الحديث 164 | بركة الطعام ومكائد الشيطان وعلاج الوسواس

الدرس ١٦١ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٥:٢١

المقدمة

الحَمدُ لله الَّذِي لَا يَغفُلُ وَلَا يَخَافُ فَوَاتًا، الَّذِي خَلَقَ الكَونَ وَمِن نِعَمِهِ ءَاتَا، جَمَعَ بِقُدرَتِهِ مِنَ المُختَلِفَاتِ أَشتَاتًا، وَفَرَّقَ بَينَ الإِلفَينِ وَكَم بَاتَا، وَقَصَمَ بِقَهرِهِ مِن تَكَبُّرٍ وَتَعَاتَى، كَم مُطمَئِنٍّ فِي عِزَّتِهِ أَخَذَهُ بِعِزَّتِهِ بَيَاتًا، وَكَم هَدَمَ قَصرًا مَشِيدًا وَكَم زَلزَلَ أَبيَاتًا، يَعلَمُ ضَمَائِرَ القُلُوبِ وَيَسمَعُ أَصوَاتًا، لَا يَنقُصُهُ مِن مُلكِهِ مَا وَهَبَ وَآتَى، جَعَلَ مَهرَ الأُخرَى طَلَاقَ الدُّنيَا بَتَاتًا، وَأَعلَمَ الزَّاهِدِينَ أَنَّهَا لَا تَستَطِيعُ ثَبَاتًا، مَدَّ الأَرضَ وَأَثبَتَهَا بِالجِبَالِ إِثبَاتًا، وَأَخرَجَ مِنهُ نَبتًا وَزَرعًا وَجَعَلَهُ أَقوَاتًا، وَكَتَبَ لِفَنَاءِ سَاكِنِيهَا عُمرًا مُقَدَّرًا وَمِيقَاتًا، مَا تَأتِيكَ عِبرَةٌ مِثلُ أَنَّ أَبَاكَ وَأُمَّكَ مَاتَا، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَكمَلُ البَشَرِ خُلُقًا وَخَلقًا، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ الحَائِزِ فَضَائِلَ الِاتِّبَاعِ سَبقًا، وَعَلَى عُمَرَ العَادِلِ فَمَا حَابَى خَلقًا، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي استَسلَمَ لِلشَّهَادَةِ وَمَا تَوَقَّى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي بَاعَ مَا يَفنَى وَاشتَرَى مَا يَبقَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ النَّاصِرِينَ لِدِينِ الله حَقًّا، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

فَقَدْ وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ الْمُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ التَّاسِعِ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَيَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِأَكثَرَ مِن رِوَايَةٍ سَنَقرَأُهَا كُلَّهَا وَنَبدَأُ بِشَرحِهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً بِإِذنِ اللهِ

الحديث

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: التَّاسِعُ: وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: «إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ البَرَكَةُ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ البَرَكَةُ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذَىً، فَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ».

الشرح والتعليق على الروايات المذكورة لهذا الحديث

التَّاسِعُ (أَيِ الحَدِيثُ التَّاسِعُ مِنْ بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ): وعَنْهُ (أَي عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ السَّابِقِ): أنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ (وَقَد جَاءَ فِي وَصفِ أَكلِهِ ﷺ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ‏:‏ كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ.اهـ

 وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ rكَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ ثَلاثًا.اهـ 

بَعضُ النَّاسِ يَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ. مَا الَّذِي عَلَى الأَصَابِعِ؟ نَفسُ الشَّيءِ الَّذِي كُنتُم تَأكُلُونَهُ. مَا كَانَ يَلعَقُ أَصَابِعَهُ ثُمَّ يَضَعُهَا فِي الطَّعَامِ إِنَّمَا كَانَ يَلعَقُهَا بَعدَ الِانتِهَاءِ مِنَ الأَكلِ، لَعِقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهَا ثَلَاثًا)

 وَالصَّحْفَةِ (قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: الصَّحْفَةُ: إِنَاءٌ كَالقَصْعَةِ المَبْسُوطَةِ وَنَحْوِهَا، وَجَمعُهَا صِحَاف)، وَقَالَ: «إنَّكُمْ لا تَدْرونَ في أَيِّهَا البَرَكَةُ» (قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يَحضُرُهُ الإِنسَانُ فِيهِ بَرَكَةٌ وَلَا يَدرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَكَلَهُ أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ أَوْ فِي مَا بَقِيَ فِي أَسْفَلِ الْقَصْعَةِ أَوْ فِي اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ، وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ وَثُبُوتُ الْخَيْرِ وَالْإِمْتَاعِ به وَالمُرَادُ هُنَا وَاللهُ أَعلَمُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنْ أَذًى وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَغَيْرُ ذَلِكَ)

 (إذًا، فَهٰذَا الحَديثُ الشَّريفُ، وَهٰذَا الهَديُ النَّبَوِيُّ فِي الأَكْلِ، يُرْشِدُنَا إِلَى تَتَبُّعِ البَرَكَةِ حَيْثُ تَكُونُ، وَلَوْ فِي لُقْمَةِ الأَكْلِ؛ لِذَلِكَ كَانَ ﷺ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ بَعْدَ الأَكْلِ، وَيَحُثُّ عَلَى ذٰلِكَ، وَعَلَى طَلَبِ هٰذِهِ البَرَكَاتِ.

وَمَعْنَى البَرَكَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ: مَا قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: البَرَكَةُ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. وَنَقُولُ: تَبَارَكَ اللهُ، أَيْ: تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَعَاظَمَ، وَهِيَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِاللهِ تَعَالَى، لَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ.

وَأَمَّا  البركة اصطِلَاحًا، فَهُوَ: طَلَبُ الحُصُولِ عَلَى الخَيْرِ عَلَى وَجْهِ السَّبَبِ، مَعْنَاهُ: أَنَا أُرِيدُ مِنَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَ لِي البَرَكَةَ مِنْ أَجْلِ الرَّسُولِ أَوِ الوَلِيِّ، وَلَيْسَ المُرَادُ أَنْ يَخْلُقَ الرَّسُولُ أَوِ الوَلِيُّ البَرَكَةَ، لِأَنَّ عَقِيدَةَ المُسْلِمِينَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، بَلْ هُم أَسْبَابٌ، وَاللهُ يَخْلُقُ البَرَكَةَ. 

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ خَالِقُ الأَسْبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ، وَلَا يَخْلُقُ أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ شَيْئًا مِنْ هٰذَا العَالَمِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَاعْتِقَادُنَا هٰذَا لَا يُعَارِضُ الأَخْذَ بِالأَسْبَابِ؛ فَنَحْنُ نَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ خَالِقُ الأَسْبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ، وَسَائِرِ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ. وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِم مِنْ سَلَفِ هٰذِهِ الأُمَّةِ وَخَلَفِهِمْ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، أَمَامَهُ وَعَلَى مُشَاهَدَةٍ مِّنْهُ، وَفِي غِيَابِهِ، وَكَانَ لَا يُنْكِرُ ذٰلِكَ ﷺ. 

فَقَدْ قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بَعْضِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِمَا لَامَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ، مَا نَصُّهُ: (هَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا مَسَّهُ أَو لَبِسَهُ أَو كَانَ مِنْهُ فِيهِ سَبَبٌ وَهَذَا نَحْوُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْطَاؤُهُ ﷺ حِقْوَهُ أَي إِزَارَهُ لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَجَعْلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ ﷺ وَتَمَسَّحُوا بِوَضُوئِهِ ﷺ وَدَلَكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ ﷺ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ.اهـ 

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَتَى مِنًى. فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا. ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ. ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاَّقِ: «خُذْ» وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. يَقُولُ النَّوَوِيُّ فِي ذِكرِ الفَوَائِدِ الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِشَعَرِهِ ﷺ وَجَوَازُ اقتِنَائِهِ للتَّبَرُّكِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ علَى فِرَاشِهَا. فَأُتِيتْ فَقِيلَ لَهَا: هذَا النَّبِيُّ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ علَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا [هُوَ صُندُوقٌ] فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ (أَيِ استَيقَظَ) فَقَالَ: «مَا تصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: «أَصَبْتِ». وَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا أَشرَكتِ فَلَو كَانَ شِركًا لَنَهَاهَا عَنهُ.

وَأَورَدَ ابنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ المَطَالِبِ العَالِيَةِ بَابًا سَمَّاهُ بَابَ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ: وَرَوَى فِيهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: “استَوْهَبْتُ مِن أُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِنَ المِسكِ الَّتِي كَانَتْ تَعْجِنُهُ بِعَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ لِي مِنْهُ”. فَلَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حُنِّطَ بِذٰلِكَ المِسْكِ.اهـ).

 وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً (قَالَ النَّوَوِيُّ: يُمِطْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَمَعْنَاهُ يُزِيلُ وَيُنَحِّي وَالْمُرَادُ بِالْأَذَى هُنَا الْمُسْتَقْذَرُ من قذر وَنَحْوِ ذَلِكَ)، وَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بالمنْدِيلِ (قَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْلُ) حَتَّى يَلْعَقَ أصَابعَهُ (قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعنَاهُ وَاللهُ أَعلَمُ لَا يَمسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَتَّى يَلعَقَهَا غَيرُهُ مِمَّن لَا يَتَقَذَّرُ ذَلِكَ كَزَوْجَةٍ وَجَارِيَةٍ وَوَلَدٍ وَخَادِمٍ يُحِبُّونَهُ ولايتقذرون وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ كَتِلْمِيذٍ يَعْتَقِدُ بَرَكَتَهُ وَيَوَدُّ التَّبَرُّكَ بِلَعْقِهَا وَاللهُ أَعْلَمُ) فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي في أيِّ طَعَامِهِ البَرَكَةُ» (قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنوَاعٌ مِن سُنَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ لَعْقِ الْيَدِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا لَهَا وَاسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا يَضُمُّ إِلَيهَا الرَّابِعَةَ وَالخَامِسَةَ إِلَّا لِعُذرٍ بِأَن يَكُونَ مَرَقًا وَغَيرَهُ مِمَّا لَا يُمكِنُ بِثَلَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ وَاسْتِحْبَابُ لَعْقِ الْقَصْعَةِ وَغَيْرِهَا وَاسْتِحْبَابُ أَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ أَذًى يُصِيبُهَا هَذَا إِذَا لَمْ تَقَعْ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ تَنَجَّسَتْ وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا إِنْ أَمْكَنَ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَطْعَمَهَا حَيَوَانًا وَلَا يَترُكْهَا لِلشَّيْطَانِ وَمِنْهَا إِثْبَاتُ الشَّيَاطِينِ وَأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا إِيضَاحُ هَذَا وَمِنْهَا جَوَازُ مَسْحِ الْيَدِ بِالْمِنْدِيلِ لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لَعْقِهَا). وفي رواية لَهُ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأنِهِ (قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُلَازَمَتِهِ لِلْإِنْسَانِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَهَّبَ وَيَحْتَرِزَ مِنْهُ وَلَا يَغتَرَّ بِمَا يُزَيِّنُهُ لَهُ)، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ (هُنَا أَقُولُ لَكُم إِنَّ الشَّيطَانَ لَن يَترُكَ أَيَّ وَاحِدٍ مِنَّا غَالِبًا حَتَّى يُوقِعَهُ فِي مَعصِيَةِ اللهِ إِنِ استَطَاعَ فِي الكُفرِ وَإِنْ لَمْ يَستَطِع فَبِالكَبَائِرِ فَإِن لَم يَقدِر فَبِالصَّغَائِرِ فَإِن لَم يَقدِر يُبعِدُهُ عَن مَجَالِسِ العِلمِ وَعَمَّن يُذَكِّرُهُ بِالتَّوبَةِ، 

وَلْيُعلَمْ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَبِيضُ بَيضًا وَلَا تَلِدُ وِلَادَةً، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا تَكُن أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَبِهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ“. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلشَّيْطَانِ ذُرِّيَّةً مِنْ صُلْبِهِ.

قَالَ بَعضُ التَّابِعِينَ: ذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ الكَافِرُونَ، هُمُ الشَّيَاطِينُ، وَمِنهُم: زَلَنْبُورُ صَاحِبُ الْأَسْوَاقِ أَيِ الذِي يُضِلُّ النَّاسَ فِي الأَسوَاقِ، لَهُ رَايَةٌ كَرَايَةِ الجَيشِ يَضَعُ رَايَتَهُ فِي كُلِّ سُوقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَجْعَلُ تِلْكَ الرَّايَةَ عَلَى حَانُوتِ أَوَّلِ مَنْ يَفتَحُ وَآخِرَ مَن يُغلِقُ. 

وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا تَكُونَنَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلِ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ“.اهـ

 وَمِنْهُم ثِبْرٌ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَصَائِبِ، أَيْ: الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ وَقْتَ نُزُولِ الْمَصَائِبِ بِهِمْ، فَيَأْمُرُ بِضَرْبِ الْوُجُوهِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ. 

وَمِنْهُمُ الْأَعْوَرُ، صَاحِبُ أَبْوَابِ الزِّنَا، الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِيُوقِعَهُمْ فِي الزِّنَا. وَمِنْهُمْ مُسَوَّطٌ، صَاحِبُ الْأَخْبَارِ، أَيْ: الَّذِي يَتَسَبَّبُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ بَيْنَ النَّاسِ، يَأْتِي بِهَا فَيُلْقِيهَا فِي أَفْوَاهِ النَّاسِ، فَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصْلًا. 

فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ.

وَمِنْهُم دَاسِمُ، الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، تَسَلَّطَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ بِأَنْ يُعَكِّرَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ، وَإِذَا أَكَلَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، أَكَلَ مَعَهُ.

وَمِنْهُمْ الَّذِي يُسَمَّى الأَبْيَضَ، وَهُوَ الَّذِي يُوَسْوِسُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، فَلَا يَدْخُلُ جَسَدَ أَيِّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ جِنِّيٌّ كَبَاقِي النَّاسِ، بَاقِي النَّاسِ إِنْ أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ، أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلَا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ تُوَسْوِسُ لَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ. 

وَمِنْهُمْ الْوَلْهَانُ، وَهُوَ صَاحِبُ الطَّهَارَةِ، يُوَسْوِسُ فِيهَا، أَيْ: الَّذِي يُوقِعُ بَعْضَ النَّاسِ فِي وَسْوَاسِ الطَّهَارَةِ. 

وَمِنْهُمْ مُرَّةُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ، وَبِهِ يُكَنَّى، أَيْ: الَّذِي يُوَسْوِسُ لِلنَّاسِ، فَيَكْثُرُ مِنْهُمْ اسْتِعْمَالُ الْمَزَامِيرِ، وَهِيَ آلَةٌ مُحَرَّمَةٌ. 

وَمِنْهُمُ الْهَفَّافُ، يَكُونُ بِالصَّحَارَى، يُضِلُّ النَّاسَ وَيُتَوههم، فَيَضِيعُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْهَفَّافَ هُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، أَيْ: الَّذِي يُوَسْوِسُ لِلنَّاسِ حَتَّى يَشْرَبُوا الْخَمْرَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ. 

وَمِنْهُمُ الْغِيلَانُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إِذَا تَغَوَّلَتْ لِأَحَدِكُمُ الْغِيلَانُ، فَلْيُؤَذِّنْ، فَإِنَّ ذٰلِكَ لَا يَضُرُّهُ». وَوَاحِدُهَا: غُولٌ، وَالْغِيلَانُ جِنْسٌ مِنَ الْجِنِّ. وَمِنْ بَرَكَاتِ الأَذَانِ أَنَّهُ حِرْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْغِيلَانِ. 

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّه يُوجَدُ شَيطَانٌ يَأتِي بَعضَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ يُسَمَّى خِنْزَب، وَنَصُّهُ فِي مُسلِمٍ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ ‌خِنْزَِب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي». 

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ مَنْ أَضَلَّ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ قَالَ فَيَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ. وَيَقُولُ آخَرُ: لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى عَقَّ، قَالَ: يُوشِكُ أَن يَبَرَّهُمَا. فال وَيَقُولُ الْقَائِلُ: لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى شَرِبَ، قَالَ: أَنْتَ! قَالَ وَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى زَنَى، قَالَ: أَنْتَ قَالَ وَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى قَتَلَ، قَالَ: أَنْتَ أَنْتَ!.

قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: إِنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْبَيْضَاوِيُّ يَتَمَثَّلُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُوَاصِلِينَ فِي الصِّيَامِ أي الذين يُكثِرُونَ مِنَ الصِّيَامِ فَإِذَا اسْتَحْكَمَ مِنْهُمُ الْجُوعَ يَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ ضِيَاءٍ وَنُورٍ حَتَّى يَمْلَأَ عَلَيْهِمُ البُيُوتَ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ وَصَلُوا أَي إِلَى رِضوَانِ اللهِ وَنِعيمِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ وَلَيْسَ كما ظنوا)، فَإذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُم اللُّقْمَةُ فَليُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذَىً، فَلْيَأكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ» (وَهٰذَا رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ لِمُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ وَعَدَمِ التَّسْلِيمِ لَهُ، 

وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ وَأَكْثَرِ الْأُمُورِ الَّتِي يُسَبِّبُهَا الشَّيْطَانُ، وَخُصُوصًا فِي هٰذَا الزَّمَنِ الَّذِي بَعُدَ فِيهِ النَّاسُ عَنْ عِلْمِ الدِّينِ، هُوَ الْوَسْوَاسُ، وَأَتَكَلَّمُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَمِنْ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ فِيهِ، لِتَحْذَرُوهُ، وَتَحْذَرُوا مِنْهُ، وَتَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الْعِلَاجِ مِنهُ).

معنى الوسواس

الوَسوَسَةُ لُغَةً:

تَأتِي كَلِمَةُ “الوَسوَسَةِ” فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلَى مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَأَصلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ يَدُورُ حَولَ مَعنًى وَاحِدٍ هُوَ “الخَفَاءُ”.

قَالَ العَسكَرِيُّ: “أَصلُ الوَسوَسَةِ: الصَّوتُ الخَفِيُّ، وَمِنهُ يُقَالُ لِصَوتِ الحُلِيِّ وَسوَاسٌ، وَكُلُّ صَوتٍ لَا يُفهَمُ تَفصِيلُهُ لِخَفَائِهِ وَسوَسَةٌ وَوَسوَاسٌ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي النَّفسِ خَفِيًّا”.

الوَسوَسَةُ اصطِلَاحًا:

حَدِيثُ النَّفسِ أَوِ الشَّيطَانِ بِمَا لَا نَفعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ لِذَاتِهِ، أَو بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا نَفعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ.

أَمَّا حَدِيثُ النَّفسِ فَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَعلَمُ مَا تُوَسوِسُ بِهِ نَفسُهُ﴾ [سورة ق:16]، أَي وَنَعلَمُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفسُهُ مِن خَوَاطِرَ وَأَفكَارٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّيطَانِ فَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَسوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾، [سورة الأعراف:20]، وَقَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿مِن شَرِّ الوَسوَاسِ الخَنَّاسِ﴾، [سورة الناس:4]، أَي مِن أَذَى الشَّيطَانِ الَّذِي يُوَسوِسُ عِندَ الغَفلَةِ وَيَختَفِي عِندَ ذِكرِ اللهِ.

المصابون بالوسواس

المُصَابُونَ بِهَذَا الدَّاءِ عَلَى قِسمَينِ:

  1. قِسمٌ يَذهَبُ وَيَزُولُ عَنهُم سَرِيعًا كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ الأَمرَاضِ العَارِضَةِ، وَهَذَا يَكُونُ بِأَخذِ العِلَاجِ وَالعَمَلِ عَلَيهِ.
  2. وَقِسمٌ يُهمِلُونَ عِلَاجَهُ أَو يَعجِزُونَ عَنهُ أَو يَترُكُ نَصِيحَةَ مَن يُعَالِجُهُ فيَستَمِرُّ مَعَهُم طَوِيلًا حَتَّى يُصبِحَ المُوَسوِسُ أَسِيرَ الخَوفِ وَالحُزنِ وَالهَمِّ وَالغَمِّ وَيَغرَقَ فِيهِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي عِبَادَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَحَيَاتِهِ، بَل قَد يَمتَدُّ ذَلِكَ إِلَى عَقلِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى تَركِ العِبَادَاتِ أَو حَتَّى إِلَى الكُفرِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.

مظاهر الوسواس وعلاماته الدالة عليه

لِلوَسوَسَةِ عَلَامَاتٌ تُعرَفُ بِهَا وَأَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَيهَا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، نَذكُرُ مِن أَهَمِّهَا:

  1. إِكثَارَ السُّؤَالِ عَن حُكمِ مَن يَقُولُ كَذَا أَو يَفعَلُ كَذَا وَخُصُوصًا فِي مَسَائِلِ الخَوَاطِرِ الَّتِي لَم تَحصُل فِي الحَقِيقَةِ
  2. وَإِطَالَةَ المُكثِ فِي أَمَاكِنِ الخَلَاءِ فِي حَالِ الِاستِنجَاءِ، أَوِ الوُضُوءِ، أَوِ الغُسلِ
  3. وَالمُبَالَغَةَ فِي الِاستِبرَاءِ مِنَ البَولِ وَالغَائِطِ
  4. وَالزِّيَادَةَ عَلَى الغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ فِي الوُضُوءِ
  5. وَتَكرَارَ الوُضُوءِ أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ
  6. وَتَكرَارَ الغُسلِ مِنَ الجَنَابَةِ أَو غَيرِهِ أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ
  7. وَالإِسرَافَ فِي مَاءِ الوُضُوءِ وَالغُسلِ
  8. وَتَكرَارَ أَركَانِ الصَّلَاةِ كَتَكبِيرَةِ الإِحرَامِ
  9. وَتَردِيدَ الحُرُوفِ وَالكَلِمَاتِ عِندَ قِرَاءَةِ القُرآنِ أَوِ الأَذكَارِ وَنَحوِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَرَفعَ الصَّوتِ بِهَا
  10. وَإِعَادَةَ الصَّلَاةِ

أسباب الوسواس

الوَسوَاسُ لَهُ سَبَبَانِ رَئِيسِيَّانِ، فَهُوَ إِمَّا أَن يَكُونَ مِنَ الشَّيطَانِ أَو مِنَ الشَّخصِ نَفسِهِ بِدُونِ إِرَادَةٍ مِنهُ.

فَكَونُهُ مِنَ الشَّيطَانِ مَعنَاهُ أَنَّ الشَّيطَانَ يُلقِي فِي قَلبِ الشَّخصِ وَسوَسَتَهُ وَيُلَازِمُهُ وَيُلِحُّ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُتعِبَهُ وَيُنهِكَهُ وَيُنَكِّدَ عَلَيهِ عَيشَهُ، وَهَذَا قَد يَكُونُ بِسَبَبِ السِّحرِ وَالعَينِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجِدُ بَعدَ ذَلِكَ لَذَّةً وَلَا خُشُوعًا وَلَا يَهنَأُ بِالعِبَادَةِ فَيُؤَدِّي إِلَى تَركِهَا فِي بَعضِ الأَحيَانِ، وَهَذَا هُوَ الغَرَضُ الَّذِي يُرِيدُ أَن يَصِلَ لَهُ الشَّيطَانُ، فَيَعرِضُ وَيُلِحُّ بِالوَسوَسَةِ لِكُلِّ مَن تَوَجَّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِذِكرٍ أَو غَيرِهِ، فَكُلَّمَا أَرَادَ العَبدُ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِقَلبِهِ جَاءَهُ الوَسوَاسُ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ بِمَنزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، كُلَّمَا أَرَادَ العَبدُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِالطَّاعَاتِ أَرَادَ الشَّيطَانُ قَطعَ الطَّرِيقِ عَلَيهِ.

وَأَمَّا كَونُهُ مِنَ الشَّخصِ نَفسِهِ فَيُوَضِّحُ مَعنَاهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، [سورة يوسف:53]، أَي كَثِيرَةُ الأَمرِ بِالسُّوءِ.

وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَسبَابًا أُخرَى لِلوَسوَسَةِ كَثِيرَةً، مِنهَا مَا هُوَ سَبَبٌ مُبَاشِرٌ لَهَا، وَمِنهَا مَا يَكُونُ تَمهِيدًا وَتَوطِئَةً لِظُهُورِهَا، وَمِن أَهَمِّ هَذِهِ الأَسبَابِ:

‏قِلَّةُ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَالجَهلُ بِأَحكَامِ الدِّينِ: وَذَلِكَ أَنَّ الجَهلَ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ الشَّيطَانِ الَّتِي يَدخُلُ مِنهَا، 

وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: «الوَسوَاسُ إِمَّا خَبَلٌ فِي العَقلِ وَإِمَّا جَهلٌ فِي الدِّينِ»، فَالجَاهِلُ قَد يُعِيدُ وُضُوئَهُ أَو صَلَاتَهُ مَثَلًا ظَنًّا مِنهُ أَنَّهُ لَم يُحسِنِ الوُضُوءَ أَوِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ مَا يَلبَثُ أَن يُصبِحَ وَسوَاسًا يَعجَزُ عَنِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، وَقَد يَدخُلُ عَلَيهِ مِن أَبوَابٍ أُخرَى فِي العِبَادَاتِ أَو حَتَّى فِي العَقِيدَةِ، فَقَد يُورِدُ لَهُ خَاطِرًا لَا يَعرِفُ مَا حُكمُهُ فَيُخَوِّفُهُ الشَّيطَانُ وَيَزِيدُ الأَمرَ عَلَيهِ حَتَّى يَسأَلَ فِي حُكمِهِ، فَإِذَا سَأَلَ فِي حُكمِهِ يُوَلِّدُ الشَّيطَانُ لَهُ سُؤَالًا آخَرَ، ثُمَّ سُؤَالًا غَيرَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يُتعِبَهُ وَيُرهِقَهُ، وَبَعضُ النَّاسِ أَوصَلَهُم هَذَا إِلَى حَدِّ الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

ضَعفُ العَقلِ: وَقَد مَرَّ أَنَّ الوَسوَاسَ إِمَّا خَبَلٌ فِي العَقلِ وَإِمَّا جَهلٌ فِي الدِّينِ، أَي لَيسَ عَقلُهُ سَلِيمًا، وَهَذَا قَد يُعَالَجُ بِالطِّبِّ النَّبَوِيِّ أَو الطِّبِّ الحَدِيثِ، فَعَلَى الشَّخصِ أَن يَسأَلَ طَبِيبًا ثِقَةً عَارِفًا فِي هَذَا الأَمرِ لِيُعطِيَهُ العِلَاجَ.

العُزلَةُ وَعَدَمُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ اعتِزَالَ النَّاسِ وَالبُعدَ عَنهُم وَعَدَمَ مُشَارَكَتِهِم فِي اجتِمَاعَاتِهِم لَهُ أَضرَارٌ جَسِيمَةٌ أَحيَانًا، وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَولِهِ: «لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحدَةِ مَا أَعلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيلٍ وَحدَهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

فَالعُزلَةُ وَالِانطِوَاءُ مِن مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ عَلَى الإِنسَانِ غَالِبًا وَهِيَ سَبَبٌ فِي الإِصَابَةِ بِالوَسوَاسِ أَحيَانًا، وَفِي الحَدِيثِ: «فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثنَينِ أَبعَدُ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

الفَرَاغُ: لَا يَخفَى أَنَّ النَّفسَ إِن لَم تَشغَلهَا بِمَا يَنفَعُهَا فِي دِينِهَا وَدُنيَاهَا شَغَلَتكَ بِمَا يَضُرُّكَ أَو لَا مَنفَعَةَ فِيهِ، وَقَد قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَةْ *** مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَةْ

لِذَا فَإِنَّ الفَرَاغَ مِن أَسبَابِ حُصُولِ الأَوهَامِ وَالوَسَاوِسِ عِندَ البَعضِ.

وَأَحْيَانًا يَكُونُ سَبَبُ الوسواس هُوَ إِيذَاءُ بَعْضِ الْبَشَرِ لِلْجِنِّ: مِثْلَ سَكْبِ الْمَاءِ السَّاخِنِ دُونَ ذِكْرِ اللهِ، أَوْ إِيذَاءَ الْجِنِّ دُونَ قَصْدٍ. كَمَا حَصَلَ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ عِنْدَمَا بَالَ شَخْصٌ فِي جُحْرٍ لِلْجِنِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَخَطَفَتْهُ الشَيَاطِينُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَقِصَّةُ خَلَاصِهِ مِنْهُمْ أَنَّ قَبَائِلَ مِنَ الْجِنِّ الْمُسْلِمِينَ غَزَوْا هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ وَدَارَتْ بَيْنَهُمْ مَعْرَكَةٌ، فَانْتَصَرَ الْجِنُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَحَرَّرُوْهُ وَخَيَّرُوهُ بَيْنَ أَنْ يَبْقَى بَيْنَهُمْ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا أَوْ أَنْ يَرْجِعَ لأَهْلِهِ، فَاخْتَارَ الرَّجُوعَ لأَهْلِهِ.

 وَعِلَاجُ التَّلَبُّسِ وَالْأَذَى يَكُونُ بِالرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ التِي وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الدَّجَلِ مِنَ الضَّرْبِ والسَبِّ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ أَوْرَادِ التَّحْصِينِ كَآيَةِ الكُرْسِيِّ والمُعَوِّذَاتِ فَقَدْ تَحَصَّنَ بِحِصْنِ اللهِ الْعَظِيمِ.

علاج الوسواس

مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَن جَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، وَمَعَ كُلِّ مَرَضٍ شِفَاءً، وَالوَسوَسَةُ كَغَيرِهَا مِنَ الأَمرَاضِ لَهَا دَوَاءٌ، وَيَنبَغِي لِمَن أُصِيبَ بِهَذَا المَرَضِ أَن يَسعَى فِي سُلُوكِ الأَسبَابِ المَشرُوعَةِ لِلتَّدَاوِي مِنهُ، وَطُرُقُ عِلَاجِ الوَسوَسَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِن أَهَمِّهَا:

المُحَافَظَةُ عَلَى التَّحصِينِ وَالأَورَادِ وَالأَذكَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا حِصنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَوَسوَسَتِهِ وَمِن كُلِّ شَرٍّ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاذكُر رَبَّكَ فِي نَفسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً دُونَ الجَهرِ مِنَ القَولِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُن مِنَ الغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف:205]، فَالغَفلَةُ عَن ذِكرِ اللهِ مِن أَعظَمِ مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ عَلَى الإِنسَانِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “الشَّيطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلبِ ابنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسوَسَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى خَنَسَ”.

وَمِن هَذِهِ الأَذكَارِ -عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ لَا الحَصرِ-: قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ وَالإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَينِ كَمَا نَصَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ لِصَحَابِيٍّ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ: «إِنِ استَطَعتَ أَن تَقرَأَ بِهِمَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَافعَل»، وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ: «مَا تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثلِهِمَا».

وَالإِكثَارُ مِن قَولِ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِن تِسعِينَ دَاءً أَقَلُّهَا الهَمُّ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ.

وَالإِكثَارُ مِن قَولِ: اللهُ اللهُ رَبِّي لَا أُشرِكُ بِهِ شَيئًا.

وَقَولُ: آمَنتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً عِندَ حُصُولِ الوَسوَاسِ ثُمَّ يَتفُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَن يَسَارِهِ أَي يَنفُخُ نَفخًا خَفِيفًا مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ، وَيُكَرِّرُهُ كُلَّمَا احتَاجَ إِلَيهِ.

وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَذكَارِ وَالتَّحصِينَاتِ الوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا عَلَّمَهُ لِأَصحَابِهِ.

عِلَاجُ سَبَبِ الوَسوَاسِ إِن كَانَ سَبَبُهُ السِّحرَ أَوِ العَينَ أَوِ الخَبَلَ فِي العَقلِ أَو نَحوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الشَّيطَانَ عَلَيهِ.

طَلَبُ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَالعَمَلُ بِهِ، فَفِي طَلَبِ العِلمِ وَالعَمَلِ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى العَبدِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ مَا لَا يُحصِيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، مِنهَا: سَدُّ بَابِ الجَهلِ الَّذِي يَدخُلُ مِنهُ الشَّيطَانُ عَلَى الإِنسَانِ، وَدَحضُ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الوَسوَسَةِ الَّتِي تَعرِضُ لِلإِنسَانِ، وَمَا كَانَ لِيَتِمَّ هَذَا إِلَّا بِالعِلمِ الشَّرعِيِّ.

فَعَلَى مَن أُصِيبَ بِذَلِكَ أَن يَتَعَلَّمَ القَوَاعِدَ الَّتِي تُحَصِّنُهُ مِنَ الوُقُوعِ فِي مَسَائِلِ حُكمِ مَن قَالَ كَذَا، وَأَن يَتَعَلَّمَ أَسَاسِيَّاتِ العِبَادَاتِ وَالفَرضَ العَينِيَّ وَيُرَاجِعَهَا كُلَّ مُدَّةٍ حَتَّى يَعلَمَ كَيفَ يَصِحُّ نَحوُ الوُضُوءِ وَالغُسلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَكبِيرِة التَّحَرُّمِ وَالنِّيَّةِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكثُرُ دُخُولُ الشَّيطَانِ مِنهُ، فَإِذَا تَعَلَّمَ هَذِهِ القَوَاعِدَ وَالأَسَاسِيَّاتِ تَلَهَّى عَنِ الشَّيطَانِ وَانقَطَعَ عَنِ الِاستِرسَالِ مَعَهُ فِي خَوَاطِرِهِ الَّتِي يُلقِيهَا عَلَيهِ، فَإِنَّ الِاستِرسَالَ مَعَهُ فِيهَا يَزِيدُ الوَسوَاسَ.

البُعدُ عَنِ الفَرَاغِ وَشُغلُ النَّفسِ بِالأُمُورِ النَّافِعَةِ خُصُوصًا مَا يَحتَاجُ إِلَى إِعمَالِ الفِكرِ لِلتَّلَهِّي عَنِ الوَسوَاسِ، وَذَلِكَ كَالِاشتِغَالِ بِتَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ وَمُرَاجَعَتِهِ وَحِفظِ المُتُونِ، أَوِ الِاشتِغَالِ بِعُلُومِ العَرَبِيَّةِ كَالنَّحوِ، أَو نَحوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَفعٌ لَهُ، وَعَدَمُ مُشَاهَدَةِ التِّلفَازِ وَالشَّاشَاتِ وَشُغلِ النَّفسِ وَإِضَاعَةِ الوَقتِ بِمَا لَا يُفِيدُ.

اللُّجُوءُ إِلَى الرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرقِي نَفسَهُ وَأَهلَهُ، وَيَحُثُّ أَصحَابَهُ عَلَى الرُّقيَةِ إِذَا اشتَكَى أَحَدُهُم مِن شَيءٍ.

العِلَاجُ مِنَ الأَمرَاضِ الَّتِي تُقَوِّي الوَسوَاسَ حَالَ وُجُودِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ بَعضَ الأَمرَاضِ تُقَوِّي الوَسوَاسَ وَالأَوهَامَ، وَهَذَا كَبَعضِ الأَخلَاطِ وَالأَمزِجَةِ السَّيِّئَةِ كَالسَّودَاوِيِّ.

عَدَمُ الإِطَالَةِ فِي أَمَاكِنِ الخَلَاءِ دُونَ حَاجَةٍ، فَإِنَّ هَذَا مِن أَسبَابِ الوَسوَاسِ.

مُخَالَفَةُ الشَّكِّ وَعَدَمُ الِالتِفَاتِ إِلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ المُوَسوِسَ كَثِيرُ الشُّكُوكِ، خُصُوصًا فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، فَإِذَا التَفَتَ إِلَى هَذِهِ الشُّكُوكِ لَم يَستَطِع أَن يُؤَدِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَالنَّتِيجَةُ: تَركُ العِبَادَةِ بِالكُلِّيَّةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، فَعَلَى المُوَسوِسِ أَن لَا يَلتَفِتَ إِلَى هَذِهِ الشُّكُوكِ إِذَا رَاوَدَتهُ أَثنَاءَ القِيَامِ بِالعِبَادَةِ أَو بَعدَهَا، وَمِن ذَلِكَ أَن لَا تَلتَفِتَ إِلَى مِثلِ: هَل وَصَلَ المَاءُ إِلَى هَذَا الجُزءِ مِنَ العُضوِ فِي الوُضُوءِ أَوِ الغُسلِ، فَمَا دُمتَ قَد غَسَلتَهُ فَلِمَ الشَّكُّ، وَلَا تَبحَث عَن مِثلِ: هَل وَصَلَتِ النَّجَاسَةُ إِلَى هَذَا الجُزءِ مِنَ الثَّوبِ أَوِ البَدَنِ أَو نَحوِ ذَلِكَ مَا دُمتَ لَم تَتَيَقَّن وُصُولَهَا لَهُ، فَكُلُّ هَذَا يُسَبِّبُ الوَسوَاسَ وَيَزِيدُهُ.

عَدَمُ الخَوضِ فِي المَسَائِلِ الَّتِي يُلقِيهَا الشَّيطَانُ عَلَيكَ وَعَدَمُ البَحثِ عَن أَجوِبَتِهَا، لِأَنَّ هَذَا يُقَوِّي الوَسوَاسَ، وَتَذَكَّر أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيكَ أَن تُجِيبَ الشَّيطَانَ عَلَى هَذِهِ الأَسئِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَسأَلُهَا طَلَبًا لِلعِلمِ.

تَعَلُّمُ عِلمِ التَّجوِيدِ، فَهَذَا يُسَاعِدُ عَلَى مَعرِفَةِ كَيفِيَّةِ نُطقِ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ فَيُسَاعِدُكَ هَذَا عَلَى عَدَمِ الشَّكِّ فِي أَنَّهُ هَل خَرَجَ الحَرفُ صَحِيحًا أَو لَا، فَيَقطَعُ عَنكَ هَذَا الوَسوَاسَ.

عَدَمُ مُصَاحَبَةِ المُوَسوِسِينَ، فَقَد تَنتَقِلُ وَسوَسَتُهُ إِلَيكَ وَقَد يَشغَلُ قَلبَكَ بِذِكرِ مَسَائِلِهِ وَوَسوَسَاتِهِ وَخَوَاطِرِهِ.

مُخَالَطَةُ النَّاسِ وَمُصَاحَبَةُ الأَخيَارِ مِنهُم: وَذَلِكَ أَنَّ الأَخيَارَ يَقُودُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَصرِفُونَ عَنِ الشَّرِّ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ وَلَا تَعدُ عَينَاكَ عَنهُم تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَة وَلَا تُطِع مَن أَغفَلنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا﴾، [سورة الكهف:28]، وَإِنَّ مِن ثَمَرَاتِ صُحبَةِ الأَخيَارِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسُّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يَحذِيَكَ وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، كَمَا أَنَّ خُلطَةَ النَّاسِ تَشغَلُ الفِكرَ عَنِ الوَسوَاسِ فَيُسَاعِدُ ذَلِكَ عَلَى الِابتِعَادِ عَنِ الوَسوَاسِ وَالتَّخَلُّصِ مِنهُ.

مما يؤدي إلى الوسواس: كثرة المسائل

مِن أَسبَابِ الوَسوَاسِ كَثرَةُ المَسَائِلِ بِلَا حَاجَةٍ فِيمَا لَم يَحصُل، وَذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَ تَحصِيلِ العِلمِ الشَّرعِيِّ لَيسَ بِالأَسئِلَةِ، إِنَّمَا طَرِيقُهُ حُضُورُ مَجَالِسِ العِلمِ وَتَلَقِّي المُتُونِ وَالكُتُبِ مِن أَفوَاهِ العُلَمَاءِ العَارِفِينَ، فَلَا يَنبَغِي أَن يُكثِرَ الوَاحِدُ مِنَ الأَسئِلَةِ الَّتِي لَا يَحتَاجُ لَهَا وَلَم تَحصُل بَعدُ، وَلَم يَكُن صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّن يُكثِرُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُحتَاجُ إِلَيهِ، فَحَصَلَ لَهَمُ النَّفعُ العَظِيمُ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ غَالِبًا يُرَخِّصُ فِي المَسَائِلِ إِلَّا لِلأَعرَابِ وَالوُفُودِ القَادِمِينَ عَلَيهِ يَتَأَلَّفُهُم بِذَلِكَ، فَأَمَّا المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ المُقِيمُونَ بِالمَدِينَةِ الَّذِينَ رَسَخَ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِم فَنُهُوا عَنِ المَسأَلَةِ فِيمَا لَا يُحتَاجُ إِلَيهِ.

فَيَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَثبُتَ وَيَصبِرَ وَيُلَازِمَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الذِّكرِ وَالعِبَادَةِ، وَلَا يَضجَرَ، فَإِنَّهُ بِمُلَازَمَةِ ذَلِكَ يَنصَرِفُ عَنهُ كَيدُ الشَّيطَانِ: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٧٦].