الحديث 165 | موعظة عظيمة للنبي ﷺ تذكّر الناس بأهوال يوم القيامة والحشر

المقدمة

الحَمدُ لله القَادِرِ، العَلِيمِ الفَاطِرِ، الحَكِيمِ المُتَّصِفِ بِالعِلمِ الشَّامِلِ، الَّذِي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، لَا يَخفَى عَلَيهِ الشَّاهِدُ وَالغَائِبُ، يَعلَمُ العَلَنَ وَالإِسرَارَ وَالجَهرَ وَالإِضمَارَ، وَالمُشكِلَ وَالجَلِيَّ، وَالبَادِيَ وَالخَفِيَّ، ﴿وَيَعلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحرِ  وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرضِ وَلَا رَطبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، سُبحَانَهُ مِن عَالِمٍ لَا بِفِكرَةٍ وَاجتِهَادٍ، وَلَا بِضَمِيرٍ وَفُؤَادٍ، بَصِيرٌ بِلَا حَدَقَةٍ وَسَوَادٍ، وَعَزِيزٌ بِلَا عُدَّةٍ وَعَتَادٍ، وَمُتَكَلِّمٌ بِلَا لِسَانٍ وَلَهَاةٍ، وَصَانِعٌ بِلَا آلَةٍ وَأَدَاةٍ، ، تَعَالَى عَنِ الأَندَادِ وَالأَشكَالِ، وَالأَشبَاهِ وَالأَمثَالِ، استَأثَرَ بِنُعُوتِ الجَلَالِ، بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِن أَوسَطِهِم نَسَبًا، وَأَشرَفِهِم حَسَبًا، وَأَحسَنِهِم أَدَبًا، وَأَشهَرِهِم أُمًّا وَأَبًا، يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ، وَيُعَارِضُ أَبَاطِيلَهُم بِبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى انكَشَطَت غِشَاوَةُ الشَّكِّ عَن وَجهِ اليَقِينِ، أَنزَلَ عَلَيهِ النُّورَ المُبِينَ، وَالوَحيَ المُستَبِينَ، أَنقَذَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَهَدَى بِهِ مِن حَيرَةِ الجَهَالَةِ، فَبَهَرَت مُعجِزَتُهُ، وَظَهَرَت دِلَالَتُه، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ صَلَاةً تَنمُو أَبَدًا، وَتَتَّصِلُ مَدَدًا، مَا تَنَاوَبَ الصَّبَاحُ وَالمَسَاءُ سَرمَدًا، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ العَاشِرُ مِن بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَهُوَ الحَدِيثُ الخَامِسُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ:

الحديث

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: العَاشِرُ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَوعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُم مَحشُورُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا {كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ، وَعدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 103] أَلَا وَإنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشَّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: {وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم} إِلَى قَولِهِ: {العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 117 – 118] فَيُقَالُ لِي: إنَّهُم لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «غُرلًا»: أَي غَيرَ مَختُونِينَ.

ذَكَرَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا الحَدِيثَ فِي بَابِ المُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحذِيرَ الشَّدِيدَ مِنَ الِارتِدَادِ عَنِ الهُدَى بَعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ النَّجَاةَ يَومَ القِيَامَةِ إِنَّمَا تَكُونُ بِالتَّمَسُّكِ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَمَن أَحدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَيسَ مِنهُ فَخَالَف الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أُخِذَ ذَاتَ الشِّمَالِ وَعَرَّضَ نَفسَهُ لِلعِقَابِ والعَذَابِ. وَفِي ذَلِكَ تَأكِيدٌ عَلَى أَنَّ المُحَافَظَةَ الحَقِيقِيَّةَ عَلَى السُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ هِيَ الثَّبَاتُ عَلَيهَا بِلَا تَغيِيرٍ وَلَا تَبدِيلٍ، فَمَن ثَبَتَ عَلَيهَا نَجَا، وَمَن تَخَلَّى عَنهَا هَلَكَ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

العَاشِرُ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَوعِظَةٍ (مِنَ الوَعظِ، وَهُوَ النُّصحُ وَالتَّذكِيرُ بِالعَوَاقِبِ، وَتَنوِينُهَا لِلتَّعظِيمِ: أَي مَوعِظَةٌ جَلِيلَةٌ.اهـ) (وَقِيَامُهُ ﷺ فِي أَثنَاءِ مَوعِظَتِهِ لِلَفتِ الِانتِبَاهِ أَكثَرَ وَأَكثَرَ حَتَّى يُقبِلَ المَوعُوظُ عَلَيهِ بِأَكثَرَ مِمَّا اعتَادَهُ مِنهُ) فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُم مَحشُورُونَ (قَالَ القُرطُبِيُّ: الحَشرُ الجَمعُ.اهـ فَهُوَ جَمعُ النَّاسِ بَعدَ البِعثِ لِلسُّؤَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الحَشرِ مِنَ القُرءَانِ كَثِيرٌ، فَمِن ذَلِكَ: ((وَنَحشُرُهُم يَومَ القِيَامَةِ))، وَقَولُهُ تَعَالَى: ((وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحشَرُونَ))، وَقَولُهُ تَعَالَى: ((وَيَومَ يَحشُرُهُم جَمِيعًا))، وَالحَشرُ جَمعُ النَّاسِ بَعدَ البَعثِ إِلَى مَكَانٍ يَكُونُ عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَهِيَ أَرضٌ مُستَوِيةٌ كَالجِلدِ المَشدُودِ لَا جِبَالَ فِيهَا وَلَا وِديَانَ، أَكبَرُ وأَوسَعُ من أَرضِنا هَذه، صِفَتُهَا أَنَّهَا بَيضَاءُ كَالفِضَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ((يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ))، بِحَطِّ المُرتَفِعِ مِنهَا وَرَفعِ المُنخَفِضِ، وَذَلِكَ بِمَدِّهَا وَذَهَابِ شَجَرِهَا وَجِبَالِهَا، لَكِن قَبلَ ذَلِكَ يَخرُجُ النَّاسُ مَبعُوثِينَ مِن هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا مِن قُبُورِهِم، ثُمَّ يُنقَلُونَ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ إِلَى أَن تُبَدَّلَ الأَرضُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا فَيَعُودُونَ إِلَى تِلكَ الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَهَذَا عَلَى قَولِ بَعضِهِم، فَمِنَ العُلَمَاءِ مَن قَالَ: إِنَّ تِلكَ الأَرضَ هِيَ نَفسُهَا وَلَكِن تُبَدَّلُ أَوصَافُهَا فَتَصِيرُ بِصِفَةِ الأَرضِ المُبَدَّلَةِ الَّتِي لَا جَبَلَ فِيهَا وَلَا وَادِيَ وَلَا مَعلمَ فِيهَا لِأَحَدٍ، وَمِنهُم مَن ذَهَبَ إِلَى أَنَّ النَّاسَ يُحشَرُونَ عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ الَّتِي هِيَ غَيرُ هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي نَحنُ عَلَيهَا اليَومَ، وَذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي كَشفِ المُشكِلِ وَغَيرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ نَقلًا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَنَصُّ قَولِهِ: “اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مَعنَى تَبدِيلِ الأَرضِ عَلَى قَولَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تُبَدَّلُ صِفَاتُهَا وَأَحوَالهَا، تَذهَبُ ءَاكَامُهَا وَجِبَالُهَا وَأَودِيَتُهَا وَأَشجَارُهَا، وَتُمَدُّ مَدَّ الأَدِيمِ، رُوِيَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُبَدَّلُ بِغَيرهَا. 

وَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغَيرِهِ مِن حَدِيثِ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “هُم فِي الظُّلمَةِ دُونَ الجِسرِ“. وَمِمَّا وَرَدَ فِي صِفَةِ تِلكَ الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَن سَهلَ بنَ سَعدٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى أَرضٍ بَيضَاءَ عَفرَاءَ كَقُرصَةِ نَقِيٍّ“، قَالَ البُخَارِيُّ: قَالَ سَهلٌ أَو غَيرُهُ: “لَيسَ فِيهَا مَعلَمٌ لِأَحَدٍ. وَ”عَفرَاء” أَي شَدِيدَةُ البَيَاضِ “كَقُرصَةِ نَقِيٍّ” أَي كَخُبزٍ نَقِيٍّ دَقِيقُهُ مِنَ الشَّوَائِبِ. 

وَأَخرَجَ عَبدُ الرَّزَّاقِ وَعَبدُ بنُ حُمَيدٍ وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفَاسِيرِهِم وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ عَمرِو بنِ مَيمُونٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ((يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ))، قَالَ: تُبَدَّلُ الأَرضُ أَرضًا كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَم يُسفَك فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ وَلَم يُعمَل عَلَيهَا خَطِيئَةٌ. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتحِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَهُوَ مَوقُوفٌ. 

وَتَكُونُ بَرُّ الشَّامِ مِن أَرضِ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ أَي أَوَّلُ فَوجٍ إِلَيهَا وَلَيسَ كُلُّ النَّاسِ إِلَيهَا، وَأُمُّ بَرِّ الشَّامِ أَفضَلُ بُقعَةٍ فِيهَا فِلَسطِينُ. 

فَقَد رُوِيَ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “الشَّامُ أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ” رَوَاهُ البَزَّارُ، 

وَالمَحشَرُ وَالمَنشَرُ فِي المَعنَى مُتَقَارِبَانِ، فَالمَنشَرُ مَعنَاهُ هُنَاكَ حَيثُ يَنتَشِرُونَ. ثُمَّ بَعدَ فَرَاغِ الحِسَابِ تُرمَى هَذِهِ الأَرضُ المُبَدَّلَةُ فِي جَهَنَّمَ لِتَزِيدَهَا وَقُودًا، قَالَ تَعَالَى ((فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ))، وَمِن جُملَةِ الحِجَارَةِ الَّتِي فِي جَهَنَّمَ كَمَا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ حِجَارَةُ الكِبرِيتِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَوَقُّدًا مِن غَيرِهَا وَأَنتَنُ رَائِحَةً وَأَلصَقُ بِالبَدَنِ.

 وكُلُّ بَهَائِمِ الدُّنيَا تُحشَرُ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى الذُّبَابُ ثُمَّ تَفنَى أَجسَادُهَا وَأَروَاحُهَا بَعدَ ذَلِكَ. 

أَمَّا حَشرُ النَّاسِ فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحوَالٍ: فَقَد جَاءَ فِي مُسنَدِ الطَّيَالِسِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصنَافٍ: رُكبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِهِم“، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَمشُونَ عَلَى وُجُوهِهِم؟، قَالَ: “الَّذِي أَمشَاهُم عَلَى أَقدامِهِم قَادِرٌ أَن يُمشِيَهُم عَلَى وُجُوهِهِم“. 

فَيُفهَمُ مِن ذَلِكَ وَمِن أَقوَالِ السَّلَفَ أنَّ النَّاسَ فِي الحَشرِ يَكُونُونَ عَلَى ثَلَاثةِ أَحوالٍ:

  1. قِسمٌ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ علَى نُوقٍ رحَائِلُها مِن ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتقِياءُ.
  2. وَقِسمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ وَهُم المُسلِمُونَ مِن أَهلِ الكَبَائرِ.
  3. وقِسمٌ يُحشَرُونَ ويُجَرُّونَ على وجُوهِهم وهمُ الكفّارُ). 

(وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعضَ النَّاسِ يَكُونُ طَاعِمًا يَومَ القِيَامَةِ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَكُونُ الأَرضُ يَومَ القِيَامَةِ خُبزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا ‌الجَبَّارُ ‌بِيَدِهِ كَمَا يَكفَأُ أَحَدُكُم خُبزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهلِ الجَنَّةِ. فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحمَنُ عَلَيكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا أُخبِرُكَ بِنُزُلِ أَهلِ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: تَكُونُ الأَرضُ خُبزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَينَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ».اهـ ((يَتَكَفَّأُهَا)) أَي يُقَلِّبُهَا وَيُمِيلُهَا، مِن قَولِكَ: كَفَأتُ الإِنَاءَ: إِذَا قَلَبتُهُ أَو أَمَلتُهُ. وَالنُّزُلُ: مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، وَالنَّزِيلُ: الضَّيفُ. وَقَد سَبَقَ الكَلَامُ فِي اليَدِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأوِيلِهَا قَرِيبًا مَعَ القَطعِ بِاستِحَالَةِ الجَارِحَةِ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ،

وَمَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجعَلُ الأَرضَ كَالظُّلمَةِ وَالرَّغِيفِ العَظِيمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا نُزُلًا لِأَهلِ الجَنَّةِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)

 إِلَى اللهِ تَعَالَى (أَي إِلَى جَزَاءِ اللهِ تَعَالَى، تُحشَرُونَ لِنَيلِ الثَّوَابِ أَوِ العِقَابِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ وَالنَّاسُ يَذهَبُونَ وَيُحشَرُونَ إِلَيهِ، لَا، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، وَهَذَا مِثلُ قَولِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ((إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهدِينِ))، أَي إِلَى حَيثُ أَمَرَنِي رَبِّي، إِلَى فِلَسطِينَ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ فِي مَكَانٍ وَأَمَرَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَأتِيَهُ، وَكُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأوِيلِ وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى المُجَسِّمَةِ وَالجَهَوِيَّةِ الَّذِينَ يَنسُبُونَ إِلَى اللهِ الجِسمَ وَالجِهَةَ وَالمَكَانَ تَعَالَى اللهُ عَن قَولِهِم وَبُهتَانِهِم وَافتِرَائِهِم، 

وَمِثلُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ عند النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى: »إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ بِأَلفَي سَنَةٍ فَهُوَ عِندَهُ عَلَى العَرشِ وَإِنَّهُ أَنزَلَ مِن ذَلِكَ الكِتَابِ ءَايَتَينِ خُتِمَ بِهِمَا سُورَةُ البَقَرَةِ«، وَفِي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: »فَهُوَ مَوضُوعٌ عِندَهُ«.اهـ وَكَلِمَةُ »عِندَ« لِلتَّشرِيفِ لَيسَ لإِثبَاتِ تَحَيُّزِ اللهِ فَوقَ العَرشِ لِأَنَّ »عِندَ« تُستَعمَلُ لِغَيرِ المَكَانِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمطَرنَا عَلَيهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ﴾ [سُورَةَ هُود] إِنَّمَا تَدُلُّ »عِندَ« هُنَا أَنَّ ذَلِكَ بِعِلمِ اللهِ وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ تِلكَ الحِجَارَةَ مُجَاوِرَةٌ للهِ تَعَالَى فِي المَكَانِ. 

فَمَن يَحتَجُّ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةِ عِندَ لإِثبَاتِ المَكَانِ وَالتَّقَارُبِ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلقِهِ فَهُوَ مِن أَجهَلِ الجَاهِلِينَ، وَهَل يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ تِلكَ الحِجَارَةَ الَّتِي أَنزَلَهَا اللهُ عَلَى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ نَزَلَت مِنَ العَرشِ إِلَيهِم وَكَانَت مُكَوَّمَةً بِمَكَانٍ فِي جَنبِ اللهِ فَوقَ العَرشِ عَلَى زَعمِهِم. 

وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: »إِذَا كَانَ أَحَدُكُم فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلا يَبصُقَنَّ فِي قِبلَتِهِ وَلا عَن يَمِينِهِ فَإنَّ رَبَّهُ بَينَهُ وبَينَ قِبلَتِهِ«.اهـ فَمُنَاجَاةُ اللهِ مَعنَاهُ الإِقبَالُ عَلَى اللهِ بِدُعَائِهِ وَتَمجِيدِهِ، وَالمَعنَى أَنَّ المُصَلِّي تَجَرَّدَ لِمُخَاطَبَةِ رَبِّهِ انقَطَعَ عَن مُخَاطَبَةِ النَّاسِ لِمُخَاطَبَةِ اللهِ، فَلَيسَ مِنَ الأَدَبِ مَعَ اللهِ أَن يَبصُقَ أَمَامَ وَجهِهِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ هُوَ بِذَاتِهِ تِلقَاءَ وَجهِهِ، وَأَمَّا قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: »فَإِنَّ رَبَّهُ بَينَهُ وَبَينَ قِبلَتِهِ«، أَي رَحمَةَ رَبِّهِ أَمَامَهُ، أَيِ الرَّحمَةَ الخَاصَّةَ الَّتِي تَنزِلُ عَلَى المُصَلِّينَ.اهـ 

 وَأَخرَجَ البُخَارِيُّ أَيضًا عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: »اربَعُوا عَلَى أَنفُسِكُم فَإِنَّكُم لا تَدعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّكُم تَدعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَالَّذِي تَدعُونَهُ أَقرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُم«.اهـ »فَإِنَّكُم لا تَدعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا« أَيِ اللَّهُ تَعَالَى يَسمَعُ بِسَمعِهِ الأَزَلِيِّ كُلَّ المَسمُوعَاتِ قَوِيَّةً كَانَت أَم ضَعِيفَةً فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَت، وَأَمَّا قَولُهُ »وَلا غَائِبًا« فَمَعنَاهُ أَنَّهُ لا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ، وَقَولُهُ: »إِنَّكُم تَدعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَالَّذِي تَدعُونَهُ أَقرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُم« لَيسَ مَعنَاهُ القُربَ بِالمَسَافَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ فَالعَرشُ وَالفَرشُ الَّذِي هُوَ أَسفَلُ العَالَمِ بِالنِّسبَةِ إِلَى ذَاتِ اللهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَيسَ أَحَدُهُمَا أَقرَبَ مِنَ الآخَرِ إِلَى اللهِ بِالمَسَافَةِ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ أَعلَمُ بِالعَبدِ مِن نَفسِهِ وَأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحوَالِ عِبَادِهِ لا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ. ثُمَّ إِنَّهُ يَلزَمُ عَلَى مَا ذَهَبتُم إِلَيهِ مِن حَملِ النُّصُوصِ الَّتِي ظَاهِرُهَا أَنَّ اللهَ مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةِ فَوقٍ عَلَى ظَاهِرِهَا كَونُ اللهِ تَعَالَى غَائِبًا لا قَرِيبًا لِأَنَّ بَينَ العَرشِ وَبَينَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ فِي الأَرضِ مَسَافَةً تَقرُبُ مِن مَسِيرَةِ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ وَفِي خِلالِ هَذِهِ المَسَافَةِ أَجرَامٌ صَلبَةٌ وَهِيَ أَجرَامُ السَّمَوَاتِ وَجِرمُ الكُرسِيِّ، فَلا يَصِحُّ عَلَى مُوجَبِ مُعتَقَدِكُم قَولُ رَسُولِ اللهِ إِنَّهُ قَرِيبٌ بَل يَكُونُ غَائِبًا، أَمَّا عَلَى قَولِ أَهلِ السُّنَّةِ فَكَونُهُ قَرِيبًا لا إِشكَالَ فِيهِ، فَمَا أَشَدَّ فَسَادَ عَقِيدَةٍ تُؤَدِّي إِلَى هَذَا. 

وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَملُ جَمِيعِ النُّصُوصِ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عَلَى ظَاهِرِهَا فَلَا بُدَّ مِن تَأوِيلِهَا تَأوِيلًا لَائِقًا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ) حُفَاةً (بِضَمِّ المُهمَلَةِ وَتَخفِيفِ الفَاءِ جَمعُ حَافٍ، أَي بِلَا خُفٍّ وَلَا نَعلٍ.اهـ وَمَعنَاهُ غَالِبُ النَّاسِ هَكَذَا يَكُونُ حَالُهُم أَنَّهُم حُفَاةٌ يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ الجَمِيع) عُرَاةً (أَي لَا ثِيَابَ عَلَيهِم، وَمَعنَاهُ كَذَلِكَ: غَالِبُ النَّاسِ هَكَذَا يَكُونُ حَالُهُم أَنَّهُم حُفَاةٌ يَومَ القِيَامَةِ وَلَيسَ الجَمِيع) غُرلًا (قَالَ القُرطُبُيُّ فِي التَّذكِرَةِ: أَي غَيرَ مَختُونِينَ، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: بِضَمِّ المُعجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمعُ أَغرَلَ، وَهُوَ الأَقلَفُ وَهُوَ مَن بَقِيَت غُرلَتُهُ، وَهِيَ الجِلدَةُ الَّتِي يَقطَعُهَا الخَاتِنُ مِنَ الذَّكَرِ. 

قَالَ أَبُو هِلَالٍ الحَسَنُ بنُ عَبدِ اللهِ العَسكَرِيُّ: لَا تَلتَقِي اللَّامُ مَعَ الرَّاءِ فِي كَلِمَةٍ إِلَّا فِي أَربَعٍ: أُرُلٌ اسمُ جَبَلٍ، وَوَرَلٌ اسمُ حَيَوَانٍ مَعرُوفٍ، وَحَرَلٌ ضَربٌ مِنَ الحِجَارَةِ، وَالغُرلَةِ، وَاستُدرِكَ عَلَيهِ كَلِمَتَانِ: هَرَلٌ وَلَدُ الزَّوجَةِ، وَبَرَلٌ مَا استَدَارَ مِنَ الرِّيشِ حَولَ عُنُقِ الطَّائِرِ، وَالسِّتَّةُ حُوشِيَّةٌ إِلَّا الغُرلَة. 

وقيل: يُحشَرُ الآدَمِيُّ عَارِيًا -أَي أَغلَبُهُم-، وَلِكُلٍّ مِنَ الأَعضَاءِ مَا كَانَ لَهُ يَومَ وُلِدَ، فَمَن قُطِعَ مِنهُ شَيءٌ يُرَدُّ حَتَّى الأَقلَفُ،) (وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ غَالِبَ النَّاسِ هَكَذَا يُحشَرُونَ وَلَيسَ الجَمِيعُ، لِأَنَّ أَغلَبَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ كُفَّارٌ وَهَذَا حَالُهُم وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى حَتَّى يُعَذَّبُوا أَكثَرَ وَأَكثَرَ فِي يَومِ القِيَامَةِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: [وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ]، 

وَفِي البُخَارِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ وَالخَيرُ فِي يَدَيكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخرِج بَعثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِن ‌كُلِّ ‌أَلفٍ تِسعَمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهِم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: أَبشِرُوا؛ فَإِنَّ مِن يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ أَلفٌ، وَمِنكُم رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي فِي يَدِهِ، إِنِّي لَأَطمَعُ أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أَهلِ الجَنَّةِ. قَالَ: فَحَمِدنَا اللهَ وَكَبَّرنَا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي فِي يَدِهِ، إِنِّي لَأَطمَعُ أَن تَكُونُوا شَطرَ أَهلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُم فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البَيضَاءِ فِي جِلدِ الثَّورِ الأَسوَدِ، أَوِ الرَّقمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ».اهـ) (نَسأَلُ اللهَ أَن يُهَوِّنَ عَلَينَا الحَشرَ يَومَ القِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ لِيُعلَم أَنَّ حَشرَ الوُحُوشِ أَيِ البَهَائِمِ حَقٌّ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا عِبرَةَ بِمَن أَنكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّها مُكَلَّفَةٌ، فَهِيَ لَيسَت كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الأَمرَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ مَا نَصُّهُ: “لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهلِهَا يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرنَاءِ: هَذَا تَصرِيحٌ بِحَشرِ البَهَائِمِ يَومَ القِيَامَةِ وَإِعَادَتِهَا يَومَ القِيَامَةِ كَمَا يُعَادُ أَهلُ التَّكلِيفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ، وَكَمَا يُعَادُ الأَطفَالُ وَالمَجَانِينُ وَمَن لَم تَبلُغهُ دَعوَةٌ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَت دَلَائِلُ القُرءَانِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَت))، وَإِذَا وَرَدَ لَفظٌ  في الشَّرعِ وَلَم يَمنَع مِن إِجرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقلٌ وَلَا شَرعٌ وَجَبَ حَملُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ.

قَالَ العُلَمَاءُ: وَلَيسَ مِن شَرطِ الحَشرِ وَالإِعَادَةِ فِي القِيَامَةِ المُجَازَاةُ وَالعِقَابُ وَالثَّوَابُ، وَأَمَّا القِصَاصُ مِنَ القَرنَاءِ لِلجَلحَاءِ فَلَيسَ هُوَ مِن قِصَاصِ التَّكلِيفِ إِذ لَا تَكلِيفَ عَلَيهَا بَل هُوَ قِصَاصُ مُقَابَلَةٍ”.اهـ 

وَقَالَ مُلَّا عَلِيّ القَارِي فِي شَرحِ المِشكَاةِ: “وَجُملَةُ الأَمرِ أَنَّ القَضِيَّةَ دَالَّةٌ بِطَرِيقِ المُبَالَغَةِ عَلَى كَمَالِ العَدَالَةِ بَينَ كَافَّةِ المُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالَ الحَيَوَانَاتِ الخَارِجَةِ عَنِ التَّكلِيفِ فَكَيفَ بِذَوِي العُقُولِ مِنَ الوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ وَالقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ”.اهـ 

وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَحشُرُ اللهُ الخَلقَ كُلَّهُم يَومَ القِيَامَةِ، البَهَائِمَ وَالطَّيرَ وَالدَّوَابَّ وَكُلَّ شَىءٍ، فَيَبلُغُ مِن عَدلِ اللهِ أَن يُؤخَذَ لِلشَّاةِ الجَلحَاءِ مِنَ القَرنَاءِ، ثُمَّ يُفنِيهَا اللهُ تَعَالَى فَتَصِيرُ تُرَابًا، وَتَفنَى أَروَاحُهَا كَذَلِكَ، وَلَا يَدخُلُ مِنهَا شَىءٌ إِلَى الجَنَّةِ لَا نَاقَةُ صَالِحٍ وَلَا كَلبُ أَهلِ الكَهفِ وَلَا غَيرُهَا. وَأَمَّا الطَّيرُ وَالكَبِشُ الَّتِي فِي الجَنَّةِ فَلَيسَت مِن بَهَائِمِ الأَرضِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُمَا: ((وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ))، هِيَ وُجُوهُ الكُفَّارِ يَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهَا غَبَرَةٌ، فَقَد ذُكِرَ أَنَّ البَهَائِمَ الَّتِي يُصَيِّرُهَا اللهُ تُرَابًا يَومَئِذٍ بَعدَ القَضَاءِ بَينَهَا، يُحَوَّلُ ذَلِكَ التُّرَابُ غَبَرَةً فِي وُجُوهِ أَهلِ الكُفرِ) 

(إذًا: الحَشرُ يَكُونُ عَلَى ثَلاثَةِ أَصنَافٍ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِلرَّسُولِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَحِينَ نَقُولُ النَّاسُ يُحشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا هَذَا لِأَغلَبِ النَّاسِ، الكُفَّارُ يُحشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا أَي إِنَّ الجِلدَةَ الَّتِي تُقطَعُ عِندَ الخِتَانِ تَكُونُ مَوجُودَةً وَيُجَرُّونَ يُسحَبُونَ عَلَى وُجُوهِهِم، أَمَّا فَسَقَةُ المُسلِمِينَ فَيُحشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَلَا يَنظُرُ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ لِأَنَّ كُلًّا مَشغُولٌ بِمَا هُوَ مُقبِلٌ عَلَيهِ مِن شَأنِهِ،

 أَمَّا الأَنبِيَاءُ والأتقياء والصَّالِحُونَ والأَولِيَاءُ فَيُحشَرُونَ رَاكِبِينَ كَاسِينَ طَاعِمِينَ، رَاكِبِينَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ وَلَا يَخَافُونَ وَلَا يَقلَقُونَ، لَا خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ، {يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} هَذَا الفِرَارُ يَكُونُ مِمَّن لِغَيرِهِ حَقٌّ عَلَيهِ مِن هَؤُلَاءِ، أَمَّا الأَتقِيَاءُ الطَّيِّبُونَ الصَّالِحُونَ الأَولِيَاءُ فَلَا يَفِرُّ بَعضُهُم مِن بَعضٍ، المُتَّقِي لَيسَ عَلَيهِ خَوفٌ وَلَا حَزَنٌ وَلَا قَلَقٌ وَلَا رُعبٌ وَلَا يَحصُلُ لَهُ الفَزَعُ مِن أَهوَالِ يَومِ القِيَامَةِ) (كَما بَدَأنا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ) ذَكَرَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ عَن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ عَن أَبِي الزَّعرَاءِ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: يُرسِلُ اللَّهُ عز وجل مَاءً مِن تَحتِ العَرشِ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ فَتَنبُتُ مِنهُ لُحمَانُهُم وَجُسمَانُهُم كَمَا تَنبُتُ الأَرضُ بِالثَّرَى. وَقَرَأَ” كَما بَدَأنا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ”.) (وَهَذَا مَعنَى أَسمَاءِ اللهِ المُبدِئِ المُعِيدِ: أَي هُوَ الَّذِي ابتَدَأَ الأَشيَاءَ فَأَوجَدَهَا مِن عَدَمٍ، وَالمُعِيدُ هُوَ الَّذِي يُعِيدُ الخَلقَ بَعدَ الحَيَاةِ إِلَى المَمَاتِ ثُمَّ يُعِيدُهُ بَعدَ المَوتِ إِلَى الحَيَاةِ.اهـ 

وَفِي تَحقِيقِ هَذَا المَعنَى يُروَى فِي السِّيرَةِ أَنَّهُ مَشَى أُبَيّ بنُ خَلَفٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَظمٍ بَالٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَنتَ تَزعُمُ أَنّ يُبعَثُ هَذَا بَعدَ مَا أَرَمّ، ثُمّ فَتّهُ بيده، ثُمّ نَفَخَهُ فِي الرّيحِ نَحوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَم، أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، يَبعَثُهُ اللهُ وَإِيّاكَ بَعدَ مَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمّ يُدخِلُك اللهُ النّارَ. فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلقَهُ قالَ: مَن يُحيِ العِظامَ، وَهِيَ رَمِيمٌ، قُل: يُحيِيهَا الَّذِي أَنشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الأَخضَرِ نَارًا، فَإِذا أَنتُم مِنهُ تُوقِدُونَ.اهـ 

وَيَذكُرُ بَعضُ العُلَمَاءِ كَاليَافِعِيِّ فِي كِتَابِهِ رَوضِ الرَّيَاحِينَ دُعَاءً فِيهِ ذِكرُ اسمِ اللهِ المُبدِئِ المُعِيدِ لِتَفرِيجِ الكَربِ فَقَالَ: يُقَالُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لتفريج الكرب الشديد: “يَا وَدُودُ يَا ذَا العَرشِ المَجِيدِ يَا مُبدِئُ يَا مُعِيدُ يَا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ أَسأَلُكَ بِقُدرَتِكَ التِّي قَدَرتَ بِهَا عَلَى جَمِيعِ خَلقِكَ وَبِرَحمَتِكَ الَّتي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ يَا مُغِيثُ أَغِثنِي”.اهـ

وَقَالَ المُنَاوِيُّ عَنِ اسمِ اللهِ المُبدِئِ: أَنَّهُ يُقرَأُ عَلَى بَطنِ الحَامِلِ سَحَرًا تِسعًا وَعِشرِينَ مَرَّةً يَثبُتُ مَا في بَطنِهَا وَلَا ينزَلِقُ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.اهـ 

وَقَالَ أَيضًا عَنِ اسمِ اللهِ المُعِيدِ أَنْ يُذكَرَ مِرَارًا لِتذكَارِ المَحفُوظِ إِذَا نُسِيَ سِيَّمَا إِذَا أُضِيفَ لَهُ لَفظُ “المُبدِئِ”.اهـ)، (وَعدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (“وَعدًا” نُصِبَ عَلَى المَصدَرِ، أَي وَعَدنَا وَعدًا” عَلَينا” إِنجَازُهُ وَالوَفَاءُ بِهِ أَي مِنَ البَعثِ وَالإِعَادَةِ فَفِي الكَلَامِ حَذفٌ: ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:” إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ” قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعنَى” إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ” إِنَّا كُنَّا قَادِرِينَ عَلَى مَا نَشَاءُ. وَقِيلَ” إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ” أَي مَا وَعَدنَاكُم وَهُوَ كما قال:” كانَ وَعدُهُ مَفعُولًا” [المزمل: 18]. وَقِيلَ:” كانَ” لِلإِخبَارِ بِمَا سَبَقَ مِن قَضَائِهِ)} (فَالذِي قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ فِي الأَزَلِ لَا بُدَّ أَنَّهُ سَيَحصُلُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ بِهِ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ سُبحَانَهُ، وَهَذَا مَعنَى قَولِنَا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.اهـ معناه أَنَّهُ يُكَوِّنُ مَا سَبَقَت بِهِ إِرَادَتُهُ [أَي مَا شَاءَ فِي الأَزَلِ أَن يَكُونَ] لا يُعجِزُهُ عَن ذَلِكَ شَىءٌ، يَفعَلُ مَا يَشَاءُ بِلا مَشَقَّةٍ وَلا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ وَلا يَحتَاجُ إِلَى استِعمَالِ ءَالَةٍ وَحَرَكَةٍ وَلا إِلَى استِعَانَةٍ بِغَيرِهِ وَلا تَخَلُّفَ لِمُرَادِهِ [أَي إِذَا أَرَادَ شَيئًا فَلا بُدَّ أَن يَحصُلَ].) [الأنبياء: 103] أَلَا وَإنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ ﷺ (مَعنَاهُ يُكسَى مِن حُلَلِ الجَنَّةِ زِيَادَةً عَلَى مَا عَلَيهِ مِنَ الثِّيَابِ) (لَيسَ مَعنَاهُ يَكُونُ عَارِيًا لَا، إنما يُكسَى بحُلّةٍ مِن حُلَلِ الجَنَّةِ وَإِلَّا فَالأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يَكُونُونَ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ كَاسِينَ طَاعِمِينَ رَاكِبِينَ) (ومعنى “أول” أَي مِن أَوَّلِ لِأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ أَوَّلُ مَن يُكسَى مِن ثِيَابِ الجَنَّةِ) أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ (وَالمُرَادُ جِهَةُ النَّارِ) فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي (وَفِي رِوَايَةٍ: أُصَيحَابِي، قَالَ الخَطَّابِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ عَدَدِ مَن وَقَعَ لَهُم ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعضِ جُفَاةِ الأَعرَابِ وَلَم يَقَع لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ المَشهُورِينَ اهـ 

قوله ﷺ (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ) 

(وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ، لَا يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ إِلَّا اللهُ، فَمَن قَالَ إِنَّهُ يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ فَقَد كَذَّبَ القُرآنَ وَالحَدِيثَ، {قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللهُ}، 

أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الجِنِّ: {عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسلُكُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ رَصَدًا *}، لَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن يَقُولُ إِنَّ الرُّسُلَ يُطلِعُهُمُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ غَيبِهِ كَمَا يَدَّعِي كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّ الَّذِي ارتَضَاهُ اللهُ مِن رَسُولٍ يَجعَلُ لَهُ رَصَدًا أَي حَفَظَةً يَحفَظُونَهُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ مِنَ الشَّيطَانِ، فَـ (إِلَّا) هُنَا لَيسَت استِثنَائِيَّةً بَل هِيَ بِمَعنَى (لَكِن) فَيُفهَمُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ عِلمَ الغَيبِ جَمِيعَهُ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيهِ الِاستِثنَاءُ فَتَكُونَ الإِضَافَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: {… عَلَى غَيبِهِ} لِلعُمُومِ وَالشُّمُولِ مِن بَابِ قَولِ الأُصُولِيِّينَ المُفرَدُ المُضَافُ لِلعُمُومِ، فَيَكُونَ مَعنَى غَيبِهِ أَي جَمِيعَ غَيبِهِ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يُطلِعُ عَلَى غَيبِهِ مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّ مِنَ المُقَرَّرِ بَينَ المُوَحِّدِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ خَلقُهُ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ، وَمِن صِفَاتِهِ العِلمُ بِكُلِّ شَيءٍ قَالَ تَعَالَى: {… وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}، وَالعَجَبُ كَيفَ يَستَدِلُّ بَعضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى عِلمِ الرُّسُلِ بِبَعضِ الغَيبِ إِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّ اللهَ هُوَ العَالِمُ بِكُلِّ الغَيبِ، وَلَكِنِ الرُّسُلُ يَجعَلُ اللهُ لَهُم حَرَسًا مِنَ المَلَائِكَةِ يَحفَظُونَهُم. 

وَأَمَّا اطِّلَاعُ بَعضِ خَوَاصِّ عِبَادِ اللهِ مِن أَنبِيَاءٍ وَمَلَائِكَةٍ وَأَولِيَاءِ البَشَرِ عَلَى بَعضِ الغَيبِ فَمَأخُوذٌ مِن غَيرِ هَذِهِ الآيَةِ وَمِن حَدِيثِ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤمِنِ فَإِنَّهُ يَنظُرُ بِنُورِ اللهِ».

 فَلَو كَانَ يَصِحُّ لِغَيرِهِ تَعَالَى العِلمُ بِكُلِّ شَيءٍ لَم يَكُن لِلَّهِ تَعَالَى تَمَدُّحٌ بِوَصفِهِ نَفسَهُ بِالعِلمِ بِكُلِّ شَيءٍ، فَمَن يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ جَعَلَ الرَّسُولَ مُسَاوِيًا لِلَّهِ فِي صِفَةِ العِلمِ فَيَكُونُ كَمَن قَالَ الرَّسُولُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكَمَن قَالَ الرَّسُولُ مُرِيدٌ لِكُلِّ شَيءٍ، سَوَاءٌ قَالَ هَذَا القَائِلُ إِنَّ الرَّسُولَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِإِعلَامِ اللهِ لَهُ أَو لَا فَلَا مَخلَصَ لَهُ مِنَ الكُفرِ. وَمِن أَعجَبِ مَا ظَهَرَ مِن هَؤُلَاءِ الغُلَاةِ لَمَّا قِيلَ لِأَحَدِهِم: كَيفَ تَقُولُ الرَّسُولُ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ وَقَد أَرسَلَ سَبعِينَ مِن أَصحَابِهِ إِلَى قَبِيلَةٍ لِيُعَلِّمُوهُمُ الدِّينَ فَاعتَرَضَتهُم بَعضُ القَبَائِلِ فَحَصَدُوهُم، فَلَو كَانَ يَعلَمُ أَنَّهُ يَحصُلُ لَهُم هَذَا هَل كَانَ يُرسِلُهُم؟ فَقَالَ: نَعَم يُرسِلُهُم مَعَ عِلمِهِ بِذَلِكَ. وَهَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ.

 وَمِثلُ هَذَا الغَالِي فِي شِدَّةِ الغُلُوِّ رَجُلٌ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ شَيخُ أَربَعِ طُرُقٍ فَقَالَ: الرَّسُولُ هُوَ المُرَادُ بِهَذِهِ الآيَةِ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ *} وَهَذَا مِن أَكفَرِ الكُفرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّسُولَ الَّذِي هُوَ خَلقٌ مِن خَلقِ اللهِ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا، لِأَنَّ الأَوَّلَ هُوَ الَّذِي لَيسَ لِوُجُودِهِ بَدَايَةٌ وَهُوَ اللهُ بِصِفَاتِهِ فَقَط) فَأَقُولُ (مُسَلِّمًا الأَمرَ للهِ) كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ (يَعنِي عِيسَى ابنَ مَريَمَ): {وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا (أَي: رَقِيبًا أَمنَعُهُم مِمَّا يَقُولُونَ) مَا دُمتُ فِيهِم} إِلَى قَولِهِ: {العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 117 – 118] (تِتِمَّةُ الآيَةِ: وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ، إِن تُعَذِّبهُم لمن مات منهم على الكفر، فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام، {فإنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الذي لا يمتنع عليك ما تريده؛ الحَكِيمُ فيما تفعله؛ تضل من تشاء وتهدي من تشاء.} 

(لِيُعلَم أَوَّلًا أَنَّ عِيسَى حَيٌّ الآنَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ وَيَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَقَولُهُ هُنَا: “تَوَفَّيتَنِي”، أَي بَعدَ إِنزَالِي إِلَى الأَرضِ، وَذَلِكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ إِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فِيمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ﴾، فَأَخبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَخَلَّصَهُ مِمَّن كَانَ أَرَادَ أَذِيَّتَهُ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ وَشَوا بِهِ إِلَى بَعضِ المُلُوكِ الكَفَرَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ﴾ قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه: وفاة الموت. وذلك قوله تعالى: 

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوتِـهَا }: [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها. 

ووفاة النوم؛ قال الله تعالى: 

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيلِ}  : [الأنعام: 60] يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع، قال الله تعالى: 

يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}

 أي رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أَي إِلَى مَحِلِّ كَرَامَتِي أَيِ المَكَانِ الَّذِي هُوَ مُشَرَّفٌ عِندِي وَهُوَ السَّمَاءُ، ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَي مُخَلِّصُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيِ اليَهُودِ، و لا يَجُوزُ تَفسِيرُ مُتَوَفِّيكَ بِمَعنَى مُمِيتُكَ هنا قَبلَ رَفعِكَ إِلَى السَّمَاءِ وَإِنزَالِكَ إِلَى الأَرضِ، لِأَنَّ هَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ المَذكُورَ، وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ عِيسَى رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَأَنَّهُ يَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) 

(وَالرَّقِيبُ مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى مَعنَاهُ هُوَ الحَافِظُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنهُ شَيءٌ.اهـ 

وَمَن كَانَ مُستَحضِرًا أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيهِ لَا يَغِيبُ عَنهُ شَيءٌ كَانَتِ المُرَاقَبَةُ للهِ عِندَهُ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ، وَمَعنَى المُرَاقَبَةِ استِدَامَةُ خَوفِ اللهِ تَعَالَى بِالقَلبِ بِتَجَنُّبِ مَا حَرَّمَهُ وَالغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ أَي تَجَنُّبِ الغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ، 

وفي إدراك هذه المعاني قَالَ يَزِيدُ بنُ الكُمَيتِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الخَوفِ مِنَ اللهِ فَقَرَأَ بِنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ المُؤَذِّنُ لَيلَةً فِي العِشَاءِ سُورَةَ الزلزلة وَأَبُو حَنِيفَةَ خَلفَهُ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَخَرَجَ النَّاسُ نَظَرتُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ جَالِسٌ يَتَفَكَّرُ وَيَتَنَفَّسُ، فَلَمَّا خَرَجتُ تَرَكتُ القِندِيلَ فِيهِ زَيتٌ قَلِيلٌ يَكَادُ يَنطَفِئُ فَجِئتُ وَقَد طَلَعَ الفَجرُ وَهُوَ قَائِمٌ وَقَد أَخَذَ بِلِحيَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَن يَجزِي بِمِثقَالِ ذَرَّةِ خَيرٍ خَيرًا وَيَا مَن يَجزِي بِمِثقَالِ ذَرَّةِ شَرٍّ شَرًّا أَجِرِ النُّعمَانَ عَبدَكَ مِنَ النَّارِ وَمِمَّا يَقرُبُ مِنهَا مِنَ السُّوءِ وَأَدخِلهُ فِي سَعَةِ رَحمَتِكَ قَالَ: فَأَذَّنتُ وَالقِندِيلُ يُزهِرُ فَلَمَّا دَخَلتُ قَالَ لِي: اكتُم عَلَيَّ مَا رَأَيتَ وَرَكَعَ رَكعَتَينِ وَجَلَسَ حَتَّى أَقَمتُ الصَّلَاةَ وَصَلَّى مَعَنَا الغَدَاةَ عَلَى وُضُوءِ أَوَّلِ اللَّيلِ) 

(قال المناوي إن من خواص اسم الله الرقيب: حِفظَ الأَهلِ وَالمَالِ بِإِذنِ اللهِ، وَصَاحِبُ الضَّالَّةِ يُكثِرُ قِرَاءَتَهُ فَيُجمَعُ عَلَيهَا، وَيَقرَأُهُ مَن خَافَ عَلَى الجَنِينِ فِي بَطنِ أُمِّهِ سَبعَ مَرَّاتٍ فَيَثبُتُ، وَمَن أَرَادَ سَفَرًا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عُنُقِ مَن يَخَافُ عَلَيهِ المُنكَرَ وَيَقُولُهُ سَبعًا فَيَأمَنُ عَلَيهِ) فَيُقَالُ لِي: إنَّهُم لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «غُرلًا»: أَي غَيرَ مَختُونِينَ.