الحديث 166 – 167 | مواقف عظيمة ووصايا نبوية وأصول الاتباع

الدرس ١٦٣ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٨:٥٩

المقدمة

الحَمدُ للهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمنَا مِنهَا وَمَالَم نَعلَم، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمنَا مِنهَا وَمَا لَم نَعلَم، عَدَدَ خَلَائِقِهِ كُلِّهِم مَا عَلِمنَا مِنهُم وَمَا لَم نَعلَم. وَأَشهَدُ أَن لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ المُصطَفَى، وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، وَحَبِيبُهُ المُرتَضَى، خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ المُرسَلِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الصَّادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ، اللهم إنَّا نَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّكَ وَرَسُولَكَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا قَد بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وتَرَكَنَا مِن بَعدِهِ عَلَى بَيضَاءَ نَقِيَّةٍ لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِك. اللهم فَصَلِّ وَسَلِّم مِنَّا عَلَيهِ أَفضَلَ الصَّلَاةِ وَأَزكَى السَّلَامِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَأَصحَابِهِ الطَّاهِرِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ:

كُنَّا فِي دَرسٍ سَابِقٍ لَنَا فِي شَرحِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ بَدَأنَا بِشَرحِ الحَدِيثِ الخَامِسِ وَالسِّتِّينَ بَعدَ المِائَةِ وَشَرَحنَا جَزءً مِنهُ فَنَقرَأُهُ الآنَ كَامِلًا وَنَشرَحُ مَا تَبَقَّى مِنهُ وَنُكمِلُ فِي الحَدِيثِ الَّذِي بَعدَهُ بِإِذنِ اللهِ:

الحديث

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: العَاشِرُ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَوعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُم مَحشُورُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا {كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ، وَعدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 103] أَلَا وَإنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ ﷺ أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: {وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم} إِلَى قَولِهِ: {العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 117 – 118] فَيُقَالُ لِي: إنَّهُم لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «غُرلًا»: أَي غَيرَ مَختُونِينَ.

الشرح

وصلنا إلى قوله ﷺ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ (وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ، لَا يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ إِلَّا اللهُ، فَمَن قَالَ إِنَّهُ يَعلَمُ الغَيبَ كُلَّهُ فَقَد كَذَّبَ القُرآنَ وَالحَدِيثَ، {قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللهُ}، أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الجِنِّ: {عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسلُكُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ رَصَدًا}، فَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن يَقُولُ إِنَّ الرُّسُلَ يُطلِعُهُمُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ غَيبِهِ كَمَا يَدَّعِي كَثِيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّ الَّذِي ارتَضَاهُ اللهُ مِن رَسُولٍ يَجعَلُ لَهُ رَصَدًا أَي حَفَظَةً يَحفَظُونَهُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ مِنَ الشَّيطَانِ، فَـ (إِلَّا) هُنَا لَيسَت استِثنَائِيَّةً بَل هِيَ بِمَعنَى (لَكِن) فَيُفهَمُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ عِلمَ الغَيبِ جَمِيعَهُ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيهِ الِاستِثنَاءُ فَتَكُونَ الإِضَافَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: {… عَلَى غَيبِهِ} لِلعُمُومِ وَالشُّمُولِ مِن بَابِ قَولِ الأُصُولِيِّينَ المُفرَدُ المُضَافُ لِلعُمُومِ، فَيَكُونَ مَعنَى غَيبِهِ أَي جَمِيعَ غَيبِهِ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يُطلِعُ عَلَى غَيبِهِ مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّ مِنَ المُقَرَّرِ بَينَ المُوَحِّدِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ خَلقُهُ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ، وَمِن صِفَاتِهِ العِلمُ بِكُلِّ شَيءٍ قَالَ تَعَالَى: {… وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}، وَالعَجَبُ كَيفَ يَستَدِلُّ بَعضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى عِلمِ الرُّسُلِ بِبَعضِ الغَيبِ إِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّ اللهَ هُوَ العَالِمُ بِكُلِّ الغَيبِ، وَلَكِنِ الرُّسُلُ يَجعَلُ اللهُ لَهُم حَرَسًا مِنَ المَلَائِكَةِ يَحفَظُونَهُم. وَأَمَّا اطِّلَاعُ بَعضِ خَوَاصِّ عِبَادِ اللهِ مِن أَنبِيَاءٍ وَمَلَائِكَةٍ وَأَولِيَاءِ البَشَرِ عَلَى بَعضِ الغَيبِ فَمَأخُوذٌ مِن غَيرِ هَذِهِ الآيَةِ وَمِن حَدِيثِ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤمِنِ فَإِنَّهُ يَنظُرُ بِنُورِ اللهِ». فَلَو كَانَ يَصِحُّ لِغَيرِهِ تَعَالَى العِلمُ بِكُلِّ شَيءٍ لَم يَكُن لِلَّهِ تَعَالَى تَمَدُّحٌ بِوَصفِهِ نَفسَهُ بِالعِلمِ بِكُلِّ شَيءٍ، فَمَن يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ جَعَلَ الرَّسُولَ مُسَاوِيًا لِلَّهِ فِي صِفَةِ العِلمِ فَيَكُونُ كَمَن قَالَ الرَّسُولُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكَمَن قَالَ الرَّسُولُ مُرِيدٌ لِكُلِّ شَيءٍ، سَوَاءٌ قَالَ هَذَا القَائِلُ إِنَّ الرَّسُولَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِإِعلَامِ اللهِ لَهُ أَو لَا فَلَا مَخلَصَ لَهُ مِنَ الكُفرِ. 

وَمِن أَعجَبِ مَا ظَهَرَ مِن هَؤُلَاءِ الغُلَاةِ لَمَّا قِيلَ لِأَحَدِهِم: كَيفَ تَقُولُ الرَّسُولُ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ يَعلَمُهُ اللهُ وَقَد أَرسَلَ سَبعِينَ مِن أَصحَابِهِ إِلَى قَبِيلَةٍ لِيُعَلِّمُوهُمُ الدِّينَ فَاعتَرَضَتهُم بَعضُ القَبَائِلِ فَحَصَدُوهُم، فَلَو كَانَ يَعلَمُ أَنَّهُ يَحصُلُ لَهُم هَذَا هَل كَانَ يُرسِلُهُم؟ فَقَالَ: نَعَم يُرسِلُهُم مَعَ عِلمِهِ بِذَلِكَ. وَهَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ. وَمِثلُ هَذَا الغَالِي فِي شِدَّةِ الغُلُوِّ رَجُلٌ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ شَيخُ أَربَعِ طُرُقٍ فَقَالَ: الرَّسُولُ هُوَ المُرَادُ بِهَذِهِ الآيَةِ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ *} وَهَذَا مِن أَكفَرِ الكُفرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّسُولَ الَّذِي هُوَ خَلقٌ مِن خَلقِ اللهِ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا، لِأَنَّ الأَوَّلَ هُوَ الَّذِي لَيسَ لِوُجُودِهِ بَدَايَةٌ وَهُوَ اللهُ بِصِفَاتِهِ فَقَط) فَأَقُولُ (أَي مُسَلِّمًا الأَمرَ للهِ) كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ (يَعنِي عِيسَى ابنَ مَريَمَ): {وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا (أَي: رَقِيبًا أَمنَعُهُم مِمَّا يَقُولُونَ) مَا دُمتُ فِيهِم} إِلَى قَولِهِ: {العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 117 – 118] (تِتِمَّةُ الآيَةِ: [وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ، إِن تُعَذِّبهُم] أَي لِمَن مَاتَ مِنهُم عَلَى الكُفرِ، [فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم] أَي فَتُخرِجَهُم مِنَ الكُفرِ وَتَهدِيهِم إِلَى الإِسلَامِ، [فإنَّكَ أنتَ العَزِيزُ] الَّذِي لَا يَمتَنِعُ عَلَيكَ مَا تُرِيدُهُ؛ [الحَكِيمُ] فِيمَا تَفعَلُهُ؛ تُضِلُّ مَن تَشَاءُ وَتَهدِي مَن تَشَاءُ.اهـ) (وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ مَنقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَد وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ عَبدٌ صَالِحٌ، وَلِيُعلَم أَوَّلًا أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ حَيٌّ الآنَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ وَيَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَقَولُهُ هُنَا: “تَوَفَّيتَنِي“، أَي بَعدَ إِنزَالِي إِلَى الأَرضِ، وَذَلِكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ إِذ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرجِعُكُم فَأَحكُمُ بَينَكُم فِيمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ﴾، فَأَخبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَخَلَّصَهُ مِمَّن كَانَ أَرَادَ أَذِيَّتَهُ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ وَشَوا بِهِ إِلَى بَعضِ المُلُوكِ الكَفَرَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ 

قَالَ الحَسَنُ: الوَفَاةُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ: وَفَاةُ المَوتِ. وَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا﴾، [الزمر: 42] يَعنِي وَقتَ انقِضَاءِ أَجَلِهَا. 

وَوَفَاةُ النَّومِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيلِ﴾، [الأنعام: 60] يَعنِي الَّذِي يُنِيمُكُم.

 وَوَفَاةُ الرَّفعِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أَي إِلَى مَحِلِّ كَرَامَتِي أَيِ المَكَانِ الَّذِي هُوَ مُشَرَّفٌ عِندِي وَهُوَ السَّمَاءُ، ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَي مُخَلِّصُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيِ اليَهُودِ، و لا يَجُوزُ تَفسِيرُ مُتَوَفِّيكَ بِمَعنَى مُمِيتُكَ هنا قَبلَ رَفعِكَ إِلَى السَّمَاءِ وَإِنزَالِكَ إِلَى الأَرضِ، لِأَنَّ هَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ، وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ عِيسَى رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَأَنَّهُ يَنزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) 

(وَالرَّقِيبُ مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى مَعنَاهُ هُوَ الحَافِظُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنهُ شَيءٌ.اهـ وَمَن كَانَ مُستَحضِرًا أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيهِ لَا يَغِيبُ عَنهُ شَيءٌ كَانَتِ المُرَاقَبَةُ للهِ عِندَهُ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ، وَمَعنَى المُرَاقَبَةِ استِدَامَةُ خَوفِ اللهِ تَعَالَى بِالقَلبِ بِتَجَنُّبِ مَا حَرَّمَهُ وَالغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ أَي تَجَنُّبِ الغَفلَةِ عَن أَدَاءِ مَا أَوجَبَهُ، 

(قَالَ المُنَاوِيُّ: إِنَّ مِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ الرَّقِيبِ: حِفظَ الأَهلِ وَالمَالِ بِإِذنِ اللهِ، وَصَاحِبُ الضَّالَّةِ يُكثِرُ قِرَاءَتَهُ فَيُجمَعُ عَلَيهَا، وَيَقرَأُهُ مَن خَافَ عَلَى الجَنِينِ فِي بَطنِ أُمِّهِ سَبعَ مَرَّاتٍ فَيَثبُتُ، وَمَن أَرَادَ سَفَرًا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عُنُقِ مَن يَخَافُ عَلَيهِ المُنكَرَ وَيَقُولُهُ سَبعًا فَيَأمَنُ عَلَيهِ) فَيُقَالُ لِي: إنَّهُم لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم» (قَالَ ابنُ هُبَيرَةَ: أَي رَاجِعِينَ عَنِ الدِّينِ، وَالإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى المُنَافِقِينَ وَمَنِ ارتَدَّ مِن مَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيرِهِم.اهـ وارتَدَّ قَومٌ مِن جُفَاةِ الأَعرَابِ مِمَّن لَا نُصرَةَ لَهُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَدحًا فِي الصَّحَابَةِ المَشهُورِينَ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. «غُرلًا»: أَي غَيرَ مَختُونِينَ.

الحديث الحادي عشر

الحَادِيَ عَشَرَ: عَن أَبِي سَعِيدٍ عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: نَهَى رَسُول الله ﷺ عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَقتُلُ الصَّيدَ، وَلَا يَنكَأُ العَدُوَّ، وإنَّهُ يَفقَأُ العَينَ، وَيَكسِرُ السِّنَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ قَرِيبًا لِابنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ فَنَهَاهُ، وَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذفِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيدًا» ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنهُ، ثُمَّ عُدتَ تَخذِفُ!؟ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

الحَادِيَ عَشَرَ (وَهُوَ الحَدِيثُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ بعد المائة مِن بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا): عَن أَبِي سَعِيدٍ عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (هو ‌عَبدُ ‌اللهِ ‌بنُ ‌مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، كُنيَتُهُ: أَبُو سَعِيدٍ. وَقِيلَ: أَبُو زِيَادٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مِن أَهلِ بَيعَة الرِّضوَانِ، تَأَخَّرَ إِسلَامُهُ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَمِمَّن رَفَعَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أَغصَانِ الشَّجَرَةِ يَومَئِذٍ. سَكَنَ المَدِينَةَ، ثُمَّ البَصرَةَ، وَلَهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَأَربَعُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا عَلَى أَربَعَةٍ، وَانفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيثٍ، وَمُسلِمٌ بِآخَرَ. حَدَّثَ عَنهُ: الحَسَنُ البَصرِيُّ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ؛ وَغَيرُهُم. 

قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ: كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ أَحَدَ العَشرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُم إِلَينَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ. وَكَانَ أَبُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَتُوُفِّيَ عَامَ الفَتحِ فِي الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: كَانَ عَبدُ اللهِ مِنَ البَكَّائِينَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِم قَولُهُ تَعَالَى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لَا أَجِدُ مَا أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَّأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}. 

قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَصَلَّى عَلَيهِ أَبُو بَرزَةَ الأَسلَمِيُّ لِوَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الخَذفِ (والخذف: بفتح الخاء المعجمة ثم ذال ساكنة معجمة أيضا وهو عند أهل اللغة، كما نقله ابن بطال عنهم: الرمي بالحصى أو النوى بالإبهام أو السبابة، أَوْ تَتَّخذُ مِخْذَفَةً مِنْ خَشَبٍ ثُمَّ تَرْمِي بِهَا الْحَصَاةَ بَيْنَ إبْهامك وَالسَّبَّابَةِ. اهـ والخَذْفُ هوَ رَمْيُ الحَصاةِ بالنِّبال والمِقلاعِ، وهو آلةٌ يُرمَى بها الحَجَرُ)، وَقَالَ: «إِنَّهُ (أَيِ الخَذْفُ) لَا يَقتُلُ الصَّيدَ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ المُهَلَّبُ: أَبَاحَ اللهُ الصَّيدَ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَالَ: {تَنَالُهُ أَيدِيكُم أي الذبح وَرِمَاحُكُم}. وليس البندقة وهي طين يدور وييبس فيصير كالحصى والخذف بالحجر من ذلك المعنى، وإنما هو وقيذ، وقد حرم الله الموقوذة وبين رسوله (أن) الخذف لا يصاد به صيد لأنه ليس من المجهزات، فدل أن الحجر لا يقع به ذكاة. وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحرِيمِ أَكلِ مَا قَتَلَتهُ البُندُقَةُ وَالحَجَرُ، انتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقتُلُ الصَّيدَ بِقُوَّةِ رَامِيهِ لَا بِحَدِّهِ) (وَهُنَا لِنَعلَمْ أَنَّ الشَّرعَ وَضَعَ أَركَانًا وَكَيفِيَّةً مُعَيَّنَةً وَشُرُوطًا لِذَبحِ مَا يُؤكَلُ لَا بُدَّ مِن مُرَاعَاتِهَا وَالأَخذِ بِهَا) (وَمِن هَذَا وَغَيرِهِ قَالَ الفُقَهَاءُ إِنَّهُ لَا بُدَّ عِندَ الذَّبحِ أَن يَكُونَ الذَّبحُ شَرعِيًّا أَيِ الذَّكَاةُ شَرعِيَّةً، وَالذَّكَاةُ بِذَالٍ مُعجَمَةٍ مَعنَاهَا لُغَةً: التَّطيِيبُ، وَسُمِّيَت شَرعًا بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِن تَطيِيبِ أَكلِ اللَّحمِ المَذبُوحِ. وَأَركَانُهَا أَربَعَةٌ:

  • تَذكِيَةٌ (أَي الذَّبحُ)،
  • وَمُذَكِّي (أَي الذَّابِحُ)، 
  • وَمُذَكًّى (أَي الذَّبِيحُ)،  
  • وَءَالَةُ تَذكِيَةٍ (أَي ءَالَةُ الذَّبحِ).

الرُّكنُ الأَوَّلُ: التَّذكِيَةُ (الذَّبحُ بِمَا يَشمَلُ القَتلَ فِي غَيرِ المَقدُورِ عَلَيهِ)

التَّذكِيَةُ إِمَّا أَن يَكُونَ فِي المَقدُورِ عَلى ذَبحِهِ أَو فِي غَيرِ المَقدُورِ عَلَيهِ. 

الرُّكنُ الثَّانِي: المُذَكِّي (الذَّابِحُ)

وَأَمَّا المُذَكِّي فَشَرطُهُ:

أَن يَكُونَ يُطِيقُ الذَّبحَ،

 وَأَن يَكُونَ مُسلِمًا أَو يَهُودِيًّا أَو نَصرَانِيًّا، فَأَهلُ الكِتَابِ إِنَّمَا يَحِلُّ لَنَا أَكلُ ذَبَائِحِهِم إِذَا ذَبَحُوا ذَبحًا شَرعِيًّا كَمَا نَذبَحُ نَحنُ أَمَّا إِن خَنَقُوا خَنقًا فَلا تَحِلُّ. وَكَذَلِكَ إِن ذَكَرُوا اسمَ غَيرِ اللَّهِ عِندَ ذَبحِهَا لا تَحِلُّ أَمَّا إِن قَالُوا بِسمِ اللَّهِ عِندَ ذَبحِهَا حَلَّت وَإِن كَانُوا فِي الحَقِيقَةِ هُم لا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ أَكلِ ذَبَائِحِهِم قَولُهُ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ [سُورَةَ المَائِدَة/5] أَي ذَبَائِحُهُم لِأَنَّ سَائِرَ الأَطعِمَةِ لا يَختَصُّ حِلُّهَا بِأَهلِ المِلَّةِ.

 وَأَمَّا مَن سِوَى أَهلِ الكِتَابِ مِنَ الكُفَّارِ كَالمَجُوسِيِّ وَالوَثَنِيِّ وَنَحوِهِمَا مِمَّا لا كِتَابَ لَهُ فَذَبِيحَتُهُم مَيتَةٌ وَلَو ذَبَحُوا كَمَا يَذبَحُ المُسلِمُونَ.

الرُّكنُ الثَّالِثُ: المُذَكَّى (الذَّبِيحُ)

وَأَمَّا المُذَكَّى فَشَرطُهُ:

  • أَن لَا يَكُونَ قُربَانًا لِغَيرِ اللَّهِ تَعَالَى،
  •  وَأَن يَكُونَ مِمَّا يَحِلُّ أَكلُهُ،
  •  وَأَن تَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُستَقِرَّةٌ وَعَلامَةُ استِقرَارِ الحَيَاةِ أَن تَشتَدَّ حَرَكَتُهُ بَعدَ الذَّبحِ أَو يَتَدَفَّقَ دَمُهُ. 

الرُّكنُ الرَّابِعُ: آلَةُ التَّذكِيَةُ (آلَةُ الذَّبحِ)

وَأَمَّا ءَالَةُ التَّذكِيَةِ فَشَرطُهَا:

أَن تَكُونَ مُحَدَّدًا أَي شَيئًا يَقتُلُ بِحَدِّهِ غَيرِ العَظمِ وَالظُّفرِ فَلا يَحِلُّ مَا ذُبِحَ بِالظُّفرِ وَالسِّنِّ وَغَيرِهَا مِنَ العِظَامِ لِمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا أَنهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ فَكُل لَيسَ السِّنُّ وَالظُّفرُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ وَأَمَّا الظُّفرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ». وَيَحِلُّ مَا ذُبِحَ بِحَدِيدٍ وَحَجَرٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَزُجَاجٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ لَهُ حَدٌّ فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ امرَأَةً ذَبَحَت شَاةً بِحَجَرٍ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكلِهَا لَكِن يُكرَهُ الذَّبحُ بِسِكِّينٍ كَالٍّ أَي ضَعِيفِ الحَدِّ. 

وَبِمَا تَقَدَّمَ عُلِمَ أَنَّ المَصعُوقَ بِالكَهرَبَاءِ إِذَا مَاتَ قَبلَ ذَبحِهِ لَم يَحِلَّ وَكَذَلِكَ لَو صَارَتِ الآلَةُ تَقطَعُ الحُلُقُومَ وَالمَرِيءَ وَحدَهَا بِوَاسِطَةِ تَحرِيكِ الكَهرَبَاءِ لَهَا مَثَلًا مِن غَيرِ أَن يُحَرِّكَهَا مُسلِمٌ أَو كِتَابِيٌّ لَم تَحِلَّ أَيضًا) (فَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذفِ لِكَونِهِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ لَا يَقتُلُ بِحَدِّهِ بَل بِثِقَلِهِ)، وَلَا يَنكَأُ العَدُوَّ (قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ: هُوَ بِفَتحِ اليَاءِ وَبِالهَمزِ فِي آخِرِهِ هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ أي المبالغة في الايذاء)، وإنَّهُ يَفقَأُ العَينَ (أَي يَقلَعُ العَينَ)، وَيَكسِرُ السِّنَّ (أَي: إِنَّهُ ضَرَرٌ لَا نَفعَ فِيهِ)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ قَرِيبًا لِابنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ فَنَهَاهُ، وَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذفِ (هُوَ نَهَاهُ وَأَخبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن هَذَا الفِعلِ، وَعِندَ أَصحَابِ الِاتِّبَاعِ لِلشَّرِيعَةِ المُلتَزِمِينَ بِهَا يَكفِي هَذَا التَّذكِيرُ لِاجتِنَابِ هَذَا الفِعلِ، وَاحِدٌ يَقُولُ لَكَ: الرَّسُولُ نَهَى عَن هَذَا الفِعلِ، يَنبَغِي أَن تَمتَثِلَ لِهَذَا الأَمرِ وَتَترُكَ المَنهِيَّ عَنهُ فَورًا)، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيدًا» (أَيِ: الخَذفَةُ لَا يَحصُلُ فِي الصَّيدِ كَمَا لَا يَحصُلُ مِنهَا مَصلَحَةٌ فِي الحَربِ) ثُمَّ عَادَ (أَيِ القَرِيبُ لِلخَذفِ بَعدَ سَمَاعِ ذَلِكَ)، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنهُ، ثُمَّ عُدتَ تَخذِفُ!؟ (مَعنَاهُ تُخَالِفُ السُّنَّةَ؟! وَهَذَا لِلإِنكَارِ عَلَيهِ وَالتَّعَجُّبِ مِن فِعلِهِ) لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.اهـ (قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ هِجرَانُ أَهلِ البِدَعِ وَالفُسُوقِ وَمُنَابِذِي السُّنَّةِ مَعَ العِلمِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ هِجرَانُهُ دَائِمًا وَالنَّهيُ عَنِ الهِجرَانِ فَوقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَن هَجَرَ لِحَظِّ نَفسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنيَا وَأَمَّا أَهلُ البِدَعِ وَنَحوُهُم فَهِجرَانُهُم دَائِمًا) 

(وَقَدْ دَأَبَ السَّلَفُ، وَكَثُرَتِ النُّقُولَاتُ عَنِ الْأَئِمَّةِ بِهِجْرَانِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْفَاسِدَةِ، أَيْ: الَّذِينَ ابْتَدَعُوا فِي الْعَقِيدَةِ شَيْئًا مُخَالِفًا لِعَقِيدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ صِفَاتِ اللهِ، وَالْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ تَقْدِيرَ اللهِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَكَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةِ، وَكَالْمُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ جِسْمٌ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَصِفُونَهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنْ كُلِّ هَؤُلَاءِ. فَهَؤُلَاءِ كَانَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ يَهْجُرُونَهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُونَهُمْ، وَيُجَانِبُونَهُمْ، وَلَا يُدَاهِنُونَ عَلَى حِسَابِ الدِّينِ كَمَا نَرَى وَنَسْمَعُ كَثِيرًا مِنَ الْمُدَاهِنِينَ لِهَؤُلَاءِ فِي زَمَانِنَا، يَأْتِي فَيُخَالِفُ الشَّرْعَ لِأَجْلِ إِرْضَاءِ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ. فَيَقُولُونَ: الْمُجَسِّمُ لَا يَكْفُرُ، هُوَ أَخْطَأَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ. وَبَعْضُهُمْ يُدَاهِنُ الْقَدَرِيَّةَ فَيَقُولُ: مَعَ كَوْنِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ مَا خَلَقَ الشَّرَّ، لَكِنَّهُمْ لَا يَكْفُرُونَ، بَلْ أَخْطَؤُوا فَحَسْبُ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ.اهـ 

لَمْ يَكُنْ هَذَا حَالَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ الْأَتْقِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَدْ كَتَبَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي مُجَانَبَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَبُغْضِهِمْ، وَمَوَدَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَحُبِّهِم، وَقَالُوا: فَلْتَكُنْ مُجَالَسَتُكَ وَمُخَالَطَتُكَ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَلَيْكَ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي طَرِيقِ السُّنَّةِ. فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئًا فَحَافِظْ عَلَى صَدِيقَكَ، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِمُبْتَدِعٍ فَقُلْ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدُ الْمَشْرِقَيْنِ.

وَقَالُوا: احْفَظْ لِسَانَكَ عَنِ الْكَذِبِ وَغِيبَةِ النَّاسِ، وَخُلُقَكَ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَدِينَكَ وَمَذْهَبَكَ عَنِ السُّوءِ وَالْبِدْعَةِ، وَلَا تُجَالِسِ الْمُبْتَدِعِينَ، وَلَا تُوَاصِلْهُمْ، وَلَا تُصَاحِبْهُمْ، وَلَا تَغْتَرَّ بِعِبَادَتِهِمْ -أَي فِيمَا يَظهَرُ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَعَنِ الْعَمَلِ، وَإِذَا خَلَصَ الِاعْتِقَادُ فَفِيهِ الِاعْتِمَادُ، وَالدِّينُ الْخَالِصُ أَنْ تَنْظُرَ فِيمَا أَمَرَكَ اللهُ فَتَأْخُذَ بِهِ، وَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَتَحْفَظَ هَدْيَهُمْ وَتَلْزَمَ سَمْتَهُمْ، وَلَا تُجَالِسْ أَحَدًا يُفْسِدُ عَلَيْكَ دِينَكَ، لِأَنَّ لِكَلَامِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الظَّاهِرِ لِلجُهَّالِ حَلَاوَةً وَطَعْمًا فِي الْحَلْقِ. 

فَإِنْ قِيلَ لَكَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْ: أَنَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّي خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَرَازِقُهُمْ وَمُحْيِيهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَعْرِفُونَهُ؟ فَقُلْ: بِلَا كَيْفٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ. فَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ. وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَحْتَرِمَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، فَإِنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ. وَمَنْ جَانَبَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ وَفَارَقَهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا، وَمَنِ احْتَرَمَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ قَبَّحَ اللهُ اسْمَهُ وَذِكْرَهُ، وَيَكُونُ عَلَى خَطَرِ الْهَلَاكِ.اهـ 

فَهِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمُجَانَبَتُهُمْ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَقَوْلُهُمْ فِيهَا هُوَ: اجْتِنَابُ الدَّاعِي إِلَى بِدْعَتِهِ. وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ الْحَافِظُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي كِتَابِهِ: اعْتِقَادُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ص ٧٨، حَيْثُ قَالَ: «وَيَرَوْنَ ‌مُجَانَبَةَ ‌الْبِدْعَةِ وَالْآثَامِ، وَتَرْكَ الْغِيبَةِ، إِلَّا لِمَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً وَهُوَ يَدْعُو إِلَيْهَا، فَالْقَوْلُ فِيهِ -أَيِ التَّحذِيرُ مِنهُ- لَيْسَ بِغِيبَةٍ عِنْدَهُمْ».اهـ وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الإِمَامِ الطَّبَرَانِيِّ مَا أَحسَنَ سِيرَتَهُ وَطَرِيقَتَهُ فِي ‌هِجرَانِ ‌أَهلِ ‌الْبِدَعِ، فَقَد هَجَرَ أَبَا عَلِيِّ بنِ رُستُم بَعدَ إِنعَامِهِ عَلَيْهِ؛ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ شَيءٌ مُنكَرٌ تُجَاهَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ.اهـ وَدَلِيلُ الفُقَهَاءِ عَلَى هَذَا قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الْأَنْعَام: 68]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الْكَهْف: 28]، وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ افْتِرَاقِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَظُهُورِ الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ فِيهِمْ، وَحَكَمَ بِالنَّجَاةِ لِمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ، وَسُنَّةَ أَصْحَابِهِ رضي الله عنهم، فَعَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إِذَا رَأَى رَجُلا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ مُعْتَقِدًا، أَوْ يَتَهَاوَنُ بِشَيْءٍ مِنَ السُّنَنِ أَنْ يَهْجُرَهُ، وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَيَتْرُكَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلا يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَلا يُجِيبَهُ إِذَا ابْتَدَأَ إِلَى أَنْ يَتْرُكَ بِدْعَتَهُ، وَيُرَاجِعَ الْحَقَّ.اهـ 

وَقَالَ أَبُو قِلابَةَ: لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ، أَوْ قَالَ: أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ: وَلا نِصْفِ كَلِمَةٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ سَمِعَ بِدْعَةً، فَلا يَحْكِهَا لِجُلَسَائِهِ، لَا يُلْقِيهَا فِي قُلُوبِهِم).

الحديث الأخير من هذا الباب

مَتنُ الحَدِيثِ الأَخِيرِ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ الحَدِيثُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَعَن عَابِسِ بنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقَبِّلُ الحَجَرَ يَعنِي: الأَسوَدَ – وَيَقُولُ: إِنِّي أَعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَعَن عَابِسِ بنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقَبِّلُ الحَجَرَ يَعنِي: الأَسوَدَ – وَيَقُولُ: إِنِّي أَعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ: وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: (رَأَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا) يَعنِي مُعتَنِيًا.اهـ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ.اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيضًا: وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرُ وَأَنتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ فَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَولَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ لَمَا فَعَلَهُ وَإِنَّمَا قَالَ وَإِنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ قُربَى الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِينَ كَانُوا أَلِفُوا عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ وَتَعظِيمَهَا وَرَجَاءَ نَفعِهَا وَخَوفَ الضُّرِّ بِالتَّقْصِيرِ فِي تَعْظِيمِهَا وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِذَلِكَ فَخَافَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنْ يَرَاهُ بَعْضُهُمْ يُقَبِّلُهُ وَيَعْتَنِي بِهِ فَيَشْتَبِهَ عَلَيْهِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ بِذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُ مَا شُرِعَ فِيهِ يَنْفَعُ بِالْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ وَأَنَّهُ حَجَرٌ مَخْلُوقٌ كَبَاقِي الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَأَشَاعَ عُمَرُ هَذَا فِي الْمَوْسِمِ لِيُشْهَدَ فِي الْبُلْدَانِ وَيَحفَظَهُ عَنهُ أَهلُ المَوسِمِ المُختَلِفُو الْأَوْطَانِ) (وَفِي تَقبِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلحَجَرِ الأَسوَدِ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِالأَمَاكِنِ المُبَارَكَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الحَجَرَ الأَسوَدَ حَجَرٌ مُبَارَكٌ أَصلُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَبِّلُهُ الرَّسُولُ ﷺ وَأَصحَابُهُ بَعدَهُ) (وَالتَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ مِنَ الخَيرِ فَالبَرَكَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الخَيرُ، وَالتَّبَرُّكُ جَائِزٌ بِقُيُودِهِ وَشُرُوطِهِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بِلَا غُلُوٍّ، وَكُتُبُ الحَدِيثِ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ كَالصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا طَافِحَةٌ بِأَدِلَّةِ جَوَازِ ذَلِكَ وَهَذَا فِعلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مَعَ آثَارِ نَبِيِّنَا ﷺ، فَقَد رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَن أَبِي مَودُودَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بنُ عَبدِ المَلِكِ بنِ قُسَيطٍ قَالَ: رَأَيتُ نَفَرًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا خَلَا لَهُمُ المَسجِدُ قَامُوا إِلَى رُمَّانَةِ المِنبَرِ القُرعَاءِ، فَمَسَحُوهَا، وَدَعَوا.اهـ وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كَانَ المَاءُ، مَاءُ غُسلِهِ ﷺ، حِينَ غَسَّلُوهُ بَعدَ وَفَاتِهِ، يَستَنقِعُ فِي جُفُونِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ عَلِيٌّ يَحسُوهُ»؛ أَي: يَشرَبُهُ أَثنَاءَ غَسلِهِم لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعدَ وَفَاتِهِ. وَفِي «العِلَلِ وَمَعرِفَةِ الرِّجَالِ» لِأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، قَالَ ابنُهُ عَبدُ اللهِ: سَأَلتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ مِنبَرَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَتَبَرَّكُ بِمَسِّهِ، وَيُقَبِّلُهُ، وَيَفعَلُ بِالقَبرِ مِثلَ ذٰلِكَ، أَو نَحوَ هٰذَا، يُرِيدُ بِذٰلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، فَقَالَ: لَا بَأسَ بِذٰلِكَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي «مُعجَمِ الشُّيُوخِ»: وَقَد سُئِلَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ عَن مَسِّ القَبرِ النَّبَوِيِّ وَتَقبِيلِهِ، فَلَم يَرَ بِذٰلِكَ بَأسًا، رَوَاهُ عَنهُ وَلَدُهُ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ. 

فَإِن قِيلَ: فَهَلَّا فَعَلَ ذٰلِكَ الصَّحَابَةُ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُم عَايَنُوهُ حَيًّا، وَتَمَلَّوا بِهِ، وَقَبَّلُوا يَدَهُ، وَكَادُوا يَقتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَاقتَسَمُوا شَعرَهُ المُطَهَّرَ يَومَ الحَجِّ الأَكبَرِ، وَكَانَ إِذَا تَنَخَّمَ لَا تَكَادُ نُخَامَتُهُ تَقَعُ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ، فَيَدلُكُ بِهَا وَجهَهُ، وَنَحنُ فَلَمَّا لَم يَصِحَّ لَنَا مِثلُ هٰذَا النَّصِيبِ الأَوفَرِ، تَرَامَينَا عَلَى قَبرِهِ بِالِالتِزَامِ، وَالتَّبجِيلِ، وَالِاستِلَامِ، وَالتَّقبِيلِ. أَلَا تَرَى كَيفَ فَعَلَ ثَابِتُ البُنَانِيُّ؟ كَانَ يُقَبِّلُ يَدَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَيَضَعُهَا عَلَى وَجهِهِ، وَيَقُولُ: يَدٌ مَسَّت يَدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهٰذِهِ الأُمُورُ لَا يُحَرِّكُهَا مِنَ المُسلِمِ إِلَّا فَرطُ حُبِّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، إِذ هُوَ مَأمُورٌ بِأَن يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَشَدَّ مِن حُبِّهِ لِنَفسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ.اهـ 

وَقَد رَوَى القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ، وَأَبُو حَيَّانَ فِي تَفسِيرِهِ، عَن عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ عَلَينَا أَعرَابِيٌّ بَعدَمَا دَفَنَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَرَمَى بِنَفسِهِ عَلَى قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحَثَا عَلَى رَأسِهِ مِن تُرَابِهِ، فَقَالَ: قُلتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَسَمِعنَا قَولَكَ، وَوَعَيتَ عَنِ اللهِ، فَوَعَينَا عَنكَ، وَكَانَ فِيمَا أنزَلَ اللهُ عَلَيكَ: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذنِ اللهِ، وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ، فَاستَغفَرُوا اللهَ، وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ، لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، وَقَد ظَلَمتُ نَفسِي، وَجِئتُكَ تَستَغفِرُ لِي، فَنُودِيَ مِنَ القَبرِ: أَنَّهُ قَد غُفِرَ لَكَ. وَرَوَى البَيهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الكُبرَى»، وَغَيرُهُ، عَن ابنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَا: كَانَ عِندَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِسكٌ، فَأَوصَى أَن يُحَنَّطَ بِهِ، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُوَ فَضلُ حَنُوطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن عِيسَى بنِ طَهمَانَ، قَالَ: «أَخرَجَ إِلَينَا أَنَسٌ نَعلَينِ جَردَاوَينِ لَهُمَا قِبَالَانِ»، فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ البُنَانِيُّ بَعدُ، عَن أَنَسٍ، أَنَّهُمَا نَعلَا النَّبِيِّ ﷺ. وَقَد كَثُرَ العُلَمَاءُ وَالشُّعَرَاءُ وَالفُقَهَاءُ، مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ، المُحِبِّينَ لِنَبِيِّهِم ﷺ، مِمَّن كَانَ يَذكُرُ نَعلَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَنظُمُ القَصَائِدَ لِذٰلِكَ، وَتَرَاهُ يُعَظِّمُهُ، وَيَتَبَرَّكُ بِهِ، وَيَعتَبِرُهُ أَغلَى مِن تِيجَانِ المُلُوكِ، وَهُوَ كَذٰلِكَ. وَقَد أَلَّفَ أَكثَرُ مِن وَاحِدٍ مِنهُم مُؤَلَّفًا خَاصًّا فِي نَعلِ النَّبِيِّ ﷺ، كَابنِ عَسَاكِرَ، وَالسُّلَمِيِّ، وَالسُّيُوطِيِّ، وَغَيرِهِمُ الكَثِير، أَلَّفَ فِي مَدحِ نَعلِ النَّبِيِّ ﷺ. وَإِذَا دَلَّ هٰذَا عَلَى شَيءٍ، فَإِنَّهُ يَدُلُّنَا عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِم، وَتَعظِيمِهِم لِنَبِيِّهِم ﷺ. وَقَد قَالَ شَيخُ الحُفَّاظِ زَينُ الدِّينِ العِرَاقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي أَلفِيَّةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي نَعلِ النَّبِيِّ ﷺ:

وَنَعلُهُ الكَرِيمَةُ المَصُونَه *** طُوبِى لِمَن مَسَّ بِهَا جَبِينَه

وَفِي تَاجِ العَرُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ: وَمِن أَغرَبِ مَا مَنَحَ اللهُ بِهِ المَجدَ (الفَيرُوزأَبَادِيّ) صَاحِبَ القَامُوسِ أَنَّهُ قَرَأَ بِدِمَشق بَينَ بَابِ النَّصرِ وَالفَرَجِ تُجَاهَ نَعلِ النَّبِيِّ عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ أَبِي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ جَهبَلٍ صَحِيحَ مُسلِمٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.اهـ وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَاصِمٍ الأَحوَلِ قَالَ رَأَيتُ قَدَحَ النَّبِىِّ ﷺ عِندَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَدِ انصَدَعَ فَسَلسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ وَهوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: لَقَد سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكثَرَ مِن كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ ابنُ سِيرِينَ إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلقَةٌ مِن حَدِيدٍ فَأَرَادَ أَنَسٌ أَن يَجعَلَ مَكَانَهَا حَلقَةً مِن ذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلحَةَ لاَ تُغَيِّرَنَّ شَيئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ.اهـ قَالَ العَينِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا يَشرَبُونَ مِن قَدَحِ النِّبِيِّ ﷺ، لِأَجلِ التَّبَرُّكِ بِهِ، أَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعدَ مَوتِهِ فَكَذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ. وَفِيهِ: أَنَّ الشُّربَ مِن قَدَحِهِ ﷺ وَآنِيَتِهِ مِن بَابِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ.اهـ

وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَذَكَرَ القُرطُبِيُّ فِي «مُختَصَرِ البُخَارِيِّ» أَنَّهُ رَأَى فِي بَعضِ النُّسَخِ القَدِيمَةِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ: رَأَيتُ هٰذَا القَدَحَ بِالبَصرَةِ، وَشَرِبتُ مِنهُ، وَكَانَ اشتُرِيَ مِن مِيرَاثِ النَّضرِ بنِ أَنَسٍ، بِثَمَانِمِائَةِ أَلفٍ». وَرَوَى الحَافِظُ النَّوَوِيُّ عَن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَأَوصَى أَن يُدفَنَ مَعَهُ شَيءٌ كَانَ عِندَهُ مِن شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَظفَارٍ مِن أَظفَارِهِ، وَقَالَ: إِذَا مِتُّ فَاجعَلُوهُ فِي كَفَنِي، فَفَعَلُوا ذٰلِكَ. وَفِي «تَغلِيقِ التَّعلِيقِ» لِلحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ فِي أَخبَارِ البُخَارِيِّ، مَا نَصُّهُ: (وَقَالَ وَرَّاقُهُ – أَي: كَاتِبُهُ – وَكَانَ مَعَهُ – أَي: البُخَارِيُّ – شَيءٌ مِن شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَلبُوسِهِ). وَقَالَ السَّهمُودِيُّ: وَنَقَلَ الطَّيِّبُ النَّاشِرِيُّ عَنِ المُحِبِّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقبِيلُ القَبرِ (أَي: قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ) وَمَسُّهُ، قَالَ: وَعَلَيهِ عَمَلُ العُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ.اهـ وَقَالَ المَردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ: يَجُوزُ لَمسُ القَبرِ (أَي: قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ) مِن غَيرِ كَرَاهَةٍ، وَقِيلَ: يُستَحَبُّ. وَقَالَ الرَّملِيُّ الشَّافِعِيُّ: إِن كَانَ قَبرَ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ أَو عَالِمٍ، وَاستَلَمَهُ، أَو قَبَّلَهُ بِقَصدِ التَّبَرُّكِ، فَلَا بَأسَ بِهِ. وَقَالَ القَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ: وَيَجُوزُ تَقبِيلُ القَبرِ (أَي: قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ) وَمَسُّهُ، وَعَلَيهِ عَمَلُ العُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَقَد أَجَازَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ التَّبَرُّكَ بِتُرَابِ القَبرِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَكرَمَ اللهُ بَعضَ الصَّالِحِينَ بِجَعلِ تُرَابِ قُبُورِهِم مِسكًا، أَو ذَا رَائِحَةٍ تُشبِهُ المِسك، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: أَخَذَ إِنسَانٌ قَبضَةً مِن تُرَابِ قَبرِ سَعدٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهَا، فَإِذَا هِيَ مِسكٌ.اهـ)