الحديث 162 | مثل هدي النبي ﷺ كالغيث: القلوب كالأرض، فاختر تربتك

الدرس ١٥٩ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٧:٣٢

المقدمة

‌‌‌‌الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ. صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

فَقَدْ وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ الْمُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ السَابِعِ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ

الحديث

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: السَّابِعُ: وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْم كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَربُوا مِنْهَا وَسَقَوا وَرَعَوا، وَأَصَابَ طَائفةٌ مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «فَقُهَ» بِضَمِّ القَافِ عَلَى المَشهُورِ وَقِيلَ بِكَسرِهَا: أَي صَارَ فَقِيهًا.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

السَّابِعُ (هُوَ الحَدِيثُ السَّابِعُ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ): وَعَنْهُ (أَيْ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ السَّابِقِ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَوَّلًا وَبَعدَ أَنْ قَرَأْنَا نَصَّ الحَدِيثِ وَقَبلَ أَنْ أَبدَأَ بِشَرحِ أَلفَاظِهِ أَقُولُ: إِنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ، وَشَبَّهَ السَّامِعِينَ لَهُ بِالأَرضِ المُختَلِفَةِ، فَمِنهُمُ: العَالِمُ العَامِلُ المُعَلِّمُ، فَهُوَ بِمَنزِلَةِ الأَرضِ الطَّيِّبَةِ شَرِبَتْ فَانتَفَعَتْ فِي نَفسِهَا، وَأَنبَتَتْ فَنَفَعَتْ غَيرَهَا، 

وَمِنهُمُ: الجَامِعُ لِلعِلمِ المُستَغرِقُ لِزَمَانِهِ فِيهِ، غَيرَ أَنَّهُ لَم يَعمَلْ بِنَوَافِلِهِ أَو لَمْ يَتَفَقَّهْ فِيمَا جَمَعَ، لَكِنَّهُ أَدَّاهُ لِغَيرِهِ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ الأَرضِ الَّتِي يَستَقِرُّ فِيهَا المَاءُ فَيَنتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا». وَمِنهُمْ: مَنْ يَسمَعُ العِلمَ فَلَا يَحفَظُهُ، وَلَا يَعمَلُ بِهِ، وَلَا يَنقُلُهُ لِغَيرِهِ، فَهُوَ بِمَنزِلَةِ الأَرضِ المَالِحَةِ، أَوِ المَلسَاءِ الَّتِي لَا تَقبَلُ المَاءَ، أَوْ تُفسِدُهُ. وَالحَاصِلُ أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا التَّقسِيمِ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ: قَومٌ عَلِمُوا وَعَمِلُوا، وَهُمْ عَامَّةُ المُؤمِنِينَ. وَقَومٌ عَلِمُوا وَعَمِلُوا وَعَلَّمُوا، وَهُمُ العُلَمَاء. وَقَومٌ لَم يَعمَلُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ) «إِنَّ مَثَلَ (المُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ العَجِيبَةُ لَا القَولُ السَّائِرُ، أَيْ صِفَتِي وَصِفَةُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الأَمرِ العَجِيبِ الشَّأنِ كَصِفَةِ رَجُلٍ أَتَى قَومًا إِلَى آخِرِهِ) (وَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الكَثِيرَ مِنْ ضَربِ الأَمثِلَةِ الَّتِي تُقَرِّبُ المَقصُودَ مِنْ أَذهَانِ النَّاسِ السَّامِعِينَ، بَلْ إِنَّ بَعضَ الفُقَهَاءِ قَدْ أَلَّفَ مُؤَلَّفًا فِي أَمثَالِ الحَدِيثِ، 

وَضَرْبُ الأَمثِلَةِ أَبلَغُ فِي إِيصَالِ المَعلُومَةِ أَوِ الوَعدِ أَوِ الوَعِيدِ، أَوْ حَتَّى فِي التَّوحِيدِ وَشَرحِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ الأَمثَالَ الَّتِي تُقَرِّبُ الفَهمَ السَّلِيمَ لِلنَّاسِ وَتَصرِفُ عَنهُمْ مَا يُخَالِفُ التَّوحِيدَ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ لِلعِبَادِ وَلِأَعمَالِهِمْ سَوَاءٌ كَانَتْ خَيرًا أَمْ شَرًّا، وَفِي بَيَانِ وَحدَانِيَّتِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلقُ عَلَيهِم قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ]، 

وَقَالَ تَعَالَى فِي بَيَانِ ثَبَاتِ أَصلِ التَّوحِيدِ فِي قَلبِ المُؤمِنِ وَأَنَّهَا مُثمِرَةٌ وَأَسَاسٌ لَا يَنبَغِي الشَّكُّ فِيهِ وَلَا زَحزَحَتِهِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]، قَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ هَذَا مِثَالٌ لِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ وَثَبَاتِهَا، وَبِالمُقَابِلِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ كَلِمَةِ الكُفرِ وَالفَسَادِ وَالضَّلَالِ: [وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ]، 

وَبَيَّنَ اللهُ حَالَ مَنْ يَكفُرُ بِهِ وَلَا يَشكُرُهُ وَيُنكِرُ نِعَمَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: [وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ]، 

وَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ الهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ وَضَرَبَ مِثَالًا لِنُورِ هِدَايَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ سُبحَانَهُ: [اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ “مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ هُوَ الهَادِي إِلَى الحَقِّ، هَادِي أَهلِ السَّمَاءِ وَهُمُ المَلَائِكَةُ وَهَادِي مَنْ آمَنَ مِنْ أَهلِ الأَرضِ لِنُورِ الإِيمَانِ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ نُورٌ بِمَعنَى الضَّوءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَمَا تَقُولُ المُشَبِّهَةُ وَكَمَا يَقُولُ بَعضُ مَنْ يُتَرْجِمُ القُرْآنَ حَرفِيًّا وَالعِيَاذُ بِاللهِ فَقَالَ: Alla is light وَالعِيَاذُ بِاللهِ” مَثَلُ نُورِهِ “أَيْ مَثَلُ نُورِ الهِدَايَةِ الَّتِي يَهدِي اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلقِهِ” كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]،

وَفِي بَيَانِ حَالِ نِسَاءٍ مُؤمِنَاتٍ وَنِسَاءٍ كَافِرَاتٍ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: [ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا “أَيْ كَفَرَتَا بِاللهِ وَلَيسَ مَعنَى الخِيَانَةِ هُنَا الزِّنَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَزنِيَ امْرَأَةُ نَبِيٍّ، فَلِذَلِكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: “لَمْ تَزْنِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ” وَأَيضًا فَإِنَّ القَولَ بِأَنَّ زَوجَةَ نَبِيٍّ تَزنِي وَالعِيَاذُ بِاللهِ يُؤَدِّي إِلَى الطَّعنِ فِي صِحَّةِ نَسلِ الأَنبِيَاءِ وَنَسَبِهِمْ” فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ“أَيْ فِي المَكَانِ المُشَرَّفِ عِندَكَ أَيْ فِي المَكَانِ المُعَظَّمِ عِندَكَ الَّذِي رَضِيتَهُ لِتَنعِيمِ المُؤمِنِينَ وَلَيسَ عِندَكَ هُنَا مَعنَاهَا عِندِيَّةَ المَكَانِ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، وَعَلَى هَذَا يُحمَلُ حَدِيثُ البُخَارِيِّ: -فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى ‌رَبِّي فِي ‌دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ-، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا يُوهِمُ الْمَكَانَ وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي ‌دَارِهِ الَّذِي اتَّخَذَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّةُ وَهِيَ دَارُ السَّلَامِ، وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ مِثْلَ بَيْتِ اللهِ وَحَرَمِ اللهِ” بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]، فَهَذِهِ بَعضُ الأَمثِلَةِ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

 وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي امْتِدَاحِ مَنْ يَفهَمُهَا وَيَعِيهَا وَيَعتَبِرُ بِهَا فَقَالَ: [وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ])

(وَبَعدَ ضَربِ الأَمثِلَةِ الكَثِيرَةِ فِي كِتَابِ اللهِ، بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَضرِبَ لَهُ الأَمَثَالَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: [فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ]، أَيْ لَا تُشَبِّهُوا اللهَ بِخَلقِهِ فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مِثْلَ، كَمَا قَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ وَغَيرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ: مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ) (وَلِوُرُودِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِي كِتَابِ اللهِ كَثِيرًا قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: المِثْلُ وَالمَثَلُ وَالمَثِيلُ، كَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ وَالشَّبِيهِ لَفظًا وَمَعنًى، وَالجَمعُ: أَمثَالٌ. وَالمَثَلُ – مُحَرَّكَةٌ -: الحَدِيثُ.

وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالمَثَلِ وَالشَّبَهِ عَنْ وَصفِ الشَّىءِ؛ نَحوُ قَولِهِ تَعَالَى: {مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ}، 

وَالمِثْلُ عَامٌّ. وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ اللهُ نَفْيَ التَّشبِيهِ مِنْ كُلِّ وَجهٍ خَصَّهُ بِالذِّكرِ فَقَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَهَذِهِ الآيَةُ: [لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ]، أَصرَحُ ءَايَةٍ فِي القُرءَانِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى التَّنزِيهَ الكُلِّيَّ، وَلَيسَ مَعنَى وَصفِ هَذِهِ الآيَةِ بِأَنَّهَا أَصرَحُ آيَةٍ فِي التَّنزِيهِ أَنَّهَا أَفضَلُ آيَةٍ، بَل وَرَدَ فِي آيَةِ الكُرسِيِّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ ءَايِ القُرءَانِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «لِكُلِّ شَيءٍ سَنَامٌ، وَإِنَّ سَنَامَ القُرآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرآنِ، آيَةُ الكُرسِيِّ»،

 وَتَفسِيرُهَا  أي الاية [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] أَنَّ اللهَ لَا يُشبِهُهُ شَيءٌ بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَالكَافُ فِي قَولِهِ: [كَمِثلِهِ]، لِتَأكِيدِ النَّفيِ، فَفِي الآيَةِ نَفيُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ عَنِ اللهِ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: [وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ]، فَفِيهِ إِثبَاتُ مَا يَلِيقُ بِاللهِ، فَالسَّمعُ صِفَةٌ لَائِقَةٌ بِاللهِ وَالبَصَرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ التَّنزِيهَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ كَسَمعِ وَبَصَرِ غَيرِهِ، فَاللهُ تَعَالَى لا يشبه شيئا مِنَ اللَّطَائِفِ كَالنُّورِ وَالرُّوحِ وَالهَوَاءِ، وَمِنَ الكَثَائِفِ كَالشَّجَرِ وَالإِنسَانِ، وَالجِسمُ اللَّطِيفُ مَا لَا يُضبَطُ بِاليَدِ، وَالجِسمُ الكَثِيفُ مَا يُضبَطُ بِاليَدِ أَي مَا يُجَسُّ بِاليَدِ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يُشبِهُ العُلوِيَّاتِ وَلَا السُّفلِيَّاتِ، فَإِذَا وَرَدَ حَدِيثٌ ظَاهِرُهُ فِيهِ نِسبَةُ النَّقَائِصِ إِلَى اللهِ فَاعلَم أَنَّ لَهُ مَعنًى يَلِيقُ بِاللهِ لَا يُعَارِضُ مَا قَرَّرَهُ الشَّرعُ الحَنِيفُ مِن تَنزِيهِ اللهِ عَنِ النَّقَائِصِ. 

وَاسمَعُوا مَعِي إِلَى عَظِيمِ بَيَانِ التَّنزِيهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الكَرِيمَةِ، فَأَقرَأُهَا كَامِلَةً لِنَعرِفَ شَيئًا مِنْ عَظَمَةِ البَلَاغَةِ وَالبَيَانِ الَّتِي فِي كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ قَالَ سُبحَانَهُ: [فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]، أَشَارَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِدَايَةً إِلَى خَلقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلسَّمَاوَاتِ وَلِلأَرضِ وَبَعدَ ذَلِكَ إِلَى خَلقِ بَنِي آدَمَ أَزوَاجًا وَإِلَى خَلقِ الأَنعَامِ أَزوَاجًا وَأَشَارَت أَيضًا إِلَى ذِكرِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُكَثِّرُنَا وَكُلُّ هَذِهِ الإِشَارَاتُ دِلَالَةٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحدَانِيَّتِهِ، فَمَن نَظَرَ فِي كُلِّ هَذَا عَلِمَ أَنَّ لِهَذِهِ الأَشيَاءِ خَالِقًا خَلَقَهَا وَخَصَّهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ، وَهَذَا الخَالِقُ لَا يُشبِهُهَا بِأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَنَاسَبَ أَن تُختَمَ الآيَةُ بِالتَّنزِيهِ للهِ عَن مُشَابَهَةِ كُلِّ مَا ذُكِرَ وَمَا لَم يُذكَر مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَخُتِمَت بِقَولِهِ تَعَالَى: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ])

 مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى (قِيلَ أَيِ الدِّلَالَةِ المُوصِلَةِ إِلَى المَطلُوبِ) (وَتُطلَقُ كَلِمَةُ الهُدَى وَيُرَادُ بِهَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعليّ: سَلِ اللهَ الهُدَى» وَفِي رِوَايَةٍ «قُلِ اللهم اهْدِني وسَدِّدْني، واذكُر بِالهُدَى هِدَايَتكَ الطَّرِيقَ، وَبِالسَّدَادِ تَسدِيدَكَ السَّهمَ»،

الهُدَى: الرَّشَادُ وَالدِّلَالَةُ، وَيُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ. يُقَالُ: هَدَاهُ الله لِلدِّينِ هُدًى. وَهَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ وَإِلَى الطَّرِيقِ هِدَايَةً: أَيْ عَرَّفتُهُ. وَالمَعْنَى إِذَا سَأَلْتَ اللهَ الْهُدَى فَأَخطِرْ بِقَلبِكَ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ، وَسَلِ اللهَ الِاسْتِقامَة فِيهِ، كَمَا تَتَحرَّاهُ فِي سُلوكِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ سَالِكَ الفَلَاةِ يَلزَمُ الجَادَّةَ وَلَا يُفَارِقُهَا، خَوفًا مِنَ الضَّلَالِ. وَكَذَلِكَ الرَّامِي إِذَا رَمَى شَيْئًا سَدَّدَ السَّهْمَ نَحْوَهُ لِيُصِيبَهُ، فَأَخْطِرْ ذَلِكَ بِقَلْبِك لِيَكُونَ مَا تَنْوِيه مِنَ الدُّعَاءِ عَلَى شَاكِلَةِ مَا تَسْتَعمِله فِي الرَّمْيِ. وَالْمَهْدِيُّ: الَّذِي قَدْ هَدَاهُ اللهُ إِلَى الحَقِّ.اهـ

وَالْهِدَايَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِبَانَةُ الْحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ وَنَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الْهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ للهِ، فَالأَنْبِيَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى هُدَاةٌ لِأَنَّهُمْ دَلُّوا النَّاسَ عَلَى الخَيرِ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَحَذَّرُوا النَّاسَ مِمَّا لا يُحِبُّهُ اللهُ، فَالأَنْبِيَاءُ وَظِيفَتُهُمُ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوهَا الْبَيَانُ وَالدِّلالَةُ وَالإِرْشَادُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ اللهُ شَاءَ لَهُ الِاهْتَدَاءَ يَهْتَدِي بِقَوْلِ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ بِالأَخْذِ بِدَعْوَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَشَإِ اللهُ أَنْ يَهْتَدِيَ لا يَهْتَدِي مَهْمَا رَأَوْا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، هَذَا أَبُو جَهْلٍ رَأَى انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَغَيْرُهُ مِنْ صَنَادِيدِ الكُفرِ، وَلَمْ يَهْتَدِ مِنْهُمْ إِلَّا الَّذِي شَاءَ اللهُ لَهُ أَنْ يَهْتَدِيَ.

وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَيْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةَ الأَنْعَامِ:125] وَالإِضْلالُ خَلْقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ. فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ [سُورَةَ الإِنْسَان/30]) (الرَّسُولُ ﷺ جَاءَ لِهِدَايَةِ النَّاسِ لِبَيَانِ الحَقِّ لَهُمْ وَجَاءَ بِالعِلمِ وَالبَيَانِ بَعدَ انتِشَارِ الجَهلِ وَالظُّلمِ وَالظَّلَامِ وَإِطبَاقِهِ عَلَى وَجهِ الأَرضِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءايَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، فَقَدْ أَرسَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ فَعَمَّتْ أَنوَارُ هِدَايَتِهِ وَانتَشَرَتْ آثَارُ بِعثَتِهِ وَبُرُوزِهِ لِلعَالَمِينَ فَكَانَ هَادِيًا إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَمُبَشِّرًا بِنَعِيمٍ أَبَدِيٍّ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَمُنذِرًا مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ لِمَنْ كَذَّبَهُ وَجَحَدَ بِهِ، وَكَانَ دَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِرَاجًا وَهَّاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا يُضِىء طَرِيقَ الحَيَارَى وَيُبَيِّنُ لَهُمْ، فَهُوَ صَاحِبُ الفَضلِ العَظِيمِ وَالخَيرِ العَمِيمِ وَصَاحِبُ الأَخلَاقِ العُليَا وَالأَيَادِي البَيضَاءِ وَهُوَ صَاحِبُ الوَسِيلَةِ وَالفَضِيلَةِ وَالمَقَامِ المَحْمُودِ وَالحَوضِ المَورُودُ، مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَّمَ الدُّنيَا مَكَارِمَ الأَخلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا فَقَدْ بُعِثَ لِإِتمَامِهَا وَهُوَ القَائِلُ: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ)، فَهُوَ صَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِي وَصفِ خُلُقِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىْ خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ قَبلَ بُرُوزِهِ لِلدُّنيَا مُنغَمِسِينَ فِي القَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ وَبَعِيدِينَ كُلَّ البُعدِ عَنِ الأَخلَاقِ الحَسَنَةِ، فَصَارُوا بَعدَهُ ﷺ دُعَاةً إِلَى مَا يُستَحسَنُ مِنَ الأَخلَاقِ مِنْ حِلمٍ وَعَطفٍ وَصَفحٍ وَإِحسَانٍ لِلجَارِ وَبِرٍّ لِلوَالِدَينِ وَغَيرِهَا مِنْ مَحَاسِنِ الأَخلَاقِ، فَقَدْ كَانَ إِمَامًا لَهُمْ فِي الأَخلَاقِ الحَسَنَةِ وَدَاعِيًا إِلَيهَا وَمُعَلِّمًا لَهَا، بُعِثَ ﷺ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى التَّوحِيدِ وَتَركِ عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ فَانتَشَرَ العَدلُ وَالخَيرُ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا. كَانَ النَّاسُ قَبلَ بِعثَتِهِ يَعبُدُونَ الأَصنَامَ وَالكَوَاكِبَ وَيَعبُدُونَ بَعضَهُمُ البَعضَ حَتَّى وَصَلَ الجَهلُ بِبَعضِهِمْ أَنَّهُ يَصنَعُ صَنَمًا مِنْ تَمرٍ فَيَعبُدُهُ وَعِندَمَا يَجُوعُ يَأكُلُهُ، فَصَارُوا بَعدَ ذَلِكَ دُعَاةً إِلَى التَّوحِيدِ وَإِلَى أَنوَارِ الهِدَايَةِ وَإِلَى عِبَادَةِ اللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الَّذِي لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ الَّذِي لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، وَقَدْ دَعَاهُمْ ﷺ إِلَى إِعمَالِ التَّفكِيرِ وَالنَّظَرِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى فَيَستَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الخَالِقَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُشبِهُ الخَلقَ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ البَشَرِ، بَعدَ أَنْ كَانُوا عَلَى التَّقلِيدِ الأَعمَى لِآبَائِهِمْ فِي شِركِهِم وَأَخلَاقِهِم، فَقَد رَوَى ابنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَالَ: ((وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيْهَا))، فَهَذِهِ دَعوَةٌ لِلتَّفَكُّرِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ مَمدُوحٌ فِي شَرعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ هَذَا الأَمرُ قَبلَ بِعثَتِهِ ﷺ لَا يُلتَفَتُ إِلَيهِ غَالِبًا بَلْ يُقَلِّدُونَ آبَاءَهُمْ بِعِبَادَاتِهِمُ الفَاسِدَةِ وَلَا يَرضَونَ بِبَدِيلٍ غَيرِ هَذَا، فَنَوَّرَ مُحَمَّدٌ ﷺ عُقُولَهُم وَقُلُوبَهُم بِنُورِ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ) (نُورُ هِدَايَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاضِحَةٌ كَنُورِ الشَّمسِ لَا يُنكِرُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ عَوَرٌ، وَأَضْرِبُ لَكُمْ مِثَالًا وَاحِدًا عَلَى هَذَا الخَيرِ العَظِيمِ وَالنُّورِ وَالهِدَايَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ يُروَى أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الصَّحَابَةُ الْمَدِينَةَ بَعدَ الهِجرَةِ وأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا، وَفِي قَوْمِهِمْ بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ، يُقَالُ لَهُ: مَنَاةُ، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُنَظِّفُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يأتُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا فَضَلَاتُ النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَنَظَّفَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لَأُخْزِيَنَّهُ. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فَيَغْسِلُهُ وَيُطَهِّرُهُ وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَلَهُ وَنَظَّفَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ. فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ، فِيهَا فَضَلَاتُ النَّاسِ، ثُمَّ غَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ. فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ. وَحِينَ أَسْلَمَ وَعَرَفَ مِنَ الإِسلَامِ مَا عَرَفَ صَارَ يَحمَدُ اللهَ وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالَةِ.اهـ كَانَ هَذَا حَالَهُ إِلَى أَنْ أَسلَمَ وَبَعدَ الإِسلَامِ مَاذَا كَانَ حَالُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؟ 

رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرضُ. 

وعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ كَانَ رَجُلًا أَعْرَجَ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ- وَكَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ يَشْهَدُونَ مَعَ النّبِيّ ﷺ الْمَشَاهِدَ أَمْثَالَ الْأَسَدِ- أَرَادَ بَنُوهُ أَنْ يَحْبِسُوهُ وَقَالُوا: أَنْتَ رَجُلٌ أَعْرَجُ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْك، وَقَدْ ذَهَبَ بَنُوك مَعَ النّبِيّ ﷺ. قَالَ: بَخٍ! يَذْهَبُونَ إلَى الْجَنّةِ وَأَجْلِسُ أَنَا عِنْدَكُمْ! فَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ امْرَأَتُهُ: كَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْهِ مُوَلّيًا، قَدْ أَخَذَ دَرَقَتَهُ، يَقُولُ: اللهُمّ لَا تَرُدّنِي إلَى أَهْلِي خِزْيًا! فَخَرَجَ وَلَحِقَهُ بَنُوهُ يُكَلّمُونَهُ فِي الْقُعُودِ، فَأَتَى رسول الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ بَنِي يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْخُرُوجِ مَعَك، وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ الْجَنّةَ. فقال رسول الله ﷺ: أَمّا أَنْتَ، فَقَدْ عَذَرَك اللهُ تَعَالَى وَلَا جِهَادَ عَلَيْك. فَأَبَى فَقَالَ النّبِيّ ﷺ لِبَنِيهِ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَمْنَعُوهُ، لَعَلّ اللهَ يَرْزُقُهُ الشّهَادَةَ. فَخَلّوْا عَنْهُ فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا.

 فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: نَظَرْتُ إلَى عَمرِو بنِ الجَمُوحِ حِينَ انكَشَفَ المُسلِمُونَ، ثُمّ ثَابُوا وَهُوَ فِي الرّعِيلِ الْأَوّلِ، لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى ضِلَعِهِ فِي رِجْلِهِ، يَقُولُ: أَنَا وَاللهِ مُشْتَاقٌ إلَى الْجَنّةِ! ثُمّ أَنْظُرُ إلَى ابْنِهِ يَعْدُو فِي أَثَرِهِ حَتّى قُتِلَا جَمِيعًا.

 وَكَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النّبِيّ ﷺ خَرَجَتْ فِي نِسْوَةٍ تَسْتَرْوِحُ الْخَبَرَ- وَلَمْ يُضْرَبْ الْحِجَابُ يَوْمَئِذٍ- حَتّى إذَا كَانَتْ بِمُنْقَطِعِ الحرّة وَهِيَ هَابِطَةٌ مِن بَنِي حَارِثَةَ إلَى الْوَادِي، لَقِيَتْ هِنْدَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ حرام أُختَ عَبدَ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ حَرَامٍ تَسُوقُ بَعِيرًا لَهَا، عَلَيْهِ زَوْجُهَا عَمْرُو بن الجموح، وابنها خلّاد ابن عَمْرٍو، وَأَخُوهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عِنْدَك الْخَبَرُ، فَمَا وَرَاءَكِ؟ فَقَالَتْ هِنْدٌ: خَيْرًا، أَمّا رَسُولُ اللهِ فَصَالِحٌ، وَكُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَهُ جَلَلٌ. وَاِتّخَذَ الله من المؤمنين شهداء، وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. قَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: أَخِي، وَابْنِي خَلّادٌ، وَزَوْجِي عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ. قَالَتْ: فَأَيْنَ تَذْهَبِينَ بِهِمْ؟ قَالَتْ: إلَى الْمَدِينَةِ أَقْبُرُهُمْ فِيهَا فَزَجَرَتْ بَعِيرَهَا، ثُمّ بَرَكَ بَعِيرُهَا فَقُلْت: لِمَا عَلَيْهِ! قَالَتْ: مَا ذَاكَ بِهِ، لَرُبّمَا حَمَلَ مَا يَحْمِلُ الْبَعِيرَانِ، وَلَكِنّي أَرَاهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ. فَزَجَرَتْهُ فَقَامَ، فَلَمّا وَجّهَتْ بِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بَرَكَ، فوجّهته راجعة إلى أحد فأسرع. فَرَجَعَتْ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِنّ الْجَمَلَ مَأْمُورٌ، هَلْ قَالَ شيئا؟ قالت: إنّ عَمْرًا لمّا وجّه إلى أحد استقبل الْقِبْلَةَ وَقَالَ: اللهُمّ لَا تَرُدّنِي إلَى أَهْلِي وَارْزُقْنِي الشّهَادَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَلِذَلِكَ الْجَمَلُ لَا يَمْضِي! إنّ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرّهُ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ. يَا هِنْدُ، مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ مُظِلّةً عَلَى أَخِيك مِنْ لَدُنْ قُتِلَ إلَى السّاعَةِ يَنْظُرُونَ أَيْنَ يُدْفَنُ. ثُمّ مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى قَبَرَهُمْ، ثُمّ قَالَ: يَا هِنْدُ، قَدْ تَرَافَقُوا فِي الْجَنّةِ جَمِيعًا، عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَابْنُك خَلّادٌ، وَأَخُوك عَبْدُ اللهِ (هو عبد الله والد جابر بن عبد الله الأنصاري).

وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ مَالِكٍ فِي المُوَطَّأ أَنَّهُ دُفِنَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمرِو أَبُو جَابِرٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَخَرَّبَ السَّيْلُ قَبْرَهُمْ فَحُفِرَ عَنْهُمْ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فَوُجِدُوا لَمْ يَتَغَيَّرُوا كَأَنَّهُمْ مَاتُوا بِأَمْسِ.اهـ 

وَهَذَا يَا أَحبَابِي يُبَيِّنُ لَنَا عَظِيمَ هِدَايَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ)

 وَالعِلْمِ (الهُدَى وَالعِلمُ: أَيِ الطَّرِيقَةُ وَالعَمَلُ. رَوَيَ: «مَنِ ازدَادَ عِلمًا وَلَمْ يَزدَدْ هُدًى لَم يَزدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعدًا») كَمَثَلِ غَيثٍ (والمعنى أَيِ: الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، وَاخْتَارَ اسْمَ الْغَيْثِ لِيُؤْذِنَ بِاضْطِرَارِ الخَلقِ إِلَيْهِ إِذْ جَاءَهُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْغَيْثُ يُحْيِي الْبَلَدَ الْمَيِّتَ وَالْعِلْمُ يُحْيِي الْقَلْبَ المَيِّتَ) (وَإِنَّمَا اختِيرَ الغَيثُ عَلَى سَائِرِ أَسمَاءِ المَطَرِ لَيُؤذَنَ بِاضطِرَارِ الخَلقِ إِلَيهِ حِينَئِذٍ. قَالَ تَعَالَى: [وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا] [الشورى:28] وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ قَبلَ المَبعَثِ وَهُمْ عَلَى فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ قَدِ امتُحِنُوا بِمَوتِ القَلبِ وَذَهَابِ العِلمِ حَتَّى أَصَابَهُمُ اللهِ بِرَحمَةٍ مِنْ عِندِهِ فَأَفَاضَ عَلَيهِمْ الوَحيُّ السَّمَاوِيُّ، فَأَشبَهَتْ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ تَوَالَتْ عَلَيهِ السُّنُونُ وَالقَحطُ حَتَّى تَدَارَكَهُمُ اللهُ بِلُطفِهِ وَأَرخَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ بِالمَطَرِ وَالغَيثِ، 

 (وَالْغَيْثُ هُوَ الْمَطَرُ، وَسُمِّيَ غَيثًا لِأَنَّهُ يُغِيثُ النَّاسَ بِإِذنِ اللهِ، وَهَذَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: اللَّهُمَّ اسقِنَا غَيثًا مُغِيثًا، أَيْ مُروِيًا مُشبِعًا، فَالرَّسُولُ ﷺ سَمَّى الْمَطَرَ مُغِيثًا لِأَنَّهُ يُنْقِذُ مِنَ الشِّدَّةِ بِإِذْنِ اللهِ، وَعَلَى هَذَا المَعنَى جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: »إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.اهـ «وَالْحَدِيثَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ رُوِيَ بِلَفْظِ الِاسْتِشْفَاعِ وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيحِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِشْفَاعَ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَسَمَّى الرَّسُولُ ﷺ هَذَا الطَّلَبَ مِنْ ءَادَمَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ إِلَى رَبِّهِمُ اسْتِغَاثَةً. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: »يَا ءَادَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا« وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ جَعَلَ التَّوَسُّلَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكًا. الِاسْتِشْفَاعُ وَالتَّوَسُّلُ وَالِاسْتِغَاثَةُ وَالتَّوَجُّهُ وَالتَّجَوُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، التَّجَوُّهُ مِنَ الْجَاهِ وَالْوَجَاهَةِ وَمَعْنَاهُ عُلُوُّ الْقَدْرِ وَالْمَنْـزِلَةِ.

التَّوَجُّهُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنِّيْ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِفُلَانٍ.

وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شِفَاءِ السَّقَامِ: الِاسْتِشْفَاعُ وَالتَّوَسُّلُ وَالتَّوَجُّهُ وَالتَّجَوُّهُ وَالِاسْتِغَاثَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالتَّقِيُّ السُّبْكِيُّ مُحَدِّثٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ لُغَوِيٌّ كَمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ السُّيُوطِيُّ) أَصَابَ أَرْضًا (أَيْ: نَزَلَ عَلَى أَرضٍ صَالِحَةٍ) فَكَانَتْ مِنْهَا (أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ) طَائِفَةٌ (أَيْ: قِطْعَةٌ) طَيِّبَةٌ (أَيْ غَيْرُ خَبِيثَةٍ وَغَيرُ فَاسِدَةٍ بِمُلُوحَةٍ وَنَحْوِهَا)، قَبِلَتِ المَاءَ (أَيْ: دَخَلَ المَاءُ فِيهَا لِلِينِهَا) فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ (قَالَ النَّوَوِيُّ: العُشْبُ وَالكَلَأُ وَالحَشِيشُ فَكُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِلنَّبَاتِ لَكِنَّ الحَشِيشَ مُختَصٌّ بِاليَابِسِ وَالعُشْبُ وَالكَلَأُ مُختَصَّانِ بِالرَّطِبِ وَالكَلَأ يَقَعُ عَلَى اليَابِسِ وَالرَّطبِ)، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ (وَهِيَ الأَرضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ كَلَأً وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ فَلَا يُسْرِعُ فِيهِ النُّضُوبُ مِنَ الْجَدْبِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِصْبِ) أَمسَكَتِ (أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ، أَوِ الْأَجَادِبُ) المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ (أَيْ بِالْأَجَادِبِ أَوْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ)، فَشَربُوا مِنْهَا وَسَقَوا (أَيْ: دَوَابَّهُمْ) وَرَعَوا (قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَرَعَوْا فَهُوَ بِالرَّاءِ مِنَ الرَّعْيِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَزَرَعُوا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وَأَصَابَ طَائفةٌ مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً (القِيعَانُ بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقَاعِ وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ وَقِيلَ الْمَلْسَاءُ وَقِيلَ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ﷺ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَقْوُعٍ وَأَقْوَاعٍ والقيعة بِكَسْرِ الْقَافُ بِمَعْنَى الْقَاعِ وَقِيلَ الَّتِي لَا تُنْبِتُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ قَاعَةُ الدَّارِ سَاحَتُهَا.اهـ)، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ (الفِقهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الفَهمُ يُقَالُ مِنْهُ فَقِهَ بِكَسْرِ الْقَافِ يَفْقَهُ فِقَهًا بِفَتْحِهَا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا وَقِيلَ الْمَصْدَرُ فِقْهًا بِإِسْكَانِ القَافِ وَأَمَّا الْفِقْهُ الشَّرْعِيُّ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا يُقَالُ مِنْهُ فَقُهَ بِضَمِّ القَافِ وَقَالَ ابنُ دُرَيْدٍ بِكَسْرِهَا كَالْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ مَضْمُومَ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى قَولِ ابنِ دُرَيْدٍ بِكَسْرِهَا وَقَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ) وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ (أَيْ: بِالْعَمَلِ) فَعَلِمَ وَعَلَّمَ (هَذَا مَثَلُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّتِي قَبِلَتِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ، فَقَبُولُ المَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنْبَاتُ الْكَلَأِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْلِيمِ) (وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا المِثَالَ يُبَيِّنُ حَالَ وَفَضلَ مَنِ اشتَغَلَ بِالعِلمِ تَعَلُّمًا وَتَعلِيمًا وَيُبَيِّنُ أَنَّ لِلعُلَمَاءِ فَضلًا فِي دِينِ اللهِ وَمَكَانَةً عَظِيمَةً فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَقَدْ عَرَفَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ هَذِهِ المَكَانَةَ وَالفَضلَ فَسَعَوا لَهَا فَطَافُوا البِلَادَ الإِسلَامِيَّةَ شَرقًا وَغَربًا لِتَلَقِّي العِلمِ وَتَعلِيمِهِ وَنَشرِهِ بَينَ النَّاسِ وَهُمْ يَعلَمُونَ أَنَّ خَطَوَاتِهِمْ هَذِهِ تُقَرِّبُهُم لِثَوَابِ اللهِ وَلِلجَنَّةِ بِإِذنِ اللهِ، وَمِنْ أَعجَبِ مَا يُروَى فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنْ كِتَابٍ لِحَفِيْدِ بَقِيِّ بنِ مَخلَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَاسمُ حَفِيدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ: قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: رَحَل أَبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي المِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوْعٌ، فَاغتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيْدًا، فَاحتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكتَرَيْتُ بَيْتاً فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الجَامِعَ وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيْلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيْلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. فَفُرِجَتْ لِي فُرْجَةً، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: – رَحِمَكَ اللهُ – رَجُلٌ غَرِيْبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي. فَقَالَ: قُلْ. فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيْتُهُ، فَبَعْضاً زَكَّى، وَبَعْضاً جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بنِ عَمَّارٍ. فَقَالَ لِي: أَبُو الوَلِيْدِ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ، ثِقَةٌ، وَفَوْق الثِّقَةِ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الحَلْقَةِ: يَكْفِيْكَ – رَحِمَكَ اللهُ – غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ. فَقُلْتُ: وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ: اكشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ: أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، فَنَظَرَ إِليَّ كَالمُتَعَجِّبِ، فَقَالَ لِي: وَمِثْلُنَا، نَحْنُ نَكْشفُ عَنْ أَحْمَدَ؟! ذَاكَ إِمَامُ المُسْلِمِيْنَ، وَخَيْرُهُم وَفَاضِلُهُم. فَخَرَجْتُ أَستَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِليَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ غَرِيْبٌ، نَائِي الدَّارِ، هَذَا أَوَّلُ دُخُوْلِي هَذَا البَلَد، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيْثٍ، وَمُقَيِّدُ سُنَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَاّ إِلَيْكَ. فَقَالَ: ادْخُلْ مَمَرَّ البَيْتِ وَلَا يَقَعُ عَلَيْكَ عَيْنٌ. فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي: وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ؟ قُلْتُ: المَغْرِبُ الأَقْصَى. فَقَالَ: إِفْرِيْقِيَّة؟ قُلْتُ: أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيْقِيَّةَ، أَجُوْزُ مِنْ بَلَدِي البَحْرَ إِلَى إِفْرِيْقِيَّةَ، بَلَدِي الأَنْدَلُسَ. قَالَ: إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيْدٌ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مِثْلِكَ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ. فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ بَلَغَنِي، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي، وَأَنَا مَجْهُوْلُ العَيْن عِنْدَكُم، فِإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زَيِّ السُّؤَّالِ، فَأَقُولُ عِنْدَ البَابِ مَا يَقُوْلُهُ السُّؤَّالُ، فَتَخْرُجُ إِلى هَذَا المَوْضِعِ، فَلَو لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَاّ بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ لِي فِيْهِ كِفَايَةً. فَقَالَ لِي: نَعَمْ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الخَلْقِ، وَلا عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ. فَقُلْتُ: لَكَ شَرْطُكَ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيْحُ: الأَجْرَ – رَحِمَكَ اللهُ – وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَيَخْرُجُ إِليَّ، وَيُغْلِقُ وَيُحَدِّثُنِي بِالحَدِيْثَيْنِ وَالثَّلاثَةِ وَالأَكْثَر، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ المُمْتَحِنُ لَهُ، وَوُلِّيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَانَتْ تُضَرَبُ إِلَيْهِ آباطُ الإِبلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيْثِ قِصَّتِي مَعَهُ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الحَدِيْثَ مُنَاوَلَةً (قال ابن حجر: الْمُنَاوَلَةُ وَصُورَتُهَا أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ الْكِتَابَ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا سَمَاعِي مِنْ فُلَانٍ أَوْ هَذَا تَصْنِيفِي فَارْوِهِ عَنِّي)، وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ، وَأَقرَؤُهُ عَلَيْهِ، وَاعتَلَلْتُ فِي خَلْقٍ مَعَهُ)، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ (أَيْ: بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) رَأسًا (أَيْ: لِلتَّكَبُّرِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، يُقَالُ: لَمْ يَرْفَعْ فُلَانٌ رَأْسَهُ بِهَذَا أَيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ تَكَبُّرِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَدَمُ رَفْعِ رَأْسِهِ بِالْعِلْمِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ، أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِثْلُ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً) وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ (قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ)» (قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّشْبِيهِ مِنَ اللَّطَافَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ مُشَبَّهًا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَاسِمٌ وَوَاسِطَةٌ فِي إِيصَالِ الْفَيْضِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ مُشَبَّهٌ بِالسَّحَابِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ وَقُلُوبِ الْعِبَادِ مُشَبَّهَةٌ بِالْأَرَاضِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْسُوسِ. بِمِثْلِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] 

 (إِذًا أُلَخِّصُ شَرحَ هَذَا الحَدِيثِ فِيمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعَانِي الْحَدِيثِ وَمَقْصُودُهُ فَهُوَ تَمْثِيلُ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ ﷺ بِالْغَيْثِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَكَذَلِكَ النَّاسُ فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَرْضِ يَنْتَفِعُ بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْدَ أَنْ كَانَ مَيْتًا وَيُنْبِتُ الْكَلَأَ فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ وَالدَّوَابُّ وَالزَّرْعُ وَغَيْرُهَا وَكَذَا النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُهُ الهدى وَالْعِلْمُ فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبُهُ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ غَيْرَهُ فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ 

وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْأَرْضِ مالا تَقْبَلُ الِانْتِفَاعَ فِي نَفْسِهَا لَكِنْ فِيهَا فَائِدَةٌ وَهِيَ إِمْسَاكُ الْمَاءِ لِغَيْرِهَا فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ وَالدَّوَابُّ وَكَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ النَّاسِ لَهُمْ قُلُوبٌ حَافِظَةٌ لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَامٌ ثَاقِبَةٌ وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْلِ يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِيَ وَالْأَحْكَامَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمُ اجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أَهْلٌ لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُمْ فَيَنْتَفِعَ بِهِ فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ

 وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَرْضِ السِّبَاخُ المَالِحَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوُهَا فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرُهَا وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ النَّاسِ لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوبٌ حَافِظَةٌ وَلَا أَفْهَامٌ وَاعِيَةٌ فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْمَ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ مِنْهَا ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَمِنْهَا فَضْلُ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَشِدَّةُ الْحَثِّ عَلَيْهِمَا وَذَمُّ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْعِلْمِ وَاللهُ أَعْلَمُ) (قَالَ ابنُ المُنِيرِ: قَدْ شَبَّةَ صَاحِبَ الْعِلمِ فِي نَفعِهِ لِلْخَلقِ بِالغَيثِ، وَشَبَّهَ مُتَحَمِّلَ الْعِلمِ فِي ذَكَائِهِ بِالْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ المُنْبِتَةِ. وَنَاهِيكَ بِهِمَا فَضْلًا) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «فَقُهَ» بِضَمِّ القَافِ عَلَى المَشهُورِ وَقِيلَ بِكَسرِهَا: أَي صَارَ فَقِيهًا.