظ المنَزّل حادثة، والْمُعَبَّر عنه بها هو كلام الله الذاتي الذي ليس حروفًا ولا أصواتٍ. وقد صَرَّح العلماء، الأشاعرة منهم والماتريدية، على أنّ القرءان قد يطلق على الكلام الذاتي القديم كما أنه يطلق على النَّظْم الْمَتْلُوّ الحادث وهو الآيات والسُّوَر. فتبَيَّن مِمّا قَدَّمْنَا أنَّ القُرءان له إِطْلَاقانِ:
الأوّل: إطلاقه على كلام الله الذاتي الأزلي الأبدي الذي لا يَتَجَزّأ ولا يَتَبَعَّض، الذي ليس عَرَبِيًّا ولا سُرْيانِيًّا ولا غيرهما مِن اللُّغات، فالقرءان بهذا المعنى قديمٌ قَطْعًا، وهو كلام الله الذاتيّ الذي لا يُشبِه كلام العالَمِين، والأدلة على هذا كثيرة جِدًّا.
والثّاني: إطلاقُه على اللفظ المنَزَّل على سيّدنا محمَّد عليه الصلاة والسلام، ويُسَمَّى هذا اللفظ كلامَ الله أيضًا لأنه دَالٌّ على كلام الله الذاتيّ وهو عبارة عنه. والأَدِلّة على صحة هذا الإطلاق على الكلام المقروء في المصاحف كثيرةٌ أيضًا، منها:
- قول الله تعالى: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)) أي حتى يسمع هذه الحُرُوف والألفاظ المخلوقة المنَزَّلَة على سَيِّدنا محمَّد، إذ كلُّ الأنبياء سوى محمد وموسى، وقيل: ءادم، ليس فيهم من سمع كلام الله الذاتي في الدُّنيا فَضْلًا عن أن يَسْمَعَهُ أحَدٌ مِن الكُفّار.
- وقوله تعالى: ((يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ)) حيث سَمَّى الله تعالَى القرءان “كلامَ الله”، وكلامُ الله تعالى الذاتيّ الذي هو صِفَته لا يَلْحَقُه تَغَيُّر أو عَرَضٌ لأنّ ذلك كلَّه مِن معانِي وأوصاف الحادثات.
فيَتَلَخَّصُ مِمّا مَضَى أن القرءان له إطلاقان، وأنّ كلام الله له إطلاقان أيضًا، فأما تسمية الكلام الذاتي لله “كلام الله” فظاهِرٌ لا يحتاج إلى تأويل، وأما تسمية اللفظ المنَزَّل “كلام الله” فهو لِأَمْرَين: كونُه يَدُلّ على كلام الله الذاتي الذي لا يُشْبِه كلام غيره، وكونه ليسَ من تأليف جِبْرِيل عليه السلام ولا مِن تأليف سَيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
| كلام الله الذاتيّ | |||
| أهل السُنّة والجماعة | المعتزِلة | الجَهْميّة | المشَبِّهة المجسِّمة |
| مذهبهم سَلَفًا وخَلَفًا أنّ كلام الله الذاتيّ أزليّ أبديّ، كسائر صِفاتِه، ليس حرفًا ولا صوتًا، لا يُبتدَأ ولا يُخْتَتَم ولا يتعاقَب ولا يتقَطَّع، لا يُشْبِه كلام أحدٍ مِن المتكَلِّمين | مذهبهم أنّ الله مُتَكَلِّم بكلام ليس هو قائمًا بِذَاتِه أي ثابِتًا له بل بكلامٍ يَخْلُقُه في غيره ويُسَمَّى بذلك “مُتَكَلِّمًا” | مذهبهم أنّ الله له كلام يَخْلُقُه في غيرِه لكنّه لا يُسمَى بذلك “مُتَكَلِّمًا” | مذهبهم أنّ الله مُتَكَلِّم بكلام هو حروفٌ وأصوات مُتَعَدِّدة، يَحْدُث في ذاته ثم يَنْقَطِع ثم يَحْدُث ثم يَنْقَطِع |
والمسألة الثانية المثبتة من هذا الحديث الشريف هي الحساب، فكل الناس يحاسبون على أعمالهم يوم القيامة، فَالْحِسَابُ حَقٌّ أَيْ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. وَهُوَ لُغَةً: العَدَدُ، وَفِي الاصْطِلَاحِ: عَرْضُ أَعْمَالِ العِبَادِ عَلَيْهِم يَوْمَ القِيَامَةِ، كُلٌّ مَعَهُ كِتَابُهُ الَّذِي كُتِبَ فِيْهِ مَا عَمِلَ، وَيَكُونُ بِتَكْلِيْمِ اللهِ لِلْعِبَادِ جَمِيْعِهِم فَيَسْمَعُوْنَ كَلَامَ اللهِ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَا يُشْبِهُ كَلَامَ العَالَمِيْنَ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكُوْنُ سَاكِتًا قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ العِبَادَ لِحِسَابِهِم ثُمَّ يَمْضِي زَمَانٌ فَيَتَكَلَّمُ إِذَا اجْتَمَعُوا لِلْحِسَابِ، حَاشَا للهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسْمِعُهُم كَلَامَهُ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَذْهَانِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، فَهُوَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِكَلَامٍ وَاحِدٍ لَا بِدَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ لَا يُبْتَدَأُ وَلَا يُخْتَتَمُ وَلَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَتَقَطَّعُ وَلَا يُسْتَأْنَفُ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ فِي الفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وَيتَكَلَّم لَا كَكَلَامِنَا وَيَسْمَعُ لَا كَسَمْعِنَا، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلَاتِ وَالحُرُوْفِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَكَلَّم بِلَا ءَالَةٍ وَلَا حُرُوْفٍ، وَالحُرُوْفُ مَخْلُوْقَةٌ، وَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوْقٍ”.
وَيَفْهَمُ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ الله السُؤَالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِي أَعْطَاهُمُ اللهُ إِيَّاهَا، فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ، وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِيْنَ فَيَكُوْنُوْنَ عَلَى حَالَيْنِ: قِسْمٌ مِنْهُم يُصِيْبُهُم خَوْفٌ وَانْزِعَاجٌ، وَقِسْمٌ لَا يُصِيْبُهُم ذَلِكَ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَلَا يُسَرُّ لِأَنَّهُ لَا حَسَنَة لَهُ فِي الآخِرَةِ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الخَوْفُ وَالانْزِعَاجُ وَالخَجَلُ وَالتَّضَايُقُ وَالقَلَقُ وَيَكَادُ يَغْشَاهُ الْمَوْتُ وَلَكِنْ لَا يَمْوُتْ، وَكَذَلِكَ لَا يَمُوْتُ مَهْمَا يُصِيْبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَهَنَّمَ وَقَبْلَ دُخُوْلِهَا، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((ويأتيه الموتُ)) أَيْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ ((وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ، وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)).
وَالدَّلِيْلُ عَلَى الحِسَابِ مِنَ القُرْءَانِ: قَوْلُهُ تَعَالُى: ((إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ)) وَقَوْلُهُ: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)) وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ((وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ.
وَأَمَّا مِنَ الحَدِيْثِ: فَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيْمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيْمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ”، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَأَبِي مَنْصُوْرٍ البَغْدَادِيِّ فِي الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ وَالإِيْجِيِّ فِي الْمَوَاقفِ وَغَيْرِهِمَا.
وقد ثبت في الشرع أخذ العباد كتبهم يوم القيامة أي الكتب التي كتبت فيها الملائكة ما عملوه من خير وشر في الدنيا وقد ثبت في صحفهم قبل موتهم.
فيجب الإيمان بإعطاء العباد صحائف أعمالهم وذلك معلوم بإجماع الأئمة كما أنه قبل ذلك مِنَ الْقُرْءَانِ والحديث الثابت، والدليل عليه من القرءان ءايات: كقوله تعالى: ((وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا))
وقوله جل جلاله: ((يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا))
وقوله عز شأنه: ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا))
وأما من الحديث: فقد روى الترمذي وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللهِ: ((يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ )) قَالَ: “يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ، فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِنْ بُعْدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ فَيَقُولُ لَهُمْ: أَبْشِرُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلُ هَذَا، قَالَ: وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَيُلْبَسُ تَاجًا، فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، اللَّهُمَّ لاَ تَأْتِنَا بِهَذَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا”). (قال عليه الصلاة والسلام في تتمة الحديث:) فَيَنْظُرُ (أي العبد المحاسَبُ) أَيْمَنَ مِنْهُ (إلى جهة اليمين) فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ (قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: نَظَرُ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ هُنَا كَالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَطْلُبُ الْغَوْث. وقال ابن حجر: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَجِدَ طَرِيقًا يَذْهَبُ فِيهَا لِيَحْصُلَ لَهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى النَّارِ)، وَيَنظُرُ بَيْنَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ (قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تَكُونُ فِي مَمَرِّهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحِيدَ عَنْهَا، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ)، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ (قال ملا علي القاري: أي إِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ فَاحْذَرُوا مِنْهَا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا فَتَصَدَّقُوا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَيْ: لَوْ بِمِقْدَارِ نِصْفِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، وَالْمَعْنَى وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ; فَإِنَّهُ حِجَابٌ وَحَاجِزٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ; فَإِنَّ الصَّدَقَةَ جُنَّةٌ وَوَسِيلَةٌ إِلَى جَنَّةٍ)،
(قال ابن حجر: أَيِ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً مِنَ الصَّدَقَةِ، وَعَمَلِ الْبِرِّ، وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ (وقال بعضهم يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة فقال إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام وحسنَ الكلام. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم إِنَّ فِي الجنة لغرفًا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام.
وقال معاذ بن جبل قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث ووفاء العهد وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ وَحِفْظِ الْجَارِ وَرَحْمَةِ اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وخفض الجناح.
وفي مسلم قال أنس رضي الله عنه عرضت لنبي الله صلى الله عليه وسلم امرأة وقالت لي معك حاجة وكان معه ناس من أصحابه فقال اجلسي في أي نواحي السكك شئت أجلس إليك ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها)
(ففي هذا الحديث الحث على الصدقة ولو بالقليل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة. وقال عليه الصلاة والسلام: لا يمنعكم من معروف صغرهُ. وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “رُدُّوا السَّائلَ، ولو بظِلْفٍ مُحرَّقٍ”، أي: أعطُوا السَّائلَ، ولو ظِلْفًا مُحرَّقًا، أي: أُحرِقَ مِن النَّارِ، والظِّلْفُ مِن الحيوانِ كالظُّفرِ مِن الإنسانِ، والمرادُ: أعطُوه ولو كان شيئًا يسيرًا. وقال عليه السلام: لا تحقروا اللقمة فإنها تعود يوم القيامة كالجبل العظيم. ثم تلا: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ).
ويروى عن الرسول: مهور الحور العين فِلَق الخبز وقبضات التمر.
(وتمام قصة هذا الحديث في السيرة وعند البيهقي في الدلائل عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ (المرأة) تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ»، قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ (بضم الدال المهملة وتشديد العين المهملة: جمع داعر، وهو الشاطر الخبيث المفسد الفاسق، والمراد: قطاع الطريق) الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلادَ، «وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى»، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: ” كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهُ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرجمان يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولا فَيُبْلِغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالا، وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلا يَرَى إِلا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَلا يَرَى إِلا جَهَنَّمَ”، قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارُ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّ تَمْرَةٍ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: «يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ». قال البيهقي بعد إيراده هذه الرواية بتمامها: قُلْتُ: وَقَدْ صَدَّقَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الثَّالِثَةِ في زمن عمر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه) وقال الشافعي: وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ رَحِمَكَ اللهُ إنَّهُ مَرَّتْ بِنَا سِنُونَ ثَلَاثَةٌ، أَمَّا إِحْدَاهَا فَأَهْلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَأَنْضَتِ اللَّحْمَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَخَلُصَتْ إِلَى الْعَظْمِ وَعِنْدَكَ مَالٌ، فَإِنْ يَكُ لِلَّهِ فَأَعْطِ عِبَادَ اللهِ، وَإِنْ يَكُ لَكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهِ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: ” لَوْ أَنَّ النَّاسَ يُحْسِنُونَ أَنْ يَسْأَلُوا هَكَذَا مَا حَرَمْنَا أَحَدًا”.
نسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتصدقين في الليل والنهار سرا وعلانية وأن يتقبل منا بجاه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ….)».
(خاتمة: من فهم هذا الحديث وعلم أن الذي يحاسب العباد هو رب العباد سبحانه، يقبل إلى عمل الآخرة بلا توانٍ ولا تأخر ولا ترك، بل يكون بكليته مقبلا إلى طاعة الله عز وجل تاركا لفضول الكلام والفعل والملهيات، وهذا معنى الحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، أي أن تترك كل ما لا ينفعك في الآخرة، أَبْقِ في صحيفتك فقط الذي تنتفع به في الآخرة، ما سواه دعه واتركه، لا تلتفت إليه).
أسئلة فقهية
هل خروج الريح من قُبل الرجل والمرأة ناقض للوضوء؟
الجواب: خروج الريح من القُبل (للذكر والأنثى) مسئلة خلافية، منهم من قال (كالشافعية) ناقض ومنهم من قال ( كالمالكية) غير ناقض.
ما معنى عدِّ ابنِ دَقيقِ العِيْد لجَوْزَةِ الطِّيْب في المُسْكِرَات وما حُكْمُ استِعمَالِ القَليلِ مِنها في الطّعام ونحوِه؟
الجواب: كَلامُ ابنِ دَقيقِ العِيد محمُولٌ على بَعضِ الحالاتِ وليسَ مُطْلَقًا وذلكَ فيمَا لَوْ أُدخِلَ في بعضِ التّركِيباتِ وأمّا استِعمَالُه في الطّعام فَجَائزٌ.